ناصر النصر: الصراعات الطائفية تستعر في العالم العربي مع انحسار دور الدولة

الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات لـ («الشرق الأوسط»): عالمنا يواجه تحديات جسيمة

ناصر عبد العزيز النصر
ناصر عبد العزيز النصر
TT

ناصر النصر: الصراعات الطائفية تستعر في العالم العربي مع انحسار دور الدولة

ناصر عبد العزيز النصر
ناصر عبد العزيز النصر

أكد ناصر بن عبد العزيز النصر الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات أن المنطقة العربية تواجه تحديات جسيمة، أبرزها الصراعات الطائفية، التي تستعر في وقت «يتزامن مع انحسار الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية»، داعيا لتعزيز مبدأ «المسؤولية الجماعية والمصالح المتبادلة والتحديات المشتركة».
النصر قال لـ«الشرق الأوسط» إن ارتفاع موجات التطرف ورفض الآخر يأتي نتيجة آيديولوجيات مستحدثة تهدد التعددية الحضارية والثقافية في العالم.
وأكد أن «تعزيز التفاهم بين الثقافات وبناء جسور الثقة لن يتأتى إلا من خلال الحوار السلمي وتثقيف الأجيال الشابة بأهمية احترام الآخر والتعددية وتعزيز قيم التسامح».
النصر كان يتحدث لـ«الشرق الأوسط» بعد مشاركته في الدورة الـ14 لمؤسسة «عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري» التي أقيمت في مراكش بالمغرب أخيرا.

* للحفاظ على التعددية الحضارية والثقافية في العالم.. ما التحديات التي تتعرض لها التعددية والتنوع؟
- موجات التطرف ورفض الآخر نتيجة آيديولوجيات مستحدثة تهدد التعددية الحضارية والثقافية في العالم؛ فهناك فريق متعصب يرفض احترام الآخر ويرفض التمثل بقيم التسامح التي دعت إليها الأديان السماوية. لا ينبغي في أن نشك في أن أي دين أو عقيدة تبرر العنف أو تدعو إليه، إنما التأويل من صنع البشر أنفسهم. إننا رأينا على مر العصور أن التنمية البشرية والاكتشافات العلمية لم تتحقق سوى بتزاوج المعارف وتبادل الخبرات بين الشرق والغرب.
* هل يقتصر عملكم على منطقة الشرق الأوسط الملتهبة حاليا بالصراعات الآيديولوجية..؟
- عملنا يمتد إلى منطقة جنوب شرقي آسيا، حيث عقدنا المنتدى السادس لتحالف الحضارات في بالي بإندونيسيا، كما أن لدينا علاقات تعاون وثيقة مع الصين وماليزيا. لدينا أنشطة في غرب وشرق أوروبا أيضا من خلال البرامج في مجال الشباب والإعلام التي نقوم بها بالتعاون مع حكومات أو المنظمات في تلك الدول. ونسعى الآن لفتح مجالات جديدة للتعاون مع أفريقيا.
* شاركتم في منتدى الأمم المتحدة الخامس لتحالف الحضارات الذي عقد في فيينا، حيث دعا القادة المشاركون لتعزيز التفاهم بين الثقافات والحضارات ومواجهة التطرف وبناء الثقة وتمتين التسامح وضمان حرية المعتقد الديني والتعددية.. ما السبل لتحقيق هذه الغاية؟
- العالم الذي نعيش فيه الآن يواجه تحديات جسيمة، وبالأخص المنطقة العربية، بما تشهده من صراعات طائفية. ويتزامن هذا الواقع مع انحسار الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية في عالم تترابط مصالحه وتحدياته، وقد شهد العالم تطورات كثيرة منذ انعقاد منتدى تحالف الحضارات في فيينا. إن الملجأ، وبكل تأكيد، هو النظر إلى مبدأ المسؤولية الجماعية والمصالح المتبادلة والتحديات المشتركة.
تعزيز التفاهم بين الثقافات وبناء جسور الثقة لن يتأتى إلا من خلال الحوار السلمي وتثقيف الأجيال الشابة بأهمية احترام الآخر والتعددية وتعزيز قيم التسامح، وهنا يأتي الدور المهم الذي يمكن أن يقوم به رجال الدين ومنظمات المجتمع المدني.
نقول في التحالف إن الإيمان بالتنوع والعيش المشترك هو الأساس لا بد من تحقيقه لخدمة الدبلوماسية الوقائية القائمة على انتهاج الحوار وحل الخلافات بالطرق الودية.
* من شركاؤكم في هذه المنطقة؟ هل تتلقون دعما من الحكومات...؟
- لدينا الآن 141 عضو في مجموعة أصدقاء التحالف، وهم يمثلون بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدة منظمات مثل «الفاو»، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، واليونيسكو، والإيسسكو. بالإضافة إلى هؤلاء فإن لدينا مذكرات تفاهم مع عدة جامعات ومؤسسات علمية. نتلقى دعما من بعض الحكومات والمنظمات توجه إلى دعم وتمويل أنشطة وبرامج التحالف.
* ألا توافقون على أن الصراعات الثقافية أساسها سياسي.. وبالتالي تحتاج إلى حلول سياسية..؟
- ليست كل الصراعات أساسها سياسي.. هناك صراعات كثيرة تنتج عن عدم تكافؤ الفرص وانعدام التنمية والحوكمة السيئة وتهميش بعض الفئات والأقليات، ثم تتحول إلى مشكلة سياسة.
* ما السلطة التي تمتلكونها لفرض القيم التي ترعاها الأمم المتحدة في مجال تعزيز التفاهم بين الحضارات ومواجهة التطرف؟
- تم تأسيس تحالف الحضارات عام 2005 بمبادرة أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة تحث رعاية كل من إسبانيا وتركيا. وقد خولنا الأمين العام للأمم المتحدة بالعمل على استخدام الوساطة والدبلوماسية الوقائية بالتعاون مع الإدارات الأخرى المختلفة في الأمم المتحدة لتخفيف حدة الصراعات ذات الطابع الديني أو الثقافي.
* في كلمتك بـ«مراكش» حددت 4 ركائز لعمل التحالف من أجل تحقيق تغيير جذري في التنمية الإنسانية، العمل على تطوير التعليم، وتمكين الشباب، واستثمار الإعلام، ومعالجة مشكلات الهجرة.. كيف ستطبقون هذه الأهداف؟
- لدينا بالفعل برامج متداخلة في هذه المجالات الـ4، التي تشكل ركائز التحالف. على سبيل المثال، نعمل على تمكين الشباب من خلال تقديم منح لدعم مشاريعهم الصغيرة التي تهدف إلى مد جسور التفاهم والتعددية بين المجتمع. كما نقوم بتنظيم برامج تبادل للشباب من منطقة الشرق الأوسط، وبين شباب من أوروبا والولايات المتحدة، وذلك لتوضيح الصورة وتقريب وجهات النظر في المسائل المتعلقة بالاختلافات الثقافية والدينية. نقوم بتنظيم مدرسة صيفية نقدم فيها للشباب دورات تثقيفية تهدف إلى توعيتهم بأهمية قيم التسامح واحترام التعددية ونمط التفكير المنهجي. كما نقوم بتنظيم ندوات ودورات تدريبية للصحافيين لمناقشة أفضل الطرق لتناول المواضيع التي تتعرض للتعددية الثقافية والدينية. وقد أصدرنا أخيرا كتيب عن كيفية انتقاء المصطلحات الصحيحة عند تغطية المواضيع الخاصة بالمهاجرين والهجرة، وقد تعاون معنا في المحتوى منظمة العمل الدولية ومنظمة الهجرة الدولية ومؤسسة «بانوس» في فرنسا وعدد من الصحافيين الذين يقومون بتغطية مواضيع المهاجرين.
* دعوتم لإشراك رجال الدين في تحقيق أهداف تحالف الحضارات.. بينما هناك من يرى أن (بعض) رجال الدين يتحملون المسؤولية في تعزيز الانقسام والصراعات الحضارية.
- المنظمات الدينية، ورجال الدين، تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة، وهي اتباع الوسطية في الخطاب الديني ونبذ التطرف وتعزيز القيم الحقيقية للأديان السماوية التي تدعو إلى التسامح والرحمة.
هناك بعض من رجال الدين لا يتبعون هذا المسلك، ونجد أن هناك الكثير منهم من يتميز بالاعتدال.
* ماذا فعلتم بالنسبة للتهديدات التي تواجه المسيحيين في سوريا والعراق، وكذلك الإيزيديون والأقليات الدينية والعرقية في العراق؟!
- الأمم المتحدة لديها مفاهيم وقوانين واضحة تنص على احترام جميع الأقليات سواء الدينية أو العرقية أو النوعية، وقد نص ميثاق الأمم المتحدة على ذلك كون احترام الأقليات أحد حقوق الإنسان.
وقد قمت أخيرا بتنظيم اجتماع حول موضوع التهديدات التي تتعرض لها الأقليات في مختلف أنحاء العالم، حيث عرضنا فيه رؤية المسؤولين في الأمم المتحدة ورجال الدين وخبراء القانون.
إن الحكومات تقع على عاتقها المسؤولية الأولى في حماية حقوق الأقليات، وعلى المجتمع الدولي تقديم المساعدة للحكومات في حال فشلها في حماية الأقليات.
* في أحد المؤتمرات قلتَ إنك تسعى لاستخدام الفن لتخفيف التوترات باعتبار أن «الموسيقى (تعمل) لتهدئة الألباب والنفوس فتكون مصدرا للأمل والأخوة في عالم يغلب عليه اليأس»؛ ألا ترون ذلك ضربا من المثالية؟!
- أسعى لاستخدام ليس فقط الفن بكل أشكاله ولكن الرياضة أيضا، ولا أتفق معك في أن هذا ضرب من المثالية.
عندما توليت قيادة التحالف في فبراير (شباط) 2013، قمت بلفت انتباه المنتدى العالمي لتحالف الحضارات المنعقد في فيينا بقراري نحو استخدام الرياضة والموسيقى والفن والترفيه لتعزيز ثقافة السلام، إذ إن هذه المفاهيم يمكن أن تجلب الناس والثقافات معا لتجاوز الخلافات.
دعني أعطك مثالا على دور الرياضة.. المناضل العظيم نيلسون مانديلا. يمكننا التفكير في كيفية تبنيه مفهوم الرياضة من أجل السلام (نيلسون مانديلا توفي في 5 ديسمبر «كانون الأول» 2013).
فمن يستطيع أن ينسى تلك اللحظة العاطفية عندما كان يرتدي (مانديلا) زي الرياضة في جنوب أفريقيا وتسلم «كأس العالم» في عام 1995 في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا؟
لقد عرف مانديلا كيف يمكن للرياضة أن تسهم في توحيد فئات البشر.
الرياضة مثل الفنون التي لا تعترف بالفروق الطبقية أو الدينية أو العرقية أو اللغوية. فمن منا لا يستمتع بالموسيقى أو بالنظر إلى قطعة فنية رائعة؟ نرى مئات البشر من مختلف الجنسيات والأديان يجتمعون في قاعة واحدة للاستمتاع بحفل موسيقى. أليس هذا تقاربا بين الشعوب؟! إن الأدب والشعر والفنون يمكن أن تخاطب الذات البشرية ومن ثم يمكن استخدامها لإرسال رسائل سلام.



البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.