جائحة العصر... العيش في زمان الخوف

كأن الناس مهيأون للهلع منذ وقت طويل وكانوا فقط بانتظار اللحظة المواتية

باري غلاسنر
باري غلاسنر
TT

جائحة العصر... العيش في زمان الخوف

باري غلاسنر
باري غلاسنر

عندما كان العالم (الغربيّ) يقترب من الألفيّة الأولى، تقول المصادر التاريخيّة، شاعت في الناس نبوءة بأنها القيامة الموعودة، فساد مزاجٌ من الهلع والقنوط، هُجرت الأراضي، وتفرقت الأسر، وتوقّف كثيرون عن ممارسة أعمالهم المُعتادة، فيما تعددت الطرائق الدينية المنعزلة وتناثر المُهرطقون.
وإذا أردنا أن نحكم على تلك الفترة اليوم، حصراً من خلال مصادرنا التاريخيّة، فإنّه يسهل القول عندها بأن البشر إذا ألمّت بهم الجوائح مالوا إلى هجران التعقل، ولاذوا من خوفهم بالأفكار الغيبيّة والشّعوذة والأساطير. والحقيقة أن معظم الرّوايات التي وصلتنا إنما كُتبت بعد حركة الإصلاح الديني في أوروبا على أيدي رهبان بروتستانت كان ديدنهم وصم رفاقهم الكاثوليك من قبلهم بالجمود والانغلاق وانعدام الحكمة، فيما شرع مؤرخون علمانيون لاحقون في عصر النهضة بافتعال أشياء عن انعطاف الألفيّة ليس عليها من دليل -وعلى الأعمّ الأرجح أنّها لم تحدث قط- سعياً منهم لإبراز زحف «العقل»، وانتصاره على ظلاميّات العصور السابقة.
ويبدو أن بعض كتّاب الصحف المعاصرة يريدون لعب أدوار مماثلة بدعواتهم الناس للاعتصام بالعقل، وعدم السّقوط في لجة الهلع، بعد تفشي القاتل الخفي الجديد الذي يقف على باب الكون كله، فلا هو يعترف بحدود ولا إمبراطوريّات، ولا يفرّق بين زعماء وصعاليك.
لكن التدقيق فيما وراء النّصوص الكلاسيكيّة عن انعطاف الألفيّة الأولى يشير إلى تجذّر القابليّة للهلع لدى ناس المرحلة، إذ وهم في أغلبهم فقراء تعساء أقنان كثرت عليهم موجات الأوبئة، وتكررت غزوات البرابرة على الحواضر والنجوع، وسادت المجاعات، مع الشّروخ التي بدأت تمسّ نظام الإقطاع، وتراجع قدرته على الإنتاج. لقد كانوا يعيشون مناخاً من الخوف الحقيقي المستند إلى الوقائع، متعبين من الحياة، لكنّهم يخشون الموت. ولذا كان أمر هلعهم العريض بنبوءة نهاية العالم أشبه بتحصيل الحاصل.
وقياساً على ذلك، فإن تفكيك الحالة المعاصرة من الهلع الكوروني ينبغي أن يُستهل في مناخ الخوف الذي كنّا فيه أصلاً عبر أدوات الإعلام والميديا والمنتجات الثقافيّة على تعدد أشكالها. وفي ذلك يقول باري غلاسنر، بروفسور السيسيولوجيا الأميركي مؤلّف كتاب «ثقافة الخوف» (Culture of Fear)، إننا «نعيش في أسوأ مناخ رهاب عاشه البشر خلال تاريخهم الطويل، ولعل السبب الأساسي لذلك كامن في حقيقة أن هنالك تراكماً من الرأسمال والنفوذ لدى جهات وأفراد تتوافق مصالحها في الهيمنة على تعظيم الخوف، ونشر عملته على أوسع نطاق في المجتمعات الحديثة». «التخويف»، يقول نيل ستراوش، الصحافي الأميركي «صناعة تعني مزيداً من نقل الثروة بالمليارات إلى جيوب النافذين السّمان». وبالفعل، فإن صناعة الإعلام، وشركات التأمين، وجماعات الضغط المستأجرة، وكبريات صناعة الأدوية، وتجار الأسلحة، والمحامون والسياسيون، إنما تزدهر أعمالهم كلّما اشتدت الخُطوب على الناس، وظنّوا أن الحظ الحسن هجرهم.
وتبدو مهمّة تجار الخوف هؤلاء يسيرة بحكم التكوين البيولوجي والسيكولوجي للبشر، إذ تبدو أدمغتنا، على حد وصف البروفسور أندرو هوبرمان، أستاذ البيولوجيا العصبيّة بستانفورد، أقرب إلى «ماكينة استجابة للأخطار، مهمتها العمليّة أن تُبقينا أحياء فور تقييمها لأي مؤثر بصفته خطراً بشكل ما، وإشعارنا بالخوف». ومن المعروف بالطبع أن الشّعور بالخطر يدفع إلى وقف أنشطة الدّماغ الخلاّقة جميعها، ويمنح نوعاً من السّيطرة لأدمغتنا البدائيّة القائمة على إدارة الرّهاب بأساليب دفاعيّة. وهي المقاربة الأساسيّة التي يقوم عليها منهج منتجي الخوف الجمعي المعاصرين، إذ هم «يحوّلون الخوف من شيء مرتبط فعلياً بتهديد ملموس إلى ضباب هلع كثيف معمم معقّد من تزايد احتمالات التعرّض إلى تهديد جدي في المستقبل يتسبب بالفناء. قلقٌ مقيم من شيء لم يحدث بعد، ولربّما لن يحدث قطعاً. خبرة يوميّة من عدم تيقّن أبديّ». فبدلاً من شعور المواطن بالخوف -الطبيعي- إذا ما وقع حادث إطلاق نار في مكان عام، يتولاه شعور هلع مستدام من تصاعد إمكانيّة حدوث إطلاق نار في أي وقت.
وتقول دراسة مهمّة حول خوف الأميركيين العاديين، أجرتها جامعة تشابمان (2017)، إن أعداداً متزايدة من المواطنين تعيش في ظلّ خليط من قلق مركّب: خوف من هيمنة حكومات فاسدة تخدم أجندات مشبوهة، وحروب سيبيريّة تستهدف أساسيات الحياة المعاصرة من كهرباء وماء وأنترنت وأجهزة إلكترونيّة، كما مراقبة الشركات الكبرى للمعلومات الشخصيّة، وحوادث الإرهاب العُنفيّ.
ويتمّ بناء هذا القلق المركّب عبر مزيج رّسائل متتابعة ومحفزات متتاليّة يتلقاها أفراد المجتمع من خلال وسائل الإعلام ومنتجي الثقافة الّذين تتضافر جهودهم -وإن ظهرت لغير العين المراقبة متباعدة غير منسّقة- في خدمة ذوي الأجندات السياسيّة والاقتصادية لبناء تراكم كمي تدريجي في عقول الأفراد، قبل أن يؤدي ذلك -بحكم الوقت- إلى ما يشبه تماماً مفعول غسل الأدمغة.
ولعلّ مما يفاقم من تأثير هذه الرّسائل في العقدين الأخيرين تشظّي استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، وما ينتج عنها من استقطاب متصاعد، وفق ما يسميه علماء السيسيولوجيا بقانون «الاستقطاب الجمعيّ»، ويسجّل -مخبريّاً- نزوعاً لدى البشر الذين يقضون أوقاتاً مطوّلة في غرف صدى افتراضية تجمع المتشابهين بالأفكار والخبرات إلى تبني وجهات نظر أكثر تطرفاً ورجعيّة وقناعة بشأن المخاوف المشتركة الخاضعة للنقاش. وهو الأمر الذي قد يفسّر بصيغة ما صعود الفاشيات في أوقات التزعزع الاقتصادي والاجتماعي، وانتشار نظريّات المؤامرة بشكل ملحوظ، مقارنة بأوقات الرّخاء.
ويبدو أنّ التقدّم غير المسبوق في العلوم الاجتماعية خلال الثلاثين سنة الأخيرة قد وفّر لتجار الخوف أدوات بسيطة شديدة الفعاليّة لتعظيم ثقافة الخوف وتوسيعها، إذ إن حادثة إرهابيّة معزولة -مصطنعة كانت أو حقيقيّة- تؤدي إلى مقتل عدد قليل من الأبرياء يمكن توظيفها في وضع شعوب بأكملها في مزاج الرّعب والهلع من خلال وسائل الإعلام وتصريحات السياسيين. هذا في الوقت الذي يموت فيه يومياً مئات الأشخاص في كل مدينة بسبب السرطان أو الكحول أو جرعات مخدرات زائدة أو بسبب السمنة أو حوادث الطرق أو سوء التغذية أو غياب الخدمات الصحيّة الكافية، وهذه كلّها وفيّات يمكن التقليل منها دراماتيكيّاً لو أن جهد السلطات كان أساساً موجهاً لخدمة الأكثريّة، لا مصالح القلّة. ومن المثبت علميّاً الآن أن الخائفين أكثر من غيرهم تقبلاً للخضوع إلى سلطات استثنائيّة، وللتنازل عن حقوقهم الأساسيّة، مقابل استعادة نوع من أمان مؤقّت. ويُطلق البروفسور هوبرمان على هذه الممارسة اسم «الحرب العصبيّة البيولوجيّة»، وصنّفها ضمن الأسلحة الاستراتيجيّة المتوفرّة للحكومات.
وتلحظ مارغي كيرّ، في كتابها «الصّرخة: مغامرات مرعبة في علم الخوف»، أن أفراد المجتمعات المعاصرة هم في مزاج أسوأ من الخوف، مقارنة بأسلافهم قبل مائتي سنة مثلاً. وهي تربط ذلك بكثرة الأحداث التي يتم وضعها إعلامياً في سياق التخويف، فتتابَع التحديثات عنها لحظيّاً عبر الهواتف النقالة وقنوات الإعلام التقليديّة والميديا الحديثة، مما يخلق شعوراً زائفاً بالانخراط بالحدث. وحتى عندما يهرب المرء في نهاية يومه إلى فضاء الترفيه، فإن بانتظاره سيل لا يتوقف من أفلام الحروب، ومطاردات الشرطة، والتحليل الجنائي والجرائم الحقيقيّة والمتخيّلة، والزومبيّات، ونظريّات المؤامرة، والديستوبيّات. وتقول كيرّ إن هذا التعرّض المكثّف لجرعة العنف اليومي ليس له من نتيجة سوى تسربه إلى اللاوعي وكأنه حقيقة موضوعيّة قد تحدث للمرء في أي لحظة.
وهكذا، عندما تسقط شعوب الغرب المتقدّم بالهلع بعد انتشار أنباء وباء كورونا، ويتقاتل الناس لشراء مستلزمات أساسيّة لم يحتاجوها بالفعل، فإن لا شيء يثير الاستغراب. فكأن الناس مهيأون للهلع منذ وقت، وكانوا فقط بانتظار اللحظة المواتيّة.



إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).