لهجة تحدٍّ لنتنياهو في الجلسة الأولى لمحاكمته

قد يتمكن من خوض الانتخابات العامة مرتين إذا طال أمد النظر في الاتهامات

نقل تلفزيوني مباشر من المحكمة العليا الإسرائيلية التي تنظر في قضايا فساد ضد رئيس الوزراء نتنياهو (إ.ب.أ)
نقل تلفزيوني مباشر من المحكمة العليا الإسرائيلية التي تنظر في قضايا فساد ضد رئيس الوزراء نتنياهو (إ.ب.أ)
TT

لهجة تحدٍّ لنتنياهو في الجلسة الأولى لمحاكمته

نقل تلفزيوني مباشر من المحكمة العليا الإسرائيلية التي تنظر في قضايا فساد ضد رئيس الوزراء نتنياهو (إ.ب.أ)
نقل تلفزيوني مباشر من المحكمة العليا الإسرائيلية التي تنظر في قضايا فساد ضد رئيس الوزراء نتنياهو (إ.ب.أ)

قررت المحكمة المركزية في القدس، أمس الأحد، التجاوب مع طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تأجيل التداول في قضايا الفساد الموجهة إليه في لائحة الاتهام، لعدة شهور قادمة مع إعفائه من حضور عدد من الجلسات الأولية.
وحسب خبراء يتابعون المحاكم الإسرائيلية فإن وتيرة مداولات المحكمة، التي أراد القضاة إنهاءها خلال سنتين يمكن أن تستغرق وقتا مضاعفا وأكثر. وقال متابعون للشؤون السياسية إن نتنياهو قد يخوض انتخابات عامة مرتين خلال هذه المدة. وسيدب اليأس في نفوس هيئة المحكمة لإنهاء المحاكمة بصفقة مع الادعاء، تقضي بالامتناع عن سجنه مقابل اعتزاله العمل السياسي.
وكان شارع صلاح الدين في القدس الشرقية المحتلة، حيث يقع مقر المحكمة، قد تحول إلى ثكنة عسكرية، منذ فجر أمس. فمن جهة خططوا لحراسة رئيس الوزراء، خصوصا أن المحكمة تقع في منطقة فلسطينية محتلة، ومن جهة ثانية يريدون حراسة القضاة الثلاثة وممثلة النيابة، الذين يتعرضون لتهديدات مباشرة على حياة كل منهم. وفي الوقت نفسه يتولون مهمة حفظ النظام، على أثر حضور عدد من الوزراء والنواب المتضامنين مع نتنياهو ومئات الصحافيين من مختلف أنحاء العالم ومئات المتظاهرين، ثلثاهم مؤيدون لنتنياهو يطالبون بإلغاء المحاكمة معتبرين أنها محكمة سياسية، هدفها إسقاط حكم اليمين، وثلثهم معارضون له يطالبون بإقالته وإرساله إلى السجن.
وقد حضر نتنياهو إلى المكان مباشرة من مقر الحكومة، بانتهاء جلستها العادية الأولى. ودخل من باب خلفي، قبل ساعة من موعد المحكمة. ثم فاجأ الصحافيين بطلب اللقاء بهم. وألقى خطبة فيهم هاجم فيها محاكمته. وقال: «هذه محاكمة سياسية نسجوا لي فيها ملفا جنائيا بغرض التخلص مني كرئيس حكومة قوي ومن حكم اليمين. إنّ من يحاكَمُ اليوم هو إرادة القضاء على إرادة الشعب واليمين. فما لم ينجح اليسار في فعله عبر صناديق الاقتراع، تأتي جهات في الشرطة والنيابة عبر التحالف مع صحافيي اليسار لفعله، عبر اختلاق ملفات لي».
وأضاف: «أنا أقف أمامكم صلباً ومرفوع الرأس، لأنني أتعرض لمحاكمة ميدانية نسج خيوط ملفاتها عصابة من اليساريين والموظفين في النيابة والشرطة والمستشار القضائي والصحافيين. التهمة الأساسية فيها أنني حظيت بتغطية إيجابية في الإعلام، مع أن هذا ليس صحيحا. لعلمكم، خلال 244 عاما من نشوء الديمقراطيات الحديثة، عند تأسيس الثورة الأميركية ودولة الولايات المتحدة العظيمة، لم يحصل أبداً أن وجّهت تهمة إلى أي شخص في الدنيا لأنه حصل على تغطية إعلامية إيجابية في وسيلة إعلامية. وفي حالتي، فإنّ التغطية لم تكن حتى إيجابية. أنا طالبت المحكمة بأن تبث وقائع الجلسات حتى يعرف الجمهور حقيقة ما يجري من تآمر على حكم اليمين». واتهم نتنياهو «قسما من الإعلام الإسرائيلي بأنه متحيز وغير محايد في هذه القضية، لذلك طلبت أن تنقل (الجلسات) مباشرة عبر الهواء كي يتمكن الرأي العام من الاستماع إلى كل شيء (مباشرة)، وليس بواسطة صحافيي البلاط التابع للنيابة».
وردد عدد من الوزراء والمسؤولين في الليكود هذه الاتهامات، فقال رئيس الكنيست، يريف لفين، «هذه نقطة قاع الحضيض التي وصلت إليها المنظومة القضائيّة في إسرائيل». وقال وزير المالية، يسرائيل كاتس: «هذه محاكمة سياسية بكل المقاييس هدفها إسقاط حكم اليمين». وقال وزير العلاقات بين الحكومة والكنيست، ديفيد أمسالم: «علينا أن نقولها بصراحة. هناك عصابة تعمل على إسقاط نتنياهو لإسقاط اليمين».
وقد هاجم رئيس المعارضة الإسرائيلية البرلمانية، ياير لبيد، رئيس حزب «يوجد مستقبل» نتنياهو ووزراءه على هذا الخطاب، وقال إن «الرجل يدير محاكمة للمحكمة ويجعل الفاسد المتهم قاضيا». وقال: «ينتابني شعور مزدوج من الخجل والاعتزاز. من جهة رئيس الوزراء الإسرائيلي متهم بالفساد ومن جهة ثانية القضاء يجرؤ على محاكمته. ولكن ليس هذا فحسب. هناك شيء خطير يحصل لنا. نتنياهو يظهر بوقاحة في محاكمة ضد المحكمة متظاهرا بأنه بريء وأن هناك من ينسج له ملفا وقضية. فمن الذي نسج الملف؟ الشرطة التي كان نتنياهو هو الذي عين المفتش العام لها (روني الشيخ). والنيابة التي هو الذي عين رئيسها (شاي نتسان). والمستشار القضائي للحكومة الذي عمل إلى جانبه كسكرتير للحكومة ثم هو الذي عينه بنفسه، أبيحاي مندلبليت. إن نتنياهو يسخر من الناس ويتعامل معنا كأننا بلهاء».
وشهدت ساحة المحكمة مظاهرتين، واحدة مؤيدة لنتنياهو وأخرى معارضة. كما جرت مظاهرات أخرى ضد نتنياهو في عدة مدن. واتهم العديد من رجال القضاء السابقين نتنياهو بأنه «يدير حملة إرهابية لإخافة القضاة». وقال يوآف سيجالوفتس، نائب المفتش العام للشرطة سابقا: «هذا يوم حزين مرتين، أولا لأن رئيس الحكومة فاسد ومتهم بتلقي الرشى. والثانية لأنه يخاف أن يحكموا عليه بالعدل».
وأما في المحكمة فقد حرص نتنياهو على أن يظل واقفا ولا يجلس في قفص الاتهام، إلى حين خرج الصحافيون ودخل القضاة. وطلبت رئيسة الهيئة القضائية من نتنياهو أن يبلغ المحكمة إذا كان قرأ لائحة الاتهام وفهم محتواها. فأجاب بالإيجاب. وبدا في قاعة المحكمة شخصية أخرى مختلفة عن شخصية السياسي الذي يهاجم القضاء ويتهم بنسج ملف ضده. وقال للقاضية إنه سيلتزم بأوامر المحكمة وقراراتها على طول الطريق. وطلب محاموه أن يعطوا مهلة كافية لقراءة وثائق القضية فسألت: كم من الوقت تحتاجون. فأجابوا: أنت قرري. فإذا منحتنا نصف سنة نكون شاكرين. فوافقت على المبدأ وقالت إنها ستبلغ المحامين بقرارها لاحقا.


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

قلق أميركي «بالغ» إزاء تجربة صاروخية صينية

عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
TT

قلق أميركي «بالغ» إزاء تجربة صاروخية صينية

عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)

أعربت الولايات المتحدة، الاثنين، عن «قلقها البالغ» بعد إجراء الصين تجربة لإطلاق صاروخ «استراتيجي» يحمل رأساً حربياً وهمياً من غواصة في المحيط الهادئ.

وجاء في بيان لوزارة الخارجية الأميركية: «في وقت تبذل الولايات المتحدة جهوداً حثيثة أكثر من أي وقت مضى لمنع الانتشار النووي، تقوم الصين بالعكس تماماً. إن التوسع السريع والمبهم لترسانة بكين النووية يشكل مصدراً لقلق بالغ للمنطقة وللعالم».

وأعلنت بكين أن إحدى غواصاتها أجرت، الاثنين، تجربة لإطلاق الصاروخ. ونفّذت الصين هذا العرض النادر لقوتها العسكرية في اليوم نفسه الذي وقّعت فيه أستراليا وفيجي اتفاقاً دفاعياً مهماً يعزز تعاونهما، في وقت تسعى كانبيرا لمواجهة طموحات الصين إلى توسيع نفوذها في منطقة جنوب المحيط الهادئ ذات الموقع الاستراتيجي.

وجاءت تجربة، الاثنين، بعد عامين من إطلاق «قوة الصواريخ» الصينية النخبوية رأساً حربياً وهمياً في البحر بالقرب من بولينيزيا الفرنسية في سبتمبر (أيلول) 2024، في أول عملية إطلاق لصاروخ بعيد المدى فوق المياه الدولية منذ أكثر من 40 عاماً، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الناطق باسم البحرية الصينية وانغ شيويه منغ إن «غواصة نووية استراتيجية تابعة لبحرية جيش التحرير الشعبي الصيني أطلقت بنجاح في الساعة 12:01 من ظهر السادس من يوليو/تموز... صاروخاً استراتيجياً يحمل رأساً حربياً تدريبياً نحو أعالي البحار بالمحيط الهادئ»، موضحاً أنه «سقط بدقة في المنطقة البحرية المحددة».

وأشار الناطق باسم البحرية الصينية إلى أن «عملية إطلاق الصاروخ التجريبية هذه تُعد إجراءً روتينياً ضمن التدريبات العسكرية السنوية للصين، وقد جرى إخطار الدول المعنية مسبقاً».


كندا تختار «تيسن كروب» الألمانية لبناء 12 غواصة

رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
TT

كندا تختار «تيسن كروب» الألمانية لبناء 12 غواصة

رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)

اختارت كندا، يوم الاثنين، شركة «تيسن كروب مارين سيستمز» الألمانية لبناء 12 غواصة، في واحدة من أكبر صفقاتها العسكرية، وذلك في إطار تعزيز إنفاقها الدفاعي لتحقيق أهداف حلف الناتو.

جاء هذا القرار قبل توجه رئيس الوزراء مارك كارني إلى قمة الناتو هذا الأسبوع، حيث يواجه الحلفاء ضغوطًا لدعم زيادة الإنفاق الدفاعي بخطط عملية. وقال كارني: «في إطار التزاماتنا بالدفاع عن كندا ودعم حلفائنا، يسعدني أن أعلن أن كندا اختارت شركة تيسن كروب مارين سيستمز كمورد مفضل لمشروع غواصات الدورية الكندية».

وقد تفوقت الشركة الألمانية على شركة «هانوا أوشن» الكورية الجنوبية للفوز بالعقد. وأوضحت تيسن كروب أن غواصاتها ستعزز قابلية التشغيل البيني، نظرًا لأن العديد من حلفاء الناتو يستخدمون بالفعل سفنها التقليدية.

وكان كارني قد تعهد برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بعد أن حققت كندا هدف الناتو السابق البالغ 2% هذا العام.


تقرير: الفضاء والذكاء الاصطناعي بدلاً من الترسانات النووية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

تقرير: الفضاء والذكاء الاصطناعي بدلاً من الترسانات النووية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

لم تعد الترسانات النووية، كما في حقبة الحرب الباردة، هي محور التوازنات العسكرية الدولية. فالعالم اليوم يشهد تحوّلاً جذرياً نحو سباقٍ جديد تقوده تقنيات ناشئة، مثل الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي، وأسلحة الفضاء، والطائرات المسيّرة، في مشهدٍ يضخ فيه كبار اللاعبين تريليونات الدولارات؛ أملاً في انتزاع تفوقٍ استراتيجي يصعب كسره. وفقاً لشبكة «بلومبرغ».

وحسب التقرير، فإن هذا التحوّل يتجسّد بوضوح في التجربة اليومية لعائلة دوڤهانيك الأوكرانية، التي تعيش واقعاً قاسياً يعكس ملامح الحرب الجديدة. ففي منزلهم القريب من موقع مصنع سوفياتي سابق ومعهد كييف للطيران في غرب العاصمة، تتداخل تفاصيل حياتهم اليومية مع أصوات الانفجارات الناتجة من صواريخ فرط صوتية، من بينها صواريخ «زركون» التي استهدفت حيّهم، والذي يضم أيضاً مستشفى أوخماتديت للأطفال، حيث يعمل زوج أندريانا دوڤهانيك.

وتقول أندريانا: «عندما سقط الصاروخ على أوخماتديت، قذف عصف الانفجار زوجي في الهواء... وهو ما خلّف شعوراً دائماً بالقلق وأثراً نفسياً من أي انفجار محتمل».

هذه الشهادة الإنسانية تختصر جانباً من سباق تسلّح جديد باتت فيه التقنيات المتقدمة في صميم الاستراتيجيات العسكرية العالمية، مع استثمارات ضخمة تُوجَّه نحو الطائرات المسيّرة، والصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وغيرها من أدوات الحرب الحديثة التي يُنظر إليها بصفتها محددات الحروب المقبلة.

سباقٌ يتجاوز تريليونَي دولار

تقديرات الإنفاق العسكري العالمي على هذه التقنيات تتجاوز تريليونَي دولار عبر ثلاث قارات، في مشهد يعيد إلى الأذهان سباق التسلح النووي خلال الحرب الباردة، حين تنافست الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على بناء ترسانات هائلة من الأسلحة النووية.

لكن هذه المرة، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، مع تعدد اللاعبين وتداخل التقنيات، في ظل يقين واحد فقط: أن التخلف عن هذا السباق قد يكون مكلفاً إلى حدٍ كارثي.

وتحتفظ روسيا بما تعدّه أفضلية ميدانية في مجال الصواريخ فرط الصوتية، بينما ترتبط الصين بشكل وثيق بمختبرات الذكاء الاصطناعي والتطوير التقني العسكري، في حين راكمت الولايات المتحدة خبرة تشغيلية أولى لهذه التقنيات في ساحات القتال. أما أوروبا، فرغم امتلاكها موارد كبيرة، فإنها لا تزال تعاني ضعف التنسيق بين دولها.

وفي ظل هذا التنافس، تتآكل تدريجياً منظومة اتفاقات الحد من التسلح التقليدية، بما في ذلك معاهدات الأسلحة الاستراتيجية، في وقت تتسارع فيه جهود الدول الكبرى لتطوير ما يُنظر إليه على أنه تفوقٌ قاتل غير قابل للاحتواء.

وتقول مسؤولة الدفاع الأميركية السابقة سيليست والندر: «هناك بالفعل سباق تسلح يحدث، حتى لو لم نسمّه كذلك، وهو سباق متعدد الأبعاد... وعلى القوى الكبرى أن تحدّد أين تضع أولوياتها».

الولايات المتحدة والصين في قلب المنافسة

تتصدر الولايات المتحدة والصين مشهد هذا السباق التكنولوجي العسكري. إذ تخطط إدارة الرئيس دونالد ترمب لإنفاق نحو 1.5 تريليون دولار على الدفاع في ميزانيتها المقبلة، في حين تُقدّر النفقات العسكرية الصينية بنحو 500 مليار دولار، مع وجود استثمارات إضافية عبر تداخل القطاعين العام والخاص.

قفزة في إنفاق الدفاع العالمي

منذ غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، شهدت أسهم شركات الدفاع العالمية ارتفاعاً ملحوظاً، في انعكاس مباشر لتسارع الطلب على الأنظمة العسكرية المتقدمة.

وفي أوروبا، ورغم محدودية القدرة على مجاراة الإنفاق الأميركي والصيني، فقد ارتفع إجمالي ميزانيات الدفاع إلى نحو 600 مليار دولار في 2025، مع تسجيل نمو ملحوظ في مجالات الدفاع الجوي والمدفعية والطائرات المسيّرة.

أما روسيا، فقد ضاعفت إنفاقها العسكري ثلاث مرات بين 2022 و2025 ليصل إلى نحو 176 مليار دولار، في ظل ضغوط الحرب في أوكرانيا. ودعا الرئيس فلاديمير بوتين إلى تسريع تطوير أنظمة تسليم نووية وتقليدية جديدة، مع تركيز متزايد على الفضاء والذكاء الاصطناعي.

روسيا: رهانات على الردع المتقدم

تسعى موسكو إلى تعزيز مكانتها عبر تطوير منظومات هجومية متقدمة، من بينها صاروخ «كينجال» الذي تقول إنه يصل إلى 10 أضعاف سرعة الصوت، إضافة إلى أنظمة مثل «بوريڤيستنيك» النووي وطوربيد «بوسيدون».

كما تُعدّ صواريخ «كينجال» و«زركون» من بين الأنظمة فرط الصوتية القليلة التي تم استخدامها عملياً في القتال.

نظم الذكاء الاصطناعي تُزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني

الصين: دمج مدني وعسكري واسع

في المقابل، تواصل الصين توسيع استثماراتها في الصواريخ فرط الصوتية، عبر أنظمة مثل «DF-17 وDF-27 وYJ-21»، إلى جانب تطوير قدرات مضادة للأقمار الاصطناعية قادرة على الوصول إلى ارتفاعات شديدة التعقيد.

ويُتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الصيني بنحو 7 في المائة هذا العام ليصل إلى قرابة 400 مليار دولار، مع استمرار غياب الشفافية حول الأرقام الحقيقية.

وتعتمد بكين على نموذج الدمج «العسكري المدني»، الذي يسمح بتوظيف شركات مدنية في تطوير تقنيات ذات استخدامات عسكرية، خصوصاً في مجالات الحساسات والمواد المتقدمة.

الولايات المتحدة: الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

في المقابل، تركز واشنطن على توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، بما في ذلك دعم التخطيط الجوي وتنسيق الضربات.

كما تعمل على دمج أنظمة الاستشعار الفضائية مع أنظمة اعتراض الصواريخ الأرضية؛ بهدف تسريع اتخاذ القرار في مواجهة التهديدات فرط الصوتية.

ورغم ذلك، لا تزال الولايات المتحدة في مراحل تطوير مبكرة لأسلحتها فرط الصوتية، حيث لا تزال مشاريع مثل «Dark Eagle» قيد الاختبار، إلى جانب مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي، الذي قد تتجاوز تكلفته تريليون دولار.

أوروبا: قدرات كبيرة وتحديات تنسيقية

تملك أوروبا قاعدة صناعية وعلمية قوية، إلا أن غياب التنسيق السياسي يحدّ من قدرتها على المنافسة المباشرة.

ومع ذلك، يتزايد التركيز الأوروبي على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة كبدائل أكثر مرونة من الأسلحة التقليدية.

مستقبل الحرب: الذكاء الاصطناعي حاسماً

يرى خبراء أن الذكاء الاصطناعي قد يشكّل العامل الحاسم في هذا السباق، ليس لقدرته التدميرية المباشرة، بل لما يتيحه من سرعة في اتخاذ القرار وتفوق في التنبؤ بساحة المعركة.

لكن في المقابل، يحذّر آخرون من أن سهولة تطوير هذه التقنيات مقارنة بالأسلحة النووية قد تجعل بيئة الصراع أكثر هشاشة وأقل قابلية للسيطرة.