وباء «كورونا» يضرب النموّ ويهدّد بتصاعد «القومية الاقتصادية»

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
TT

وباء «كورونا» يضرب النموّ ويهدّد بتصاعد «القومية الاقتصادية»

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)

يتوقّع صندوق النقد الدولي أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي في 170 دولة بسبب وباء «كورونا»، بل إن التقديرات «قد تكون صورة أكثر تفاؤلاً مما ينتجه الواقع»... إذا لم يستمر الوباء طويلاً سيعرف العالم انكماشاً بنسبة 3%، أما إذا عادت الجائحة عام 2021 فقد يتحمّل الاقتصاد العالمي عواقب ذلك لسنوات عدة، وفق مديرة الصندوق كريستالينا جورجييفا التي لم تستبعد أن يكون الركود أسوأ مما عرفه العالم عام 2008، بل أسوأ من الكساد الكبير 1920 – 1921.
ليس في ذلك ما يثير العجب، فالعجلة الاقتصادية العالمية تدور بشق النفس، ونسمع عن شركات كبرى تقترب من الإفلاس وتستنجد بالحكومات (على غرار شركة الطيران الألمانية لوفتهانزا أخيراً). بل إن ما يعمّق الأزمة أكثر، واقع أن «كوفيد - 19» ضرب ضربته في وقت لم يكن الاقتصاد يرفل بثوب الازدهار، بل يعرف تعثّراً على أكثر من صعيد بسبب الجو السياسي العالمي، والخلافات بشأن الأخطار البيئية، والحروب التجارية المختلفة وأهمها طبعاً تلك الدائرة رحاها على «الجبهة» الأميركية – الصينية.
ويلفت الاقتصادي الأميركي التركي الأصل نورييل روبيني، إلى أن الحكومات الفاعلة لم تحسن التعامل مع أسباب الأزمة المالية 2008-2009، فعالجت النتائج وأهملت أسباب الاختلالات والأخطار. وبدل أن تتصدّى للمشاكل الهيكلية التي كشفها الانهيار المالي والكساد الذي أعقبه، أزاحت المشكلة جانباً أو أرجأتها، الأمر الذي جعل حدوث أزمة جديدة أمراً حتمياً.
ويعدّد روبيني عوامل ستؤدي إلى الأزمة التي يعتبرها آتية حتى وإن شهد الاقتصاد العالمي ما بعد الجائحة شيئاً من التعافي. وفي طليعة هذه الأسباب إنفاق المال الوفير بالمليارات لمعالجة تداعيات الكارثة الصحية، ذلك أن كثيراً من الدول المعنية كانت مثقلة بالديون منذ ما قبل الفيروس القاتل، إلى حد عدم قدرة بعضها على تسديدها أو خفض العجز في ماليتها العامة. وهنا سيتزاوج الدين العام مع ديون القطاع الخاص على مستويي المؤسسات (إفلاس، تعثّر، نقص سيولة...) والأفراد (بطالة، تراجع الدخل، عدم سداد قروض...). فمن أين لهذه الدول، مثلاً، أن تتحمّل كلفة البطالة المتعاظمة وتدبّر الأموال لمساعدة العاطلين عن العمل؟
وهنا تجدر الإشارة إلى سلبية مفاعيل العولمة التجارية التي تعمّق أزمة الدول الغنية، ذلك أن الدول الفقيرة وحتى المتوسطة الحال لم تعد قادرة على الاستيراد جزئياً وأحياناً كلياً، الأمر الذي يؤدي إلى تكدّس سلع كانت معدّة للتصدير في دول صناعية. وقد سمعنا عن تراجع التضخم في ألمانيا مثلاً، وهو خبر ليس من الإيجابية في شيء إذا وصل تراجع الأسعار إلى حد الإنكماش بفعل تراجع التصدير في موازاة انخفاض الإنفاق الاستهلاكي الداخلي.
ويمكن بكل تأكيد الاسترسال في وصف المشكلة وتداعياتها الشاملة لكل القطاعات الاقتصادية، لكن يجدر الالتفات إلى كون الدول والحكومات تبحث حتماً عن سبل حلّها، خصوصاً أن الأمر يحتاج إلى تخطيط عميق ونفَس طويل. ولا شك في أن الأنظار تتجه إلى الدول صاحبة الاقتصادات الكبيرة والقدرات المعتبَرة لتكون رائدة في تلمّس مسار الخروج من النفق. فما هو الواقع الراهن للدول الأربع الكبرى اقتصادياً؟
*الولايات المتحدة
يُستدلّ على الضرر الذي سببه الوباء للاقتصاد الأميركي من رقم واحد: 30 مليون شخص ملأوا استمارات مساعدة العاطلين عن العمل، أي نحو سدس القوة العاملة في الولايات المتحدة.
في موازاة ذلك، انخفض الناتج الاقتصادي نحو 5% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، في أكبر تراجع منذ العام 2008. ويتوقع معظم المحللين أن يكون الانحدار أسوأ بكثير في الربع الثاني، حتى أن البعض يشير إلى أن معدل البطالة قد يصل إلى 40% من القوة العاملة، وهو عبء ثقيل على أي دولة، وإن كانت صاحبة الاقتصاد الرقم واحد في العالم.
وقد سارعت السلطات الفدرالية إلى التحرك لاحتواء المشكلة، فأكد مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) أنه سيفعل كل شيء ممكن لدعم الاقتصاد وتوفير السيولة. وعمد إلى خفض أسعار الفائدة لتقترب من الصفر، وأنزل متطلبات احتياطي البنوك من السيولة النقدية إلى الصفر أيضاً، واشترى نحو تريليونَي دولار من سندات الخزينة والأوراق المالية المدعومة برهونات عقارية، وقدّم تسليفات طارئة لمؤسسات مختلفة.
يضاف إلى ذلك أن الكونغرس أقر تشريعاً بحزمة طارئة قيمتها تريليونا دولار، تشمل مساعدات مقدارها 1200 دولار للأفراد، وقروضاً للشركات، وزيادة لإعانات البطالة...
*الصين
هبّت العاصفة الصحية من الصين في ديسمبر (كانون الأول) 2019، وعندما اشتدّت رياحها أغلقت السلطات البلاد وأوقفت عجلة الاقتصاد. وأدت أسابيع الحجر والعزل في عشرات المدن إلى انخفاض حاد في إنتاج المصانع ومبيعات التجزئة وأعمال البناء وسواها. وبشكل عام، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% تقريباً في الربع الأول من العام 2020 في أول انكماش اقتصادي صيني منذ أكثر من أربعة عقود.
إلا أن الصين سارعت، بعد نجاح تدابير العزل والتباعد في احتواء الوباء، إلى إطلاق عجلة الاقتصاد في أبريل (نيسان) الماضي. ومع ذلك، تبدو السلطة العليا في بكين أقل ميلاً لقيادة الانتعاش الاقتصادي العالمي مما كانت عليه عقب الأزمة المالية 2008 – 2009 حين أنفقت الكثير على حزمة تحفيز فاقت قيمتها نصف تريليون دولار. ففي السنوات التي تلت ذلك، ضاعفت الصين تقريباً ديونها الحكومية إلى نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي يعتقد محللون كثر أنها لا تستطيع تحمّل الإنفاق بقوة مجدداً. والدليل على ذلك أن البنك المركزي الصيني اكتفى بإجراءات متواضعة نسبياً حتى الآن، أبرزها خفض متطلبات الاحتياطي النقدي للبنوك، مما سيسمح لها بإقراض الشركات المتعثرة 80 مليار دولار. كما أعلن المركزي أنه سيخفض أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة.
ولن يُعرف الاتجاه الذي ستسلكه الصين إلا عندما تفصح عن النمو الاقتصادي الذي تستهدفه هذه السنة، فإذا كان طموحاً بحدود 6% فهذا يعني أنها ستنفق الكثير على حزمة التحفيز، أما إذا حدّدت رقماً أكثر تواضعاً، أقرب إلى 2.5 أو 3%، فهذا يعني أنها لن تنفق أكثر مما تفعل حالياً. وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق الهدف المعلَن المتمثل في مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و2020، يُلزم صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم أن تحقق نمواً نسبته 5.6% على الأقل هذا العام.
*اليابان
اليابان هي صاحبة ثالث اقتصاد في العالم. وهو اقتصاد قائم بالدرجة الأولى على التصدير، ويتوقع له الخبراء أن ينكمش نحو 3% هذا العام، في ما سيكون أسوأ أداء له منذ العام 2008. ويأتي التأثير العميق للوباء عقب التباطؤ الاقتصادي الذي نجم عن زيادة ضريبة المبيعات في الخريف الماضي.
وقد استجابت حكومة شينزو آبي بحزمة إغاثة ضخمة، تبلغ قيمتها تريليون دولار، لمساعدة اقتصاد البلاد خلال واحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها في العقود الأخيرة.
وأعلن البنك المركزي الياباني أواخر أبريل استعداده لشراء عدد غير محدود من الديون الحكومية ومضاعفة مشترياته من ديون الشركات. إلا أن خيارات البنك تبدو محدودة بعدما أبقى أسعار الفائدة قريبة من الصفر لسنوات، بمعنى أنه لن يستطيع تحفيز الاقتصاد عبر خفض الفوائد.
*ألمانيا
يسير الاقتصاد الألماني نحو الانكماش بخطى «ثابتة» للمرة الأولى منذ العام 2009، وذلك بنسبة قد تصل إلى 10%، مع العلم أن حكومة أنجيلا ميركل توقعت انكماشاً يزيد قليلاً عن 6%، وهو ما سيكون في أي حال أسوأ أداء للاقتصاد منذ عقود.
وقد اتخذت برلين إجراءات جريئة لمواجهة الأزمة، فتخلّت عن «عقيدة» الالتزام الثابت بالميزانيات المتوازنة، المعروفة باسم «شفارتسه نول» أو «الصفر الأسود». وخصصت الحكومة 350 مليار يورو – أقل بقليل من نحو 10% من ناتجها المحلي الإجمالي - لدعم أكبر اقتصاد في منطقة اليورو والرابع عالمياً. وستنفَق الأموال لإنقاذ الشركات المتعثرة عبر إقراضها واحتمال شراء حصص فيها.
ولم تتردد ميركل في القول إن الحكومة «ستقوم بكل ما هو ضروري» لإنقاذ الاقتصاد، متخليةً عن حذر لم تتخلَّ عنه حيال الشركاء في الاتحاد الأوروبي عندما وقفت بصلابة في وجه فكرة «سندات كورونا»، كي لا يقترضوا بواسطتها وتكون ألمانيا هي الكفيل الذي يتحمّل أي تخلّف عن السداد.
يبدو واضحاً من أوضاع الاقتصادات الأربعة الأولى في الكرة الأرضية أن الفيروس أقوى منها، وأن جلّ ما تفعله هو التعامل بأسلوب ردّ الفعل مع الوضع الطارئ، من دون القدرة على رؤية الآفاق الأبعد والتخطيط لآجال طويلة أو حتى متوسطة. ويبدو واضحاً أيضاً ان ثمة احتمالاً كبيراً لأن يتزايد وسط مناخ «الحرب» الذي أشاعه «كوفيد – 19» الشعور بـ«القومية الاقتصادية» الذي سيدفع الحكومات إلى تمتين حدودها وإغلاق اقتصاداتها... وعندها سترتسم حكماً ملامح عالم آخر، وهو ما قد يستحق بحثاً آخر.


مقالات ذات صلة

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

الاقتصاد ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد مضخة ومنصة حفر جنوب ميدلاند تكساس (رويترز)

برنت يهبط تحت مستوى 100 دولار وسط سوق متقلبة

تراجع خام برنت بواقع 4.22 في المائة يوم الأربعاء، وهبط تحت مستوى 100 دولار للبرميل إلى 99.75 دولار.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أساور ذهبية معروضة في متجر مجوهرات في مومباي (رويترز)

الذهب يرتفع لأعلى مستوى في أسبوعين مدعوماً بتصريحات ترمب وتراجع الدولار

ارتفعت أسعار الذهب بشكل طفيف يوم الأربعاء إلى أعلى مستوى لها في نحو أسبوعين، مدعومة بضعف الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

النفط يرتفع بأكثر من 1 % وسط حالة من عدم اليقين في الشرق الأوسط

ارتفع سعر النفط بأكثر من 1 في المائة الأربعاء، حيث واصلت العقود الآجلة لخام برنت مكاسبها بعد ارتفاع شهري قياسي في مارس.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

بينما ينشغل العالم بمراقبة تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي عبر «هرمز»، تنفجر أزمة صامتة في إمدادات «الغاز غير المرئي» الذي تعتمد عليه أحدث التقنيات البشرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.