الهند تفعِّل «دبلوماسية الأدوية» لمكافحة «كوفيد ـ 19»

تلبِّي 80 % من الطلب العالمي على عقار «هيدروكسي كلوروكين»

عمال هنود يتلقون مساعدات غذائية في محطة قطارات ببهوبال أمس (إ.ب.أ)
عمال هنود يتلقون مساعدات غذائية في محطة قطارات ببهوبال أمس (إ.ب.أ)
TT

الهند تفعِّل «دبلوماسية الأدوية» لمكافحة «كوفيد ـ 19»

عمال هنود يتلقون مساعدات غذائية في محطة قطارات ببهوبال أمس (إ.ب.أ)
عمال هنود يتلقون مساعدات غذائية في محطة قطارات ببهوبال أمس (إ.ب.أ)

شهد الأسبوعان الماضيان تعزيز الهند دبلوماسيتها الطبية، وذلك بإرسالها شحنات كبيرة من الأدوية إلى ما يزيد عن 100 دولة، لدعمها في التصدي لتفشي وباء فيروس «كوفيد- 19». وتبعاً لما أفاد به مسؤول هندي بالمجال الصحي، توفر الهند قرابة 100 مليون قرص «هيدروكسي كلوروكين»، وما يقترب من 500 مليون قرص «باراسيتامول» إلى 120 دولة.
وبدأ الأمر برمته عندما أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعقار «هيدروكسي كلوروكين» المستخدم عادة لعلاج الملاريا، باعتباره قادراً على تغيير مسار الوضع الراهن على صعيد جهود محاربة تفشي وباء «كوفيد- 19»، ومنذ ذلك الحين تقدمت جميع دول العالم تقريباً بطلب للحصول عليه. وتلبِّي الهند ما يتراوح بين 80 في المائة و85 في المائة من الطلب العالمي على هذا العقار، الذي أثارت دراسة حديثة بشأنه شكوكاً حول فاعليته في تخفيف أعراض «كورونا» المستجد.
وكان لافتاً تغيير الهند موقفها من رفض تصدير أقراص «هيدروكسي كلوروكين» إلى دول أخرى، كي تضمن توفر ما يكفي من هذا العقار لتغطية الطلب المحلي، عقب ضغوط أميركية. ففي الأسبوع الأول من أبريل (نيسان)، نقلت تقارير صحافية عن الرئيس دونالد ترمب قوله خلال مؤتمر صحافي، إن المخزونات العالمية من «هيدروكسي كلوروكين» محدودة، وإنه ضغط على رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للتعجيل بإرسال شحنات من العقار. وقال ترمب عندما استفسرت منه وسائل إعلام عن هذا الأمر: «إذا لم يسمح بتصدير هذا العقار فلا بأس في ذلك؛ لكن بطبيعة الحال ربما يكون هناك رد فعل، ما الذي يمنع ذلك؟».
وبالفعل، خفف رئيس الوزراء الهندي مودي من حدة موقفه، بعد اتصالات هاتفية مع كل من دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، بجانب قيادات عدد من الدول المجاورة ودول أخرى، مثل إسبانيا وأستراليا، من أجل إقناعه برفع الحظر المفروض على تصدير العقار.
وسرعان ما أعلنت وزارة الخارجية الهندية رفع الحظر، وقالت إنها ستجيز تصدير «هيدروكسي كلوروكين» و«باراسيتامول»، الذي جرى تقييده في مارس (آذار).
من جانبه، قال دامو رافي، المسؤول بوزارة الشؤون الخارجية، المعني بجهود التصدي لوباء «كوفيد- 19»: «تلقينا بالفعل كثيراً من طلبات الحصول على (هيدروكسي كلوروكين)، ونضع في عين الاعتبار المخزون والاحتياجات الداخلية، للحفاظ على مستوى كافٍ وآمن من العقار. واتخذ مجلس الوزراء قراراً بالسماح بتصدير فائض الدواء للخارج». وأوضح أن البلاد لديها ما يزيد بمقدار ثلاثة أضعاف عن الاحتياجات الداخلية من «هيدروكسي كلوروكين».
ويجري بالفعل حالياً تصدير شحنات من «هيدروكسي كلوروكين» و«الباراسيتامول» إلى دول مثل الولايات المتحدة وإسبانيا والبرازيل والبحرين وألمانيا والمملكة المتحدة، بما يتوافق مع عقود تجارية وقعتها هذه الدول مع شركات هندية في مجال الصناعات الدوائية.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الهند تصدر «هيدروكسي كلوروكين» إلى حكومات أجنبية، وليس شركات خاصة، بالتوافق مع التزامها العالمي بالمعاونة في التصدي لوباء «كوفيد- 19».

- الاعتبارات الجيوسياسية وراء المساعدات الطبية
تحولت أقراص «هيدروكسي كلوروكين» و«الباراسيتامول» إلى عماد دبلوماسية نيودلهي المرتبطة بـ«كوفيد- 19»، واستفادت من تعرض الصين لانتقادات دولية بسبب سوء إدارتها لأزمة وباء «كورونا»، وافتقارها إلى الشفافية في التعامل معها. وعبَّرت واشنطن عن امتنانها إزاء الهند بعد تلقيها 35 مليون جرعة من «الهيدروكسي كلوروكين» ، إضافة إلى تسعة أطنان من المواد الخام اللازمة في تصنيع العقار.
من جهته، أبدى الرئيس البرازيلي بولسونارو تأثراً عاطفياً شديداً، لدرجة أنه ذكر الإله الهندوسي هانومان، في إطار توجيهه الشكر إلى الهند للصادرات الطبية التي وجهتها لبلاده. وفي رسالة أطلقها بالهندوسية، قال السفير البولندي لدى الهند، آدم بوراكوسكي: «نيابة عن بلادي، أقدم وافر الشكر للهند والأطباء الهنود على مجهودهم».

- دعم دول «الجوار الأوسع»
وليست هذه المرة الأولى التي تفعِّل فيها الهند دبلوماسيتها الطبية. فقد عززت صادراتها من العقاقير المضادة لمرض نقص المناعة إلى أفريقيا، عندما عصف وباء «الإيدز» بأكثر من 22.5 مليون شخص في القارة، سعياً لتعزيز صورتها كجهة إمداد لعقاقير فاعلة ومنخفضة التكلفة. وفي الوقت الذي بلغت فيه تكلفة العقاقير التي أنتجتها شركات غربية 10000 دولار للمريض الواحد، كانت تكلفة العقاقير الهندية نسبة بسيطة للغاية من هذه التكلفة، حيث بلغت 400 دولار للمريض الواحد في العام.
وانتهى الحال بالدول الأفريقية لعلاج 18 ضعف أعداد المرضى، مع إنفاق ملياري دولار فقط بدلاً من 150 مليار دولار. وتكمن قوة الهند في إنتاج أدوية شاملة، وتعتبر رائدة في هذه السوق.
جدير بالذكر أن حوالي 70 في المائة من الصناعة الدوائية الهندية تنتج أدوية شاملة، وبالتالي تبقي على تكلفة الإنتاج أقل بنسبة 60 في المائة من نظرائها الأميركيين والأوروبيين. وفي الوقت الذي تولي الحكومة الهندية أهمية كبرى للترويج لسياسة «الجوار أولاً» (بمعنى التركيز بصورة أساسية على جنوب آسيا)، فإنها تسعى في الوقت ذاته نحو تعزيز إجمالي التعاون مع دول «الجوار الأوسع».
وقال كانوال سيبال، وزير الخارجية الهندي السابق: «في بعض الجوانب، نجح هذا القرار في كسب نيات حسنة. والآن يدرك الناس أنه على النقيض من الصين، تقدم الهند تضحيات صادقة لإظهار تضامنها الدولي، وليس من أجل كسب المال».
وفي نقلها للشحنات، تعتمد الهند على طائرات شركة «الخطوط الجوية الهندية» وأخرى تابعة لسلاح الجو الهندي، لنقل المساعدات إلى جيرانها القريبين. أما الدول الأخرى، فيجري نقل الشحنات إليها باستخدام ناقلات تجارية. كما تنظم الهند تدريباً عبر شبكة الإنترنت للعاملين في مجال الرعاية الصحية في جنوب آسيا وعدد من الدول المجاورة، بخصوص استراتيجيات التعامل مع «كوفيد- 19» والجوانب المتعلقة بأزمة الوباء، حسبما أفاد مسؤولان معنيان. في هذا الصدد، قال السفير الهندي السابق لدى الولايات المتحدة، لاليت مانسينغ: «عندما تطلق دولة ما مناشدة للحصول على دواء في وقت كارثة كهذا، تصبح الإنسانية الأولوية الأولى في عملية صنع القرار. هنا، الأمر لا يتعلق بالحصول على استفادة من دولة في حالة أزمة، وإنما تصبح العاطفة الإنسانية هي الغالبة».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».