«فقاعات سفر» و«جوازات مناعة»... مستقبل السياحة بعد «كورونا»

عارضات في بانكوك يرتدين أقنعة واقية (أ.ف.ب)
عارضات في بانكوك يرتدين أقنعة واقية (أ.ف.ب)
TT

«فقاعات سفر» و«جوازات مناعة»... مستقبل السياحة بعد «كورونا»

عارضات في بانكوك يرتدين أقنعة واقية (أ.ف.ب)
عارضات في بانكوك يرتدين أقنعة واقية (أ.ف.ب)

كان لوباء «كورونا» تأثير مدمر على السفر؛ حيث قدرت منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أن السياحة الدولية يمكن أن تنخفض بنسبة تصل إلى 80 في المائة هذا العام، مما يعرض 100 مليون وظيفة على الأقل للخطر.
في تايلاند؛ حيث تشكل السياحة 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، تتوقع هيئة السياحة انخفاض عدد الزوار بنسبة 65 في المائة هذا العام.
ويكافح كثير، مثل كليتانا، من أجل تغطية نفقاتهم. قبل «كوفيد- 19» كان بإمكانها جني 300 دولار في اليوم. وفي أبريل (نيسان)، حظرت تايلاند جميع الرحلات الدولية إلى البلاد، فانخفضت أرباح كليتانا اليومية الآن إلى دولارين، وأحيانا صفر؛ لكن السيدة البالغة من العمر 45 عاماً، التي تبيع الهدايا التذكارية في الشارع منذ أكثر من عقد، لا تزال تفتح متجرها كل يوم، على أمل أن تكون محظوظة بسائح عابر نادر.
مع وجود كثير من المخاطر لسبل العيش والاقتصادات، تبحث البلدان حول العالم عن طرق لإبقاء شركات السياحة ثابتة على قدميها.

وبحسب تقرير لشبكة «سي إن إن» الأميركية، فقد التزمت نيوزيلندا وأستراليا بخلق «فقاعة سفر» بحيث يتم السماح بالزيارات بين البلدين، بمجرد أن يكون ذلك آمناً. وبدأت الصين السماح بالسفر الداخلي، على الرغم من أن حدودها لا تزال مغلقة لمعظم الأجانب.
لكن الخبراء يحذرون من أنه حتى مع المبادرات الجديدة، قد يستغرق السفر سنوات حتى يرتفع إلى مستويات ما قبل «كورونا». وحتى عندما يحدث ذلك، فقد لا نسافر أبداً بالطريقة نفسها مرة أخرى.
وذكر التقرير أنه على المدى القصير، فإن مستقبل السياحة هو «فقاعات السفر» الإقليمية.
واتفقت كل من أستراليا ونيوزيلندا على «ممر سفر»؛ لكنه من غير المتوقع أن يحدث خلال الأشهر القليلة المقبلة. وفي أوروبا، أعلنت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا عن خطط لفتح حدودها الداخلية لمواطني الدول الثلاث اعتباراً من 15 مايو (أيار) الجاري.
بالنسبة لمعظم البلدان، فإن البقاء في عزلة ليس خياراً يمكنهم تحمله على المدى الطويل، ويتوقع الخبراء أنها مجرد مسألة وقت قبل أن تنشئ دول أخرى «فقاعات سفر» خاصة بها.
ويمكن لفيتنام وتايلاند النظر في إنشاء «ممر سفر» خلال الأشهر القليلة المقبلة، وفقاً لماريو هاردي المقيم في تايلاند، وهو الرئيس التنفيذي لرابطة المحيط الهادي لآسيا للسفر (باتا).
ويتوقع محلل الطيران برندان سوبي أن يرى ترتيبات مماثلة في أوروبا وأميركا الشمالية؛ إذ إنه عندما تبحث البلدان عن شركاء ثنائيين - يقول إنها ستدرس بعض العوامل - فسوف يبحثون عن البلدان التي يبدو أن تفشيها تحت السيطرة، والتي لديها إحصاءات يمكنهم الوثوق بها.
ومن المحتمل أيضاً أن يحدث هذا الاتفاق مع الدول التي تربطهم بها بالفعل علاقات جيوسياسية قوية، كما يقول الجغرافي للسياحة في جامعة هونغ كونغ، بنيامين ياكوينتو، مضيفاً أن نيوزيلندا وأستراليا لديهما بالفعل علاقة سياسية وثيقة، لذا فإن الاقتران بينهما منطقي.

وفي آسيا، سيكون السؤال الكبير حول الصين، أكبر سوق في العالم للسياحة الخارجية، حسب «سي إن إن».
وتظهر الاستطلاعات أن السياح الصينيين حريصون على الالتزام بما يعرفونه، ولا يسافرون كثيراً، كما يقول بيل بارنيت، أحد مستشاري السياحة، وهذا يعني أن تايلاند التي تجذب حوالي 11 مليون سائح صيني سنوياً، يمكن أن تكون من أوائل الدول التي تفتح أبوابها للصين.
قد تكون الصين أقل اهتماماً بفتح السفر إلى الأماكن التي كانت فيها مشاعر معادية لها أثناء تفشي المرض، مثل أستراليا، كما تقول فريا هيغينز ديسبيولز، المحاضرة البارزة في جامعة جنوب أستراليا التي تبحث في السياحة. وتقول: «أعتقد أن السياحة ستتضرر من الاستراتيجيات الجيوسياسية التي تم استغلالها للاستفادة من الأزمة».
ووفقاً لتقرير الشبكة الأميركية، فستكون «فقاعات السفر» متقلبة. ويضيف هاردي أنه إذا كان هناك عودة لحالات «كورونا» في بلد ما، فسوف تغلق ممرات السفر.

إعادة فتح الحدود

يقول الخبراء إنه من المحتمل أن يمر وقت طويل قبل أن يكون هناك سفر واسع النطاق يتجاوز «الفقاعات» الإقليمية. وهذا يعني أن السفر من الولايات المتحدة إلى آسيا، على سبيل المثال، سيكون بعيداً جداً، كما يشير هاردي.
يقول هاردي: «حتى تتم السيطرة على الموقف داخل الولايات المتحدة، فلن تسمح لها دول عدا دول قليلة جداً بالسفر إلى وجهاتها». مضيفاً أنه «سيتم استبعاد الآخرين الذين ليس لديهم الوضع تحت السيطرة لفترة من الزمن».
وبالنسبة للبلدان التي تعتمد بشكل كبير على السياحة، ستحتاج إلى موازنة الاهتمامات الصحية بالاهتمامات الاقتصادية. ولكن حتى إذا شعروا بالضغط لفتح ما وراء الفقاعة، فهذا لا يعني بالضرورة أنهم سيشهدون سيلاً من الزوار.
ويوضح سوبي: «إذا أرادت إحدى الدول الانفتاح، ولكن لا أحد يشعر بالراحة للذهاب إلى تلك الدولة لأي سبب من الأسباب، فلن تنجح».
وربما لا تزال هناك استراتيجيات سفر إلى جانب الفقاعات، إذ تدرس تايلاند فتح مناطق معينة للسياح الأجانب، ما يعني أن الزوار موجودون بشكل فعال في مكان واحد.

ويقول حاكم هيئة السياحة في تايلاند يوثاسك سوباسورن، إن هذا الاقتراح «سيكون مفيداً لكل من السياح والمقيمين المحليين، نظراً لأن هذا هو نوع من الحجر الصحي تقريباً»؛ لكن جاذبية ذلك ستعتمد على قواعد الحجر الصحي التي لا تزال قائمة.
وفي الوقت نفسه، قد تنظر الدول التي تجذب عادة أعداداً كبيرة من الأجانب في قواعد تخفيف للسماح لهم بالدخول. وهذا يشمل نيوزيلندا التي تفكر في السماح للطلاب الأجانب بالعودة إلى البلاد إذا أكملوا الحجر الصحي لمدة أسبوعين، وفقاً لما ذكرته إذاعة نيوزيلندا الوطنية.

جوازات سفر مناعية

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، قامت المطارات حول العالم بتطبيق إجراءات أمان إضافية. ويتوقع الخبراء أن يكون الفيروس التاجي له التأثير نفسه على المطارات، ولكن مع التركيز على الصحة. والسؤال الذي لا يزال يتعين الإجابة عنه هو: كيف ستبدو هذه التدابير الاحترازية.
ومن المتوقع أن يتم ذلك من خلال فحص درجة حرارة الركاب في المطار، أو اختبارهم لفيروس «كورونا» قبل صعودهم على متن الطائرة. ولكن هناك قضايا يجب حلها حول ذلك. فمثلاً ستحتاج السلطات إلى أن توفر الاختبارات السريعة والدقيقة، وتقرر كم من الوقت قبل الرحلة يجب أن يختبر كل راكب.
وظهر مقترح آخر هو أن الركاب يحملون جوازات سفر مناعية، مما يدل على ما إذا كانوا محصنين ضد الفيروس، وقد قامت الصين بالفعل بتقديم شكل من أشكال هذا الجواز، فلدى جميع المواطنين رمز «كيو آر» يتغير لونه اعتماداً على حالتهم الصحية. وهم بحاجة إلى إظهار ذلك للوصول إلى المطاعم ومراكز التسوق.

وتعتمد جوازات المناعة على فكرة أن الأشخاص الذين تعافوا من «كورونا» لا يمكن إعادة إصابتهم. ولكن حتى الآن لا يوجد دليل على أن لديهم أجساماً مضادة تحميهم من الإصابة الثانية، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وحتى لو طوروا مناعة، فليس من الواضح إلى متى سيستمر ذلك. أيضاً ليس لدينا حتى الآن اختبار واسع النطاق للأجسام المضادة، والذي سيكون ضرورياً لتحقيق هذا النجاح.
يمكن أيضاً استخدام جوازات المناعة للإشارة إلى ما إذا كان الشخص قد تم تطعيمه ضد فيروس «كورونا»، ولكن قد يستغرق الأمر 18 شهراً أو أكثر قبل أن يكون هناك لقاح في السوق، وفترة أطول قبل وجود لقاحات جماعية حول العالم.
وفي ختام التقرير، يتوقع خبراء مثل بارنيت أن الأمور ستعود في النهاية إلى طبيعتها، قائلاً: «أنا لا أقول إنه سيحدث اليوم أو غداً، سيكون هناك جهد شاق لمدة عامين لاستعادة ذلك».


مقالات ذات صلة

مصر لاستثمار زيارات المشاهير في الترويج لمعالمها الأثرية

يوميات الشرق ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

مصر لاستثمار زيارات المشاهير في الترويج لمعالمها الأثرية

جددت زيارة اثنين من المشاهير للمناطق الأثرية بمصر، هما النجم العالمي ويل سميث وصانع المحتوى سبيد، الحديث عن استثمار هذه الزيارات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)

خطة مصرية للمنافسة دولياً في «السياحة العلاجية»

أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر انطلاق منصات مشروع السياحة العلاجية، ضمن خطتها للمنافسة إقليمياً ودولياً في مجال السياحة العلاجية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  العاصمة المصرية القاهرة تزخر بالمقومات الحضرية والسياحية (الهيئة العامة لتنشيط السياحة)

«القاهرة» الأكثر جاذبية في أفريقيا عام 2025... ما الأسباب؟

«هنا القاهرة الساحرة الآسِرة الهادرة الساهرة... هنا القاهرة الزاهرة العاطرة الشاعرة النيّرة» كلمات الشاعر المصري الراحل سيد حجاب تعبر عن روح القاهرة.

محمد عجم (القاهرة )
الاقتصاد سائحة تلتقط صوراً لتماثيل معروضة داخل المتحف المصري الكبير والذي جذب العديد من السياح في 2025 (رويترز)

بزيادة 21 %... مصر استقبلت 19 مليون سائح في 2025

أعلنت مصر أنها استقبلت خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة مقارنة بالعام السابق له.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق المتحف الكبير يستقبل يومياً نحو 15 ألف زائر (الشرق الأوسط)

مصر تتوقع استقبال 20 مليون سائح في العام الجديد

توقّع وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، استقبال بلاده 20 مليون سائح خلال عام 2026، وذلك بعد تحقيقها «قفزة غير مسبوقة» العام الماضي.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».