«كورونا» ينعش الحياة في غزة بتجارة «الملابس الواقية» إلى إسرائيل

عشرات المصانع تعمل بطاقة قصوى وتوظف آلاف العمال لمواكبة الطلبات

عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
TT

«كورونا» ينعش الحياة في غزة بتجارة «الملابس الواقية» إلى إسرائيل

عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)

بدت مهارات الحياكة لدى الخياط زياد قاسم، تلك المهنة التي أتت على 25 عاماً من عمره، بلا قيمة حقيقة في ظل الأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعاني منها قطاع غزة المحاصر، فهو عاطل عن العمل تماماً منذ ما يربو على 8 أشهر، مع تراكم الديون، والتزامه منزله أغلب الوقت، تساوره الشواغل والمخاوف بشأن كيفية إعالة زوجته وأطفاله الخمسة.
وجاء الإنقاذ لزياد قاسم بقدوم فيروس كورونا الوبائي الجديد!
فمع ارتفاع الطلب في كل أرجاء العالم على الكمامات والأقنعة والملابس الواقية، اجتاحت أوامر الشراء الجديدة أغلب مصانع الملابس في قطاع غزة منذ أوائل مارس (آذار) الماضي، من جانب مختلف التجار من كل الأماكن، بما في ذلك إسرائيل، التي ينظر إليها أغلب سكان قطاع غزة من الفلسطينيين على أنها العدو اللدود الأول.
وعرضت شركة الزهراء للملابس على زياد قاسم، البالغ من عمره 42 عاماً، وظيفة لقاء 12 دولاراً في اليوم الواحد مقابل الاستعانة بمهارته المتقنة في العمل على ماكينة الحياكة في مصنع الشركة.
يقول زياد قاسم عن ذلك: «يمكنني تنفس الصعداء الآن، ويمكنني شراء بعض الأشياء لأسرتي، عندما كنت بلا عمل، كنت أشعر بإحباط نفسي عميق، ولم يكن معي أي أموال أعطيها لأطفالي».
وعبر كل أنحاء العالم، أسفر وباء كورونا الراهن عن تدمير الاقتصادات وأدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بصورة كبيرة غير مسبوقة. غير أن قدوم فيروس كورونا كان بمثابة النعمة العظيمة على صناعة الملابس في غزة، حيث البطالة المرتفعة، والفقر المدقع، والاعتماد شبه الكامل على الإعانات الأجنبية تحمل سمات وبائية هي الأخرى.
كانت صناعة الملابس، في وقت من الأوقات، من أهم ركائز الاقتصاد المحلي في قطاع غزة الذي ينتشر فيه 900 مصنع يعمل فيها ما يقرب من 36 ألف مواطن فلسطيني. غير أن تلك الصناعة قد انهارت في عام 2007 إثر بسط حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، سيطرتها على القطاع، وقررت حظر تصدير الملابس من قطاع غزة إلى إسرائيل أو إلى الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل.
يقول محمد أبو جياب، رئيس تحرير صحيفة «الاقتصادية» الفلسطينية الصادرة من قطاع غزة: «شهدت مصانع الملابس خسائر مدمرة، ولقد خرجت من نطاق الأعمال تماماً منذ ذلك الحين». وسمحت السلطات الإسرائيلية، بعد حرب قطاع غزة في عام 2014، لصناع الملابس من القطاع باستئناف تصدير المنتجات، ما شكل الأساس لإحياء الصناعة على نحو متواضع داخل القطاع.
وبحلول عام 2019، كان هناك أكثر من 200 مصنع يعمل فيها نحو 6 آلاف عامل، وفقاً لبيانات الاتحاد الفلسطيني لصناعات الملابس والمنسوجات والجلود، على الرغم من أن العمال وأرباب الأعمال أفادوا بأن الأجور اليومية لا تتعدى 8.50 دولار عن اليوم الواحد.
أما الآن، فشرع نحو 12 مصنعاً في إنتاج الكمامات، والأقنعة، والملابس الواقية، ويواصل كثير من المصانع تعيين العمال والموظفين الجدد، مع زيادة ساعات الدوام أو حتى العمل بنظام التعاقد من الباطن مع المتاجر الصغيرة.
وفي مدينة غزة، كان الطابق الأرضي من مصنع الزهراء للملابس مليئاً بكثير من العمال الذكور خلال الأسبوع الجاري، حيث يواصلون العمل على حياكة الأقنعة ذات اللون الأزرق الفاتح، في حين يعمل الآخرون في سرعة واضحة على قص أنسجة النايلون مع استخدام ماكينات الحياكة القديمة على تجميعها لإنتاج الملابس الواقية في النهاية.
وكانت هناك مسافة تبعد بضعة أقدام بين كل عامل وزميله على الأقل، ولكن كان عدد قليل من الموظفين يرتدون الأقنعة الواقية على وجوههم. وقال مالك المصنع، محمد عودة، البالغ 42 عاماً من عمره، إنه رفع القوة العاملة في المصنع من 30 إلى 55 عاملاً مع تمديد ساعات الدوام في المناوبة الواحدة من 8 إلى 12 ساعة يومياً.
واستطرد عودة يقول: «لقد أعاد فيروس كورونا الحياة مجدداً إلى مصنعنا. ولم تجلب لنا الكمامات والأقنعة مزيداً من العمل فحسب، وإنما أتاحت المجال أيضاً لاستمرار العمل طوال الوقت خلال الأزمة الراهنة».
وتعمل شركة «يونيبال 2000»، وهي شركة صناعة الملابس الكبيرة في المنطقة الصناعية في مدينة غزة، على إنتاج ما يصل إلى 50 ألف قناع واقٍ، و15 ألف قطعة من الملابس الواقية في اليوم الواحد، ولقد ضاعفت من القوة العاملة لديها من 850 عاملاً إلى 1250 عاملاً، كما أفاد بشير البواب المالك المشارك في الشركة.
وأضاف بشير: «أود لو أن الجميع في صحة جيدة وعافية وأن يختفي الفيروس من عالمنا تماماً، غير أن صناعة هذه المنتجات قد منحتنا فرصة مهمة للغاية».
وقال روتيم كوهانيم (37 عاماً)، وهو تاجر من مستوطنة «بيت حورون» الإسرائيلية في الضفة الغربية، إنه يستعين بمصانع الملابس في قطاع غزة لإنتاج معدات الحماية الشخصية التي يباشر بيعها، نظراً لأن العمالة لديهم جيدة للغاية، وينتجون الأشياء بسرعة، وبتكاليف زهيدة.
ويواصل عمال المصانع الوجود في مناوبات العمل بانتظام. ولقد تخلى الفيروس نفسه عن الوجود بصورة كبيرة بين سكان القطاع البالغ تعدادهم قرابة مليوني نسمة، وذلك بسبب الضوابط الصارمة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المعابر الحدودية، فضلاً عن قرار حركة حماس بعزل كل السكان العائدين من منشآت الحجر الصحي لمدة ثلاثة أسابيع.
ومن المعروف تعرض 17 مواطناً فقط من سكان القطاع للإصابة بفيروس كورونا، مع عدم الإبلاغ حتى الآن عن أي حالات وفيات.
وإجمالاً للقول، تمكنت مصانع الملابس في قطاع غزة من إنتاج ملايين الأقنعة والكمامات الواقية، ومئات الآلاف من الملابس والسترات الواقية، وفقاً لإفادات كبار صناع الملابس في القطاع، الذين يواصلون العمل بصفة عامة على المواد الخام المستقدمة من إسرائيل وتصدير المنتجات النهائية إلى هناك، أو إلى الضفة الغربية ولكن بنسبة أقل.
وتتراوح أسعار الكمامات الواقية من النماذج رخيصة الثمن بأقل من 50 سنتاً إلى النماذج فائقة الجودة التي تُباع بـ50 دولاراً للقناع الواحد.
كما قام بعض المصانع بتلبية طلبات الشركاء من إسرائيل لإنتاج الأقنعة والملابس ذات التصاميم الخطيرة من الناحية السياسية، كما يُقال على أدنى تقدير، إذ يتميز بعضها بوجود العلم الإسرائيلي عليها، أو شعار منتخب كرة القدم الإسرائيلي الوطني، فضلاً عن مصلقات «صُنع في إسرائيل» التي توضع عليها.
وقال العديد من الخياطين الذين تحدثنا إليهم إنهم لا يشعرون بأي حرج في صناعة الأقنعة والكمامات التي تستخدم في حماية الناس من الوباء الفتاك داخل إسرائيل، تلك التي خاضت 3 حروب دموية مع الجماعات المسلحة في قطاع غزة على مدار السنوات الـ12 الماضية، بالإضافة إلى عدة مناوشات عسكرية صغيرة. وقال رائد دحمان، العامل البالغ من العمر 42 عاماً لدى مصنع «حسانكو» في مدينة غزة: «في نهاية الأمر، كلنا بشر، وينبغي أن نحاول التأكد من سلامة وعافية الجميع من دون استثناء».
وقالت منظمة «غيشا»، وهي من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية وثيقة الصلة برصد الأوضاع في قطاع غزة، إنه ينبغي على السلطات الإسرائيلية تخفيف القيود التي تفرضها على التحرك من وإلى القطاع من أجل مساعدة الاقتصاد المحلي هناك على مزيد من العمل والإنتاج.
وقالت المنظمة ذاتها في بيان صادر عنها: «تعيد مصانع الملابس في قطاع غزة ضبط خطوط الإنتاج لديها لصناعة معدات ولوازم الحماية الشخصية، ما يعكس قدر الإمكانات التي يملكها القطاع عندما يتمكن من الوصول إلى الأسواق والمواد الخام المطلوبة. وفي فترة ما بعد زوال فيروس كورونا، لا ينبغي أن يكون هناك مكان لمزيد من القيود المفروضة غير الضرورية على التحرك، تلك التي تحبط سبل العيش والحياة والصحة لمجتمعات وأحياء بكاملها داخل القطاع».
وعلى الرغم من نجاح تجربة القطاع في صناعة معدات الحماية الشخصية، يقول كبار صناع الملابس في غزة إنهم تساورهم المخاوف بشأن عدم استمرار الأوضاع على منوالها في المستقبل المنظور.
وقال فؤاد عودة، المسؤول لدى الاتحاد الفلسطيني لصناعات الملابس والمنسوجات والجلود: «فترة وجود فيروس كورونا مؤقتة بكل المقاييس، ما يعني أن الحاجة الماسة والراهنة إلى الكمامات والأقنعة والملابس والسترات الواقية هي حاجة مؤقتة أيضاً، وسوف نضطر في خاتمة المطاف إلى الاعتماد على صناعة الملابس بصورتها المعتادة سابقاً».
ولقد استشعر بعض مصانع الملابس في القطاع بالفعل تراجع طلبات الشراء على معدات الحماية الشخصية، الأمر الذي أرجعه أصحاب المصانع بصورة أساسية إلى وصول شحنات من تلك المعدات واللوازم إلى إسرائيل من الصين. وقال حسن شحادة، صاحب شركة «حسانكو» للملابس، إنه لا يزال يحاول العثور على مشترين لعدد 120 ألف قناع واقٍ معبأة في الصناديق داخل المصنع. وقال بهاء مدهون، مدير مصنع «نور البهاء» في مدينة غزة، إن شركته لديها أوامر شراء معلقة لعدد 20 ألف قناع واقٍ، بانخفاض كبير عن مئات الآلاف من الأقنعة الواقية قبل بضعة أسابيع فقط.
تترك هذه الأوضاع عمال المصانع يشعرون بالقلق من أن الأوقات السعيدة من الأعمال المربحة قد تعقبها عودة إلى الأيام الصعبة والأوقات العسيرة، وذلك مع تعافي العالم من انتشار الوباء الفتاك.
وقال رائد عطار، الخياط في مصنع «حسانكو» للملابس، الذي كافح كثيراً من أجل العثور على فرصة عمل ثابتة لمدة عام قبل أن يحصل على الوظيفة في المصنع مؤخراً: «أخشى أن يطلبوا مني فجأة مغادرة العمل والمكوث في المنزل مرة أخرى، حيث تزداد الصعوبات التي أواجهها في حياتي بسبب فقدان العمل».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)

مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
TT

مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)

في خطوة جديدة للتقارب بين مصر وسوريا، بحث وفدٌ من سلطة الطيران المدني المصري إجراءات استئناف الرحلات الجوية من القاهرة لدمشق.

وتدعم عملية استئناف الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق تحقيق مزيد من التقارب بين البلدين، وفق دبلوماسيين ومراقبين مصريين أشاروا إلى أن «النقل الجوي سيسهل التعاون المشترك في مجالات عدة خصوصاً التبادل التجاري، وحركة الأفراد».

وأجرى وفد من سلطة الطيران المدني المصري، ترأسه رئيس الإدارة المركزية لأمن الطيران ياسر محمد عبد الحليم، جولة ميدانية، الاثنين، في مطار دمشق، وفق إفادة الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية.

وحسب البيان، استهدفت الجولة «الاطلاع على الإجراءات والتدابير المتّبعة في مطار دمشق الدولي، تمهيداً لاستئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وسوريا وعودة الربط الجوي بين البلدين».

وتوقفت الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق منذ عام 2011، على خلفية الأوضاع الأمنية هناك.

تنشيط الحركة

وستساعد عودة رحلات الطيران بين القاهرة ودمشق في «تنشيط حركة النقل الجوي، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، حسب هيئة الطيران المدني السوري.

وسبقت جولة الوفد المصري بمطار دمشق، محادثات مع رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، الأحد، وحسب إفادة من الهيئة، ناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الطيران المدني، بما في ذلك استئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين».

ولم تعلن سلطة الطيران المدني المصري، حتى الآن، عن عودة رحلات الطيران الجوي إلى دمشق.

وتشكل ترتيبات الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق، «خطوة إيجابية على صعيد تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين»، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، وقال إن «هذه الخطوة ستدعم حركة التبادل التجاري، وتعزز من التعاون في مجال الخدمات والسياحة ونقل الأفراد».

ويرى الشرقاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة تتعامل في تطوير علاقاتها مع الجانب السوري، بمنهج قائم على الانفتاح الاقتصادي بما يعزز من الترابط السياسي»، منوهاً بأن «القاهرة تعول على زيادة الاستثمارات المشتركة، للمساهمة في عملية إعادة إعمار سوريا».

مصر وسوريا لمزيد من التقارب عبر تدابير لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة (هيئة الطيران المدني السوري)

وبينما يتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع الحكم، يتخذ البلدان عدة خطوات للتعاون والتقارب على الصعيد الاقتصادي والتجاري، حيث استضافت العاصمة السورية دمشق، مطلع العام الحالي، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.

تعزيز التقارب

ويرى مستشار وزير السياحة المصري، وليد البطوطي، في ترتيبات عودة رحلات الطيران مع سوريا، «خطوة تحقق إضافة في مستوى التعاون والترابط بين البلدين»، وقال إنها «تعكس تطور العلاقات بين البلدين، وأن هناك فرصة مشتركة يمكن التعويل عليها لتحقيق مزيد من التقارب».

وتتعدد أهمية استئناف النقل الجوي بين القاهرة ودمشق، وفق البطوطي، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «رحلات الطيران ستسهل إجراءات نقل الرعايا بين البلدين، خصوصاً وأن هناك جالية سورية كبيرة في مصر»، إلى جانب «تسهيل حركة السياحة، وعملية التبادل التجاري».

وهناك نحو مليون ونصف المليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق اتحاد الغرف التجارية المصري.

Your Premium trial has ended


هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
TT

هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)

شرعت مصر والإمارات في اتخاذ «إجراءات وتدابير» وصفت بـ«اللازمة»، للتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي شملت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» بالإمارات، في خطوة يتوقع مراقبون أنها «ستفضي إلى حل الأزمة»، وسط تلويح أميركي بفرض عقوبات جديدة ضد أي مؤسسات متورطة في تحويلات مشبوهة لصالح إيران.

ورجح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لـ«رويترز»، أن تكشف وزارة الخزانة عن عقوبات ثانوية جديدة أسبوعية تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، مع التركيز في البداية على البنوك.

وزير الخزانة سكوت بيسنت (أ.ب)

وبعد فرض إجراءات وتدابير خاصة، يوم الجمعة الماضي، على فرع لـ«بنك مصر» في الإمارات بسبب ما تردد عن صلات مالية ‌بإيران، قال بيسنت ‌في مقابلة، مساء الأحد، إن «الخطوة التالية ‌قد ⁠تتمثل في عزل ⁠مؤسسة ما تماماً عن النظام المالي القائم على الدولار»، وأضاف قبل انعقاد اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»: «سترون مزيداً من هذه الإجراءات كل أسبوع... نبدأ بالبنوك، ونخبر البنوك بأنه من ⁠غير المقبول أن تحتفظ بأموال إيرانية ‌أو أن ‌تساعد النظام (الإيراني)».

وكان «مصرف الإمارات المركزي» و«البنك المركزي المصري»، أكدا في بيان مشترك، مساء الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

عملية ضغط

ويرى الأكاديمي الاقتصادي المصري كريم العمدة أن «البنك المركزي المصري ونظيره الإماراتي لديهما القدرة على تدارك الأزمة... المركزي المصري والإماراتي لا يسمحان بحدوث أي مخالفات، وهو ما سيعمل البنكان على إثباته للسلطات الأميركية، ومن ثم حل الأزمة نهائياً».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحدث ليس مستهدفاً به بنك مصر ولا القطاع المصرفي الإماراتي أو المصري، بل هو عملية ضغط على إيران، وحينما تحقق واشنطن أهدافها فإن هذا الضغط سيخفف ولن تكون هناك أزمة، خصوصاً أن هناك بنوكاً كثيرة حول العالم تتعامل مع إيران في التجارة وبعلم الولايات المتحدة والهدف من ذلك تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني».

وأعلن «مصرف الإمارات المركزي» السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات بوصفها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

تحقيق شفاف

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن «المصرفين المركزي الإماراتي والمصري يعملان حالياً على إجراء تحقيق شفاف ومتكامل حول ما أثارته وزارة الخزانة الأميركية تجاه فرع بنك مصر لتوضيح كل الملابسات، وإثبات أن البنك المعني لم يتورط في أي أنشطة مخالفة، سواء فيما يتعلق بإيران أو غيرها».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «التحقيق قد يشمل معاملات معينة أو فترة معينة تغطي كل ما أثارته السلطات الأميركية، وبالتالي حين إثبات عدم صحة كل ما أثير ستنتهي الأزمة ولن يصل الأمر لحظر أو عقوبات مباشرة على البنك، خصوصاً أن القطاع المصرفي الإماراتي وأيضاً المصري يتعاملان بجدية وشفافية كاملة مع أي مخالفات، لكن ستستمر عملية قيود وزارة الخزانة الأميركية على خدمة المراسل بالدولار التي تقدمها لبنك مصر في الإمارات أو غيره من البنوك الأخرى من أجل تشديد الضغط على إيران».

تجدر الإشارة إلى أن بيسنت قال الأحد إنه يعتزم نقل ‌الرسالة بوضوح لوزراء مالية «مجموعة العشرين» ‌ومحافظي البنوك المركزية لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، وإلا فسوف يواجهون عقوبات ثانوية.

وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية هذه المبادرة، التي أطلق عليها اسم «عملية ‌الإقصاء الاقتصادي»، الأسبوع الماضي.

فرص الاحتواء

فيما يرى مدير الاستثمار والمحلل المالي المقيم في الإمارات حسام الحسيني أن «فرص احتواء أزمة بنك مصر ما زالت مرتفعة، خصوصاً أن الإجراء الأميركي الحالي يخص فروع بنك مصر في الإمارات، ولا يمتد إلى البنك الأم في مصر، كما أنه ما زال في مسار تنظيمي وليس عقوبة نهائية شاملة، والأهم هنا هو سرعة استجابة السلطات الإماراتية؛ فمصرف الإمارات المركزي بدأ فحصاً عاجلاً ومراجعة متعمقة للمعاملات محل الملاحظات الأميركية، بالتنسيق مع البنك المركزي المصري وبنك مصر. هذه الاستجابة المؤسسية السريعة تعزز فرص معالجة أي ثغرات امتثال قبل تحول الملف إلى مستوى أكثر تشدداً».

وأوضح الحسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات وزير الخزانة الأميركي تعني أن واشنطن ستواصل تشديد الضغط على المؤسسات المرتبطة بالمعاملات الإيرانية، لذلك سيعتمد احتواء الأزمة على نتائج الفحص الإماراتي، وشفافية الإجراءات التصحيحية، ومدى اقتناع الجانب الأميركي بأن المخاطر عولجت بالكامل. وحتى الآن، لا أرى ما يبرر الحديث عن عقوبات مباشرة على بنك مصر ككل أو عن أزمة أوسع في القطاع المصرفي المصري».


الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.