الأرجنتين... الدعوات لجعل اللغة «أقل ذكورية» تكتسب زخماً وتثير انقسامات

البعض يرى أن وراءها أهدافاً سياسية واجتماعية

الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز.... الحركة النسوية الأرجنتينية: {لا أحد أقل»
الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز.... الحركة النسوية الأرجنتينية: {لا أحد أقل»
TT

الأرجنتين... الدعوات لجعل اللغة «أقل ذكورية» تكتسب زخماً وتثير انقسامات

الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز.... الحركة النسوية الأرجنتينية: {لا أحد أقل»
الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز.... الحركة النسوية الأرجنتينية: {لا أحد أقل»

بعد ثلاثة أيام من فرض الإغلاق الكلي في الأرجنتين لمواجهة فيروس «كورونا»، دعا رئيس البلاد الرجال والنساء على حد سواء إلى التعاون مع جهود الدولة للحد من انتشار الوباء.
وناشد الرئيس ألبرتو فرنانديز «الأرجنتينيين» مستخدماً صفة محايدة للنوعين غير موجودة في قواعد اللغة الإسبانية التقليدية. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الرئيس الذي تولى منصبه في ديسمبر (كانون الأول) مثل تلك الصفة المحايدة.
لكن قراره باستخدام ذلك المصطلح اللغوي مجدداً جاء ليتحدى قواعد اللغة القديمة، بهدف العمل على جعل الأرجنتينين يتحدثون لغةً إسبانية أكثر شمولاً.
وفي هذا الصدد، قالت قاضية مدينة بوينس آيرس، إيلينا ليبراتوري: «نتحدث دائماً عن المساواة، والحقيقة هي أن اللغة تكشف عدم المساواة السائدة في المجتمع بشكل عام».
وفي العام الماضي، أثار القاضية ذاتها جدلاً بإصدارها حكماً يجري بمقتضاه تهجئة نهاية الكلمات عادة بحرف «e» بدلاً من «a» أو «o» التي تشير عموماً إلى المؤنث أو المذكر في الإسبانية.
لكن السعي لجعل الإسبانية أقل جنسانية لا يقتصر على الأرجنتين؛ ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، استخدم بعض السياسيين والعلماء، وحتى قاموس «ميريام وبستر»، كلمة «لاتينيكس» وهي بديل لكلمة «لاتينية»، وهي الصيغة الذكورية للكلمة المستخدمة لتشمل الجميع في الإسبانية.
غير أن التغيير لم يلقَ ترحيباً من البعض، بل قُوبِل بمعارضة شديدة من مختلف دول العالم، بما في ذلك كبار خبراء اللغة الإسبانية، إذ ترى «الأكاديمية الملكية الإسبانية» التي تشرف على القاموس الأكثر موثوقية في اللغة أن الصيغ الجديدة انحراف.
ما يجعل الأرجنتين جديرة بالانتباه هو مدى تبني الأشكال الجديدة، على نطاق واسع، ليس فقط بين النشطاء ولكن أيضاً في المجالين الأكاديمي والحكومي. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت الصيغ الجنسانية المحايدة شائعة بشكل متزايد في المنشورات الجامعية والوثائق الحكومية، وحتى بعض الأحكام القضائية، حتى مع استمرار كونها موضع نقاش حاد بين عامة الناس.
وذكرت القاضية ليبراتوري أنها كانت تدرك منذ فترة طويلة الطريقة التي يمكن بها للغة أن تدعم المعايير المجتمعية، وعندما أدّت اليمين قاضيةً عام 2000، كانت هناك لافتة على بابها مدون عليها كلمة «juez»، بدلاً من الصفة الأنثوية للقاضية: «jueza»، وقامت باستبدال الكلمة الأخيرة بها.
وعندما أصدرت حكماً في وقت لاحق باستخدام لغة محايدة بين الجنسين، تعرضت القاضية ليبراتوري لشكوى رفعها مجموعة من المحامين أمام مجلس القضاة في المدينة، الذي يتمتع بسلطة معاقبة القضاة على انتهاك القواعد. لكن المجلس انحاز للقاضية ليبراتوري وقرر أن القضاة يمكنهم تذييل أحكامهم بتوقيع ينتهى بالحرف «e»، مشيراً إلى أنه سينشر دليلاً لاستخدام لغة محايدة جنسانياً.
على سبيل المزاح، قالت كريستينا مونتسيرات هندريكس، المحامية التي مثلت القاضية ليبراتوري في القضية: «يجب تسمية دليل اللغة الجديد باسم المحامية التي أقامت الدعوى».
وترى السيدة هندريكس، المتحولة جنسياً، أن اعتماد لغة شاملة للجنسين يمكن أن يكون له تأثير عميق على المعايير المجتمعية والثقافية، لأنها ترى أن «العالم لا يقتصر على الرجال والنساء فقط».
ومع ذلك، فقد اعترفت بأنها لا تستخدم تلك الصفة المحايدة في تواصلها اليومي مع الآخرين. وقالت: «عمري تخطى الخمسين، ومن الصعب للغاية بالنسبة لي تغيير طريقتي في التحدث». وذكرت أن ابنتها البالغة من العمر 22 عاماً، إريكا صوفيا هندريكس، «تستخدم تلك الصفة باستمرار».
هذا النوع من القبول الواسع يجعل فنانة، مثل آرييل مزبوبا، التي تبلغ من العمر 22 عاماً وتميل إلى الاستخدام غير الثنائي للغة (ليشمل الجنس الثالث)، وتستخدم أيضاً الصفات المنتهية بالصفة الحيادية، التي تنتهي بالحرف «e»، تشعر بارتياح أكبر، مؤكدة أن «هذا (التغيير) يجعلني أشعر بأنني أكثر شمولاً، وأنني لم أعد غريبة».
وقالت كارينا غالبرين، أستاذة الأدب في جامعة «توركواتو دي تيلا في بوينس آيرس»، إنه لا يوجد إجماع بين الخبراء حول بداية استخدام الأشخاص للحرف «e» لتحييد الكلمات الجنسية باللغة الإسبانية. إن لهذا الاستخدام جذوراً تاريخية قديمة جداً، حتى لو جاء استخدامها على نطاق واسع مؤخراً، ليجعلها تبدو ظاهرة حديثة. فقبل أن يجد استخدام «e» قبولاً واسعاً، كان المتحدثون الإسبان الذين أرادوا أن يكونوا أكثر شمولاً يستخدمون صفة تشير إلى كلا الجنسين، أو استخدام الرمز @ أو «x»، وجاء استخدام الحرف «e» على نطاق أوسع لسهولة نطقه.
ورغم مزايا هذه الدعوة واضحة، فإن بعض الناس يجدونها بغيضة. كما أن وجود «إجماع كبير على رفض استخدام الشكل الذكوري باعتباره الأساس، فإن حل هذه المشكلة ليس بالإجماع».
وتجادل الأكاديمية الإسبانية بأن المؤيدين لحيادية الجنس في اللغة يحاولون حل مشكلة غير موجودة من الأساس. وتقول الأكاديمية إن اللغة الإسبانية لديها بالفعل طريقة لأخذ كلا الجنسين في الاعتبار، وأشاروا إلى أنه وفقاً لقواعد النحو، يمكن استخدام الصيغة الذكورية للكلمات بصيغة الجمع لتشمل الجميع، لذلك يمكن استخدام صفة «Argentinos» بحرف «o»، على سبيل المثال، للإشارة إلى مواطني الأرجنتين من كلا الجنسين.
لكن سانتياغو كالينوفسكي، مدير قسم البحوث اللغوية والفلسفية في الأكاديمية الأرجنتينية للآداب، يرى أنه برفض القواعد القديمة صراحة، فإن المؤيدين المحايدين للجنس يثيرون قضية كبرى (وجهة نظره لا تمثل آراء المؤسسة).
يقول عن ذلك: «هذا الطرح يضع نفسه صراحة خارج القواعد اللغوية ليكون أكثر لفتاً للأنظار. فهذا التدخل مثير للاهتمام لأن هدفه ليس نحوياً، بل سياسي واجتماعي بهدف خلق إجماع على تغيير الثقافة وتغيير القوانين في نهاية المطاف». وقد تزامنت هذه الدعوة للتحول في اللغة مع صعود حركة نسوية في الأرجنتين مناهضة لحملة قتل الإناث، أو قتل الفتيات والنساء بسبب جنسهن (إجهاض الأجنّة الإناث). وكانت تلك الحملة المسماة «Ni Una Menos»، وتعني «لا أحد أقل»، حاسمة في مواجهة التشريع الذي يسمح بالإجهاض، وكانت أولوية تشريعية للسيد فرنانديز.
ومن الجدير بالذكر أن بلداناً غير ناطقة بالإسبانية تخوض نفس الصراع لتحييد الجنس في لغتها. ففي السويد، على سبيل المثال، وصلت المساعي إلى رياض الأطفال، حيث يتجنب المعلمون استخدام الضمائر مثل «له» أو «لها»، ويفضلون استخدام أسماء إشارة وصفات محايدة.
وفي الولايات المتحدة، أصبح استخدام «هم» كضمير مفرداً شائعاً بشكل متزايد بين الأشخاص الذين يرفضون التعيينات التقليدية للجنس. وفي فرنسا، حدث تغيير مماثل لكن بوتيرة أبطأ. وعارضت الحكومة رسمياً الصيغ المحايدة جنسانياً، رغم أن الأكاديمية الفرنسية، الوصي الرسمي للغة الفرنسية، وافقت في النهاية على السماح للألقاب المهنية بمطابقة جنس الشخص بدلاً من أن تكون صفة مذكرة موحدة.
وفي الأرجنتين نفسها، جامل السيد فرنانديز، أستاذ القانون، الحركة، بالعمل على جعل اللغة أقل ذكورية عندما قام بحملته الانتخابية للرئاسة. ففي شعار حملته، قدم كلمة «todos»، وتعني «الجميع»، برمز للشمس بدلاً من الحرف الثاني «o».
وبعد فترة وجيزة من توليه منصبه، بدأت بعض الدوائر الحكومية في تبني لغة لا جنسانية. فمثلا أصدرت مؤسسة التقاعد، دليلاً لجميع موظفيها بلغة شاملة، لكنها لم تصل إلى حد طلب استخدامها في الوثائق الرسمية. وساعدت مونيكا روكيه، السكرتير العام لـ«وكالة حقوق الإنسان والجنس»، في صياغة الدليل وعبرت عن تقديرها لحركات الشباب للدفع بالتغييرات اللغوية.
قالت مونيكا: «لقد دفعونا إلى التفكير في ذلك. إن هذا التعدي على استخدام حرف غير (a) أو (o) جعلنا نفكر في معنى ذلك». كما بدأ «المعهد الوطني لمناهضة التمييز وكراهية الأجانب والعنصرية» في الأرجنتين في استخدام لغة شاملة في بعض القرارات الرسمية، لكنه امتنع عن استخدام الصيغة «e»، خوفاً من أن تؤدي إلى اللبس، بدلاً من الحيادية.
تقول فيكتوريا دوندا، رئيسة المعهد: «بشكل عام، كانت هناك رغبة في استخدام لغة شاملة دائماً. لكن اللغة الشاملة يجب ألا تتجاهل بعض الناس، ففي الأحياء الفقيرة، الناس غير معتادين على سماع الحرف (e) بدلاً من حرف (a) أو (o)، وهذا يمكن أن يؤدي إلى لبس وارتباك في المعنى».
- خدمة {نيويورك تايمز}



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».