المنصات الثقافية «الأونلاينية»

يمكن استثمارها بوصفها من المعطيات الحيوية للحظة الديمقراطية

منصة «كل مُرٍّ سَيَمُرّ»
منصة «كل مُرٍّ سَيَمُرّ»
TT

المنصات الثقافية «الأونلاينية»

منصة «كل مُرٍّ سَيَمُرّ»
منصة «كل مُرٍّ سَيَمُرّ»

لم يكن من المفاجئ أن يتحول مجمل النشاط الثقافي حول العالم إلى شكل من أشكال التواصل عن بُعد عبر تطبيقات «زووم» و«فيسبوك» و«إنستغرام»... وغيرها من منصات الأونلاين، حيث سرّعت جائحة «كورونا» هذا الخيار التواصلي بين المشتغلين في الحقل الثقافي حول العالم، وصار لزاماً أدبياً وتقنياً عليهم التعامل مع هذه المنابر التكنولوجية حقيقةً مؤكدةً للحضور في مسرح آخذ في الاعتماد شيئا فشيئاً على مبتكرات فائقة الحداثة؛ إذ يُفترض بالمثقف أن يتجاوب مع هذه المكتسبات الحضارية لئلا يُصنّف في خانة الأُميّة التكنولوجية. وهو حضور ليس على تلك الدرجة من التعقيد المعرفي بقدر ما يتطلب حالة من الاستعداد النفسي لتقبُّل فكرة التحول من التواصل الحي المباشر مع الجمهور، إلى صيغة التماسّ مع المتلقين عن بُعد.
المؤسسات الثقافية باختلاف توجهاتها الرسمية وشبه الرسمية وكذلك الجماعات الأدبية والأفراد بمختلف انتماءاتهم وكفاءاتهم، سارعوا إلى إعداد برامج بثّ مباشر لندوات فكرية ولقاءات ثقافية وأمسيات شعرية ومعارض تشكيلية... وهكذا، بحيث لم يعد بمقدور المتلقي اللحاق بتلك البرامج وفحص المهم والأهم منها، وذلك بسبب كثرة وكثافة البثّ. وهذا وجه من وجوه الحيوية التي تهبها المنصات الثقافية الأونلاينية، وفي المقابل قد تؤدي تلك الجرعات العالية من البثّ الثقافي إلى حالة من الفوضى، وإهدار القيمة الثقافية، وذلك بسبب استسهال فكرة تنظيم الأحداث الثقافية، وفتح الباب على اتساعه لأشباه المثقفين لاحتلال تلك المنصات وإتلاف صلاحيتها في وقت قياسي. وهو ما حدث بالفعل من قبل بعض المفتونين بالحضور لمجرد الحضور، حيث دبروا لهم إطلالات يومية فيها من اللغو والثرثرة أكثر مما بها من الثقافة.
خارج المنصات الأونلاينية كان القائمون على النشاط الثقافي يشتكون من ضآلة الحضور الجماهيري، وبالمقابل كان الجمهور يتبرم بسبب تواضع الطرح الثقافي ورداءة النصوص الشعرية المُجترّة. وهكذا حدثت القطيعة الثقافية؛ ليس لهذا السبب فقط، ولكن لِمُتَوَالِيَة من الأسباب بعضها ثقافي وبعضها خارج سياق الثقافة. وعندما ظهرت اليوم فكرة المحاضرات واللقاءات الأونلاينية، تَصوّر بعض المشتغلين بالثقافة أن هذا المكتسب الحضاري سيكون بمثابة الحل السحري لإعادة التواصل مع الجمهور بمعزل عن الوسيط المكاني وتعقيداته المؤسساتية؛ إذ لا بيروقراطية تنظيمية، ولا عناء السير في الشوارع المزدحمة، ولا رقابة حتى؛ اجتماعية أو رسمية، على ما يمكن أن يقال، بل لا حاجة للمبالغة في الأناقة التي تليق بمقام المكان. وكل تلك المنظومة من الأسباب وغيرها تشجّع من دون شك على قبول الحضور الذي لا يكلف المتلقي سوى الدخول على رابط الدعوة والانضمام إلى معشر المثقفين بضغطة زر. وهذه عوامل بقدر ما تغري المثقفين بالمشاركة، ترفع منسوب الحذر من انتقال أمراض المشهد الثقافي الواقعي إلى المنصات الأونلاينية، حيث امتلأت بعض غُرف المحاضرات بعدد يفوق ما تحتمله المدة الزمنية للأمسية، الأمر الذي يحتاج إلى ضبط.
هنا يبرز السؤال حول جدية المتلقي في التعامل مع هذا النمط من الأداء الثقافي. فقد يكون راغباً بالفعل في التواصل الثقافي والتعرُّف على الأسماء الفاعلة أدبياً وفنياً، ومن دوائر معرفية أوسع بأكثر مما اعتاده ضمن دائرته الضيقة. وهو الأمر الذي يرفع بالتأكيد من قيمة البثّ الثقافي على تلك المنصات. وفي المقابل، قد لا يكون ذلك المتلقي سوى متطفل على حالة ثقافية جديدة، لا يهمه منها إلا ظهور صورته على مواقع التواصل الاجتماعي، تماماً كذلك الصنف من المتلقين الذين يصرون على تقديم مداخلات سطحية في المحاضرات الواقعية وذلك من أجل الحضور لا غير، وبالتالي تنتفي قيمة وفاعلية هذه القفزة التكنولوجية، بحيث تتجدد المعضلة القديمة المتمثلة في اضمحلال عدد الجمهور وعجز المثقفين عن استقطاب المتلقين وإنْ بصورة أكثر بهرجة. بمعنى أن هذه الاحتفالية الأونلاينية لن تكون سوى لطخات ماكياجية لمشهد ثقافي مشوّه.
والملاحظ أن بعض المعنيين بالشأن الثقافي استمرأوا فكرة الحضور اليومي عبر المنصات الأونلاينية ومن دون أي اعتبار لقيمة ووجاهة الطرح الثقافي، فصاروا يسدون منافذ تلك المنصات؛ سواء عبر لقاءات أقرب ما تكون إلى الثرثرة، ومحاضرات أشبه ما تكون باستعراض عورات الذات المعرفية... حيث كثر الحديث - مثلاً - عن أدب الأوبئة، وأدب ما بعد «كورونا»، وذلك ضمن هبّة ارتجالية لملء فراغات المشهد المعطّل جراء جائحة «كورونا»؛ إذ لم يكلف معظم أولئك أنفسهم إعداد أوراق أو محاور ذات قيمة معرفية تليق بالمنصة، في الوقت الذي اجترّ فيه عدد من الشعراء وكتّاب القصة خزينهم من النصوص البائتة بشكل آلي، مدفوعين بالخوف من الصمت والفراغ من ناحية، وبحُب استعراض الذات من ناحية أخرى. ولذلك بدت الصورة أو التجربة مخيبة في جانب منها؛ ومشجّعة في جوانب أخرى يمكن البناء عليها. وهذه هي طبيعة التجريب في المكتسبات الحضارية.
ومن الطبيعي أن تندفع الذوات الأقل نضجاً وإحساساً بالمسؤولية الثقافية إلى استغلال ذلك المكتسب التكنوثقافي، مقابل تردد وربما ارتباك من قبل الذين يعون معنى ومسؤولية مواجهة الجمهور، الذين يستشعرون قيمتهم الرمزية بوصفهم مثقفين. وهذا هو ما يفسّر اجتراء بعض الأسماء على تحويل المنصة إلى عادة يومية للكلام الفارغ حول أي موضوع، مقابل فئة قليلة جداً استطاعت بالفعل أن تفتح أفقاً مبشراً في المشهد الثقافي العربي، سواء من خلال انتقاء الأسماء وتنوعها، أو على مستوى اختيار الموضوعات، حيث الأسماء الجادة، القادرة على التماسّ النشط مع الجمهور، والمضامين العصرية الثرية التي تعكس متانة المنصة وقابليتها للاستمرار ضمن استراتيجية تتجاوز لحظة «كورونا» التي استوجبت هذا الشكل من التواصل الثقافي.
والأكيد أن المنصات الأونلاينية لم تكن مجرد رد فعل طارئ على مستوجبات التباعد الاجتماعي التي فرضتها «كورونا»، بقدر ما كانت اشتغالاً تكنولوجياً استراتيجياً لتسهيل العمل والتواصل عن بُعد، وبالتالي يمكن تسجيلها من الوجهة الثقافية في سياق ترهين اللحظة الديمقراطية، وكسر صرامة ومحدودية الحيّز المدرسي، بمعنى تحويل قاعة المحاضرات إلى صالة أكثر اتساعاً وتعددية وقابلية لطرح ما لا تحتمله الصروح الأكاديمية، وإن كانت هذه الهبّة الثقافية غير محصّنة ضد موجات الشعبوانية، والعودة إلى الشفاهية، التي قد تحيل فاعلية المنصات إلى سيرك استعراضي يتحكم فيه أشباه المثقفين، بحيث تُتداول فيه مشتبهات ثقافية بدلاً من الثقافة الحقيقية.
بمقدور أي جهة، سواء كانت رسمية وغير رسمية، استثمار هذه المنصات العابرة للحدود في إعداد برامج ثقافية ذات جودة عالية، كإجراء لقاءات منتظمة ضمن برنامج ثقافي بإعداد جيد، أو بتنظيم ملتقيات بمشاركة أسماء لها وزنها ومكانتها الأدبية حول موضوعات ملّحة، أو تقديم أمسيات شعرية لشعراء يمثلون جانباً من ديوان الشعر العربي الجديد... وهكذا. وإن كان هذا لا يعني الدعوة إلى مأسسة تلك المنصات الجماهيرية والتحكم في محتوى ما تبثه من مواد ثقافية؛ إذ يمكن للصالونات الأهلية والجماعات الثقافية وأندية القراءة وحتى الأفراد، استثمار هذا المكتسب الحضاري بأقصى قدر ممكن، بحسبان أنه أحد المعطيات الحيوية للحظة الديمقراطية.
- ناقد سعودي



لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.