نكوص باتجاه الماضي واكتشاف لمتعة القراءة وازدهار للإبداع

من النتائج المترتبة على عزلة «كورونا» و«بطالة الزمن»

كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط
كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط
TT

نكوص باتجاه الماضي واكتشاف لمتعة القراءة وازدهار للإبداع

كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط
كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط

نادراً ما أتيح لسكان الأرض أن يشعروا ببطالة الزمن ولا جدوى تعاقب الأيام، كما هو حاصل في هذه الحقبة الفريدة والاستثنائية من التاريخ. فحيث كان الجميع سادرين في تهالكهم على كل ما يحقق لهم أسباب السلطة والنفوذ والمكاسب الدنيوية المختلفة، يأتي وباء «كورونا» على حين غرة ومن خارج جدول الأعمال، ليخلط الأوراق كلها وليضع في مهب الريح كل ما أولوه عنايتهم، وأحلّوه في مقدمة اهتماماتهم، ونذروا له حيواتهم بكاملها. وفي ظل هذا الوباء الضاري تنكشف عبثية الوجود الإنساني وهشاشته وتبدو الحياة موقوفة تماماً، إذا ما استعرت توصيف وضاح شرارة لبيروت في زمن الحرب. ومع ذلك؛ ولأن الحقيقة نسبية وحمّالة أوجه، فنحن لم نكن لنجد من دون هذه الجائحة المباغتة أي فرصة تُذكر، للتوقف قليلاً عند ما فرضناه على أنفسنا من أولويات، وما نصبناه أمام أعيننا من أهداف، وما خضنا من أجله أشرس الحروب والمواجهات. ذلك أن «كورونا» نجح إلى حد بعيد في أن يفرض عدالته الكابوسية على الجميع، ويزيل الفوارق المألوفة بين الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة، مساوياً داخل جدران عزلته الخانقة بين الحاكمين والمحكومين، الأغنياء والفقراء، المثقفين والأميين. وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول والأنظمة السياسية في الآن ذاته. بل إن قراءة متأنية لواقع الحال تُظهر أن هذا الوباء قد فرض على الدول العظمى وعلى الإمبراطوريات المتحكمة بمقدرات العالم، أن تخفف قليلاً من صلفها وسلوكياتها المتغطرسة، بعد أن دفعت ثمن هذه الغطرسة من اقتصادها وأرواح أهلها وأمنها الاجتماعي، في حين أن الدول الصغيرة والفقيرة استطاعت، بفعل حذرها الشديد وتواضعها الخفر، أن تنجح إلى حد بعيد في مكافحة الوباء والحد من انتشاره، والتمهيد لهزيمته الكاملة.
ثمة الكثير مما يمكن للأحياء الذين ستكتب لهم النجاة، أن يؤرخوا لهذه التجربة الفريدة في قسوتها وغرابتها في مستقبل الأيام. وإذا كان ما سيُكتب يحتاج بادئ ذي بدء إلى الخروج من النفق الموبوء، فإن ما اختبرناه خلال الأشهر المنصرمة ليس قليلاً بالمقابل. بل إن التغيرات الدراماتيكية التي أصابت علاقتنا بذواتنا وأفكارنا عن أنفسنا وعن العالم، كما بالمكان والزمان وإيقاع الحياة، هي أقرب إلى الانفجار الزلزالي الذي سيخلخل الثوابت ويغير اللغة والمفاهيم والرؤية إلى المستقبل. فإذا كان «كورونا» قد حشرنا في مربعات بيوتنا الصغيرة وضيّق الخناق على أجسادنا التي لطالما اعتادت على المساحات الحرة والمفتوحة، إلا أنه أضاء لنا بالمقابل أوسع المساحات التي يحتاج إليها العقل للاختلاء بنفسه، والتي تحتاج إليها الروح لاستعادة ألقها المحتجب، والتي تحتاج إليها المخيلة لكي تسترد قدرتها على التحليق. وإذا كان الزمن في العالم الرأسمالي، قد بلغ ذروة تسارعه بعد أن تحول ملايين البشر إلى مجرد عدّائين منهكين في حلبات البحث عن لقمة العيش وسراب الثروة الخادع، فإن «كورونا» قد استطاع عبر تعطيل دورة الإنتاج وإعادة الناس إلى بيوتهم، أن يعيد الزمن إلى إيقاعه البطيء، وصولاً إلى «نوم الأيام»، على حد الكاتبة اللبنانية علوية صبح. صحيح أن التباطؤ الشديد لحركة الزمن يبعث من جهة على الشعور بالضجر والرتابة، حيث الفرص المتاحة لتزجية الوقت قليلة جداً، وموزعة بين المطالعة ومشاهدة التلفزيون وشبكة التواصل الاجتماعي والتهام الطعام، لكن البطء يمنح من جهة ثانية شعوراً بالطمأنينة والسكينة الوادعة والهَدهَدة الباعثة على النعاس والخدر الروحي.
على أن الشعور ببطالة الزمن في حاضره الراهن، وغموض الطريق إلى المستقبل، لا يترك لمن يعيشون تحت وطأة الحجْر المنزلي سوى النكوص إلى الوراء، حيث الزمن مفتوح على مصراعيه والعودة إلى الماضي هي السبيل الأكثر نجاعة لنسيان كابوس الحاضر أو تناسيه. إن هذه العودة توفر للذين يعيشونها، ما توفره الروايات لقرائها من فرص الاستقالة من حيواتهم الأصلية المتعبة، للإقامة في حيوات أخرى حافلة بالمتعة وخالية من التبعات. فالصور والنصوص والأوراق القديمة التي يعمل البشر المنعزلون على استخراجها من الأدراج، تبدو لأصحابها وكأنها كنز حياتهم الأثمن الذي ينبغي انتشاله من «تايتانيك» اللحظة المهددة بالغرق. وليس غريباً تبعاً لذلك أن يعمد الآلاف من البشر إلى نشر سيَرهم ووقائع حياتهم وصورهم القديمة على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن «البحث عن الزمن المفقود» لا يقتصر على نشر صوَر مختلفة للأفراد والجلسات العائلية وللنزهات وحفلات الزفاف فحسب، بل يشمل في الوقت ذاته الصور التي تمّ التقاطها للكثير من القرى والبلدات والمدن قبل نصف قرن وأكثر من الزمن. فكل ما هو حديث لم يعد يعوّل عليه؛ لأنه بات في نظر الناس متصلاً براهن الأرض الملوث وواقعها الموبوء. والبشر حين يعودون للماضي، يبدون وكأنهم يعودون إلى أزمنة البراءة الخالصة التي لا يطالها الفساد، وينأون بأنفسهم عن الخطر الداهم الذي يهدد الكوكب برمّته ويضع سكانه على طريق الإمحاء والاضمحلال.
وعلى قاعدة «ربّ ضارة نافعة» تمكن وباء «كورونا»، على مساوئه، من جعل المطالعة وقراءة الكتب واحدة من الخيارات القليلة المتاحة أمام ملايين البشر المحتجزين في بيوتهم. وإذا كانت نسبة المعنيين بالقراءة في العقود الماضية قد أخذت بالتضاؤل التدريجي في ظل استشراء القيم المادية والبحث المرهق عن لقمة العيش، فإن هذه النسبة قد تضاعفت تماماً في الآونة الأخيرة. ففي ظل الإقامة الجبرية المفروضة على معظم سكان الأرض، لن يجد هؤلاء الكثير ليفعلوه، سوى اللجوء إلى القراءة والتهام الكتب، بحيث لم يعد الأمر محصوراً بالنخب المثقفة وحدها، بل بات الجميع بحكم الواقع المستجد، وعلى طريقة «مكرهٌ أخاك لا بطل»، يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط. كما أن القراءة تتيح للمحتجزين في بيوتهم الإقامة في عالم افتراضي يحملهم بعيداً عن الخطر الداهم الذي يتهدد وجودهم، بانتظار أن تعود الحياة لاحقاً إلى مسارها القويم. ومع أن الرواية بأنواعها المختلفة ظلت تتصدر منذ عقود قوائم مبيعات دور النشر العربية والعالمية، فإنها لا تزال تشهد المزيد من الرواج في ظل الوباء القاتل، ولا يزال الآلاف يقبلون على قراءتها بشغف بالغ. ذلك أنها توفر لقرائها من فرص المتعة والتشويق والتماهي مع عوالمها المتخيلة، ما لا يوفره أي فن آخر.
على أن آثار «كورونا» الثقافية لن تقتصر على ازدياد منسوب القراءة فحسب، بل ستتعدى ذلك إلى الكتابة والتأليف. فبعد أن تحولت الأرض إلى سجن كبير، سيجد مبدعوها، القدامى والجدد، كل ما يلزمهم من وقت لتحويل مكابدتاهم وهواجسهم إلى أعمال أدبية وفكرية. تماماً كما يحدث للمعتقلين السياسيين ونزلاء السجون الذين لم يكتف بعضهم بقراءة الكتب، بل تجاوزوا ذلك باتجاه التأليف الأدبي والسياسي والفلسفي وكتابة السيَر والمذكرات. ولعل ما اصطُلح على تسميته بأدب السجون، لم يكن سوى الثمرة الطبيعية لاختلاء الناس بأنفسهم في ظل العزلات القسرية الطويلة التي وفَّرت لهم كل أسباب المطالعة والتحصيل المعرفي والتأمل في الجوانب الجوهرية من الحياة، وفي كل ما يتصل بقضايا الحرية والحب والعدالة والزمن والحياة والموت. وإذا كنت أميل إلى الاعتقاد باستمرار الرواية وأدب السرد في التصاعد والازدهار، فليس ذلك من باب التنجيم والحدس المجرد، بل لأن كتّاب الرواية والقصة يختبرون خلال هذه الحقبة الحرجة من الزمن أنماطاً من العيش غير مسبوقة، ويعاينون في علاقتهم بالمكان تفاصيل ووقائع وتمزقات، لم يسبق لهم أن اختبروها في أي مرحلة من حياتهم. إلا أن الجانب الأوفر والأعمق من الانفجار الإبداعي المصاحب لاستشراء الوباء واللاحق له، سيكون حسب ما أعتقد من نصيب الشعر. فهذا الفن الجميل والصعب الذي سارع الكثيرون إلى نعيه وتأبينه في العقود الأخيرة، لن ينتظر طويلاً لكي يستعيد مكانته السابقة وألقه المتراجع. وفي ظل تشظي الزمن وفقدان اليقين وزوال القشور الهشة التي تغلف الحقيقة، سيكون الشعر بأساليبه المختلفة التي تتراوح بين المعلقات الطويلة والشذرات المكثفة واللقى الخاطفة، حاضراً لتلقف الصدمة والتعبير عن أعتى الوساوس التي تعصف بالجنس البشري. وأغلب الظن أن شعر المناسبات والتحريض الخطابي والدعاوى الآيديولوجية لن يجد له مكاناً في السنوات المقبلة، وسيشهد الكثير من التراجع أمام حاجة القراء إلى شعرية التأمل والمساررة مع النفس والتوهج الروحي، وإلى كل ما يزودهم ببصيص من الضوء وسط ظلام المرحلة وغموضها المستتب.



التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.