واشنطن تصعّد اتهاماتها ضد الصين... وتطالبها بالشفافية

ترمب لدى ترؤسه اجتماعاً حول كورونا في البيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
ترمب لدى ترؤسه اجتماعاً حول كورونا في البيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تصعّد اتهاماتها ضد الصين... وتطالبها بالشفافية

ترمب لدى ترؤسه اجتماعاً حول كورونا في البيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
ترمب لدى ترؤسه اجتماعاً حول كورونا في البيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)

تصاعدت الاتهامات الأميركية، أمس، حول مسؤولية الصين عن تفشي وباء «كوفيد - 19»، وزادت المطالبات بالتحقيق في «تسرّب» فيروس كورونا من مدينة ووهان الصينية. وطالب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، صباح الأربعاء، الحزب الشيوعي الصيني بتحمل المسؤولية وإخبار العالم عن كيفية خروج هذا الوباء من الصين وانتشاره في جميع أنحاء العالم، مسببا دمارا اقتصاديا.
وأكد بومبيو خلال مؤتمر صحافي بمقر الخارجية الأميركية أن الصين تشكل تهديدا للعالم من خلال إخفاء معلومات حول مصدر الفيروس الذي سمحت بانتشاره إلى دول أخرى، وطالب بكين بالسماح للعالم بمعرفة ما الذي يدور في مختبرات الفيروسات في ووهان، قائلا إن العالم بحاجة لفهم كيف نشأ وباء كورونا، ولماذا رفضت الصين دخول خبراء الصحة إلى مختبراتها. كما شدد على أنه يتعين على الصين الالتزام بالشفافية حول ما يجري من أبحاث ببيولوجية لديها، وقال إن لدى الولايات المتحدة مخاوف متصاعدة بشأن أمن المختبرات الصينية «ولا نعرف إذا كانت لديها مستويات أمن عالية لمنع حدوث ذلك مرة أخرى». وأضاف: «يخبرنا القادة في الحزب الشيوعي الصيني أنهم يريدون أن يكونوا شركاء لنا، وهناك التزام من جانب أي شركاء موثوقين أن يتم تبادل المعلومات».
وأوضح بومبيو أن الإدارة الأميركية تجري تحقيقات حول دور الصين ومنظمة الصحة العالمية في مواجهة الوباء، وتقييم نتائج هذه التحقيقات. مشيرا إلى أن أولوية الإدارة الأميركية في الوقت الحالي هي احتواء الأزمة وإعادة تنشيط القطاعات الاقتصادية. وشدد على أنه سيحين الوقت لمحاسبة من تسبب في تفشي هذا الفيروس، وأن إدارة الرئيس ترمب لن تتسامح مع أي شخص أو جهة.
وعلى المسار نفسه، صرح جاريد كوشنر مستشار الرئيس في تصريحات منفصلة لشبكة «فوكس نيوز»، الأربعاء، بأن ترمب طلب من فريق متخصص «النظر بعناية شديدة فيما حدث، وكيف حدث، حتى يتأكد من أنه سيتخذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة الأشخاص الذين تسببوا في هذه المشكلة». وقد قدم مشرعون بالكونغرس طلبات إحاطة ومشاريع قوانين لتجريد الصين من الحصانة السيادية للدولة، بما يجعلها عرضة لأي دعاوي قضائية يتم رفعها في المحاكم الأميركية. وتقدم كل من السيناتورة مارشا بلاكبيرن والسيناتور توم كون بهذا المشروع الأسبوع الماضي، لتحميل الصين المسؤولية عن الأضرار التي تسبب بها تفشي وباء كورونا، فيما طلب أعضاء مجلس النواب من النائب العام ويليام بار ووزير الخارجية مايك بومبيو التقدم لمقاضاة الصين في محكمة العدل الدولية.
ورغم هذه التحركات فإن الخبراء القانونيين يقللون من تأثيرها وفاعليتها، لأنها ستواجه بعراقيل وعقبات داخل القانون الدولي، إلا إذا نظرت الولايات المتحدة وحلفاؤها في إجراءات لا تعتمد على المحاكم والمنظمات الدولية، حيث لن تقبل الصين الامتثال لقرارات المحاكم الأميركية أو قرارات أحكام دولية.
وكانت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين قد تدهورت بشكل كبير منذ تفشي الفيروس الذي أودى بحياة أكثر من 58 ألف شخص داخل الولايات المتحدة وأكثر من 200 ألف شخص حول العالم، وتبادلت واشنطن وبكين الاتهامات حول نشأة الفيروس والتعامل مع الوباء. وقد صرّح بومبيو للصحافيين الأسبوع الماضي بأن الولايات المتحدة تعتقد بقوة أن الصين فشلت في الإبلاغ عن تفشي المرض في الوقت المناسب ثم قامت بتغطية مدى خطورة الفيروس على الجهاز التنفسي. واتهم الرئيس دونالد ترمب منظمة الصحة العالمية بالتواطؤ مع الصين وإخفاء المعلومات حول الفيروس الذي سماه الفيروس الصيني.
وقد رصدت إحصاءات جامعة جونز هوبكنز تخطي معدلات الإصابات داخل الولايات المتحدة حاجز المليون إصابة ووصلت عدد الحالات المؤكد إصابتها إلى مليون و14 ألف حالة فيما بلغت حالات الوفيات 58.471 حالة وفاة وهو رقم يفوق حصيلة القتلى في حرب فيتنام (58.220 جنديا أميركيا لقوا حتفهم في الصراع في فيتنام الذي بدأ عام 1955 وانتهي عام 1975) وفي هجمات الحادي عشر (نحو ثلاثة آلاف شخص) من سبتمبر (أيلول) وهجمات بيرل هاربر التي دفعت الولايات المتحدة إلى خوض الحرب العالمية الثانية.
ويقول خبراء الصحة إنه من المرجح أن ملايين الأميركيين قد أصيبوا بالفيروس ولم يتم تشخيصهم، وإن أعداد الإصابات تفوق بكثير ما هو معلن، خاصة مع عدم توفر اختبارات فيروس كورونا بشكل كاف. ويوضح الخبراء أنه رغم أن معدل الوفيات بسبب فيروس كورنا يقترب من 1 في المائة، فإن كوفيد - 19 يعد أكثر فتكا وأسرع في نشر العدوى من الإنفلونزا الموسمية التي يبلغ معدل الوفيات فيها 0.1 في المائة، أي ما يعادل 650 ألف شخص سنويا في جميع دول العالم.
ولا يزال هناك مخاوف من الانتشار الواسع للفيروس رغم التصريحات المتفائلة بأن عدد الإصابات الجديدة قد بلغ ذروته وأن المنحنى سيتجه إلى الانخفاض تدريجيا. وقد شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن أسوأ أيام فيروس كورونا قد انتهت خلال استقباله لمجموعة من أصحاب الشركات الصغيرة في البيت الأبيض مساء الثلاثاء. وأدلى بخطاب متفائل عن اتجاه الولايات المتحدة نحو الانتعاش الاقتصادي، رغم هذا الوباء الذي أجبر الشركات على الإغلاق وتسبب في تسريح ملايين العمال، وإصدار أوامر البقاء في المنازل.
وقال ترمب للصحافيين في الغرفة الشرقية: «بينما تكافح أمتنا هذا الوباء الرهيب، فإننا نواصل الصلاة من أجل الضحايا لكننا سننتصر وسنعود بقوة». وأضاف: «يعتقد خبراؤنا أن أسوأ أيام الوباء قد انتهت، ويتطلع الأميركيون إلى إعادة فتح البلاد بشكل سريع وآمن. وشدد على أن الربع الرابع من العام سيشهد انتعاشا اقتصاديا، وأن العام المقبل سيكون عاما مزدهرا للولايات المتحدة». كما رجّح أن يتلاشى الوباء إلى حد كبير بحلول الربع الأخير من عام 2020.
وأكد الرئيس الأميركي أن بلاده ستتمكن من إجراء 5 ملايين اختبار لفيروس كورونا بشكل يومي خلال وقت قصير. وكان عدم توافر الاختبارات للفيروس من الشكاوى التي تعالت من حكام الولايات الأميركية الذين عبروا عن مخاوف من إعادة فتح الاقتصاد والأعمال التجارية وعودة العمال إلى وظائفهم في ظل عدم توافر الاختبارات. وشدد خبراء الصحة ومسؤولو الحكومة الأميركية على أن القدرة على إجراء الاختبارات بشكل موسع لجميع السكان ستكون أمرا أساسيا وحاسما لمنع عودة ظهور الفيروس مرة أخرى، حينما تبدأ الولايات في تخفيف القيود وإعادة فتح القطاعات التجارية.


مقالات ذات صلة

شركات التكرير في الهند تتجنب شراء النفط الروسي حتى إبرام اتفاق مع أميركا

الاقتصاد موظف يسير داخل مبنى مصفاة لتكرير النفط في فادينار بولاية غوجارات الغربية بالهند (رويترز)

شركات التكرير في الهند تتجنب شراء النفط الروسي حتى إبرام اتفاق مع أميركا

تتجنَّب شركات التكرير الهندية شراء النفط الروسي تسليم أبريل (نيسان)، ومن المتوقع أن تتجنب ​إبرام مثل هذه الصفقات لفترة أطول حتى إبرام اتفاقية تجارية مع واشنطن.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بنظيره الهندوراسي نصري عصفورة، الذي دعمه خلال حملته الانتخابية، عقب اجتماع عقد في منتجع مارالاغو الذي يملكه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز) p-circle

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

قال وزير الخارجية الدنماركي، السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع أميركا بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز) p-circle

ما المطالب الإسرائيلية بشأن إيران التي سيقدمها نتنياهو لترمب؟

ذكر موقع إسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيؤكد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إصرار إسرائيل على القضاء التام على المشروع النووي الإيراني.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية لقاء سابق بين ترمب ونتنياهو في واشنطن (رويترز) p-circle

نتنياهو يبحث ملف إيران مع ترمب في واشنطن الأربعاء

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، السبت، إن من المتوقع أن يلتقي نتنياهو الرئيس الأميركي ترمب، الأربعاء، في واشنطن؛ حيث سيبحثان ملف المفاوضات مع إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».