انعدام العدالة الاقتصادية في سرد تاريخي... بلا نظرية

أستاذ الاقتصاد الفرنسي بيكتي يعود بـ«رأس المال والآيديولوجيا»

انعدام العدالة الاقتصادية في سرد تاريخي... بلا نظرية
TT

انعدام العدالة الاقتصادية في سرد تاريخي... بلا نظرية

انعدام العدالة الاقتصادية في سرد تاريخي... بلا نظرية

لا شيء ماركسيّاً في كتاب توماس بيكتي، أستاذ الاقتصاد الفرنسي - 48 عاماً -، الذي صدر عام 2014 بعنوان «رأس المال في القرن الحادي والعشرين». لكنّه، وعلى عادة الكتب التي تحمل في عنوانها شيئاً عن رأس المال فلا مناص من ارتباطها بكارل ماركس المفكر الألماني الشهير وكتابه الأهم «رأس المال»، ولهذا كان انطباع الكثيرين الأوليّ بأن هذا المجلّد الضخم لبيكتي (600 صفحة) تجديدٌ عصريّ في تحليل الرأسماليّة ونقدها. لكنّه كان أقرب إلى محاولةٍ ليبراليّةٍ لإصلاحها عبر البحث عن منهجٍيّة - مستندة إلى معطيّات (غربيّة) رقميّة متراكمة خلال آخر قرنين - للحدّ من تفاقم عدم العدالة الاقتصاديّة التي أصبحت وكأنّها لازمةٌ بنيويةٌ من معالم النّظام الاقتصاديّ الحر. وفي هذا السيّاق يكون رأس المال بيكتياً أقرب إلى معطى إحصائيّ منه إلى لاعب أساس ومحرّك عجلة التاريخ كما هو حال النظريّة الماركسيّة مثلا.
حظي «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» بعد صدوره باهتمام واسع، وقرضه قطاع عريض من أكاديميي المؤسسة الليبراليّة، وتسلّق أرقام الكتاب الأكثر مبيعاً في غير ما بلد، فيما ارتقى مؤلفه إلى مصاف النّجوم بعد أن كان طوال سنين أكاديمياً لا يكاد يسمع عنه أحد خارج دائرة تخصصه الفنيّ الدّقيق. فهو قدّم في أجواء ما بعد الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 نوعاً من تفسير مدعم بقراءات إحصائيّة مثيرة للتّفاوت الذي ما زال يتفاقم بين الثّروات والأجور ويدفع ضمنياً إلى مستويات انعدام عدالة قد تفتح البوابات لكثير من الشرور وعدم الاستقرار، وطرح مخرجاً تقنياً لكسر الدّائرة المفرغة عبر إدارة فاعلة للسّياسات الضريبّية على الدّخول والميراث معتمداً الخبرة الأمريكيّة في فضاء عقدي خمسينات وستينات القرن الماضي عندما وصلت نسب الاستحقاق من الضرائب إلى مستوى الـ80 في المائة للفئات العليا.
بيكتي عاد مجدداً إلى ساحة الجدل اليوم بـ«رأس المال والآيديولوجيا». كتابٌ أكثر طموحاً في الشكل كما المضمون: 1100 صفحة، وقراءة تاريخيّة للعالم بعيون رأسماليّة من عصور ما قبل بدايات الإقطاع إلى احتجاجات السترات الصفر الأخيرة في فرنسا، مروراً بمراحل اقتصاد العبوديّة والكولونياليّة، مع تغطية جغرافيّة أبعد من أوروبا - نحو الصّين وروسيا والهند والبرازيل - لكنّ هذا الطّموح يبدو مفتقداً بشدّة إلى نظريّة تربط ما بين الحقب التّاريخيّة والتّجارب المُتفاوتة لتستخلص نوعاً من قانون يمكن الاعتماد عليه في تفسير المُعاصر وتوقّع المستقبل، فكلّ الذي نصل إليه بعد 1700 صفحة - بين الكتابين - سجل تاريخيّ لتفاوت في الدّخول والثروات تتسبب به سياسات مرحليّة مؤدلجة مستنداً إلى معادلة بسيطة تقول بأن انعدام العدالة الاقتصاديّة يزداد ما دام العائد على رأس المال أكبر من زيادة الأجور. ومع ذلك، فلا أحد ينكر عليه موهبته الأدبيّة الفائقة لناحية توظيف المعطيات الإحصائيّة لرسم صور غاية الإمتاع عن المراحل التاريخيّة المتلاحقة كحلقات منفصلة متتالية.
يخصص بيكتي في تغطيته لمرحلة الرأسماليّة المتأخرة خلال الأربعين سنة الأخيرة هامشاً أقل لتغوّل رأس المال مقابل توسّع في سرد أحداث سقوط الآيديولوجيات الاشتراكيّة التقدميّة، ملقيّاً باللّوم على فشل الشيوعيّة في ما يراه انتشاراً لمناخ من عدم التفاؤل بقدرة العمل السياسيّ على تحقيق عدالة أفضل للجميع. ويجادل بأنّ العولمة - وما ارتبط بها من تراجع لسيادات الدّول الوطنيّة - أدّت إلى تضاعف غير مسبوق من انعدام العدالة الاقتصادية لمصلحة أقليّة معولمة ثريّة ثراء فلكيّاً مرتبطة بنخب محليّة متورّمة، على حساب الأكثريّة التي إن لم تتراجع مداخيلها فعلياً فهي فقدت قدرتها الشرائيّة، كما سقط مئات الملايين من البشر في الفقر المدقع.
نهايةً فإن مقاربة بيكتي أخلاقيّة محضة: انعدام العدالة الاقتصاديّة مسألة مجافيّة للشرعيّة، وإنّ أغلبيّة ساحقة عبر الحقب التاريخيّة والجغرافيّات تتفق على إيجابيّة توزيع الثّروة بين أكبر عدد ممكن من المواطنين، فيما وُظّفت الآيديولوجيّات دائماً أداة للتّحايل على هذا المنطق وحرفه لفائدة أقليّات مهيمنة، ولذا فإن التقدّم الاقتصادي للبشريّة مرهون بهزيمة تلك الآيديولوجيّات الرجعيّة لمصلحة سياسات عقلانيّة راشدة تفرض نظاماً ضرائبيّاً يضمن عودة الثّروة (رأس المال) إلى المجتمع. والبديل من ذلك سيكون، وفق بيكتي دائماً، تعديلاً قاسياً تفرضه تحولات مفصليّة حدثت في القرن العشرين مرّتين فقط: الحربان العالميّان (1914 - 1918) و(1939 - 1945) اللتان فرضتا على الحكومات - بعد ما تسببتا به من دمار واسع - تبني سياسات ضريبّية تقدّميّة الطابع ساعدت خلال سنوات على استعادة توازن مفقود بين من يملكون ومن لا يملكون وأنتجت ازدهارا اقتصادياً ملحوظاً عزز الاستقرار السياسي لمجتمعات ما بعد الحرب.
بيكتي اللّيبرالي المزاج وكأنّه في «رأس المال والآيديولوجيا» يعود أدراجه إلى الفكر الاقتصادي الكينزي (الذي يدعم تدخّل الدّولة بإدارة قطاعات معينة من الاقتصاد لتحسين مستويات العدالة الاقتصادية) وهو يفترض وجود كتلة عاقلة في المجتمع تمتلك نحواً من فضاء عام ديمقراطيّ يسمح بالوصول إلى سياسات عادلة اقتصاديّة بشأن الثروة والأجور من خلال تبادل المعلومات والحقائق المدّعمة بالأدّلة، في إطار مجتمع واسع التعليم، تتوفر لديه بشفافيّة بيانات إحصائيّة كافية لاتخاذ قرارات منطقيّة. ولذلك، فقد اعتبره كثيرون طوباوياً متفائلاً غارقاً في التّنظير الاقتصاديّ، يريد جنّة اشتراكيّة بلا المرور في وعثاء الصراع الطبقيّ، ودون التجرؤ على الاقتراب من تقديم حلّ للمعضلة الفلسفيّة الخالدة بشأن إمكان تحقق الحكم الرشيد في ظلّ تعارضه مع مصالح النخب الحاكمة، عندما يكون انتظار الحروب كمخرج من الأزمة وصفة دمار مكلفة ماديّاً وبشريّاً لا سيّما بعد امتلاك بعض الدّول ترسانات أسلحة نووية وهيدروجينيّة كافيّة لتدمير الكوكب عدّة مرّات. لكنّ الأهم من ذلك كلّه أنه يرسل من خلال «رأس المال والآيديولوجيا» نذيراً لا خلاف عليه: استمرار فجوة انعدام العدالة الاقتصاديّة بالاتساع أمر لا يمكن الاستمرار في تجاهله، ولسوف يمنح الشرعيّة للسياسيين الشعبويين للقفز على السلطة وإقصاء النخب الليبراليّة الكلاسيكيّة من مقاعد النفوذ والتأثير، وهو ما حدث على الأرض بالفعل في غير ما بلد غربيّ لتنقسم نخبها الحاكمة بين فئة المتمولين المؤيدين لسياسة الأسواق المفتوحة، في مواجهة فئة أصحاب الثقافة التي تنتقد عجز النّظام (المتموّل) عن تحقيق العدالة وتسعى إلى بناء قلاع محروسة من الاقتصادات الوطنيّة التي تمنح مواطنيها - الأصليين - مساواة في فرص كسب الثروة وتحصيل التعليم.
لا يمتلك بيكتي نظريّة متماسكة في مواجهة التاريخ كما كان ماركس مثلاً في «رأس المال»، فيما لم تعد تجربة الاتحاد الأوروبيّ - الأقرب عاطفيّاً إلى مؤلفنا - مقنعة لأحد فيما يبدو بشأن كفاءة النظم المعاصرة على توظيف مناهج أكثر عقلانيّة عند تصميم السياسات واتخاذ القرارات، بدلاً من أجواء التناحر والتنافس السياسيّ المستدام في إدارة شؤون القارة - لا سيّما بعد التّجارب الحزينة لشعوب اليونان وإسبانيا كما «بريكست» البريطاني مع الاتحاد - والتي أصبحت مثار تندّر وسخريّة بعد الفشل الظاهر له في دعم الدّول الأعضاء الذين مسّهم ضرّ وباء «كورونا».
وللحقيقة فإن «رأس المال والآيديولوجيا» مع كل الانتقادات الموجهة إليه يظلّ مع ذلك عملاً لا يمكن إهماله كإنجاز تقنيّ أكاديميّ غير مسبوق، ودفاعا بليغا عن قدرة المعلومات والحقائق والمعطيّات الاجتماعية المتراكمة على منح البشريّة - ولو نظريّاً - مخارج ممكنة من سلسلة الأزمات الرأسماليّة التي لا تتوقف، ورهان - مجازف مسرف في التفاؤل - على قدرة العقل الجمعي الخضوع لمنطق الأدلّة في إدارة النّظم الاقتصادية والسعي نحو إقصاء انعدام العدالة من المجتمعات.



ماذا ينتظر الفائدة الأوروبية بعد الكشف عن موعد استقالة دي غالهو؟

فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)
فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)
TT

ماذا ينتظر الفائدة الأوروبية بعد الكشف عن موعد استقالة دي غالهو؟

فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)
فرانسوا فيليروي دي غالهو محافظ «بنك فرنسا» في مؤتمر صحافي بباريس (رويترز)

أعلن البنك المركزي الفرنسي، يوم الاثنين، أن محافظه فرانسوا فيليروي دي غالهو سيستقيل في يونيو (حزيران) المقبل، أي قبل أكثر من عام على انتهاء ولايته، ما يعني أن البنك المركزي الأوروبي سيفقد أحد أبرز الأصوات الداعية إلى خفض أسعار الفائدة.

وأعلن فيليروي، البالغ من العمر 66 عاماً، استقالته في رسالة وجّهها إلى موظفي البنك المركزي، موضحاً أنه سيغادر لتولي قيادة مؤسسة كاثوليكية تُعنى بدعم الشباب والأسر الأكثر هشاشة، وفق «رويترز».

وكان من المقرر أن تنتهي ولاية فيليروي في أكتوبر (تشرين الأول) 2027. وتمنح استقالته المبكرة الرئيس إيمانويل ماكرون فرصة تعيين بديل له قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في ربيع 2027، التي تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال فوز مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف المشككة في الاتحاد الأوروبي، أو تلميذها غوردان بارديلا.

وسيتعين أن يحظى خليفته بموافقة لجنتي المالية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ. وقال فيليروي في رسالته للموظفين: «اتخذت هذا القرار المهم بشكل طبيعي ومستقل، والوقت المتبقي حتى بداية يونيو كافٍ لتنظيم انتقال السلطة بسلاسة».

المركزي الأوروبي يفقد أحد أبرز دعاة التيسير النقدي

برحيل فيليروي، سيفقد البنك المركزي الأوروبي أحد أبرز الداعمين لسياسة التيسير النقدي، إذ حذّر مراراً خلال الأشهر الماضية من مخاطر التضخم المنخفض.

وقال وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، إن تصرفات فيليروي «اتسمت دائماً بالدقة والاستقلالية والحرص على المصلحة العامة».

وعادةً ما يكون محافظو «بنك فرنسا» قد شغلوا سابقاً مناصب في وزارة الخزانة التي تتولى إدارة العديد من القضايا الأكثر حساسية داخل وزارة المالية الفرنسية.

وأفاد مصدران بأن مدير الخزانة الحالي، برتراند دومون، أو رئيسها السابق إيمانويل مولان، يعدّان من أبرز المرشحين للمنصب، إلى جانب نائبة محافظ «بنك فرنسا» أغنيس بيناسي-كوير، أو صانع السياسات السابق في البنك المركزي الأوروبي بينوا كوير، وكلاهما شغل مناصب في وزارة الخزانة.

وأضاف المصدران أن لورانس بون، كبير الاقتصاديين السابق في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي يعمل حالياً في بنك سانتاندير الإسباني، يُنظر إليه أيضاً بوصفه مرشحاً محتملاً لخلافة فيليروي.


«الأكاديمية المالية» توسّع برامجها لرفع كفاءة الإعلام الاقتصادي

جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)
جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)
TT

«الأكاديمية المالية» توسّع برامجها لرفع كفاءة الإعلام الاقتصادي

جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)
جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)

تواصل «الأكاديمية المالية»، بالتعاون مع أكاديمية «SRMG»، تنفيذ برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي»، الهادف إلى تطوير الإعلام المالي، ورفع كفاءة الصحافيين وصنّاع المحتوى في تناول القضايا الاقتصادية والمالية، بما يعزّز جودة التغطية الإعلامية المتخصصة ويدعم الوعي الاقتصادي.

ويُعد برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي» الأول من نوعه في المملكة في مجال الإعلام المالي المتخصص؛ إذ يأتي استجابةً للحاجة المتزايدة إلى إعلام قادر على فهم البيانات والمؤشرات الاقتصادية، وتحليلها، وتقديمها في سياق مهني يوازن بين الدقة والوضوح، ويُسهم في تعزيز الشفافية وكفاءة الأسواق.

ويركّز البرنامج على تزويد المشاركين بالمعارف والمهارات اللازمة لتناول القضايا الاقتصادية والمالية باحترافية، من خلال محاور تشمل أساسيات التغطية الإعلامية المالية، والاقتصاد الكلي والمؤشرات، والأسواق والأوراق المالية، والميزانيات والنتائج المالية، بالإضافة إلى قطاعات مؤثرة؛ مثل: الطاقة الخضراء، والبترول، والتحول الطاقي، بوصفها من أبرز الملفات الاقتصادية محلياً وعالمياً.

كما تضمن البرنامج تدريباً متخصصاً على التغطيات المرئية، وصحافة الموبايل، وإنتاج المحتوى الرقمي، وفهم خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب توظيف الأدوات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحافي، بما يمكّن المشاركين من مواكبة التحولات في أنماط النشر الإعلامي، وتعزيز الوصول والتأثير.

وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«الأكاديمية المالية»، مانع آل خمسان، أن برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي» يأتي منسجماً مع توجهات «الأكاديمية» في دعم منظومة القطاع المالي، مؤكداً أن الإعلام المالي يُعدّ عنصراً مكملاً لكفاءة الأسواق، ويُسهم في تعزيز الشفافية ورفع جودة الخطاب الاقتصادي.

وأضاف أن البرنامج يندرج ضمن مبادرات «الأكاديمية المالية» لتمكين الإعلاميين من بناء محتوى مالي مهني مؤثر، ويركّز على تعميق الفهم، ونقل الخبرة، والاطلاع على أفضل الممارسات العالمية عبر زيارات ميدانية لمؤسسات مالية دولية، بما يُسهم في صناعة أثر إعلامي واعٍ ومستدام يخدم القطاع على المدى الطويل.

وأشار إلى أن الشراكات مع مؤسسات مالية رائدة تعكس تكامل الأدوار بين التدريب والقطاع، وتُسهم في نقل المعرفة التطبيقية للإعلاميين وربط المحتوى الإعلامي بواقع الأسواق، مقدّماً شكره إلى شركاء البرنامج الأهلي على إيمانهم بأهمية تطوير الإعلام المالي، ودورهم في دعم بناء كوادر إعلامية قادرة على مواكبة تحولات القطاع المالي وتعزيز الوعي الاقتصادي.

من جهة أخرى، واصل البرنامج رحلته إلى مرحلة التطبيق عبر أنشطة مهنية تتيح للمشاركين فهم بيئات العمل الإعلامي، والاطلاع على نماذج واقعية في تغطية الأحداث الاقتصادية، وصناعة المحتوى المالي القائم على التحليل والمعرفة.

ويستهدف برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي» الصحافيين والإعلاميين، والمختصين في الأسواق المالية، وصنّاع المحتوى المالي، ضمن رحلة تدريبية تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، والاطلاع على أفضل الممارسات في الإعلام المالي، بما يُسهم في تعزيز حضور الإعلام السعودي في المشهدَين الإقليمي والدولي، تماشياً مع مستهدفات برنامج تطوير القطاع المالي لـ«رؤية السعودية 2030».

يُذكر أن «الأكاديمية المالية» جهة ذات كيان اعتباري وإداري مستقل، وترتبط تنظيمياً برئيس مجلس هيئة السوق المالية، بهدف تأهيل الكوادر البشرية في القطاع المالي وتنميتها وتطويرها، من خلال تنمية معارف العاملين فيه وقدراتهم ومهاراتهم وثقافتهم، بما في ذلك القيادات الإدارية وأعضاء مجلس الإدارة في منشآت القطاع، والإسهام في تطوير وتنمية أفضل الممارسات المهنية ذات الصلة بالقطاع، وتستهدف جميع الجهات في القطاع المالي؛ البنوك، والتمويل، والتأمين، والسوق المالية.


«مؤتمر العلا» يهيئ الاقتصادات الناشئة لرسم مسارها الخاص في الساحة العالمية

وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
TT

«مؤتمر العلا» يهيئ الاقتصادات الناشئة لرسم مسارها الخاص في الساحة العالمية

وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، جاء مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، ليؤكد النقلة النوعية التي تشهدها هذه الاقتصادات في الساحة العالمية. فمع انتهاء فعاليات هذا المؤتمر المتميز، بات واضحاً أن الاقتصادات الناشئة لم تعد تسعى فقط للحاق بركب الاقتصادات المتقدمة، بل أصبحت تضع معاييرها الخاصة وتبتكر في مجالات تنافسية متعددة.

وبرز خلال الجلسات النقاشية كيف أن هذه الاقتصادات اكتسبت ثقة متزايدة وقوة دفع جديدة، لتتخلى عن دورها التقليدي وتصبح لاعباً أساسياً في الاقتصاد العالمي. وكان لافتاً دعوة القطاع الخاص ليكون شريكاً في عملية النمو بل أصبح محركاً لها.

ومن هنا، أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، ضرورة المبادرة في اتخاذ القرارات الإصلاحية مهما كانت صعوبتها، وأنه لا يوجد ما يُسمّى الوقت المثالي لبدء مسارات التغيير، موجهاً الدعوة إلى الأسواق الناشئة من أجل الاعتماد على نفسها في تشخيص مشكلاتها، وأنه من الضروري أن تتعامل مع قضاياها بنفسها.

وفي الحوار الختامي لـ«مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، يوم الاثنين، أرسى الجدعان قاعدة اقتصادية حازمة بقوله: «لا يوجد وقت مثالي لفعل الشيء الصحيح، لذا عليك القيام به الآن، والتأجيل لن يساعد».

وأوضح أن نجاح أي تحول هيكلي مرتبط بالقدرة على اتخاذ الخطوات الجريئة، وأنه لا يمكن إجراء إصلاح هيكلي واقتصادي بقرارات سهلة؛ وإنما «سيكون عليك اتخاذ قرارات صعبة للغاية».

وحسب الوزير الجدعان، فإن الشفافية هي أساس خطة التحول في «رؤية 2030»، قائلاً: «سيكون عليك إيصال ذلك بوضوح شديد لشعبك، ولبيئة الأعمال، وللمجتمع الدولي، ثم الثبات على المسار، لأنك بحاجة إلى بناء تلك الثقة. ووضوح توجهات سياستك لكسب تلك الثقة من مجتمع الاستثمار».

وزير المالية متحدثاً للحضور في الحوار الختامي من المؤتمر (الشرق الأوسط)

«رؤية 2030»

وكشف الجدعان عن دقة التنفيذ في «رؤية 2030» مع اكتمال أكثر من 87 في المائة من المبادرات أو على المسار الصحيح، و93 في المائة من مؤشرات الأداء الرئيسية إما تحققت وإما على المسار الصحيح.

وضرب مثالاً بالذكاء الاصطناعي، قائلاً: «عندما بدأنا، لم تكن هذه التقنية حديث الساعة في الشوارع، لكن الأمور تغيرت، لذا احتجنا إلى تغيير خططنا للتأكد من أننا نقتنص جزءاً من تلك القيمة».

ودعا الجدعان الأسواق الناشئة إلى الاعتماد على الذات في تشخيص مشكلاتها، وأنه من الضروري أن تتعامل مع قضاياها بنفسها، بدلاً من الاعتماد على مجموعة أوسع من الدول التي تهيمن عليها الاقتصادات الكبرى لتملي عليها ما يجب فعله.

الذكاء الاصطناعي

وفي الحوار الختامي ذاته، شددت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، على ضرورة تحول الحكومات من «مشغّل» للاقتصاد إلى «مُمكن» له، مؤكدة أن فك الارتباط بين الدولة والإدارة المباشرة للشركات هو السبيل الوحيد لإطلاق العنان للابتكار وازدهار القطاع الخاص.

وأوضحت كريستالينا غورغييفا أن «الحكومات ليست هنا لإدارة الاقتصاد بشكل مباشر، بل لتوفير الإطار الذي يزيل العقبات أمام الاستثمار»، مشيرة إلى أن الابتكار، لا سيما في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بات المفتاح الحقيقي للتقدم خطوة للأمام في المشهد العالمي المعقّد.

ورسمت خريطة للتحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة، لافتة إلى أن العالم يمر بتغيرات عميقة مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية، والتحولات الديموغرافية، وتغير المناخ، وهي عوامل ترفع من مستويات «عدم اليقين» الاقتصادي، مما يجعل التعاون الدولي ضرورة حتمية لا ترفاً.

وأضافت أن هذه الاقتصادات، رغم تنوع قدراتها وظروفها الخاصة، تشترك في طموح واحد نحو بناء مؤسسات قوية واعتماد سياسات نقدية ومالية سليمة، لتعزيز مرونتها في وجه الصدمات العالمية.

منصة لتبادل الخبرات

وفي سياق دور المؤسسات المالية الدولية، ذكرت كريستالينا غورغييفا أن صندوق النقد والبنك الدولي يضطلعان بمسؤولية حيوية بصفتهما منصتين لنقل أفضل التجارب العالمية، وضمان عمل الاقتصاد الدولي بوصفه وحدة مترابطة تجمع بين الدول المتقدمة والناشئة لتبادل المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة.

واختتمت كريستالينا غورغييفا حديثها برسالة رمزية، وهي: «يد واحدة لا تُصفّق»، للتأكيد على أن الشراكات القوية بين الدول والمنظمات هي المحرك الوحيد لضمان الرخاء المشترك وتحسين حياة الشعوب بشكل ملموس، داعية إلى تقدير ما تحقق من إنجازات اقتصادية رغم التحديات القائمة.

وانطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الذي تحتضنه محافظة العلا بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء المالية، ومحافظي البنوك المركزية، وقادة المؤسسات المالية الدولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

ويأتي إطلاق المؤتمر في ظل مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي تحولات جوهرية في أنظمة التجارة والمالية الدولية، وما يصاحبها من تحديات متزايدة تتعلق بتباطؤ النمو، وتصاعد حالة عدم اليقين، وتزايد الضغوط على اقتصادات الأسواق الناشئة، الأمر الذي يبرز أهمية تعزيز الحوار الدولي، وتنسيق السياسات الاقتصادية، ودعم مرونة هذه الاقتصادات بما يعزز الاستقرار الاقتصادي العالمي.

Your Premium trial has ended