نكوص باتجاه الماضي واكتشاف لمتعة القراءة وازدهار للإبداع

من النتائج المترتبة على عزلة «كورونا» و«بطالة الزمن»

كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط
كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط
TT

نكوص باتجاه الماضي واكتشاف لمتعة القراءة وازدهار للإبداع

كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط
كثيرون يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط

نادراً ما أتيح لسكان الأرض أن يشعروا ببطالة الزمن ولا جدوى تعاقب الأيام، كما هو حاصل في هذه الحقبة الفريدة والاستثنائية من التاريخ. فحيث كان الجميع سادرين في تهالكهم على كل ما يحقق لهم أسباب السلطة والنفوذ والمكاسب الدنيوية المختلفة، يأتي وباء «كورونا» على حين غرة ومن خارج جدول الأعمال، ليخلط الأوراق كلها وليضع في مهب الريح كل ما أولوه عنايتهم، وأحلّوه في مقدمة اهتماماتهم، ونذروا له حيواتهم بكاملها. وفي ظل هذا الوباء الضاري تنكشف عبثية الوجود الإنساني وهشاشته وتبدو الحياة موقوفة تماماً، إذا ما استعرت توصيف وضاح شرارة لبيروت في زمن الحرب. ومع ذلك؛ ولأن الحقيقة نسبية وحمّالة أوجه، فنحن لم نكن لنجد من دون هذه الجائحة المباغتة أي فرصة تُذكر، للتوقف قليلاً عند ما فرضناه على أنفسنا من أولويات، وما نصبناه أمام أعيننا من أهداف، وما خضنا من أجله أشرس الحروب والمواجهات. ذلك أن «كورونا» نجح إلى حد بعيد في أن يفرض عدالته الكابوسية على الجميع، ويزيل الفوارق المألوفة بين الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة، مساوياً داخل جدران عزلته الخانقة بين الحاكمين والمحكومين، الأغنياء والفقراء، المثقفين والأميين. وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول والأنظمة السياسية في الآن ذاته. بل إن قراءة متأنية لواقع الحال تُظهر أن هذا الوباء قد فرض على الدول العظمى وعلى الإمبراطوريات المتحكمة بمقدرات العالم، أن تخفف قليلاً من صلفها وسلوكياتها المتغطرسة، بعد أن دفعت ثمن هذه الغطرسة من اقتصادها وأرواح أهلها وأمنها الاجتماعي، في حين أن الدول الصغيرة والفقيرة استطاعت، بفعل حذرها الشديد وتواضعها الخفر، أن تنجح إلى حد بعيد في مكافحة الوباء والحد من انتشاره، والتمهيد لهزيمته الكاملة.
ثمة الكثير مما يمكن للأحياء الذين ستكتب لهم النجاة، أن يؤرخوا لهذه التجربة الفريدة في قسوتها وغرابتها في مستقبل الأيام. وإذا كان ما سيُكتب يحتاج بادئ ذي بدء إلى الخروج من النفق الموبوء، فإن ما اختبرناه خلال الأشهر المنصرمة ليس قليلاً بالمقابل. بل إن التغيرات الدراماتيكية التي أصابت علاقتنا بذواتنا وأفكارنا عن أنفسنا وعن العالم، كما بالمكان والزمان وإيقاع الحياة، هي أقرب إلى الانفجار الزلزالي الذي سيخلخل الثوابت ويغير اللغة والمفاهيم والرؤية إلى المستقبل. فإذا كان «كورونا» قد حشرنا في مربعات بيوتنا الصغيرة وضيّق الخناق على أجسادنا التي لطالما اعتادت على المساحات الحرة والمفتوحة، إلا أنه أضاء لنا بالمقابل أوسع المساحات التي يحتاج إليها العقل للاختلاء بنفسه، والتي تحتاج إليها الروح لاستعادة ألقها المحتجب، والتي تحتاج إليها المخيلة لكي تسترد قدرتها على التحليق. وإذا كان الزمن في العالم الرأسمالي، قد بلغ ذروة تسارعه بعد أن تحول ملايين البشر إلى مجرد عدّائين منهكين في حلبات البحث عن لقمة العيش وسراب الثروة الخادع، فإن «كورونا» قد استطاع عبر تعطيل دورة الإنتاج وإعادة الناس إلى بيوتهم، أن يعيد الزمن إلى إيقاعه البطيء، وصولاً إلى «نوم الأيام»، على حد الكاتبة اللبنانية علوية صبح. صحيح أن التباطؤ الشديد لحركة الزمن يبعث من جهة على الشعور بالضجر والرتابة، حيث الفرص المتاحة لتزجية الوقت قليلة جداً، وموزعة بين المطالعة ومشاهدة التلفزيون وشبكة التواصل الاجتماعي والتهام الطعام، لكن البطء يمنح من جهة ثانية شعوراً بالطمأنينة والسكينة الوادعة والهَدهَدة الباعثة على النعاس والخدر الروحي.
على أن الشعور ببطالة الزمن في حاضره الراهن، وغموض الطريق إلى المستقبل، لا يترك لمن يعيشون تحت وطأة الحجْر المنزلي سوى النكوص إلى الوراء، حيث الزمن مفتوح على مصراعيه والعودة إلى الماضي هي السبيل الأكثر نجاعة لنسيان كابوس الحاضر أو تناسيه. إن هذه العودة توفر للذين يعيشونها، ما توفره الروايات لقرائها من فرص الاستقالة من حيواتهم الأصلية المتعبة، للإقامة في حيوات أخرى حافلة بالمتعة وخالية من التبعات. فالصور والنصوص والأوراق القديمة التي يعمل البشر المنعزلون على استخراجها من الأدراج، تبدو لأصحابها وكأنها كنز حياتهم الأثمن الذي ينبغي انتشاله من «تايتانيك» اللحظة المهددة بالغرق. وليس غريباً تبعاً لذلك أن يعمد الآلاف من البشر إلى نشر سيَرهم ووقائع حياتهم وصورهم القديمة على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن «البحث عن الزمن المفقود» لا يقتصر على نشر صوَر مختلفة للأفراد والجلسات العائلية وللنزهات وحفلات الزفاف فحسب، بل يشمل في الوقت ذاته الصور التي تمّ التقاطها للكثير من القرى والبلدات والمدن قبل نصف قرن وأكثر من الزمن. فكل ما هو حديث لم يعد يعوّل عليه؛ لأنه بات في نظر الناس متصلاً براهن الأرض الملوث وواقعها الموبوء. والبشر حين يعودون للماضي، يبدون وكأنهم يعودون إلى أزمنة البراءة الخالصة التي لا يطالها الفساد، وينأون بأنفسهم عن الخطر الداهم الذي يهدد الكوكب برمّته ويضع سكانه على طريق الإمحاء والاضمحلال.
وعلى قاعدة «ربّ ضارة نافعة» تمكن وباء «كورونا»، على مساوئه، من جعل المطالعة وقراءة الكتب واحدة من الخيارات القليلة المتاحة أمام ملايين البشر المحتجزين في بيوتهم. وإذا كانت نسبة المعنيين بالقراءة في العقود الماضية قد أخذت بالتضاؤل التدريجي في ظل استشراء القيم المادية والبحث المرهق عن لقمة العيش، فإن هذه النسبة قد تضاعفت تماماً في الآونة الأخيرة. ففي ظل الإقامة الجبرية المفروضة على معظم سكان الأرض، لن يجد هؤلاء الكثير ليفعلوه، سوى اللجوء إلى القراءة والتهام الكتب، بحيث لم يعد الأمر محصوراً بالنخب المثقفة وحدها، بل بات الجميع بحكم الواقع المستجد، وعلى طريقة «مكرهٌ أخاك لا بطل»، يرون في المطالعة ملاذهم الأنجع من الضجر والخوف والإحباط. كما أن القراءة تتيح للمحتجزين في بيوتهم الإقامة في عالم افتراضي يحملهم بعيداً عن الخطر الداهم الذي يتهدد وجودهم، بانتظار أن تعود الحياة لاحقاً إلى مسارها القويم. ومع أن الرواية بأنواعها المختلفة ظلت تتصدر منذ عقود قوائم مبيعات دور النشر العربية والعالمية، فإنها لا تزال تشهد المزيد من الرواج في ظل الوباء القاتل، ولا يزال الآلاف يقبلون على قراءتها بشغف بالغ. ذلك أنها توفر لقرائها من فرص المتعة والتشويق والتماهي مع عوالمها المتخيلة، ما لا يوفره أي فن آخر.
على أن آثار «كورونا» الثقافية لن تقتصر على ازدياد منسوب القراءة فحسب، بل ستتعدى ذلك إلى الكتابة والتأليف. فبعد أن تحولت الأرض إلى سجن كبير، سيجد مبدعوها، القدامى والجدد، كل ما يلزمهم من وقت لتحويل مكابدتاهم وهواجسهم إلى أعمال أدبية وفكرية. تماماً كما يحدث للمعتقلين السياسيين ونزلاء السجون الذين لم يكتف بعضهم بقراءة الكتب، بل تجاوزوا ذلك باتجاه التأليف الأدبي والسياسي والفلسفي وكتابة السيَر والمذكرات. ولعل ما اصطُلح على تسميته بأدب السجون، لم يكن سوى الثمرة الطبيعية لاختلاء الناس بأنفسهم في ظل العزلات القسرية الطويلة التي وفَّرت لهم كل أسباب المطالعة والتحصيل المعرفي والتأمل في الجوانب الجوهرية من الحياة، وفي كل ما يتصل بقضايا الحرية والحب والعدالة والزمن والحياة والموت. وإذا كنت أميل إلى الاعتقاد باستمرار الرواية وأدب السرد في التصاعد والازدهار، فليس ذلك من باب التنجيم والحدس المجرد، بل لأن كتّاب الرواية والقصة يختبرون خلال هذه الحقبة الحرجة من الزمن أنماطاً من العيش غير مسبوقة، ويعاينون في علاقتهم بالمكان تفاصيل ووقائع وتمزقات، لم يسبق لهم أن اختبروها في أي مرحلة من حياتهم. إلا أن الجانب الأوفر والأعمق من الانفجار الإبداعي المصاحب لاستشراء الوباء واللاحق له، سيكون حسب ما أعتقد من نصيب الشعر. فهذا الفن الجميل والصعب الذي سارع الكثيرون إلى نعيه وتأبينه في العقود الأخيرة، لن ينتظر طويلاً لكي يستعيد مكانته السابقة وألقه المتراجع. وفي ظل تشظي الزمن وفقدان اليقين وزوال القشور الهشة التي تغلف الحقيقة، سيكون الشعر بأساليبه المختلفة التي تتراوح بين المعلقات الطويلة والشذرات المكثفة واللقى الخاطفة، حاضراً لتلقف الصدمة والتعبير عن أعتى الوساوس التي تعصف بالجنس البشري. وأغلب الظن أن شعر المناسبات والتحريض الخطابي والدعاوى الآيديولوجية لن يجد له مكاناً في السنوات المقبلة، وسيشهد الكثير من التراجع أمام حاجة القراء إلى شعرية التأمل والمساررة مع النفس والتوهج الروحي، وإلى كل ما يزودهم ببصيص من الضوء وسط ظلام المرحلة وغموضها المستتب.



موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة
TT

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) تصدر في فرنسا وفق إحصاء مجلة «ليفر إبدو» 461 رواية، مقابل 484 في العام الماضي، موزّعة على 344 عملاً فرنسياً و117 عملاً مترجَماً. وإن كان الرقم في ظاهره وفرة، فإنّ في باطنه إنذاراً: فالإنتاج الفرنسي ثابت تقريباً عند مستوى 2025، بينما جاء التراجع كلّه من جهة الترجمة، التي نزلت من 140 عنواناً إلى 117. ويأتي هذا الحصاد في سنةٍ قاسية على القطاع؛ إذ تراجعت مبيعات الكتاب الجديد في النصف الأول من 2026 بنسبة 6.2 في المائة، في خامس تراجعٍ متتالٍ، فيما اتّسع سوق الكتاب المستعمل حتى صار ينافس الكتاب الجديد على شريحةٍ معتبرة من القرّاء. وفي الواجهة، تتعرض المكتبات الفرنسية لمصاعب مادية حيث وُضعت سلسلة «جيبير جوزيف» العريقة تحت التسوية القضائية منذ أبريل (نيسان) الماضي، كما تواجه المكتبات المستقلّة الصغيرة ضغوطاً دفعت كثيراً منها إلى إيقاف نشاطها.

غير أنّ المفارقة التي تستحقّ التوقّف هي أنّ الرواية الفرنسية تردّ على انكماش سوقها بتوسيع خيالها لا بتقليصه. فحين يضيق الرهان التجاري، يميل الناشرون عادةً إلى الآمن والمجرَّب. لكنّ هذه السنة عادت الروايات الطويلة التي تمتدّ عبر الأجيال بقوة، لتستعيد الحبكة والمغامرة. كأنّ الأدب، إذ يفقد جزءاً من جمهوره، يقرّر أن يستعيده بما كان قد تخلّى عنه طويلاً وهي المتعة السرديّة. وهو ما أكدته مجلة «ليفر إبدو» التي لاحظت أنّ موضوع النسب والعائلة هو أقلّ حضوراً من العام الماضي، وأنّ كثيراً من كتب الموسم تدعو إلى ما سمته بـ«الفرار»: فرار جغرافي وتاريخي، وأحياناً إلى عوالم عجائبية. غير أنّ الكتابة عن الذات لم تختفِ تماماً، وإنّما غيّرت وجهتها: فالأعمال الأولى، وأغلب أصحابها هذا العام من النساء إذ شكلن نحو 60 في المائة منها، تدور حول موضوعين اثنين، هما البحث عن الأصول وتجربة المنفى. أما الرقم الأخطر في حصيلة الموسم فيبقى تراجع الترجمة؛ إذ يعني عملياً أنّ ثلاثاً وعشرين نافذةً على لغات أخرى أُغلقت في سنةٍ واحدة. ولا تفصّل الإحصاءات المتاحة أيّ اللغات دفعت الثمن، غير أنّ منطق مثل هذه الدورات يقول إنّ الانكماش يبدأ من الهوامش لا من المركز: أي من اللغات التي لا تملك سوقاً ولا جوائز كبرى تسندها. والأدب العربي المترجَم إلى الفرنسية، الذي لم يكن حضوره وافراً في الأصل، معنيٌّ بهذا السؤال أكثر من سواه.

في صدارة الموسم، كالعادة، الكاتبة أميلي نوتومب، التي أصدرت روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» (L›adolescence du perroquet)، في مائة وستين صفحة، وهي تتناول حكاية «ألبان»، اليتيم منذ السابعة عشرة، الذي يتبنّى ببغاءً رمادياً من الغابون يُدعى «جو»، فيتحوّل الكائن الأليف تدريجاً إلى شريكٍ مقلق. وتحت الطرافة الظاهرة نصٌّ عن اللغة والوحدة والهيمنة، تختصره الجملة الوحيدة التي اختارتها الكاتبة لتقديمه: «الحبّ ليس حقّاً مكتسباً». وإلى جانبها تقدّم ليليا حسين في «أنا» (Je) واحداً من أذكى مقترحات الموسم: أن تُعيد الكلام إلى أنطوانيت، زوجة روتشستر الأولى، «المجنونة في العليّة» التي أسكتتها شارلوت برونتي في «جين إير» قبل قرنٍ وثلاثة أرباع القرن. وتعيدنا الروائية إلى جامايكا عام 1831، فتصير الشخصية الثانوية راوية، ويصير الجنون المنسوب إليها تاريخاً استعمارياً كاملاً. أما العمل الأكثر حساسية فهو «وحدة الأساتذة لا نهاية لها» ليانيك هينيل.

والكتاب لا يروي متاعب أستاذٍ شاب في ضاحية باريسية فحسب، بل يكتب عن اغتيال المدرّسَين صامويل باتي ودومينيك برنار. وهينيل، الذي درّس خمس عشرة سنة في مناطق التعليم الواقعة في الضواحي قبل أن يتفرّغ للكتابة، يعرف من الداخل ما يكتب عنه، وهذا ما يمنح النصّ سلطته. وإلى جانب هذه العناوين الثلاثة، يعرض المشهد الأدبي الجديد أسماءً راسخة كفيليب جانادا الذي يواصل شغفه بقضايا التحقيق في «مجهولة رصيف جافيل»، وسيرج جونكور في «قصة غراميات» حول حكايتَي حبٍّ متشابكتين من زمنين مختلفين، وكذلك متياس إينار الذي يستعيد سراييفو في «فندق البلقان».

ويحتفظ الموسم بحضورٍ عربيّ ومتوسطيّ لافت، لا على هامشه بل في صلبه. فلدى «جوليار» يفتتح المغربي عبد الله الطايع الموسم بـ«واقفاً في أحلامك»، عائداً إلى المنفى بوصفه شرطاً لا حادثة. وتصدر عن «ستوك» رواية «إمامي» للبناني سبيل غصّوب، وهي تحقيق متخيَّل في اختفاء الإمام موسى الصدر عام 1978، يضفر فيه الكاتب سيرة عائلته بتاريخ لبنان. وعن الدار نفسها تصدر «الجزء الغائب»، الرواية الثانية للممثلة والمخرجة رشيدة براكني، عن امرأة تلاحقها جراح طفولتها وحرب الجزائر.

والجزائر تحديداً تعود هذا الموسم من أكثر من باب: من خلال رواية ستيفان جوستي «أوقفوا إطلاق النار» التي تروي الساعات التي سبقت مجزرة شارع إيسلي بالعاصمة عشية نهاية الاستعمار الفرنسي، والتجارب النووية في الصحراء لدى كزافييه لو كلير، والملحمة الاستعمارية لدى ماتيو بيليزي. ومن فلسطين يكتب كريم قطّان بالفرنسية في «شمالية». وتتقاطع مع هؤلاء الرواية الشهادية «إلّا الحدود» لإليزا شوا دوسابان وهي فرنسية من أمٍّ كورية جنوبية، تنشر لدى دار «زوي» السويسرية، رحلتها إلى بيروت وجنوب لبنان ثم إلى الأردن غداة السابع من أكتوبر 2023. واجتماع هذه العناوين في موسمٍ واحد ليس مصادفة، فالرواية الفرنسية تكتب اليوم ذاكرتها الاستعمارية والمتوسطية بأقلام أصحابها لا بأقلام الوكلاء عنهم، وذلك في ذاته تحوّلٌ يستحقّ أن يُسجَّل.

أما الأدب الأجنبي، فرغم تقلّصه الكمّي، يبقى خزّان الاكتشافات، وقد اختار هذا العام صيغة الملحمة العائلية تتصدّره «لازار» للسويسري نيليو بيدرمان (23 عاماً)، الصادرة في ستٍّ وعشرين دولة، وهي تتتبّع عبر ثلاثة أجيال صعود سلالةٍ أرستقراطية وأفولها، انطلاقاً من طفلٍ وُلد في هنغاريا مطلع القرن العشرين. ويغوص الإسباني أرتورو بيريز-ريفيرتي في الحرب الأهلية في «خط النار»، فيما يحمل العمل الأول للأميركي من أصل ياباني أ. س. تاماكي، «عشيرة الأوراق الميتة»، أكبر طبعة في الخانة الأجنبية بثلاثين ألف نسخة، وهي حكاية صداقةٍ تُختبَر وسط صراعات عائلات الساموراي.

وتعود إليزابيث ستراوت إلى بلدة كروسبي في ولاية مين بـ«احكوا لي كل شيء»، بينما يحوّل الآيرلندي المقيم في نيويورك كولوم ماكان تحقيقاً في قطع الكابلات البحرية قبالة سواحل غرب أفريقيا إلى تأمّلٍ في هشاشة ما نحسبه متيناً.

ويكتمل المشهد بالاسكوتلندي دوغلاس ستيوارت في «جون، ابن جون»، المُدرَج في القائمة الأولى لجائزة «بوكر» هذا العام، حيث يعود شابٌّ حديث التخرّج إلى جزيرة هاريس في الهبريد الخارجية فيصطدم بأبيه وبجماعةٍ مشيخية مغلقة وبسرٍّ عائليّ قديم.

ويُنهي الإيطالي أنطونيو سكوراتي ملحمته عن موسوليني بجزئها الخامس، فيما تعود الأميركية لورا كازيشكي إلى الرواية في «سباحة تحت المراقبة» عن حادثة غرق طفل في مسبحٍ مزدحم من دون أن ينتبه إليه أحد، بينما تتّجه «أبولو 11» نحو القمر.

القائمة الأولى لـ«غونكور» تُعلَن في الثاني من سبتمبر (أيلول)، أي بعد أسبوعين فقط من الموجة الأولى للموسم الجديد، على أن تفتتح «ميديسيس» موسم الإعلانات في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، وتليها «غونكور» و«رونودو» في اليوم التالي. وحتى ذلك الحين، يمكن قول شيءٍ واحد بثقة: إنّ هذا الموسم أضيق سوقاً وأوسع خيالاً من سابقه.

يحتفظ الموسم الحالي بحضورٍ عربي ومتوسطي لافت لا على هامشه بل في صلبه


جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
TT

جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
لوحة أم الرسام آنا ماكنيل

حين قرأت جملة ناقد الفن جون راسكن الذي اتهم فيها الرسام الأميركي جيمس ماكنيل ويستلر بأنه «يرمي دلواً من الطلاء في وجه الجمهور» صرت أفكر في أسباب انشدادي إلى أعمال رسام عاش في أواخر العصر الفيكتوري وبالأخص البورتريه الذي رسمه لأمه والذي رأيته في متحف أورسيه بباريس قبل سنوات. على الرغم من أن لغة السخرية التي أظهرتها عبارة راسكن فإنها تكاد أن تقترب من الحقيقة، وإن بطريقة مواربة. فويستلر لم يكن رساماً واقعياً، على الأقل لم تكن واقعيته تلتزم بقواعد تقليدية جاهزة. ذلك ما دفع البعض من النقاد إلى النظر إلى احتفائه بالألوان والخطوط الحرة بمثابة نبوءة لولادة فن حديث. كان تأثيره على النمساوي غوستاف كليمت (1862 - 1918) واضحاً، غير أن هناك مَن يذهب بعيداً ليجازف بالقول إن هناك شيء من ويسلر باعتباره أميركياً في تحول جاكسون بولوك (1912 - 1956) إلى الفن الحركي.

جيمس ماكنيل ويستلر الذي يقيم له متحف تيت بريتان بلندن معرضاً استعادياً هو الأكبر من نوعه ويستمر حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) المقبل لم يكن جزءاً من مدرسة أسلوبية واحدة ولم ينتسب إلى بلد بعينه على الرغم من ولادته في الولايات المتحدة. مواطن أميركي ولد في ماساتشوستس عام 1834 ودرس الرسم في روسيا بشكل جزئي ثم انتقل إلى باريس فالتقى بكلود مونيه الذي كان له أكبر الأثر عليه وتعرف هناك على فن الحفر الياباني على الخشب ومن بعدها استقر في لندن ورسم أجمل لوحاته فيها مستلهما ضبابها وجسورها متأثراً برسوم ويليام تيرنر ليموت فيها عام 1903.

وبسبب تعدد مصادر إلهامه وتنوع الأساليب الفنية التي تأثر بها وفكرته عن فن يتجاوز الواقع فإن جيمس ماكنيل ويستلر قد فلت من التصنيف المدرسي الذي لم يقيده بزمنه بحيث صار النظر إلى الصور الشخصية أو المناظر الطبيعية التي رسمها يتجاوز مسألة الموضوع إلى البحث في الطريقة التي حرر الرسام من خلالها تلك الصور والمشاهد من موضوعيتها ليعيد ترتيبها باعتبارها تكويناً بصرياً خالصاً.

صورة الأم وهي أشهر لوحاته

«ترتيب باللونين الرمادي والأسود رقم 1» هو عنوان اللوحة الشهيرة التي رسمها لأمه. تذكرني تلك اللوحة بلوحة بول سيزان التي رسم فيها أمه. رُسمت هذه اللوحة عام 1871 وهي الآن معروضة في متحف أورسيه وتُعتبر من أشهر اللوحات الأميركية خارج الولايات المتحدة. تنبعث قوتها من ضبط النفس لا من العاطفة. فشخصية آنا ماكنيل ويستلر الجالسة مُحاطة بالكامل تقريباً بدرجات الرمادي والأسود، القبعة البيضاء واليدان المطويتان واللوحة المؤطرة على الحائط، والستارة الداكنة على الجانب كلها تبدو مدروسة، صامتة ودقيقة.

قد لا يعلم الكثير من الزوار أن ويستلر لم يُرد لهذه اللوحة أن تُقرأ في المقام الأول كصورة عائلية، فعنوانها الرسمي له دلالة. يدعونا ذلك العنوان إلى رؤية العمل كترتيب للألوان، كتكوين تحضر فيه الأمومة والعمر والذاكرة، لكنها مُنظّمة بالخط والسطح والتوازن. اشترت الدولة الفرنسية اللوحة عام 1891، وهو اعتراف لافت مبكر بفنان أميركي. «حتى عندما أرسم والدتي، فإنني أرتبها». تلك جملة قالها ويستلر بعد أن انضم إلى حركة الجمالية التي كان أوسكار وايلد من أبرز وجوهها. وهنا بالضبط نصل إلى الخلاصة التي انتهى إليها الرسام المعجب بالباروكي الإسباني دييغو فيلاسكز وفن الطباعة الياباني. مع الجمالية ومن خلالها انفتح ويستلر على عالم الفن من الداخل باعتباره شغفاً مستقلاً بإعادة ترتيب الأشياء في سياق جمالي لا يثقله شعور بالمسؤولية عن تصوير الحياة الواقعية أو خدمة أي غرض أخلاقي.

ولو تأملنا عناوين لوحاته مثل «ترتيب» و«سيمفونية» و«تناغم» لاكتشفنا أنها لم تكن مجرد زخارف لفظية فهي توجه الزائر إلى كيفية النظر إليها، ليس بحثاً عن حكايات، بل عن النبرة والتوازن والإيقاع والإحساس. كان هناك دائماً حديث عن الموسيقى في الرسم سبق نظرية الروسي/ الفرنسي فاسيلي كاندنسكي عن الروحاني في الفن.

من المعرض

من الانطباعية إلى لندن وبالعكس

بتأثير مباشر من المكان تنوعت طريقة ويستلر في معالجة موضوعاته وأسلوبه في التعامل مع جمالية اللحظة البصرية، سعياً وراء ترتيبها كما لو أنها حدث خاص لا يتكرر. رسم في لندن وجسور نهر التايمز المغطاة بالدخان والشخصيات الشبحية المخفية بالأبيض والألعاب النارية وسماء الليل وكلها مستلهمة من نهايات العصر الفيكتوري. ذلك ما يكشف عنه المعرض حين يتتبع الخيط الذي أمسك به الفنان في باريس من خلال رسومه الأولية وتجاربه التي طغت عليها تأثيرات كلود مونيه في رسومه الضبابية التي هي صدى لرحلته إلى لندن، يوم التقى تيرنر هناك. هكذا يكون ويستلر قد حضر إلى لندن بشحنة إلهام جاهزة. وهو ما يعني أنه قدم إلى لندن وفيه شيء مبهم منها. ذلك الشيء الذي استمده من رسومات مونيه الفاتنة التي فتحت أمامه أبواب رؤية حديثة تتخطى تفاصيل الموضوع المرسوم إلى محاولة صنع أجواء، تكون المدينة حاضرة فيها بروحها الخفية.

بالنسبة لويستلر فإن الموضوع لا ينحصر في دلالاته الحكائية التي تعمد الفنان أن يشتت انتباه المتلقي عنها بقدر ما هو مناسبة لإرشاد ذلك المتلقي إلى كيفية تعلم النظر بحثاً عن النبرة والإيقاع والإحساس والتوازن. كيف اهتدى الرسام إلى الطريقة التي تدفع المتلقي إلى عدم الاهتمام بالموضوع والخلاص من فضول البحث عن معنى بعد أن وقع أسيراً لمعادلات بصرية تقدم متعة النظر التي تشد الحواس كلها في حزمة واحدة. لن يجد متلقي معنى لأية غاية أو هدف حين يشعر أن كل لوحة من لوحات ويستلر لا تشكل أيقونة لوحدها، بل هي جزء من ظاهرة مترفة تتصل به بترف العيش في الرسم بعيداً عن الواقع الحائر بين تفاصيل مشهديته التي لا يمكن أن تقدم سوى احتمال واحد. في أعمال ويستلر يستمر المشهد في تدفقه ولا يجمد في حالة واحدة.

لا ترى الفن بل تعيشه

يظهر تأثير الفنون الشرقية على ويستلر في تجارب التصميم الداخلي، ولا سيما عالم «غرفة الطاووس» الذي حقق من خلاله رغبته في أن يتجاوز الفن حدود اللوحة المؤطرة. صُممت هذه الغرفة الشهيرة في الأصل لمنزل فريدريك ليلاند بلندن والمحفوظة الآن في المتحف الوطني للفنون الآسيوية التابع لمؤسسة سميثسونيان. تنتمي تلك الغرفة إلى العالم الجمالي نفسه الذي تنتمي إليه لوحاته. عالمٌ يصبح فيه الفن بيئةً ومزاجاً وتجربةً بصريةً متكاملة. أنت لا ترى الفن بل تعيشه حين يحيط بك.


«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات
TT

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

يواصل الكاتب العُماني الخطّاب المزروعي في مجموعته القصصية الأحدث «فتاة المانجو»، الصادرة عن «منشورات المتوسط»، بناء عالمه السردي من مفردات تبدو للوهلة الأولى متاحة وعادية الحضور مثل تفاصيل الحياة اليومية، ملامح الأمكنة، وطأة الذكريات، غير أنها تتحول داخل نصوص المجموعة إلى نوافذ لآفاق أسئلة أكثر عمقاً حول المصير الإنساني وحقائق الوجود، عبر لغة تولي اهتماماً خاصاً بالتكثيف وتبتعد عن الاستطراد.

تضم «فتاة المانجو» 16 قصة، منها: «شيءٌ من رائحتها»، «مسؤول ثلاجة الموتى»، «فتاة المانجو»، «ذاكرة منقوصة»، «حسين الضحّاك»، «ما يحدث»، «فاننتازيا سمك كورونا»، «دوائر مسعود»، «الكُمَّة»، «الغرفة الصفراء»، «زعفرانة»... وغيرها.

يركز المزروعي على المكان، حيث يحتل المكان موقعاً بارزاً في تجربته، فهو عنصر فاعل في تشكيل الحكاية وليس مجرد خلفية للحدث، كما يرتبط بالذاكرة وما تختزنه من تجارب، فضلاً عن كونه نقطة التقاء بين ما عاشته الشخصيات وما تواجهه في حاضرها، وهو ما يمنح الجغرافيا المحلية أبعاداً تتجاوز حدودها الصارمة.

صدر للخطاب المزروعي رواية «ذاكرة الكورفيدا»، ومجموعة قصصية قصيرة جداً بعنوان «سيرة الخوف»، فضلاً عن المجموعتين القصصيتين «الرائحة الأخيرة للمكان » و«لعنة الأمكنة»، إلى جانب كتابه عن النصوص الأدبية «التباسات»، كما تُرجمت أعماله إلى الإسبانية والإنجليزية واليابانية والتركية.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ من قصة «زعفرانة»:

«منذ أن فرغ من صلاة الفجر، لم يحرك ساكناً، اكتفى بمدِّ رجليهِ على السجادة، ملقياً ظهره على الجدار الخارجي للبيت. عادة في هذا الوقت يحضر الشاي والقهوة، كان يشعر بشيء أشبه بالكسل أو عدم الرغبة في فعل أي شيء، كأنه يفتقد شيئاً ما من حياته، شيء لا يعرف تفسيره، يتخيل مواء القطة، وهي تحك برأسها على ساقيه، فيشعر بانقباض في صدره كلما تذكرها.

من يشاهده من بعيد وهو لا يحرك ساكناً يظن أنه شجرة موز ميتة، عدا أنه بين الفينة والأخرى يضغط بكفه على وجنتيه اللتين تشبهان ثمرة أفوكادو متيبسة، ثم يغرس سبابته وإبهامه في عينيه، ليخرج منهما العمش المتيبس حواليهما. عيناه لا تسعفانه على الرؤية أبعد من متر على أكثر تقدير، إلا أنه حادّ السمع، لذا يعتمد على سمعه أكثر من بصره في كل خطوة يخطوها، حتى عندما يلتقي بأحد ما لا يكلف بصره التأكد منه، بل يترك تقدير ذلك لسمعه، وإذا كان الصوت غريباً عليه، يشنف جهة المتحدث ليتبين ملامحه».