جماليات الظل... عندما يتوارى الفنانون

مجموعة صغيرة لكن عالية التأثيرات تفضّل أن تتحدث أعمالها عن نفسها

جماليات الظل... عندما يتوارى الفنانون
TT

جماليات الظل... عندما يتوارى الفنانون

جماليات الظل... عندما يتوارى الفنانون

في هذه الأيام يُتوقع من الفنانين في كل المجالات أن يكونوا مستعدين للاستهلاك العام. غير أن مجموعة صغيرة وعالية التأثير منهم اختارت أن تتوارى عن المجتمع مفضّلة أن تدع أعمالها تتحدث عن نفسها. ماذا يعني ألا يكون المرء قريب المتناول في عصر التشارك المكثف؟
بالنسبة لأولئك منّا الذين بلغوا من العمر ما يجعلهم يتذكرون عصراً لم نحتج فيه إلى أن نفسر وجودنا على شبكات التواصل الاجتماعي، عندما كان يمكننا أن نحضر حفل عشاء دون أن تُلصق صورُنا مثل الوعول في «إنستغرام» شخص ما، حين كانت الخصوصية تُحترم وكان للمعاني العميقة فسحة كافية لتتجذر وتزهر، ليس من المدهش أن نرى الفنانين يهربون من ضجيح الحياة العامة. كيف يمكننا أن ننظر ونستمع إذا كنا مشغولين بنظر الناس واستماعهم إلينا؟
لقد اكتسب الفن، كما كتبت سوزان سونتاغ في مقالة تعود لعام 1967 عنوانها «جماليات الصمت»، صفة روحية في ثقافة علمانية، صار مكاناً لمحاسبة المشروع الإنساني ومساءلته وربما حتى تجاوزه. الإبداع، بتعبير آخر، لا يتعلق فقط بالتعبير الذاتي؛ إنه أيضاً عالم من الضبابية، يرضي «حنيننا إلى غيمة اللامعرفة فيما وراء المعرفة، إلى الصمت فيما وراء الكلام». الصمت جزء أساس من العملية الإبداعية، فهو يفتح فضاء للتأمل. تقول سونتاغ: «بقدر ما أن الفنان جاد فإن ثمة ما يغريه باستمرار بأن يوقف حواره مع الجمهور». الانسحاب من الحياة العامة هو «إيماءة الفنان القصوى خارج هذا العالم: بالصمت يحرر نفسه من قيد الخضوع للعالم الذي يبدو كراعٍ، عميل، زبون، ضد، حكم، ومشوّه لعمله».
يسن الفن القوانين ما بين منطقتي الخاص والعام؛ لقد كان في الغالب نوعاً من الاختباء في العلن، مكاناً للهويات المرمزة، للمبهم من الغنائية. يرى مارسيل بروست أن «ما يمكّننا من النظر عبر أجساد الشعراء ويتيح لنا رؤية أرواحهم، ليس عيونهم، ولا أحداث حياتهم، وإنما هي كتبهم، وبالذات حيث تود أرواحهم، برغبة غريزية، أن تخلد». ولذا فإن من المناسب أن تعجب سونتاغ، وهي الناقدة الصريحة والروائية، بهذه التوترات: حاجة الفنان إلى التجريدات والغموض، رغبة الناقد في التوضيح.
أنها كتبت هذا قبل انفجار عالم الفن، قبل أن يؤلّه الفنانون ويصوروا كما لو كانوا منقذين لعالم مكسور، قبل أن ننظر إليهم ليس بحثاً عن الجمال والإلهام والتوكيد فحسب وإنما عن شكل من أشكال النقد الذاتي، له صلة وثيقة بالتأكيد بعلاقتها بالنجوم. لقد عرفت سونتاغ، وهي واحدة من آخر المثقفين العامين حتى وفاتها عام 2004، وبشكل مباشر ثمن ذلك الاهتمام: أي تشتيت للانتباه يمكن لذلك أن يكون؛ إلى جانب خطورة الرقابة الذاتية بغية النفخ في صورة الذات. (حتى بعد رحيل سونتاغ، انتقدها كاتب سيرتها بنجامين موزر، في «سونتاغ: حياتها وأعمالها» 2019 لأنها لم تتحدث علناً عن ميولها الجنسية في أثناء أزمة الإيدز).
اليوم نتوقع من الفنانين أن يقوموا بدور في الحياة العامة، أن يذعنوا للمقابلات وملفات المجلات ليشرحوا ويبرروا عملهم، أن يحضروا حفلات الافتتاح بملابس باذخة، أن يتحدثوا بقوة وبتفصيل حول النسوية والعنصرية وغياب العدالة الاجتماعية وآخر الكوارث سواء كانت سياسية أو بيئية.
ومع ذلك ظل هناك دائماً عالم ظل صغير وقوي لمبدعين نجحوا في مخادعة التوقعات العامة بدرجات متفاوتة، متجنبين الصحافة المدققة وجولات الكتب بينما يظل الشعور قوياً بتأثيرهم. بعضهم حقق ذلك باللجوء لأسماء مستعارة، بينهم بانكسي وإلينا فيرانتي التي كتبت بكثافة عن التحرر الذي عثرت عليه بفصل صورتها العامة عن عملها. آخرون وظّفوا ذواتهم البديلة لإيصال رسائلهم، مثل ديفيد باوي الذي تبنى شخصية زغي ستاردكت، وهو مغني روك غريب يأتي إلى الأرض برسالة أمل وينتهي بأن يقضي عليه معجبوه وشطحاته. إنها إحدى التعليقات الموسيقية العظيمة على الشهرة، تعليقة أبدعت في زمن كان فيه باوي نفسه يدمر نفسه في ضوء الشهرة.
بوصفي ناقداً يتمحور عمله على فكرة أن هناك الكثير من القيمة التي يمكن تعلمها من السياقات الخاصة، سواء كانت شخصية أو غير ذلك، سياقات يصنع فيها الفن، أجد نفسي أتنقل بين نزعتين: الرغبة في الاقتراب من تلك الحقائق الصعبة وفهم الثمن الحقيقي للانكشاف. أود حماية منابع الإلهام، تلك الخواطر الرومانسية «القادمة من عزلة أعمق» بتعبير وردزورث، بينما أتيح فضاء لذلك النوع من القص القوي والممكن في الفن، القصص التي كثيراً ما تسعى هذه الأيام لملء الفراغ التاريخي.
نادر في الحقيقة هو الفنان الذي ينجح في الفصل التام بين الهوية الشخصية والعمل، مثلما فعل مارتن مارغييلا، أحد أكثر المصممين تأثيراً على الإطلاق على الرغم من حقيقة أن قلة من أهل الأزياء يعرفون شكله. صار اسمه كناية عن الهدوء الطليعي. في الفنون الجميلة غالباً ما يفسَّر الانسحاب من الحياة العامة بأنه امتداد لمشروع فني، كما حدث حين أخذ الفنان المفاهيمي لي لوزانو عملاً دشامبياً (نسبةً إلى مارسيل دشامب) وانسحب «بقطعة ساقطة» نحو عام 1970 رافضة الاتصال بأصدقاء قدامى وشركاء، راسمة بشكل أساسي إطاراً حول غيابها، مدونة في مذكراتها أن ذلك كان «أصعب عمل قمت به» لأنه «يتضمن تدميراً للعادات العاطفية القوية (أو على الأقل فهماً تاماً لها)». كادي نولاند، التي لا تزال واحدة من أعلى الفنانات الأحياء في المبيعات، توقفت عن عرض أعمالها نحو عام 2000 بل وأخذت في التنكر لبعضها: في عام 2011 أعلنت أنها تخلت عن شاشة حرير فيها تلف تعود للعام 1990 اسمها «رعاة بقر يحلبون»؛ في عام 2014 كان دور عملها النحتي «واجهة كوخ خشبي» التي تعود لعام 1990 والتي أُعيد ترميمها بصورة مكثفة من دون موافقتها أو حتى استشارتها.
مغادرة هؤلاء النساء، مثل الفنانة التدخلية لوري بارسونز، التي تركت حياتها الفنية لتصير ناشطة اجتماعية، لا تبدو كما لو كانت «إيماءة زهد قصوى» بقدر ما هي شكل من أشكال المقاومة لعالم فنون أبوي يهيمن عليه اقتصاد السوق.
لكن قلة من الفنانين نجحوا في هذا النوع من الرفض بوصفه احتجاجاً كما نجح ديفيد هامونز، الذي يعد من أكثر الفنانين المعاصرين تقديراً على الرغم من حقيقة أنه من النادر أن يقبل بإجراء حوار (يشبهها باستجوابات البوليس) أو أن يحضر افتتاح أعماله. لقد نظر إلى هذا أيضاً وعلى نطاق واسع على أنه إيضاح لغرور العالم الفني الذي يهيمن عليه البيض، لكن الفنان، وهو أسود، ذكر أنه أكثر حرصاً على خصوصيته من أن يتحدث عن مصادر أعماله، إنه إن فعل ذلك فسيشعر كما لو كان ذلك إساءة جسدية.
إن هامونز شهير بما يكفي ليدع عمله يتحدث عن نفسه، على عكس الكاتب توماس بينشن الذي لم تقلل انعزاليته من مكانته وتأثيره على الأدب الأميركي (ربما العكس هو الصحيح). ومع ذلك فإن الانسحاب من الحياة العامة بشكل تام لا يخلو من مخاطر: ففي مقابل كلٍّ بنشن أو غريتا غاربو أو هامونز هناك شخص مثل لي بونتيكو التي كانت من أكثر الأسماء الفنية إثارة في ستينات القرن الماضي قبل أن تترك نيويورك في أوائل السبعينات وتتوارى عن الأنظار.
لقد عرفت بونتيكو، وهي أول امرأة يمثلها صاحب المعارض القوي ليو كاستيلي، بأصالتها المذهلة، نتوءاتها الجدارية المصنوعة من الفولاذ والقماش؛ اتسم أغلبها بموتيف الثقب الأسود. في ذلك الوقت بدا كأنها تقريباً اختفت في أحد أعمالها في حين أنها في الحقيقة تركت المدينة مع زوجها وابنتها (واستمرت تدرّس في كلية بروكلين على مدى العقدين التاليين). لم تتوقف أبداً عن صنع الأعمال الفنية، كما يتضح من معرض عام 2003 في متحف هامر التابع لجامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس: على مدى ثلاثة عقود من العزلة النسبية تطور عملها إلى منحوتات مرهفة وعالية التركيب توحي بأجسام سماوية، وأنظمة شمسية وخرائط النجوم.
إن من الصعب تصور أنه من دون تلك الفترة من الانعزال أن الأمور كانت ستبدو كما بدت. قصتها تقول لَكم هي اعتباطية –وعديمة القيمة– أوسمة الاحتفاء الجماهيري حين يتصل الأمر بالإبداع نفسه. والأمر كما قالت الفنانة نفسها في حديثها لآن فيلبن، مديرة معرض هامر: «لم أترك عالم الفن أبداً. أنا في عالم الفن الحقيقي».
كم نحتاج حقيقة إلى أن نعرف عن الفنانين الذين نعجب بهم؟ لقد فكرت بهذا مؤخراً وأنا أقرأ ملفاً نشرته مجلة «بتشفورك» حول دان بيجار صاحب العمل الموسيقي «دستروير»، الذي يقول إن أفضل عروضه كانت تنتج عن التفاتته بعيداً عن الجمهور باتجاه فرقته الموسيقية. قال: «حين أكون واحداً من الجمهور في كل ما شاهدت من العروض فإن ما أتمناه هو فقط أن أصاب بالحيرة. ذلك كل ما أريد من الفن. أربِكْني، أوقِفْني في طريقي. ليس من الضروري أن نمضي عبر شيء ما معاً».
لكن من المؤكد أننا نمضي عبر شيء ما معاً – أو على الأقل تلك هي التعويذة التي تلقيها الأغنية أو الرواية أو الفيلم الذي «نحب»: إن اللغة ذاتها التي نستعمل للحديث عن الفن توحي بالرومانسية. إن من الصعب عليّ –وأنا أسمع الصوت، أقرأ الكلمات– ألا أشعر بارتباط بالشخص الذي يقف خلف العمل الإبداعي الذي ينجح بإرباكي حقاً. تجربة الفن هذه، مثل الحب، تجربة نادرة وحقيقية ورائعة وفي نهاية المطاف غير قابلة للتحديد؛ هي مثل الحب نحس بها بشكل خاص من حيث هي ذاتية المصدر ومع ذلك مؤكَّدة علناً من خلال ثقافتنا. وهكذا نسعى لمعرفة المزيد، ربما لنجد أنفسنا في حكاية الفنان ونصير جزءاً من غموضها. نقول إن مما يستحق المخاطرة أن نفك اللغز.
- {نيويورك تايمز تي ماغازين}



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».