وباء «كورونا» يضرب النموّ ويهدّد بتصاعد «القومية الاقتصادية»

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
TT

وباء «كورونا» يضرب النموّ ويهدّد بتصاعد «القومية الاقتصادية»

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)

يتوقّع صندوق النقد الدولي أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي في 170 دولة بسبب وباء «كورونا»، بل إن التقديرات «قد تكون صورة أكثر تفاؤلاً مما ينتجه الواقع»... إذا لم يستمر الوباء طويلاً سيعرف العالم انكماشاً بنسبة 3%، أما إذا عادت الجائحة عام 2021 فقد يتحمّل الاقتصاد العالمي عواقب ذلك لسنوات عدة، وفق مديرة الصندوق كريستالينا جورجييفا التي لم تستبعد أن يكون الركود أسوأ مما عرفه العالم عام 2008، بل أسوأ من الكساد الكبير 1920 – 1921.
ليس في ذلك ما يثير العجب، فالعجلة الاقتصادية العالمية تدور بشق النفس، ونسمع عن شركات كبرى تقترب من الإفلاس وتستنجد بالحكومات (على غرار شركة الطيران الألمانية لوفتهانزا أخيراً). بل إن ما يعمّق الأزمة أكثر، واقع أن «كوفيد - 19» ضرب ضربته في وقت لم يكن الاقتصاد يرفل بثوب الازدهار، بل يعرف تعثّراً على أكثر من صعيد بسبب الجو السياسي العالمي، والخلافات بشأن الأخطار البيئية، والحروب التجارية المختلفة وأهمها طبعاً تلك الدائرة رحاها على «الجبهة» الأميركية – الصينية.
ويلفت الاقتصادي الأميركي التركي الأصل نورييل روبيني، إلى أن الحكومات الفاعلة لم تحسن التعامل مع أسباب الأزمة المالية 2008-2009، فعالجت النتائج وأهملت أسباب الاختلالات والأخطار. وبدل أن تتصدّى للمشاكل الهيكلية التي كشفها الانهيار المالي والكساد الذي أعقبه، أزاحت المشكلة جانباً أو أرجأتها، الأمر الذي جعل حدوث أزمة جديدة أمراً حتمياً.
ويعدّد روبيني عوامل ستؤدي إلى الأزمة التي يعتبرها آتية حتى وإن شهد الاقتصاد العالمي ما بعد الجائحة شيئاً من التعافي. وفي طليعة هذه الأسباب إنفاق المال الوفير بالمليارات لمعالجة تداعيات الكارثة الصحية، ذلك أن كثيراً من الدول المعنية كانت مثقلة بالديون منذ ما قبل الفيروس القاتل، إلى حد عدم قدرة بعضها على تسديدها أو خفض العجز في ماليتها العامة. وهنا سيتزاوج الدين العام مع ديون القطاع الخاص على مستويي المؤسسات (إفلاس، تعثّر، نقص سيولة...) والأفراد (بطالة، تراجع الدخل، عدم سداد قروض...). فمن أين لهذه الدول، مثلاً، أن تتحمّل كلفة البطالة المتعاظمة وتدبّر الأموال لمساعدة العاطلين عن العمل؟
وهنا تجدر الإشارة إلى سلبية مفاعيل العولمة التجارية التي تعمّق أزمة الدول الغنية، ذلك أن الدول الفقيرة وحتى المتوسطة الحال لم تعد قادرة على الاستيراد جزئياً وأحياناً كلياً، الأمر الذي يؤدي إلى تكدّس سلع كانت معدّة للتصدير في دول صناعية. وقد سمعنا عن تراجع التضخم في ألمانيا مثلاً، وهو خبر ليس من الإيجابية في شيء إذا وصل تراجع الأسعار إلى حد الإنكماش بفعل تراجع التصدير في موازاة انخفاض الإنفاق الاستهلاكي الداخلي.
ويمكن بكل تأكيد الاسترسال في وصف المشكلة وتداعياتها الشاملة لكل القطاعات الاقتصادية، لكن يجدر الالتفات إلى كون الدول والحكومات تبحث حتماً عن سبل حلّها، خصوصاً أن الأمر يحتاج إلى تخطيط عميق ونفَس طويل. ولا شك في أن الأنظار تتجه إلى الدول صاحبة الاقتصادات الكبيرة والقدرات المعتبَرة لتكون رائدة في تلمّس مسار الخروج من النفق. فما هو الواقع الراهن للدول الأربع الكبرى اقتصادياً؟
*الولايات المتحدة
يُستدلّ على الضرر الذي سببه الوباء للاقتصاد الأميركي من رقم واحد: 30 مليون شخص ملأوا استمارات مساعدة العاطلين عن العمل، أي نحو سدس القوة العاملة في الولايات المتحدة.
في موازاة ذلك، انخفض الناتج الاقتصادي نحو 5% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، في أكبر تراجع منذ العام 2008. ويتوقع معظم المحللين أن يكون الانحدار أسوأ بكثير في الربع الثاني، حتى أن البعض يشير إلى أن معدل البطالة قد يصل إلى 40% من القوة العاملة، وهو عبء ثقيل على أي دولة، وإن كانت صاحبة الاقتصاد الرقم واحد في العالم.
وقد سارعت السلطات الفدرالية إلى التحرك لاحتواء المشكلة، فأكد مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) أنه سيفعل كل شيء ممكن لدعم الاقتصاد وتوفير السيولة. وعمد إلى خفض أسعار الفائدة لتقترب من الصفر، وأنزل متطلبات احتياطي البنوك من السيولة النقدية إلى الصفر أيضاً، واشترى نحو تريليونَي دولار من سندات الخزينة والأوراق المالية المدعومة برهونات عقارية، وقدّم تسليفات طارئة لمؤسسات مختلفة.
يضاف إلى ذلك أن الكونغرس أقر تشريعاً بحزمة طارئة قيمتها تريليونا دولار، تشمل مساعدات مقدارها 1200 دولار للأفراد، وقروضاً للشركات، وزيادة لإعانات البطالة...
*الصين
هبّت العاصفة الصحية من الصين في ديسمبر (كانون الأول) 2019، وعندما اشتدّت رياحها أغلقت السلطات البلاد وأوقفت عجلة الاقتصاد. وأدت أسابيع الحجر والعزل في عشرات المدن إلى انخفاض حاد في إنتاج المصانع ومبيعات التجزئة وأعمال البناء وسواها. وبشكل عام، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% تقريباً في الربع الأول من العام 2020 في أول انكماش اقتصادي صيني منذ أكثر من أربعة عقود.
إلا أن الصين سارعت، بعد نجاح تدابير العزل والتباعد في احتواء الوباء، إلى إطلاق عجلة الاقتصاد في أبريل (نيسان) الماضي. ومع ذلك، تبدو السلطة العليا في بكين أقل ميلاً لقيادة الانتعاش الاقتصادي العالمي مما كانت عليه عقب الأزمة المالية 2008 – 2009 حين أنفقت الكثير على حزمة تحفيز فاقت قيمتها نصف تريليون دولار. ففي السنوات التي تلت ذلك، ضاعفت الصين تقريباً ديونها الحكومية إلى نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي يعتقد محللون كثر أنها لا تستطيع تحمّل الإنفاق بقوة مجدداً. والدليل على ذلك أن البنك المركزي الصيني اكتفى بإجراءات متواضعة نسبياً حتى الآن، أبرزها خفض متطلبات الاحتياطي النقدي للبنوك، مما سيسمح لها بإقراض الشركات المتعثرة 80 مليار دولار. كما أعلن المركزي أنه سيخفض أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة.
ولن يُعرف الاتجاه الذي ستسلكه الصين إلا عندما تفصح عن النمو الاقتصادي الذي تستهدفه هذه السنة، فإذا كان طموحاً بحدود 6% فهذا يعني أنها ستنفق الكثير على حزمة التحفيز، أما إذا حدّدت رقماً أكثر تواضعاً، أقرب إلى 2.5 أو 3%، فهذا يعني أنها لن تنفق أكثر مما تفعل حالياً. وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق الهدف المعلَن المتمثل في مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و2020، يُلزم صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم أن تحقق نمواً نسبته 5.6% على الأقل هذا العام.
*اليابان
اليابان هي صاحبة ثالث اقتصاد في العالم. وهو اقتصاد قائم بالدرجة الأولى على التصدير، ويتوقع له الخبراء أن ينكمش نحو 3% هذا العام، في ما سيكون أسوأ أداء له منذ العام 2008. ويأتي التأثير العميق للوباء عقب التباطؤ الاقتصادي الذي نجم عن زيادة ضريبة المبيعات في الخريف الماضي.
وقد استجابت حكومة شينزو آبي بحزمة إغاثة ضخمة، تبلغ قيمتها تريليون دولار، لمساعدة اقتصاد البلاد خلال واحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها في العقود الأخيرة.
وأعلن البنك المركزي الياباني أواخر أبريل استعداده لشراء عدد غير محدود من الديون الحكومية ومضاعفة مشترياته من ديون الشركات. إلا أن خيارات البنك تبدو محدودة بعدما أبقى أسعار الفائدة قريبة من الصفر لسنوات، بمعنى أنه لن يستطيع تحفيز الاقتصاد عبر خفض الفوائد.
*ألمانيا
يسير الاقتصاد الألماني نحو الانكماش بخطى «ثابتة» للمرة الأولى منذ العام 2009، وذلك بنسبة قد تصل إلى 10%، مع العلم أن حكومة أنجيلا ميركل توقعت انكماشاً يزيد قليلاً عن 6%، وهو ما سيكون في أي حال أسوأ أداء للاقتصاد منذ عقود.
وقد اتخذت برلين إجراءات جريئة لمواجهة الأزمة، فتخلّت عن «عقيدة» الالتزام الثابت بالميزانيات المتوازنة، المعروفة باسم «شفارتسه نول» أو «الصفر الأسود». وخصصت الحكومة 350 مليار يورو – أقل بقليل من نحو 10% من ناتجها المحلي الإجمالي - لدعم أكبر اقتصاد في منطقة اليورو والرابع عالمياً. وستنفَق الأموال لإنقاذ الشركات المتعثرة عبر إقراضها واحتمال شراء حصص فيها.
ولم تتردد ميركل في القول إن الحكومة «ستقوم بكل ما هو ضروري» لإنقاذ الاقتصاد، متخليةً عن حذر لم تتخلَّ عنه حيال الشركاء في الاتحاد الأوروبي عندما وقفت بصلابة في وجه فكرة «سندات كورونا»، كي لا يقترضوا بواسطتها وتكون ألمانيا هي الكفيل الذي يتحمّل أي تخلّف عن السداد.
يبدو واضحاً من أوضاع الاقتصادات الأربعة الأولى في الكرة الأرضية أن الفيروس أقوى منها، وأن جلّ ما تفعله هو التعامل بأسلوب ردّ الفعل مع الوضع الطارئ، من دون القدرة على رؤية الآفاق الأبعد والتخطيط لآجال طويلة أو حتى متوسطة. ويبدو واضحاً أيضاً ان ثمة احتمالاً كبيراً لأن يتزايد وسط مناخ «الحرب» الذي أشاعه «كوفيد – 19» الشعور بـ«القومية الاقتصادية» الذي سيدفع الحكومات إلى تمتين حدودها وإغلاق اقتصاداتها... وعندها سترتسم حكماً ملامح عالم آخر، وهو ما قد يستحق بحثاً آخر.


مقالات ذات صلة

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، على تشكيل مجموعة تنسيق لتعظيم الاستجابة للآثار الطاقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد مضخة ومنصة حفر جنوب ميدلاند تكساس (رويترز)

برنت يهبط تحت مستوى 100 دولار وسط سوق متقلبة

تراجع خام برنت بواقع 4.22 في المائة يوم الأربعاء، وهبط تحت مستوى 100 دولار للبرميل إلى 99.75 دولار.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أساور ذهبية معروضة في متجر مجوهرات في مومباي (رويترز)

الذهب يرتفع لأعلى مستوى في أسبوعين مدعوماً بتصريحات ترمب وتراجع الدولار

ارتفعت أسعار الذهب بشكل طفيف يوم الأربعاء إلى أعلى مستوى لها في نحو أسبوعين، مدعومة بضعف الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

النفط يرتفع بأكثر من 1 % وسط حالة من عدم اليقين في الشرق الأوسط

ارتفع سعر النفط بأكثر من 1 في المائة الأربعاء، حيث واصلت العقود الآجلة لخام برنت مكاسبها بعد ارتفاع شهري قياسي في مارس.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.