آينشتاين وغوديل... عبقريان على طرفي نقيض

الأول أكبر فيزيائي بعد إسحاق نيوتن والثاني أكبر عالم منطق بعد أرسطو

غوديل وآينشتاين
غوديل وآينشتاين
TT

آينشتاين وغوديل... عبقريان على طرفي نقيض

غوديل وآينشتاين
غوديل وآينشتاين

نريد أن نقدم هنا صورة شخصية (أو بورتريه) عن اثنين من كبار عباقرة العلم في القرن العشرين: ألبرت آينشتاين، وكورت غوديل. الأول هو أكبر فيزيائي بعد إسحاق نيوتن، والثاني أكبر عالم منطق بعد أرسطو؛ وهذا يعني مدى عظمتهما وأهميتهما في تاريخ الفكر البشري.
ورغم أنه يفصل بينهما ربع قرن من حيث العمر، فإن صداقة وثيقة ترسّخت بينهما. يقول عنهما العالم فريمان دايزون ما يلي: «كان غوديل الشخص الوحيد الذي يتجرأ على أن يتعامل مع آينشتاين معاملة الند للند. كل الزملاء الآخرين في الجامعة كانوا يهابون صاحب نظرية النسبية، ويقدمون له الطاعة سلفاً، ما عدا غوديل. وكان آينشتاين يحترم غوديل ويهابه، رغم أنه يصغره بخمس وعشرين سنة؛ كان يعرف قيمته ووزنه في مجال علم المنطق والرياضيات».
لقد نشأت بينهما صداقة كبيرة في الولايات المتحدة بعد أن هربا إليها خوفاً من هتلر والنازية. وقد التقيا في جامعة برنستون بالولايات المتحدة لأول مرة عام 1942. ومعلوم أن أميركا عرفت كيف تستقبل الأدمغة الألمانية، وتستفيد منها لتحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي، بل وصناعة القنبلة الذرية، قبل أن يسبقها هتلر إلى ذلك. كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة لكلا الطرفين. والواقع أن هذا السلاح الرهيب الفتاك غير المسبوق في تاريخ البشرية هو الذي جعل أميركا تتفوق على هتلر، وتنتصر عليه وعلى حليفه الياباني في نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومن بين العلماء الكبار الذين استقبلتهم أميركا آنذاك نذكر آينشتاين صاحب مشروع القنبلة الذرية وغوديل. والناس يتذكرون الأول بعد أن تحول إلى أسطورة، ولكنهم يجهلون الثاني كلياً، بل يعتقدون أنه كان يهودياً، كمعظم العلماء الذين طردهم هتلر. ولكن في الحقيقة، فإن غوديل لم يكن يهودياً، وإنما مسيحياً لوثرياً، أي تابعاً للمذهب البروتستانتي الذي يهيمن على شمال ألمانيا، والذي أسسه المصلح الديني الكبير: مارتن لوثر. ومعلوم أن ألمانيا احتفلت بذكراه العطرة مؤخراً لأنه فضح ألاعيب رجال الدين، وصكوك غفرانهم، وتهافتهم على المال، قبل خمسمائة سنة بالضبط.
ورغم أن كل شيء كان يفرق بين آينشتاين وغوديل، فإنهما أصبحا صديقين حميمين. نذكر من بين المفارقات أن آينشتاين كان رجلاً ضخماً من الناحية الجسدية، طويلاً نسبياً، في حين أن غوديل كان قصيراً نحيفاً جداً. وفي حين أن آينشتاين كان شخصاً منشرح النفس واثقاً من إمكانياته ميالاً للضحك والسخرية والفرح بالحياة، كان غوديل منقبض النفس، بل مريضاً معقداً جداً من الناحية النفسية. وأكبر دليل على ذلك أنه كان يلبس معطفاً شتوياً سميكاً في عزّ الصيف! وهذا الشيء كان يثير استغراب الناس، إن لم يكن سخريتهم. أما آينشتاين، فكان شخصاً مقبلاً على الحياة بنهم. فهو يأكل جيداً، ويدخن الغليون، ويحب النساء، وينجب الأطفال من زوجاته الشرعيات وغير الشرعيات دون أي مبالاة. وكان ناجحاً في الحياة الاجتماعية، وغير معقد على الإطلاق. أما صديقه غوديل، فكان على العكس من ذلك تماماً؛ كان يخاف حتى من ظله، ويتحاشى ملاقاة الناس، ما عدا قلة قليلة من أصدقائه الخلص، من بينهم آينشتاين بالطبع. باختصار شديد: كان هذا العالم العبقري، بل الذي لا يقل عبقرية عن آينشتاين، معقداً جداً من الناحية النفسية.
وقد أصيب في أواخر حياته بمرض البارانويا، أو الذُهان العصبي، ومنه مات في نهاية المطاف. فقد رفض أن يتغذى أو يأكل خوفاً من أن يكون الطعام فاسداً أو مسموماً! كان يعتقد أن هناك مؤامرة سرية لتسميمه، أي لقتله عن طريق دس السم في غذائه. ولذلك أصبح يشك في كل شيء. وهكذا، مات من قلة التغذية ووزنه لا يزيد على الثلاثين كيلوغراماً! ثم تقول لنا كتب التاريخ ما معناه: كان آينشتاين مولعاً بالموسيقى، وبخاصة سيمفونيات كبار الموسيقيين الألمان والنمساويين، من أمثال: باخ، وبيتهوفين، وبالأخص موزار. وكان يعزف على الكمان بشكل جيد جداً. وقد حاول بكل إصرار أن يجذب غوديل نحو الموسيقى، ولكن عبثاً. فالرجل لم يكن مولعاً بها، على عكس صديقه الكبير. ولكنه كان يحب السينما الأميركية والصور المتحركة على طريقة والت ديزني؛ الشيء الذي كان يكرهه آينشتاين (بين قوسين، نيتشه كان يقول: لولا الموسيقى لكانت الحياة خطأً كبيراً).
ونذكر من بين المفارقات أيضاً أن ضحكة آينشتاين كانت صريحة صاخبة مدوية، في حين أن غوديل لم يكن يضحك إلا قليلاً. وإذا ما ضحك، نادراً أن تسمع ضحكته الخافتة. كان يضحك في عبه، كما يقال. باختصار: كان كل شيء يفصل بينهما. ومع ذلك، فقد أصبحا صديقين حميمين جداً. ألا تتلاقى الأضداد؟ وهل يعقل أن تحب شخصاً من أمثالك؟
كان آينشتاين يمر كل يوم على بيت غوديل لأخذه معه إلى المكتب في الجامعة، جامعة برنستون. وعندما ينتهي الدوام، كانا يعودان إلى البيت معاً أيضاً. كان الناس يرونهما في الشارع وهما يمشيان جنباً إلى جنب باستمرار. والواقع أن فارق السن زاد من التلاحم بينهما، على عكس ما نتوقع. ينبغي العلم بأن آينشتاين ولد عام 1879؛ أي في السنة التي ولدت فيها أم غوديل. ثم مات عام 1955؛ أي قبل غوديل بربع قرن أو يزيد. وقد شكل موته صدمة كبيرة لغوديل، وهي صدمة لم يقم منها حتى مات هو الآخر عام 1978.
لكن، لنعد إلى الوراء قليلاً: في 1879، صدر كتاب مهم للعالم الألماني غوتلوب فريج عن علم المنطق الرياضي. وقد أدى إلى تأسيس هذا العلم بالذات. ومعلوم أن غوديل الذي سيجيء بعده مباشرة هو الذي وصل بهذا العلم إلى قمة القمم لاحقاً. ولهذا السبب، أحبه آينشتاين، وكان ينظر إليه بصفة زميل حقيقي في مجال العلوم الرياضية والفيزيائية؛ كان يعرف أنه عبقري مثله، وكان بحاجة إليه لحل بعض المشكلات العلمية التي حيرته، والتي لم يستطع حلها بوسائله الخاصة. وكان آينشتاين يشعر أحياناً بالخوف من غوديل، ومن ذكائه العبقري الذي لا يضاهى. فإذا كان آينشتاين يخاف منه، فما بالك بالآخرين؟
وأما من الناحية الدينية، فقد كان آينشتاين ملحداً في بداية حياته، ولكن صعود النازية أجبره على الإحساس بيهوديته. ولذلك عاد إليها دون أن يتبنى الإيمان الديني لأسلافه اليهود. كان يقول عن نفسه هذه العبارة العجائبية المليئة بالتناقض ظاهرياً: أنا ملحد متديّن بعمق! ولكن لم يكن النبي موسى (عليه السلام) هو الشخص الأهم بالنسبة له، كما يحصل لجميع اليهود، وإنما كان الفيلسوف سبينوزا الذي عاش ومات في القرن السابع عشر. ومعلوم أن هذا الفيلسوف الكبير كان يهودياً مثل آينشتاين، ولكن الطائفة اليهودية فصلته من صفوفها، وكفرته وأباحت دمه، لأنه خرج على عقائد الآباء والأجداد، واتبع فلسفة ديكارت والعلم الحديث، بل وكان من أتباع نظرية وحدة الوجود: أي التي تقول إن الله يتجلى في كل شيء في الطبيعة؛ وهذا يشبه إيمان ابن عربي عندنا في الإسلام.
أما غوديل، فلم يكن ملحداً على الإطلاق، بل كان مؤمناً بالله على طريقة الفيلسوف الألماني الكبير لايبنتز. ومعلوم أن هذا الأخير خلع العقلانية على الإيمان الديني، قائلاً: لقد خلق الله -عز وجل- هذا العالم على أفضل وجه ممكن. وبالتالي، فلا داعي للتذمر والشكوى، حتى لو ابتلينا بكل أنواع الكوارث والمصائب الشخصية أو الجماعية، فليس بالإمكان إيجاد عالم آخر أفضل منه. وقد أسس لايبنتز بذلك ظاهرة التفاؤل الفلسفي في الفكر الألماني، والبشري بشكل عام، وربط ربطاً وثيقاً بين الإيمان الديني العميق والفلسفة العقلانية الكبرى.
وكان غوديل يقول ما معناه: الناس ينسون غالباً أن مؤسسي العالم الحديث لم يكونوا ملاحدة. فكوبرنيكوس كان مؤمناً بالله، وكذلك غاليليو، وإسحاق نيوتن. وبالتالي، فمن أين جاءت هذه الفكرة التي تقول إن كل العلماء كفار أو ملاحدة؟ هذا خطأ ما بعده خطأ. ولكن، وكما قال العالم الفرنسي الشهير باستور، فإن القليل من العلم يبعد عن الله، والكثير منه يعيد إليه! «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، كما يقول القرآن الكريم عن حق وصدق.
وأخيراً، نستنتج من كل ما تقدم ما يلي: المشكلة ليست في الإيمان، ولا في الدين، معاذ الله. المشكلة تكمن في التعصب الأعمى والدوغمائيات المتحجرة التي تقودنا مباشرة إلى تكفير الآخر، لمجرد أنه لا ينتمي إلى ديننا أو طائفتنا. وهذا يعني أن إيمان ما بعد التنوير يختلف راديكالياً عن إيمان ما قبل التنوير. أو قل إن إيمان الحداثة، أو ما بعد الحداثة، يختلف كلياً عن إيمان ما قبل الحداثة، أي إيمان القرون الوسطى. وهنا بالضبط تكمن مشكلة مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي لا تزال غاطسة كلياً تقريباً في ظلاميات القرون الوسطى والإيمان الداعشي، وهو إيمان تكفيري بالضرورة لأنه مفرغ من الثقافة العلمية والفلسفية، على عكس الإيمان المستنير السائد في مجتمعات الغرب المتقدمة. ولكن الإيمان التنويري العربي الإسلامي آت لا ريب فيه. وسوف يكون على مستوى عظمة الإسلام وتاريخه الطويل العريض.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.