محكمة عدل الجمهورية تنظر في دعاوى ضد وزراء فرنسيين على خلفية أزمة «كورونا»

عقب تقديم شكاوى حول إدارتهم للوباء و«فشلهم» في حماية المواطنين

محكمة عدل الجمهورية تنظر في دعاوى ضد وزراء فرنسيين على خلفية أزمة «كورونا»
TT

محكمة عدل الجمهورية تنظر في دعاوى ضد وزراء فرنسيين على خلفية أزمة «كورونا»

محكمة عدل الجمهورية تنظر في دعاوى ضد وزراء فرنسيين على خلفية أزمة «كورونا»

يوفّر الدستور الفرنسي حصانة تامة ومطلقة لرئيس الجمهورية خلال ولايته. ولكن ليست هذه حال رئيس حكومته ولا وزرائه الذين يمكن أن يمْثلوا أمام محكمة عدل الجمهورية لمحاسبتهم على قراراتهم وأعمالهم خلال قيامهم بوظائفهم. وهذا الوضع يطأ بثقله عليهم بالنظر إلى المسؤوليات التي يتحملونها في مواجهة وباء «كورونا». وحتى اليوم، تم تقديم ما لا يقل عن 71 دعوى ضد رئيس الحكومة وعدد من الوزراء المعنيين، على رأسهم وزير الصحة الحالي أوليفيه فيران، والوزيرة السابقة أنييس بوزين، إضافة إلى وزراء الداخلية والعدل والشؤون الاجتماعية.
بدايةً، تتعين الإشارة إلى أن فرنسا تأتي في المرتبة الرابعة عالمياً لجهة أعداد الوفيات التي وصلت، عصر أول من أمس، إلى 28215 وفاة، بينهم ما يزيد قليلاً على 17 ألف ضحية في المستشفيات والضحايا الأخرى في مآوي العجزة والبنى الصحية الأخرى. ومن جهة أخرى، بلغت أعداد المصابين بالوباء للفترة نفسها 145 ألفاً، ما يجعل من فرنسا البلد السابع في العالم لجهة الإصابات. إلا أن الخبراء يرون أن السبب في «ضعف» هذه الأعداد مردّه إلى أن السلطات الفرنسية لم تدأب على إجراء اختبارات الإصابة على نطاق واسع، كما في ألمانيا مثلاً، كما أنّهم يقدّرون استناداً إلى المقارنة بين إحصائيات الوفيات للعام الماضي وللفترة نفسها وبين إحصائيات العام الجاري أن أعداد وفيات «كوفيد - 19» أكثر بكثير من الأرقام الرسمية.
في شهر مارس (آذار) الماضي، تقدم تجمع «سي 19» المشكل من 600 طبيب وناشط في الحقل الصحي بشكوى أولى أمام محكمة عدل الجمهورية ضد رئيس الحكومة ووزيري الصحة الحالي والسابقة بتهمة التقصير في إدارة أزمة الوباء، وبالكذب بالاستناد إلى تصريحات وزيرة الصحة السابقة بأنها نبهت، منذ 20 ديسمبر (كانون الأول) الإدارة الصحية ثم في 11 يناير (كانون الثاني) رئيس الجمهورية، ولاحقاً رئيس الحكومة من «التسونامي» الوبائي الذي سيضرب فرنسا. كذلك، حذرت من تبعات إجراء الدورة الأولى للانتخابات المحلية في 15 مارس. وأمس، أعلن رئيس الحكومة، بعد كثير من المشاورات والتردد، أن الدورة الثانية ستجرى في 28 يونيو (حزيران) القادم.
كانت شكاوى التجمع الطبي أول الغيث، حيث انهالت بعدها الشكاوى والدعاوى أمام محكمة عدل الجمهورية ووصلت حتى اليوم إلى 71 دعوى، منها أربعة ضد الرئيس إيمانويل ماكرون والكثير منها تتناول رئيس الحكومة إدوار فيليب، إما منفرداً وإما مع وزراء آخرين. وفي التفاصيل، ثمة دعويين ضد وزيري الصحة «الحالي والسابقة»، و18 دعوى ضد وزيرة العدل نيكول بيلوبيه بسبب إدارتها للوباء في السجون. ومصدر الشكاوى، في حالة بيلوبيه، النقابات التي تمثل الحراس والعاملين في هذه الأماكن.
ولم يسلم وزير الداخلية كريستوف كاستانير، ووزير الدولة للشؤون الأمنية لوران نونيز، من الدعاوى بسبب إجراء الدورة الأولى من الانتخابات المحلية، وما يظن أنه تسبب بوفيات وإصابات بين المقترعين وأيضاً بين من عملوا على حسن سير العمل في المكاتب الانتخابية. كما لم يسلم وزير الخارجية جان إيف لو دريان، من الشكاوى، بوصفه عضواً في مجلس الدفاع الذي يتخذ الإجراءات الخاصة بالحظر، ويندرج ذلك في إطار الدعاوى الجماعية التي تطال إما المجلس المذكور وإما مجلس الوزراء. يضاف إلى ما تقدم الدعاوى التي رُفعت في المناطق، والتي لم تُسجل بعد في قلم المحكمة الخاصة التي أُنشئت في عام 1993 والتي تناط بها وحدها محاكمة الوزراء والنواب في إطار أدائهم وظائفهم. وتتشكل المحكمة المشتركة من برلمانيين ومن قضاة متخصصين، وأحكامها نهائية. إلا أن هناك دعاوى أخرى مقدمة أمام القضاء العادي والتي تتناول بالدرجة الأولى المسؤولين عن مآوي العجزة، والبنى الصحية التي تستضيف كبار السن، حيث أعداد الوفيات ضربت أرقاماً قياسية بسبب عدم كفاية التجهيزات الطبية اللازمة والإدارة السيئة. وصدرت الدعاوى عن نقابات وطلاب وجمعيات، وهي تذهب في كل اتجاه.
بيد أن ما يؤخذ على الحكومة الفرنسية بالدرجة الأولى أنها لم تكن مهيأة لمواجهة الوباء، وأنها «كذبت» في أكثر من سياق. وتجدر الإشارة إلى أن هناك لجنتين برلمانيتين تقومان بالتحقيق في أداء الحكومة. واستبق رئيسها إدوار فيليب القادم من الأيام بالإعلان أنه يتحمل المسؤولية كاملة عن عمل حكومته. ويمثل تعاطي الحكومة في موضوع توفير الكمامات للأطباء وللعاملين في القطاع الصحي أولاً، ثم للجمهور لاحقاً المأخذ الأول. وشكوى التجمع الطبي الأولى تتناول فقدان الكمامات الواقية تماماً من نوع FFP2. ويُعزى سبب عدوى ووفاة العشرات من الأطباء والممرضين والممرضات لغياب هذا النوع من الكمامات.
كذلك، تتهم المجموعة الوزير فيران بالكذب، إذ طُلب منه أن ينشر نص عقد شراء هذا النوع من الكمامات وفق تأكيداته. إلا أنه حتى تاريخه لم يتجاوب مع الطلب، ما يعزز الشكوك بأن هذا الطلب غير موجود أصلاً. وهناك أربع تهم رئيسية تتردد في الشكاوى، أهمّها التسبب في القتل أو الجرح «المرض» غير العمد، وتعريض حياة مواطنين للخطر، أو الامتناع عمداً عن توفير المساعدة لأشخاص مهددين بالخطر.
يرى المراقبون أن هذه الدعاوى بمثابة سيف مسلط على رقاب المسؤولين، وهو يشل حركتهم ويدفعهم إلى الكثير من الحذر. والدليل على ذلك التأرجحات لجهة تحديد تاريخ الدورة الثانية للانتخابات المحلية. ووصف البروفسور ديديه ريبوت، أستاذ القانون الجنائي، جائحة «كورونا» بأنها ستكون «المسلسل القضائي للسنوات القادمة». وما زالت ماثلة في أذهان المسؤولين والمواطنين على السواء قضية «الدم الملوث» في التسعينات التي ساقت لوران فابيوس، رئيس الحكومة وقتها واثنين من وزرائه أمام محكمة عدل الجمهورية. ورغم تبرئته شخصياً وتبرئة وزير من اثنين فيما جُرّم الثاني «صدر حكم بحقه مع وقف التنفيذ»، فثمّة اعتقاد أن محاكمته قضت على حظوظه بالوصول يوماً إلى قصر الإليزيه رغم أنه كان أكثر الواعدين في صفوف اليسار.
قبل أسابيع، تم إيجاد موقع على الإنترنت تحت مسمى «شكوى كوفيد». ويقترح الموقع تحميل شكوى ضد الحكومة من 21 صفحة، وهي شبه جاهزة ويكفي ملؤها. وحتى تاريخه، تم تحميلها أكثر من 171 ألف مرة، الأمر الذي يُظهر الصعوبات التي تنتظر الحكومة في الأشهر والسنوات القادمة. ولا ينتظر أحد أن تبدأ المحاكمات غداً، إذ يتعين بدايةً النظر في دراستها وتنسيقها، والنظر في قانونية نقلها إلى محكمة عدل الجمهورية. والكل يعي أن عمل القضاء بطيء للغاية، وعمل هذه المحكمة الاستثنائية بالذات أكثر بطئاً. والثابت أن محاكمات سترى النور، وأن وزراء سيمْثلون أمامها، وأن من أخطأ سيتعين عليه تحمل تبعات أخطائه في قضية بالغة الخطورة. لكن، مهما تكن التتمات، فإنها لن تعيد إلى الحياة مَن دفع ثمن هذه الأخطاء.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟