السنوسي: أطالب بإعادة عائلة القذافي إلى ليبيا

قال لـ «الشرق الأوسط» إن الشعب يقرر نظام الحكم وليس الأطراف السياسية

محمد الحسن الرضا السنوسي (الشرق الأوسط)
محمد الحسن الرضا السنوسي (الشرق الأوسط)
TT

السنوسي: أطالب بإعادة عائلة القذافي إلى ليبيا

محمد الحسن الرضا السنوسي (الشرق الأوسط)
محمد الحسن الرضا السنوسي (الشرق الأوسط)

رسم الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي صورة بدت متفائلة للمشهد السياسي الليبي بكل تعقيداته، لكنه رهن تحقيق ذلك بتحلي جميع الأطراف «بروح التسامح والسمو فوق الأحقاد»، معولاً كثيراً على المواطنين في تخطي العقبات التي تعتصر بلاده، وقال إن الشعب «هو صاحب المبادرة للحل، وليست الأطراف السياسية»، وبالتالي فإنه هو «من يقرر نظام الحكم الذي يرتضيه».
وتحدث محمد الحسن، نجل الحسن الرضا السنوسي، الذي عينه الملك إدريس السنوسي ولياً للعهد في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1956، وتوفي في 28 أبريل (نيسان) 1992، في حوار إلى «الشرق الأوسط» عن أزمات بلاده، ورأى أن «غياب الأساس الدستوري السليم إحدى الإشكاليات الرئيسية التي تعانيها». كما تطرق إلى الليبيين المهجّرين، ودعا للعمل على «تأمين العودة الفورية لجميع المقيمين اضطراراً خارج وطنهم»، ورجوع «عائلة الراحل معمر القذافي وزوجته وأبنائه»، وقال إنهم مواطنون ليبيون كذلك، ولهم نفس الحقوق والواجبات.
ولفت محمد، المولود عام 1962، والذي يطالب بعض الليبيين بـ«إعادة استحقاق ولاية العهد له لتوليه ملك البلاد، وتحمّل مسؤولياته الدستورية كاملة»، إلى تداعيات الحرب على طرابلس، التي دخلت عامها الثاني، وقال إنه «لا يمكننا أن نتصور استمرار الصراع الذي يتعرض فيه الإخوة لعدوان الإخوة، مما يسبب في تبديد قدراتهم ومقدراتهم، ويقسمّ مكونات الوطن إلى فئات وجماعات، ويحرض فيه الأشقاء على قتل بعضهم البعض وتفتيت ليبيا».
وانتهى محمد إلى أن «هناك الكثير من الإشكاليات التي طرأت على المجتمع الليبي بسبب التنازع على السلطة والمال بين أفراد وجماعات، لا تمثل الشعب الليبي، ولا دخل للتكوين الاجتماعي فيها...».
وإلى نص الحوار:
> هناك من يقول إن الأمير محمد الحسن غادر ليبيا مطلع تسعينات القرن الماضي في سن يافعة، وأقام بالعاصمة البريطانية، وبالتالي فهو بعيد عما يعايشه الليبيون من أزمات وأوجاع... ما تعليقكم؟
- ربما غادرت ليبيا بسبب ظروف مرض والدي رحمه الله، لكنني عاصرت أكثر من عقدين بعد انقلاب 1969، وعايشت جزءاً مهماً من الأحداث داخل ليبيا. كما أنني أتابع عن كثب جميع المستجدات في وطني. والوجود في وسائل الإعلام بالنسبة لي، ولما تمثله مؤسسة ولاية العهد، يكون بالقدر الذي تتطلبه الظروف والمستجدات، التي تواجه ليبيا والشعب الليبي، ولا يكون الظهور لغرض الظهور فقط. وللأسف فإن البعض يعتقد أن الإكثار من الظهور في وسائل الإعلام دليل على قوة الحجة، أو إثبات على عدم الابتعاد عن ساحة التطورات، التي تشهدها المسألة الليبية، أو كأننا نخوض سباقاً انتخابياً. لكن المؤسسة الملكية الدستورية مؤسسة عريقة وراسخة، ونحن لسنا بعيدين عن الشعب الليبي ونبض تطلعاته. وهذا يتضح لأي مواطن إذا استطلع موقعنا الرسمي على شبكة الإنترنت، ومراجعة ما يحتويه من إصدارات إعلامية وبيانات رسمية.
> في ظل مطالبة شعبية تنادي بعودة الملكية، والعمل بدستور المملكة الليبية... هل ترى أن أزمة البلاد تكمن في غياب الدستور فقط؟
- غياب الأساس الدستوري السليم، الذي يضبط العلاقة بين الأطراف السياسية المتنافسة على السلطة وتحديد مسؤولية المجالس التشريعية والهيئات التنفيذية، وغياب المواطن الليبي في هذه المعادلة، هي إحدى الإشكاليات الرئيسية في الأزمة. والدعوة إلى الملكية ليست دعوة من جانبنا لإعادة حكم ضائع، بل تأتي من عمق الشعب لإعادة الشرعية الدستورية، وهناك حراك يقوده ليبيون مخلصون يحمل هذا الاسم، وينشط في جميع أنحاء ليبيا، وقد سبق له تنظيم مؤتمرات عدة من غرب البلاد إلى شرقها، وقد أوضحت هذه المؤتمرات التي شاركت فيها شخصيات محترمة من كافة المكونات الليبية الرغبة القوية، التي يحملها مجتمعنا لإعادة بناء دولة مبنية على احترام القانون، حيث تحل المؤسسات محل الأفراد، والدستور فوق السلطات.
> كثيرون يقولون إن الزمن تغير... وبالتالي فإن الفرصة ليست مواتية للعودة إلى عهد الملكية... هل توافق أمام هذا الرأي على طرح نفسك في أي انتخابات رئاسية مقبلة؟
- هناك حقيقة يجب أن نوضحها لمن لا يعرف ليبيا وتاريخها. الذين استطاعوا تحقيق حلم تأسيس الدولة هم الليبيون، بعد أن تمكنوا منتصف القرن الماضي، وقبل أن تظفر العديد من الدول المجاورة باستقلالها، أن يحققوا استقلالاً لا نزال نفخر به إلى هذه اللحظة. الملكية كانت إحدى المحطات التي أسهمت في تحقيق هذا الحلم وهذا الإنجاز، وبالتالي فهي ملك للشعب الليبي وجزء منه، والشعب الليبي هو من يقرر نظام الحكم، الذي يرتضيه إطاراً لدولة المؤسسات والقانون المنشودة.
> تتحدث تقارير دولية عن صورة مركبة للأزمة الليبية تعقدها إشكاليات، كالجهوية والقبائلية وتكتل للميليشيات المسلحة... كيف برأيك تستطيع دولة الدستور أن تتعامل مع هذه العقبات؟
- هناك سوء فهم لبعض الأوصاف، التي يتم تداولها عن ليبيا كما تفضّلت. فالمجتمع الليبي يتكون من قبائل، لكنه ليس قبلياً بالمعنى الذي يقصده الذين يلقون عليه مثل هذا الوصف، فهو من أكثر المجتمعات العربية تطوراً، وقبائله وعائلاته وأفراده كان لهم الدور الأبرز في الوصول إلى دولة الاستقلال، التي ضُرب بها المثل في وقت من الأوقات. هناك العديد من الإشكاليات التي طرأت على المجتمع الليبي، بسبب التنازع على السلطة والمال بين أفراد وجماعات، لا تمثل الشعب الليبي ولا دخل للتكوين الاجتماعي في هذا الأمر. وهناك دول عربية في المشرق والمغرب لا يزال للقبيلة فيها دورا اجتماعيا بارزا، لكنها استطاعت الوصول إلى مراحل متقدمة في جميع المجالات، وبعضها لديه طوائف وتقسيمات أكثر تعقيداً من ليبيا، ولكنها تعيش في سلم وأمن وتناغم.
> منذ تفاقم الأزمات في ليبيا ودخول الأمم المتحدة كطرف يحاول الوصول إلى توافق بين الأفرقاء السياسيين، تعددت المبادرات المحلية والخارجية، وقد كانت لكم رسالة وجهتموها للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للضغط بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار... هل تملكون الآن مبادرة أو رؤية للحل في ليبيا؟
- الشعب الليبي هو صاحب المبادرة وليس الأطراف السياسية المحلية أو الدولية، وهو من يقرر نظام الحكم الذي يرتضيه. المملكة الليبية لم تكن مجرد نظام حكم، بل كانت تحقيقاً لإرادة الشعب في إنشاء دولة المؤسسات والقانون، وعملية وضع وكتابة الدستور الليبي من قبل آبائنا وأجدادنا في الهيئة التأسيسية لم تكن منحة من الملك إدريس السنوسي رحمه الله، كما لم تكن أيضاً خدمة لفئة أو جماعة أو عائلة، أو تهدف لمصالح قوى سياسية، أو قبلية أو أطراف دولية، ولم تكن حلاً وسطاً، أو عملية توافقية ترتضيها أطراف متصارعة. الدستور الليبي وما تضمنه ونتج عنه من إنشاء دولة، هي المملكة الليبية، كان نتاج جهود مضنية من أجل مستقبل أفضل.
> كيف تنظر للتواصل الروسي مع سيف الإسلام القذافي، إلى جانب الدعوات التي تتمسك بحقه في العمل السياسي، وخوض أي انتخابات رئاسية مقبلة؟
- أفراد الشعب الليبي لهم قدر متساو من الحقوق والواجبات، تحت مظلتي الدستور والقانون، ولا يجب أن تكون هناك أي مظالم تطال المواطنين بسبب آرائهم الشخصية أو السياسية، ما دام التزموا بالنظام العام للدولة. وللأسف فقد عانينا بعد انقلاب عام 1969 من مظالم كثيرة وتشويه للسمعة، وتضييق في المعاش طالنا وعائلاتنا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال لمن مر بهذا الوضع أن يقبل بممارسته على الغير. من هنا أدعو إلى العمل على تأمين العودة الفورية لجميع المواطنين الليبيين المقيمين اضطرارياً خارج وطنهم، وأن تساهم السفارات والقنصليات في تأمين احتياجات الذين وجدوا أنفسهم خارج وطنهم، لأسباب تتعلق بآرائهم أو مواقفهم السياسية. كما نطالب بتأمين عودة جميع المهجرين داخل وخارج ليبيا، ومن ضمنهم أفراد عائلة وأسرة الراحل معمر القذافي، لأنهم مواطنون ليبيون كذلك، ولهم نفس الحقوق والواجبات في إطار القانون.
> كيف تنظر إلى الحرب على طرابلس التي دخلت عامها الثاني؟
- يعزّ علينا أن نرى بلادنا وهي تعاني تحت ضغوط هذه الأزمات المتلاحقة، التي لم تترك للشعب الليبي فرصة لكي ينشغل ببناء وطنه، وتحقيق تطلعات أفراده في العيش الكريم. ولا يمكننا أن نتصور استمراراً لصراع يتعرض فيه الإخوة لعدوان الإخوة، ويتم فيه تبديد قدراتهم ومقدراتهم، وتقسم فيه مكونات الوطن إلى فئات وجماعات، ويحرض فيه الأشقاء على قتل بعضهم البعض، وتفتيت بلادهم.
لا شك أنه كانت هناك محاولات عديدة جادة منذ التغيير، الذي حدث عام 2011 لإرساء نظام (حكم رشيد)، ولكن افتقار هذه المشاريع للأساس الدستوري السليم، الذي يراعي خصوصية ليبيا الاجتماعية والثقافية والسياسية، جعل فشلها محتوماً.
> ما المخرج الذي يضمن استقرار ليبيا من وجهة نظركم؟
- التسامح والسمو فوق الآلام والجروح والأحقاد، ومدّ أيدينا نحو بعضنا البعض، متحلين بروح التآخي والمحبة قبل أي حديث عن ترتيبات سياسية، وهذا ليس ضربا من الخيال، بل نستقيه من تاريخنا الذي يثبت أننا حققنا هذا الأمر، وأن الشعب الليبي استطاع أن يحقق ما اعتقد الجميع أنه ليس مؤهلاً لتحقيقه. علينا ألا ننسى هذا التاريخ ونحن ننظر إلى تأمين مستقبل أفضل لبلادنا وأجيالنا القادمة.
> أخيراً... كثير من الليبيين يتذكرون النهضة التي شهدتها ليبيا في السنوات، التي تلت الاستقلال وقيام المملكة... ترى هل من سبيل للعودة ثانية إلى مثل هذه النهضة؟
- المملكة الليبية استطاعت خلال سنواتها الثماني عشرة، ومع حداثة تجربتها وعهدها، ومحدودية مقدراتها أن تضع اللبنات الأولى لقطاعات التعليم والصناعة والزراعة والصحة، التي مكنت آلاف الليبيين من بناء مستقبل لأنفسهم ولأبنائهم وأحفادهم من بعدهم. وفي الحقيقة فإن تعاقب الأنظمة في ليبيا ما كان ممكناً لولا أن هناك نظاما أسّس لدولة موحدة. ويمكنني الجزم بأن أحفاد الرجال والقادة الوطنيين الشرفاء، الذين استطاعوا أن يؤسسوا لهذه الدولة الخروج إلى النور في أدق الظروف بتوفيق من الله، يستطيعون أن يقودوا ليبيا نحو مستقبل أفضل.



مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
TT

مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)

في وقت لم يلتقط فيه اليمنيون أنفاسهم بعد من موجات السيول والفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة خلال الأسابيع الماضية، عادت التحذيرات الدولية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، إذ يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الشهر الحالي.

وأظهرت نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، مع توقعات بهطول أمطار غزيرة في المرتفعات الوسطى، خصوصاً في محافظتي ذمار وإب، قد تصل إلى نحو 150 ملم، وهو مستوى يرفع من احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة وسيول جارفة قد تمتد آثارها إلى المناطق السهلية المجاورة.

ولم تقتصر التحذيرات على المرتفعات، إذ نبّهت النشرة إلى ارتفاع خطر الفيضانات في وادي زبيد بمحافظة الحديدة، مع مخاطر متوسطة في أودية مور وسردود وريمة، في حين يُتوقع أن تشهد المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب أمطاراً أخف، لكنها تبقى مؤثرة في المناطق الهشة والمعرضة عادة لتجمع المياه.

نقص التمويل في اليمن حال دون وصول المساعدات إلى كل المتضررين (الأمم المتحدة)

وتمثل الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن، لإنبات محاصيل رئيسية مثل الذرة الرفيعة والدخن، وهي محاصيل يعتمد عليها اليمنيون بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، كما تسهم في تعزيز خصوبة التربة وتحسين فرص الإنتاج الزراعي في بعض المناطق.

لكن في المقابل، ترجّح النشرة أن يؤدي الهطول الكثيف إلى غمر الحقول المنخفضة وسيئة التصريف، ما يتسبب في تأخير الزراعة وتعطل عمليات البذر نتيجة تشبع التربة وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، فضلاً عن أن المحاصيل في مراحلها الأولى تكون أكثر هشاشة أمام الرطوبة الزائدة، مما يرفع احتمالات تعرضها للتلف وانتشار الأمراض النباتية والآفات المرتبطة بالبيئات الرطبة.

مخاطر متعددة

وفي حين لن تكون الزراعة وحدها في مرمى التأثيرات المناخية في اليمن، توقعت النشرة الأممية أن تواجه الثروة الحيوانية بدورها تحديات كبيرة، خصوصاً في المناطق الرعوية التي قد تتراجع فيها قدرة المراعي على توفير الغذاء الطبيعي نتيجة الفيضانات وتشبع الأراضي بالمياه، وهو ما يقيّد حركة القطعان ويزيد من صعوبة تنقل المربين في المناطق المتضررة.

كما تُهيئ الظروف الرطبة بيئة مناسبة لانتشار أمراض حيوانية متعددة، بينها تعفن القدم وبعض الأمراض المعدية المرتبطة بارتفاع الرطوبة وتلوث مصادر المياه، وهي عوامل قد تؤدي إلى انخفاض إنتاجية الحيوانات، سواء في اللحوم أو الألبان، وتكبّد الأسر الريفية خسائر إضافية في مصادر رزقها المحدودة.

وتحذر تقديرات زراعية من أن استمرار هذا النمط المناخي دون تدابير وقائية سريعة قد يُدخل المجتمعات الريفية في حلقة جديدة من الهشاشة الاقتصادية، خصوصاً في المحافظات التي تعتمد على الزراعة والرعي كركيزة أساسية للعيش.

تأثر البنية التحتية

ويمتد أثر الأمطار الغزيرة في اليمن إلى ما هو أبعد من الحقول والمراعي، ليطال البنية التحتية الريفية الهشة أصلاً، إذ تتوقع النشرة الأممية تعرض الطرق الترابية والمسارات الفرعية لأضرار واسعة بفعل الانجرافات، بينما قد تؤدي المعابر المغمورة بالمياه إلى عزل تجمعات سكانية بأكملها، وعرقلة وصول الإمدادات الزراعية والخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.

كما أن شبكات الري والصرف في كثير من المناطق تحتاج إلى أعمال صيانة عاجلة لاستيعاب تدفقات المياه، في حين تبقى التجمعات السكنية المقامة في السهول الفيضية، لا سيما المنازل الطينية والمخيمات المؤقتة، الأكثر عرضة للانهيار والتضرر المباشر.

السيول غمرت المئات من المساكن أغلبها للنازحين في المخيمات (الأمم المتحدة)

وفي مواجهة هذه المخاطر، شدَّدت النشرة على أهمية تفعيل أنظمة الإنذار المبكر المجتمعية، وتسريع نشر تحذيرات الطقس والفيضانات إلى المناطق النائية عبر وسائل متعددة، تشمل الإذاعات المحلية وشبكات الهاتف المحمول ونقاط الاتصال المجتمعية، بما يضمن وصول الرسائل التحذيرية في الوقت المناسب.

كما أوصت باتخاذ تدابير استباقية تشمل حماية البذور والمدخلات الزراعية، وتشجيع الحصاد المبكر حيثما أمكن، ونقل الماشية إلى مناطق مرتفعة، وتأمين مصادر مياه نظيفة، إلى جانب تنظيف قنوات التصريف وصيانة العبارات والمنشآت المائية قبل ذروة الأمطار.


تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
TT

تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)

أجمع عدد من الجهات الأممية والدولية والمحلية على أن اليمن يقترب مجدداً من حافة كارثة إنسانية واسعة، بزيادة رقعة الجوع، واستمرار النزوح، وتراجع التمويل الإنساني، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والمناخية التي تدفع ملايين السكان نحو مستويات أشد من الحرمان، في وضع غير مستقر سياسياً واقتصادياً.

وكشفت أحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الغذاء، بل باتت تشمل تهديداً متزامناً للطعام والمأوى والدخل، في وقت تتآكل فيه قدرة الأسر على الصمود بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي.

وتتزامن هذه التحذيرات مع توجُّه حكومي لإنشاء الهيئة العليا للإغاثة، وتنظيم سلسلة ورش وطنية لمعالجة تداخل الصلاحيات، والذي أعلن وزير الإدارة المحلية، بدر باسلمة، عنه ضمن خطة لإعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في المحافظات المحررة، إذ سيكون من شأن إنشاء الهيئة تنظيم العمل الإنساني وإنهاء الازدواجية في إدارة المساعدات،

وأكَّد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 18 مليون شخص في اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي، محذِّراً من أن الاضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الوقود والشحن والتأمين نتيجة التوترات الإقليمية قد تدفع أعداداً أكبر إلى مستويات أشد من الجوع، خصوصاً وأن اليمن يستورد قرابة 90 في المائة من احتياجاته الغذائية.

الأمم المتحدة تتحدث عن استمرار النزوح في اليمن (رويترز)

ووفق برنامج الأغذية العالمي، يبلغ عدد النازحين في اليمن نحو 5.2 مليون شخص، يعيش كثير منهم في ظروف بالغة الهشاشة، حيث أظهرت البيانات أن 39 في المائة منهم عانوا من جوع متوسط إلى حاد خلال مارس (آذار) الماضي، أي أكثر من ضعف المعدل المسجَّل بين غير النازحين. وترتفع النسبة إلى 50 في المائة بين المقيمين في مخيمات النزوح، بينما بينت 17 في المائة من الأسر النازحة بأن أحد أفرادها قضى يوماً وليلة دون طعام.

ويشير إلى أن 92 في المائة من النازحين غير قادرين على تحمل تكاليف الإيجار، مما يضعهم أمام خطر الإخلاء والتشرد، ويتجسد هذا بوضوح في محافظة مأرب، أكبر مراكز النزوح في البلاد، حيث حذّرت السلطات المحلية من أن نحو 285 ألف نازح، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، مهددون بفقدان مساكنهم بسبب تراكم الإيجارات وانعدام مصادر الدخل.

نزوح مستمر

ويظهر تقرير للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في محافظة مأرب (جهة حكومية)، الأسبوع الماضي، أزمة إنسانية طاحنة تهدد حياة أكثر من ربع مليون نازح في المحافظة، بعد أن أصبحوا على بعد خطوة من فقدان مأواهم بسبب استمرار التدهور الاقتصادي، وارتفاع تكاليف الإيجارات وتراكمها، وضعف مصادر الدخل.

داخل أحد المساجد في صنعاء يجري توزيع أطعمة للإفطار خلال شهر رمضان الماضي (أ.ف.ب)

وتشمل الفئات الأكثر تضرراً 118 ألف امرأة و72 ألف طفل، إضافة إلى 8200 من كبار السن، قد يجدون أنفسهم في العراء خلال الأشهر القادمة.

ودعت الوحدة الجهات الإنسانية إلى توسيع برامج «النقد مقابل الإيجار»، لإنقاذ 48500 أسرة تعتبر الأكثر عرضة للخطر، كحل أخير لحمايتها من التشرد والحد من موجات النزوح المتكررة.

وفي الوقت ذاته، تستمر حركة النزوح، وإن كانت بوتيرة أقل، إذ أفادت المنظمة الدولية للهجرة، الثلاثاء الماضي، بأن 923 أسرة يمنية نزحت مرة واحدة على الأقل منذ مطلع عام 2026، في مؤشر على أن عوامل الطرد المرتبطة بالصراع وتدهور الأوضاع المعيشية ما تزال قائمة.

وتشير تقديرات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة إلى أن ملايين اليمنيين سيظلون بين مرحلتي «الأزمة» و«الطوارئ» الغذائية حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، مع بقاء بعض المناطق، خصوصاً في محافظتي الحديدة وحجة وأجزاء من محافظة تعز، عند المستوى الرابع من التصنيف الدولي، وهو المستوى الذي يسبق المجاعة مباشرة.

مناطق سيطرة الحوثيين هي الأكثر تضرراً من الأزمة الإنسانية (أ.ف.ب)

وأرجع التقرير هذا الوضع إلى التدهور الاقتصادي، والقيود المفروضة على الأنشطة التجارية، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، إضافة إلى الأضرار التي خلّفتها السيول في المناطق الزراعية ومخيمات النازحين.

كما حذَّر تقرير مشترك أعدته مجموعة البنك الدولي ومنظمة أكابس بالتعاون مع وكالات أممية، من بينها منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة ومنظمة الصحة العالمية، من أن الصراع الإقليمي، والتقلبات المناخية، والتراجع الحاد في التمويل الإنساني، تشكل معاً مزيجاً خطيراً يهدد بتفاقم الأزمة خلال الأشهر المقبلة.

أثر أكبر على المهمشين

وجاءت هذه التحذيرات أيضاً من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي التي نبهت إلى أن التغير المناخي يفاقم معاناة فئة المهمشين في اليمن، بتداخل آثاره مع الحرب المستمرة والانهيار الاقتصادي وتدهور البنية التحتية، مما جعل البلاد من أكثر الدول عرضة للفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة وشح المياه.

ممارسات الحوثيين ضد موظفي الإغاثة ساهمت في تراجع نشاط الوكالات الأممية (أ.ف.ب)

ويعدّ المهمشون، بحسب التقرير، من أكثر الفئات هشاشة، بسبب تمركزهم في مناطق عشوائية منخفضة تفتقر إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب ما يواجهونه أصلاً من تمييز اجتماعي يحد من فرص حصولهم على التعليم والرعاية الصحية والعمل.

وبيَّن أن الكوارث المناخية لا تتسبب فقط في خسائر مباشرة، بل تُعمِّق أيضاً دوائر الفقر والإقصاء الاجتماعي وتضعف قدرة هذه المجتمعات على التكيف والصمود.

وشدَّد التقرير على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تدخلات طويلة الأمد تتجاوز المساعدات الطارئة، وتشمل تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية وإدماج الفئات المهمشة في خطط التكيف المناخي والتنمية المستدامة.

ونبه إلى أن بناء قدرة اليمن على مواجهة التغير المناخي لن يكون ممكناً دون معالجة جذور التهميش وعدم المساواة.

وتتفق مختلف الجهات التي أطلقت التحذيرات على أن استمرار الصراع وتراجع الدعم الإنساني قد يحول الأزمة المزمنة إلى مجاعة واسعة النطاق، لا تهدد الحياة فقط، بل ما تبقى من قدرة المجتمع على الاحتمال.


الزنداني يضع الأمن والخدمات في صدارة أولويات اليمن

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
TT

الزنداني يضع الأمن والخدمات في صدارة أولويات اليمن

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

وضعت الحكومة اليمنية ملفي الأمن والخدمات في صدارة أولوياتها، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن، في وقتٍ تواجه فيه البلاد تحديات متشابكة تتزامن مع الصدام المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، وما تسبَّب فيه من تبعات اقتصادية وأمنية وسياسية على مستوى المنطقة.

وشدد رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني، وفق الإعلام الرسمي، على أن المرحلة الراهنة تتطلب سرعة أعلى في الاستجابة، وكفاءة أكبر في التنفيذ، بما يعزز الأداء ويحقق نتائج ملموسة على الأرض، موجهاً الوزارات والجهات المختصة بالتركيز على مهامّها الأساسية، والعمل المباشر على معالجة الاختلالات، مع تعزيز التنسيق بين المؤسسات الرسمية بما يضمن تكامل الجهود ومواكبة المستجدّات.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أن الأمن والخدمات يمثلان الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتها، مشيراً إلى أن الحكومة تنظر إلى استعادة الاستقرار بوصفه مدخلاً ضرورياً لأي تحسن اقتصادي أو خِدمي، في ظل ما تعانيه البلاد من ضغوط متزايدة على مختلف المستويات.

وفي الملف الأمني، وصف الزنداني جريمتي اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قايد، ومدير مدارس النورس عبد الرحمن الشاعر، بأنهما «جرس إنذار» يكشف وجود أطراف تعمل على زعزعة الأمن وضرب الاستقرار واستهداف فكرة الدولة وبيئة العمل المدني والتنموي.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

وثمّن الزنداني جهود الأجهزة الأمنية في ملاحقة المتورطين في الجرائم الأخيرة والقبض عليهم، كما أشاد بجهود السلطات المحلية في تعزيز الأمن والاستقرار، ولا سيما ما يتعلق بتأمين خطوط الإمداد والطرق الرئيسية بين المحافظات، منوهاً بما قامت به السلطة المحلية في محافظة أبين بوصفه نموذجاً في الحزم وفرض سلطة القانون.

وحرص رئيس الحكومة اليمنية على توجيه رسالة طمأنة إلى المنظمات الدولية ومجتمع المانحين، مؤكداً التزام الحكومة بحماية العاملين في المجال التنموي، وأن مثل هذه الحوادث لن تثنيها عن مواصلة برامج التنمية وتطبيع الأوضاع، بل ستدفعها إلى مزيد من الإصرار على ترسيخ الأمن وسيادة القانون.

وأشار الزنداني إلى أن التطورات الأخيرة تؤكد أن المواجهة مع الحوثيين لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تمتد إلى محاولات استهداف الأمن الداخلي وضرب السكينة العامة وتقويض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، متعهداً بعدم السماح بتحويل عدن أو أي محافظة محرَّرة إلى ساحة للفوضى أو تصفية الحسابات، أو أي شكل من أشكال التخادم مع الجماعة الحوثية.

أولوية الخدمات والإصلاح

في الجانب الخِدمي، ناقش اجتماع الحكومة اليمنية التحديات المرتبطة بالكهرباء وتوفير الوقود وانتظام صرف الرواتب، في ظل أزمة معيشية متفاقمة، حيث أكد رئيس الوزراء أن الحكومة تمضي في تنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية بهدف تحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق نتائج ملموسة، خلال الفترة المقبلة.

ووجّه الزنداني الوزارات المعنية بتقديم حلول عاجلة وواقعية، والعمل بروح الفريق الواحد، إلى جانب تفعيل آليات الرقابة والمساءلة؛ لضمان كفاءة الأداء وتحقيق أفضل استفادة ممكنة من الموارد المتاحة، في ظل محدودية الإمكانات واتساع حجم الاحتياجات.

وفي سياق الإصلاحات المؤسسية، وافق مجلس الوزراء اليمني على تمويل إنشاء نظام للأسواق يهدف إلى تمكين وزارة الصناعة والتجارة من مراقبة الأسواق بصورة دقيقة، وتوفير رؤية أشمل لحركة الأسعار ومستويات المخزون وتوفر السلع، بما يساعد في بناء سياسات اقتصادية تستند إلى معلومات موثوقة.

كما أقرّ المجلس الاتفاقية النمطية للصيد الصناعي لأسماك التونة في أعالي البحار خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليمن، واعتمد مذكرة تفاهم بين وزارة النقل اليمنية والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إضافة إلى استعراض مذكرتيْ تفاهم للتعاون الزراعي والغذائي مع الأردن وسلطنة عمان.

رسائل رئاسية

بالتوازي مع التحرك الحكومي، برزت رسائل سياسية صادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، خلال استقباله سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، حيث ثمّن الدعم البريطاني وحرص لندن على دعم الاستقرار والإصلاحات الاقتصادية والإنسانية، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المملكة المتحدة بوصفها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن اليمن وشريكاً مؤثراً في دعم الدولة اليمنية وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.

وفي حديثه عن التطورات الإقليمية، أكد رئيس مجلس القيادة اليمني أهمية معالجة جذور التهديد الإيراني، وليس فقط احتواء تداعياته، داعياً إلى مقاربة تقوم على تحقيق مكاسب مستدامة للأمن والاستقرار، والعمل بشكل حاسم على إنهاء خطر التنظيمات المسلَّحة التابعة لطهران في المنطقة، بوصفها - وفق تعبيره - أداة رئيسية لتقويض الدول الوطنية وتهديد الممرات الدولية.

وجدَّد العليمي دعم مجلس القيادة والحكومة أي جهد حقيقي لخفض التصعيد وتحقيق سلام مستدام، مشدداً على أن هذا السلام لا يمكن أن يتحقق دون معالجة مصادر الخطر في البر والبحر، وإنهاء تهديد الجماعات المسلّحة العابرة للحدود.

Your Premium trial has ended