ألمانيا تشهد أول محاكمة علنية للنظام السوري في العالم

المحامي أنور البني لـ«الشرق الأوسط»: رسالة إلى رموزه بأنهم لن يفلتوا من العقاب

عنصر الاستخبارات السوري السابق إياد غريب يغطي رأسه في قاعة المحكمة الألمانية أمس (أ.ف.ب)
عنصر الاستخبارات السوري السابق إياد غريب يغطي رأسه في قاعة المحكمة الألمانية أمس (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا تشهد أول محاكمة علنية للنظام السوري في العالم

عنصر الاستخبارات السوري السابق إياد غريب يغطي رأسه في قاعة المحكمة الألمانية أمس (أ.ف.ب)
عنصر الاستخبارات السوري السابق إياد غريب يغطي رأسه في قاعة المحكمة الألمانية أمس (أ.ف.ب)

بدأت أمس في ألمانيا أول محاكمة علنية في العالم لانتهاكات منسوبة إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد، مع مثول رجلين يعتقد أنهما ضابطان سابقان في الاستخبارات السورية أمام محكمة في كوبلنز. وقال المحامي السوري أنور البني لـ«الشرق الأوسط» بأنها «أول محاكمة علنية حيادية مستقلة بحق متهمين من النظام السوري بارتكاب جرائم»، لافتا إلى وجود ملفات أخرى غير علنية ضد مسؤولين في النظام أمام محاكم أوروبية عدة.
وحضر المشتبه به الرئيسي أنور رسلان (57 عاما) بصفته عقيدا سابقا في جهاز أمن الدولة وهو ملاحق بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية. ويتهمه القضاء الألماني بالمسؤولية عن مقتل 58 شخصا وعن تعذيب ما لا يقل عن أربعة آلاف آخرين من أبريل (نيسان) 2011 إلى سبتمبر (أيلول) 2012، في «فرع الخطيب» الأمني، الذي كان يديره في دمشق. كما مثل أمام محكمة كوبلنز إياد الغريب (43 عاما) الذي غطى وجهه بقناع، وهو متهم بالتواطؤ في جريمة ضد الإنسانية لمشاركته في توقيف متظاهرين تم اقتيادهم إلى هذا السجن بين الأول من سبتمبر و31 أكتوبر (تشرين الأول) 2011.
وبعد سنوات على لقائهم الأول مع سجانهم في واحد من أبشع السجون السورية، «القسم ٢٥١» في دمشق، عاد معتقلون سابقون وواجهوا شبح الماضي. ولكن هذه المرة ليس في سوريا ودمشق بل في ألمانيا ومدينة كوبلنز في ولاية راينلاند بالاتينات. والأدوار هذه المرة كانت مقلوبة. وجدوا سجانهم السابق، الضابط في المخابرات السورية أنور رسلان، نحيفا، أنحف بكثير مما يتذكرونه. كانت يداه ترتجفان كذلك. ربما يعاني مرضا عصبيا. بدا مكسورا خلف الزجاج الذي جلس خلفه داخل قاعة المحكمة. وإلى جانبه، المتهم الثاني، المجند السابق إياد الغريب.
لم ينطق إلا بكلمتين ليذكر اسمه. وبقية الوقت، الساعة وربع الساعة التي استغرقتها تلاوة التهم من قبل الادعاء، كان يجلس بصمت وانكسار داخل علبة خشبية في قفص زجاجي. والمدعي العام يقول على مسامعه إنه متهم بتعذيب أكثر من ٤ آلاف معتقل، وقتل ٥٨ معتقلا آخر على الأقل بين أبريل (نيسان) ٢٠١١ وسبتمبر (أيلول) ٢٠١٢. قرأ أجزاء من شهادات ٢٤ ضحية، قال محامي الضحايا لاحقا بأنه وجد الاستماع إليها «مؤلما».
لم يشأ أن يرد على التهم فورا. طلب محاميه مهلة للرد كتابة. أما إياد الغريب، المتهم باعتقال عشرات المتظاهرين واقتيادهم إلى السجن الذي يديره رسلان حيث خضعوا للتعذيب، فرد محاميه برفض التهم على أساس أنها باطلة. فهي تنطلق من شهادة أدلى بها عندما وصل إلى ألمانيا لاجئا، واعترف في المقابلة التي أجرتها معه دائرة الهجرة بأنه عمل مع المخابرات السورية. ولكنه ظن، كما ظن البني، بأن الاعتراف والإعلان بأنه انشق وغادر يعني بأن التهم زالت. وكان رسلان قد اعترف كذلك بأنه كان ضابطا للمخابرات عندما وصل طالبا اللجوء في ألمانيا قادما من الأردن التي انتقل إليها بعد أن أعلن انشقاقه عن النظام والانضمام للمعارضة.
وأوضح البني المحامي السوري الناشط في هذه القضية والذي ساعد على جمع الشهود لـ«الشرق الأوسط» بأن «الاعتراف لا يعني بأن الذنب لم يعد موجودا». ومحامي الضحايا باتريك كروكر، متأكد من أن هذه المحاكمة ليست إلا البداية. وبالنسبة إليه فهي كانت «تاريخية لأنها المرة الأولى التي يواجه فيها مسؤولون من النظام السوري القضاء». كروكر مقتنع بدور رسلان المباشر في التعذيب، ويقول لمن يجادل بأنه غير متورط بشكل مباشر: «هناك أجزاء كبيرة من الدعوى حيث كان هناك تورط مباشر من المتهم وقانونيا حتى ولو لم يلمس أحدا شخصيا لا يعني بأنه لم يرتكب الجريمة».
أما المدعي العام لدى محكمة العدل الاتحادية جاسبر كلينغ فبدا متأملا من أن هذه المحاكمة ستؤدي إلى إدانات، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل ونعتقد أن التهم ستكون كافية وجيدة بالنسبة للمدعين والأدلة التي سنقدمها ستؤدي إلى إدانة». وأكد بأن القضية لا علاقة لها بالسياسة بالنسبة للقضاء الألماني: «بادرنا بالقضية لأننا في موقع مسؤول، وظيفتنا فتح التحقيق في حال حصولنا على أدلة تؤكد وفق القانون الدولي جرائم ضد الإنسانية». وأضاف: «نحن جميعا مستقلون في النيابة العامة وقمنا برفع هذه الدعوى والآن وصلت إلى المحكمة العليا في كوبلنز وهي محكمة مستقلة كذلك ولذلك نحن مطمئنون أنه لن يكون هناك أي تدخلات سياسية، في ألمانيا القضاء مستقل وليس لدينا أي قلق في هذا الشأن». المدعي العام يبدو متأكدا كذلك بأن هذه المحاكمة لن تكون الأخيرة بحق مسؤولين في النظام السوري، وهو يقول: «إن توفرت لدينا أدلة كافية في المستقبل سنقوم بلاحقة أي شخص ارتكب جرائم حرب من عناصر في النظام السوري».
بالنسبة للشهود الضحايا، كان يوم أمس بالفعل يوما تاريخيا. فهم حضروا باكرا إلى المحكمة العليا في مدينة كوبلنز، قبل حوالي ساعة على بدء الجلسة الافتتاحية التي يحاكم رسلان، الذي كان مشرف على السجن في سوريا حيث قبعوا لأشهر يواجهون الضرب المبرح والصدمات الكهربائية والإهانات اليومية.
كان عشرات الصحافيين والسوريين يقفون بعيدين مترا ونصف المتر عن بعضهم في الخارج، ينتظرون الدخول إلى قاعة المحكمة. الحراس أمامهم يرتدون الكمامات، بالكاد أدخلوا جزءا صغيرا من المنتظرين. فالمقاعد داخل قاعة المحكمة قُلص عددها قبل أسبوعين بسبب فيروس كورونا.
وفيما راوح صف الانتظار مكانه، دخل من الباب الجانبي الشاهدان حسين غرير ووسيم المقداد، مع محاميهما باتريك كروكر من «المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان». بديا متوترين ومتحمسين في الوقت نفسه. لم يسمح للصحافيين بالحديث إليهم، لا عندما دخلوا ولا بعد أن خرجوا إثر انتهاء الجلسة الافتتاحية، خوفا من أن يقولوا شيئا قد يعرض شهادتهم للخطر. ولكن هما تحدثا بعد خروجهما قاعة المحكمة، وفي الوسط وقف المحامي ليتأكد من أنهما لن يجيبا على أسئلتنا.
بالنسبة للمقداد، هذه المحاكمة هي مهمة «ليس فقط للضحايا المباشرين ولكن لكل ضحية تعذيب في السجون السورية... من عاش منهم ومن توفي تحت التعذيب». أما الغرير، فقال بأن المحاكمة في الداخل جعلته يقارن بين وضع رسلان ووضعه عندما كان في السجن في سوريا، قائلا: «نسمع بالمحاكمة العادلة ولكن هذه المرة الأولى التي اختبر المحاكمة العادلة». ويضيف: «المحاكمة لا تكون عادلة إلا عندما يمكن للمتهم أن يتواصل مع محاميه وهو لديه محامٍ وهذا جعلني أقارن بوضعنا حيث كنا مجردين من كل حقوقنا وكانت أعيننا معصوبة كي لا نرى ما يحصل». ويختم متمنيا وآملا أن «تكشف كل الحقيقة في هذه المحاكمة»، ويقول: «ما نسعى له هو كشف الحقيقة عن التعذيب الممنهج في سوريا وما زال يمارس في سوريا حتى هذه».
وفر رسلان والغريب من سوريا ووصلا إلى ألمانيا حيث طلبا اللجوء على غرار مئات آلاف السوريين منذ تسع سنوات. وهما موقوفان قيد الحبس الاحترازي منذ اعتقالهما في 12 فبراير (شباط) 2019.
ويقول رسلان إنه انشق في أواخر 2012 وتفيد عدة وسائل إعلام أنه انضم إلى صفوف المعارضة في المنفى قبل أن يصل إلى ألمانيا في 26 يوليو (تموز) 2014. وهو يواجه عقوبة السجن المؤبد. وقال البني بأن المحاكمة لا علاقة لها بمواقفهما السياسية، بل إنها «تنظر باتهامات تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وهي تمس النظام وسياسته المنهجية في ارتكاب جرائم حرب». وزاد: «لا علاقة بين الجانبين السياسي والقضائي». وأشارت مصادر سورية معارضة إلى قول المدعي الألماني أمس بأنه «لن يسمح لمن قام بهذه الجرائم والمسؤول عنها أن يفلت من العقاب».
وكان البني أول من أثار ملف التحقيق، باعتبار أنه تعرف على رسلان خلال لقائهما صدفة في مجمع للاجئين في ألمانيا في قبل خمس سنوات. وقال: «تذكرت أن وجه هذا الشخص مألوف لأنه هو ذاته الذي كان خطفني واعتقلني في منتصف 2006 في دمشق». وزاد: «أتذكر عندما رفع عناصر دورية الأمن الغطاء عن رأسي لتسليمي إلى الشرطة، أني شاهدت وجه رسلان الذي كان رئيس الدورية». ومن المقرر أن يقدم ضابط التحقيق بإفادات أمام المحكمة الألمانية اليوم.
ومن المتوقع أن تُعرض خلال المحاكمة صور من بين آلاف التقطها مصور سابق في الشرطة العسكرية السورية يُعرف عنه باسم مستعار هو «قيصر»، تمكن من الهرب من سوريا صيف عام 2013 حاملا معه 55 ألف صورة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.