60 % من الأمراض المعدية مصدرها الحيوانات... كيف أصبح الإنسان عدو نفسه؟

صورة بطائرة من دون طيار تُظهر دفن جثث ضحايا فيروس «كورونا» في نيويورك (رويترز)
صورة بطائرة من دون طيار تُظهر دفن جثث ضحايا فيروس «كورونا» في نيويورك (رويترز)
TT

60 % من الأمراض المعدية مصدرها الحيوانات... كيف أصبح الإنسان عدو نفسه؟

صورة بطائرة من دون طيار تُظهر دفن جثث ضحايا فيروس «كورونا» في نيويورك (رويترز)
صورة بطائرة من دون طيار تُظهر دفن جثث ضحايا فيروس «كورونا» في نيويورك (رويترز)

تأكد المصدر الحيواني لفيروس «كورونا» المستجد الذي قلب حياة العالم رأساً على عقب، وحصد مائة ألف ضحية، إلا أن نشاط الإنسان هو الذي سهل انتقال العدوى إلى البشر، بينما يحذر خبراء من أن فيروسات أخرى ستتبع المسار نفسه في حال عدم اعتماد تغييرات.
والأمراض الحيوانية المنشأ التي تنتقل إلى الإنسان ليست بجديدة، ومنها السل والكلب والملاريا وداء المقوسات. ويفيد برنامج الأمم المتحدة للبيئة بأن 60 في المائة من الأمراض البشرية المعدية مصدرها الحيوانات. وترتفع هذه النسبة إلى 75 في المائة في حالة الأمراض المعدية «الناشئة» مثل «إيبولا»، وفيروس «إتش آي في» المسبب لمرض «الإيدز»، و«إنفلونزا الطيور»، و«زيكا»، والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس).
ويفيد تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في عام 2016، بأن «بروز الأمراض الحيوانية المنشأ مرتبط في غالب الأحيان بالتغيرات البيئية الناجمة عادة من النشاط البشري، من تعديل في استخدام الأراضي إلى التغير المناخي»، وفق ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وتؤكد غيانيل فورتش، المديرة المساعدة لقسم علم الأوبئة البيطرية في المركز الوطني للبحث الزراعي والبيئي، وهو هيئة رسمية فرنسية: «نظراً إلى نمو عدد السكان واستخدامهم المكثف لموارد الأرض، يؤدي تدمير الأنظمة البيئية بأعداد متزايدة إلى ارتفاع كبير في التماس» بين الأجناس.
ومن العوامل المسؤولة عن ذلك، قطع أشجار الغابات لأغراض الزراعة، وتربية الحيوانات بشكل مكثف التي قد تشكل بدورها «جسراً» مع الإنسان (لا سيما من خلال تطوير مقاومة على المضادات الحيوية المستخدمة كثيراً في الزراعة الصناعية) وتوسع المدن، وتشرذم المواطن الطبيعية، ما يؤثر على التوازن بين الأنواع. يضاف إلى ذلك الاحترار المناخي الذي قد يدفع بعض الحيوانات الناقلة للمرض إلى الانتشار في أماكن لم تكن تقيم فيها.
وتوضح آن لاريغودري، الأمينة العامة التنفيذية للمنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات، المعني بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، وهو هيئة تابعة للأمم المتحدة تعنى بالتنوع الحيوي، أن «المسار الذي يدفع جرثومة مثل فيروس من الانتقال من مجموعة من الفقريات، كالوطاويط على سبيل المثال، إلى البشر، معقد؛ لكنه من فعل البشر... النشاطات البشرية توفر الفرصة للجراثيم للاقتراب من الإنسان».
وتضيف: «سرعة التغييرات الحاصلة في المواطن الطبيعية في السنوات الخمسين الأخيرة لا سابق لها في تاريخ البشر... ويشكل التبدل في استخدامات الأراضي العامل المباشر الأهم في هذا التغيير».
ويفيد المنبر بأن الأمراض الحيوانية المنشأ تحصد نحو 700 ألف ضحية سنوياً، بغض النظر عن الجائحة الحالية.
وتحدد دراسة أجراها باحثون أميركيون قبل ظهور الوباء الحالي، القوارض والرئيسات والوطاويط على أنها «حاملة» لغالبية الفيروسات المنقولة إلى الإنسان (75.8 في المائة)، إلا أن الحيوانات المنزلية تحمل أيضاً 50 في المائة من الأمراض الحيوانية المنشأ.
ومع التركيز على الحيوانات البرية المهددة، تظهر الدراسة أن تلك التي تنقل أكبر عدد من الفيروسات إلى البشر هي تحديداً «تلك التي تراجعت أعدادها بسبب الاستغلال وفقدانها لمواطنها».
وتقول كريستين جونسون، من كلية الطب البيطري في جامعة كاليفورنيا التي أشرفت على الدراسة: «نحن نعدل استخدام الأراضي... الأمر الذي يزيد من الاتصالات بين البشر والحيوانات البرية، ما يوفر الظروف المثالية لانتقال لفيروسات».
وتحذر آن لاريغودري من أن هذا الميل لن يتراجع؛ لأن التعديلات في استخدام الأراضي «فضلاً عن الزيادة في المبادلات التجارية والسفر» ستزيد من عدد الجوائح في المستقبل.
لذا ينبغي أن يكون الرد على مستوى النظم المعتمدة، على ما تؤكد غينايل فورتش، موضحة: «إلى جانب الاستجابة الضرورية لكل وباء، يجب أن نفكر بالنموذج الذي نعتمده، لا سيما إعادة النظر في علاقتنا بالأنظمة البيئية الطبيعية والخدمات التي توفرها لنا».
وتذهب آن لاريغودري في الاتجاه نفسه، وتدعو إلى «تحول كامل لحل هذه المأساة العالمية، مع العمل على (تثبيت البيئة) في مجالات اقتصادية مختلفة، من المال إلى الصيد، مروراً بالنقل أو الطاقة».
وجاء في تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة العائد لعام 2016 أيضاً، أن «الاستراتيجيات الفعالة متوفرة للسيطرة على غالبية الأمراض الحيوانية المنشأ المهملة؛ لكن يبدو أن العائق الرئيسي هو نقص في الاستثمارات»؛ مشدداً على أن «سلامة الأنظمة البيئية تشمل الصحة والتطور البشري».
وتحذر خبيرة الرئيسات البريطانية جاين عودال (86 عاماً) التي أمضت الجزء الأكبر من حياتها في دراسة الحيوانات والدفاع عنها، لا سيما الشمبانزي في أفريقيا، وتحديداً في تنزانيا، من أنه «كان متوقعاً حصول ذلك، وسيتكرر الأمر إلى حين استخلاصنا العبر منه».
وترى أن أسباب الجائحة واضحة، وهي «انتهاكنا للطبيعة وللحيوانات التي ينبغي أن نتشارك معها كوكب الأرض».


مقالات ذات صلة

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق طيور مهاجرة في مساراتها بسيناء (الشرق الأوسط)

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

أعلنت مصر جهوداً متعددة لإنقاذ وحماية مسارات لطيور المهاجرة بمحمياتها الطبيعية، ضمن مشاركتها في الاحتفال بـ«اليوم العالمي للطيور المهاجرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
يوميات الشرق بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

جاء الربيع بعد شتاء معتدل وماطر، حاملاً أجواء دافئة هيأت ظروفاً مثالية لعرضٍ رائعٍ لأزهار الربيع في بعض المناطق، هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

محكمة مصرية تطلب ضبط وإحضار الفنانة جيهان الشماشرجي

جيهان الشماشرجي (حسابها على فيسبوك)
جيهان الشماشرجي (حسابها على فيسبوك)
TT

محكمة مصرية تطلب ضبط وإحضار الفنانة جيهان الشماشرجي

جيهان الشماشرجي (حسابها على فيسبوك)
جيهان الشماشرجي (حسابها على فيسبوك)

قررت محكمة جنايات القاهرة (الأحد) ضبط وإحضار الممثلة المصرية جيهان الشماشرجي للمثول أمامها برفقة 4 آخرين متهمين بقضية سرقة بالإكراه تعود وقائعها لمارس (آذار) 2025، وهي القضية التي أحيلت للمحكمة قبل شهرين.

وتعود تفاصيل القضية إلى الشراكة التي جمعت بين الممثلة المصرية وعدد من الأشخاص في شراكة لأحد الأماكن، وخلال إنهاء الشراكة نشبت مشادة بين الشركاء وصاحبة المكان تطورت إلى اشتباك جرى خلاله عمل محاضر متبادلة مع إصابة والدة صاحبة المكان وإحدى المستأجرات.

وتواجه جيهان مع زملائها اتهامات بـ«سرقة بالإكراه» و«التسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة»، فيما بدأت جلسات المحاكمة نهاية مارس الماضي ولم تحضر جيهان أول جلستين في القضية المتهم فيها سائقها الخاص أيضاً.

وشهدت الجلسة التي انعقدت بمجمع محاكم عابدين في وسط القاهرة تغيب جميع المتهمين عن الحضور، مع طلب محامي الممثلة المصرية أجلاً للاطلاع وحضور المحامي الأصيل، لكن المحكمة قررت التأجيل لجلسة 25 يونيو (حزيران) المقبل للمرافعة مع إصدار قرار ضبط وإحضار المتهمين وحبسهم لحين ميعاد الجلسة.

وكانت الممثلة المصرية قد طالبت في وقت سابق بعدم التشهير بها على خلفية القضية، قائلة إنها «لم تتورط في أي سرقة، ولكن الأمر جرى تصويره إعلامياً بشكل غير دقيق مع نشر أخبار إحالتها لمحكمة الجنايات» على حد تعبيرها، فيما التزمت الصمت فور صدور قرار الضبط والإحضار وأغلقت هاتفها الجوال.

جيهان وطه دسوقي في كواليس فيلمهما المرتقب طرحه بالصالات «علشان خاطر جليلة» (حسابها على فيسبوك)

وأكد المحامي المصري محمود عزت لـ«الشرق الأوسط» أن قرار المحكمة يجري إبلاغ الشرطة به بمخاطبة رسمية باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنفيذ القرار، مشيراً إلى أن القوات تتوجه لمقرات الإقامة المعلومة للمتهمين، وحال وجودهم يتم ضبطهم وإحضارهم وحبسهم لحين العرض على المحكمة في الجلسة المقبلة.

وأضاف أن رئيس المحكمة يحق له في الجلسة المقبلة إصدار قرار بإخلاء سبيلهم على ذمة القضية أو استمرار حبسهم بحسب ما يرى خلال الجلسة، لافتاً إلى أن بعض المتهمين في مثل هذه القضايا فور علمهم بصدور القرار يقومون بالانتقال لمكان آخر مع تسليم أنفسهم قبل الجلسة بيوم لحضور الجلسة محبوسين على ذمة القضية، أملاً في صدور قرار بإخلاء سبيلهم.

ويعرض للممثلة المصرية بالصالات السينمائية فيلم «الكلام على إيه» الذي طرح قبل 10 أيام بالصالات السينمائية، كما تستعد لتصوير فيلمها «معاد عشا»، الذي يعتبر أول بطولة سينمائية لها مع أحمد عبد الوهاب والمخرج رامي إمام، لكن يبدو أن صناعه سيضطرون لتأجيل التصوير لحين حل أزمتها القضائية.

على الملصق الترويجي لفيلمها الجديد (حسابها على فيسبوك)

وقال المحامي المصري محمد رضا لـ«الشرق الأوسط» إن قرار المحكمة بإصدار قرار «الضبط والإحضار» لا يعني الإدانة بأي شكل من الأشكال، ولكن ربما غياب المتهمين عن المثول أمام المحكمة هو السبب في القرار الذي يعتبر اتخاذه سلطة تقديرية تختلف من قاض لآخر، لكنه إجراء قانوني سليم من الناحية القانونية بشكل كامل.

وأضاف أنه وفقاً لقانون العقوبات فإن عقوبة السرقة لا تتجاوز عامين إلا إذ اقترنت بظرف من الظروف المشددة التي نص عليها القانون، بالإضافة إلى إمكانية وضع المتهم تحت مراقبة الشرطة، لافتاً إلى أن وجود أكثر من متهم في القضية لا يعني الحكم عليهم بالعقوبة نفسها، لأن كل متهم يعاقب على ما ارتكبه.


محمد صلاح أبو سيف: تجنبت إخراج فيلم عن والدي

المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)
المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)
TT

محمد صلاح أبو سيف: تجنبت إخراج فيلم عن والدي

المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)
المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)

أكد المخرج المصري محمد أبو سيف، نجل المخرج الراحل صلاح أبو سيف، أن أسرته قامت قبل سنوات بإهداء مكتبة ومقتنيات والده لوزارة الثقافة لكي تستفيد منها أجيال جديدة، وأضاف في حوار مع «الشرق الأوسط» أنه سيقوم بزيارة المعرض الذي تقيمه دار الكتب والوثائق القومية لمقتنيات والده، ولفت محمد أبو سيف إلى أنه اتجه للإخراج تأثراً بوالده ووالدته التي عملت «مونتيرة».

وكشف أبو سيف أن مكتبة والده تضم نحو 10 آلاف كتاب وأنه كان قارئاً نهماً، كما أهدوا لوزارة الثقافة بعض مقتنياته خلال تولي د. إيناس عبد الدايم الوزارة، وقال: «لقد رأينا أن وجودها بالصناديق لن يفيد أحداً، والأفضل أن تكون بحوزة الدولة لإتاحتها للجمهور ولتستفيد منها أجيال أخرى، وأيضاً للحفاظ عليها باعتبارها تاريخاً سينمائياً مهماً لمخرج كبير».

كما كشف عن قيام المخرج ومدير التصوير كمال عبد العزيز بتصوير معرض مقتنيات صلاح أبو سيف ضمن فيلم تسجيلي يصوره عنه، مؤكداً أنه تم تصوير أفلام عدة عن مشوار والده، أهمها فيلم «صلاح أبو سيف يتذكر» للمخرج هاشم النحاس، وذلك خلال حياة أبيه.

لكن الابن لم يصور فيلماً عن والده، مؤكداً أنه «كما الطبيب لا يستطيع إجراء عملية جراحية لابنه»، فهو أيضاً لا يستطيع أن يصنع فيلماً عن أبيه: مضيفاً «خشيت أن أعمل عنه فيلماً قد لا أكون محايداً ولا موضوعياً فيه».

أبو سيف لم ينفذ إحدى وصايا والده في مجال الفن (حسابه على فيسبوك)

لكنه في الوقت نفسه، عمل على تنفيذ آخر أفلامه «تزوج وعش سعيداً»، وكانت الرقابة قد رفضته. يتابع الابن قائلاً: مع تولي د. مدكور ثابت رئاسة الرقابة وافق على الفيلم بشرط تغيير العنوان وألا يتضمن مشاهد إباحية، فقمت بتغيير عنوانه إلى «النعامة والطاووس»، ونفذت السيناريو كما كتبه أبي والمؤلف لينين الرملي، وتحمست لإنتاجه أيضاً، لكن نظراً لحساسية موضوعه عن العلاقات الزوجية لم ينجح على المستوى التجاري، ولم يقبل عليه الجمهور، وخسرت وقتها أكثر من مليون جنيه.

وتعلق محمد أبو سيف بالسينما من خلال أسرته؛ وعن ذلك يقول: «تعلقت بها من خلال أبي ومن والدتي المونتيرة وفيقة أبو جبل، رحمهما الله، ومن المكتبة السينمائية الضخمة في بيتنا... لكن المفارقة أنه حينما قررت الالتحاق بمعهد السينما قاطعني والدي لمدة عام، فقد كنت قد أنهيت دراستي لعلم النفس بالجامعة الأميركية وقال لي أبي (ما صدقنا انتهيت من دراستك وحصلت على شهادة مهمة)، والحقيقة أن سنوات الدراسة امتدت لـ8 سنوات، بين الجامعتين، وصالحني أبي بعد أن لاحظ تمسكي باختياري».

الملصق الدعائي لفيلم «خالي من الكولسترول» (الشركة المنتجة)

وعمل الابن مساعداً لوالده في أفلام «حمام الملاطيلي»، و«الكذاب»، و«سقطت في بحر العسل»، ويؤكد محمد أنه لا يوجد فارق بين صلاح أبو سيف الأب والمخرج حسبما يقول: «كان في كل الحالات هادئاً سواء كونه أباً أو مخرجاً، وكان يتمتع بخفة ظِل».

ويرى أن العامل المشترك بينه وبين والده هو الهدوء، ويتذكر ذلك قائلاً: «كان أبي طوال الوقت يقدم نصائح، ليس لي فقط بل لكل تلاميذه، منها مثلاً لا تعمل فيلماً سيئاً واسأل نفسك أولاً لماذا تعمل هذا الفيلم، لو كان من أجل المال لا تعمله، لأنه سيظل في رصيدك».

لكن محمد يعترف بأنه لم يعمل بنصيحة أبيه، ويبرر ذلك قائلاً: كنت قد تعرضت في وقت ما لضائقة مادية جعلتني أقبل أفلاماً لست راضياً عنها، ومنها فيلمان أندم عليهما حتى الآن «جحيم 2... حورجادا»، و«المشخصاتي 2».

الملصق الدعائي لفيلم «المشخصاتي 2» (الشركة المنتجة)

وأخرج محمد أول أفلامه «التفاحة والجمجمة» عام 1985، لكن والده لم يعجبه الفيلم، ويقول: «كان أبي ناقداً قاسياً ولم يعجبه الفيلم، ولم يكن متحمساً للرواية التي كتبها محمد عفيفي، لكنني كنت مقتنعاً بما قمت به، وحينما شاهد فيلمي (نهر الخوف) صفق لي وأشاد به، ثم رحل قبل أن يرى بقية أفلامي».

ويؤكد: «أعتز بأنني ابن صلاح أبو سيف، وأن أفلامه لا تزال تجتذب الجمهور لأنه كان صادقاً مع نفسه، وكان يرى أن الواقعية هي الصدق».

ومنذ قدم فيلمه «هز وسط البلد» 2015 توقف محمد أبو سيف عن أعماله الفنية، ويقول: «كان الفيلم صادماً إلى حد ما وكنت قد كتبته عام 2007 وتوقعت فيه قيام ثورة، ليس على النظام السياسي بل على أنفسنا، وكنت أقدم رؤيتي كوني مخرجاً، بعيداً عن حسابات السوق».

وقبل ذلك كان قد أخرج فيلم «خالي من الكولسترول» الذي أنتجه وقامت ببطولته الفنانة إلهام شاهين، ثم توقف كما يقول مع جيل كامل من المخرجين الجادين لصالح من يطلق عليهم «الصنايعية الجدد» الذين يقومون بـ«تقفيل الفيلم» خلال أسبوعين، والمنتجين الذين يفضلون المخرج الذي يُنهي التصوير خلال أيام، في ظل موجة أفلام أثرّت على جيلي كله.

يشار إلى أن الابن أبو سيف أخرج عدداً من المسلسلات التلفزيونية، من بينها «الهاربة»، و«جنة ونار»، و«امرأة فوق العادة»، و«بنت أفندينا».


«المستورد والبلدي» في مصر... ازدواجية صارخة بين الطعام والسلع الاستهلاكية

مصريون يقبلون بكثافة على اللحوم البلدية رغم ارتفاع أسعارها (فيسبوك)
مصريون يقبلون بكثافة على اللحوم البلدية رغم ارتفاع أسعارها (فيسبوك)
TT

«المستورد والبلدي» في مصر... ازدواجية صارخة بين الطعام والسلع الاستهلاكية

مصريون يقبلون بكثافة على اللحوم البلدية رغم ارتفاع أسعارها (فيسبوك)
مصريون يقبلون بكثافة على اللحوم البلدية رغم ارتفاع أسعارها (فيسبوك)

عادةً ما ترتبط السلع «المستوردة» لدى كثير من المستهلكين في مصر بمعايير جودة أعلى، سواء تعلق الأمر بالأجهزة الكهربائية والهواتف المحمولة، أو الملابس وبعض المأكولات والمشروبات، إلا أن هذه المعادلة تبدو مختلفةً عندما يتعلق الأمر باللحوم، إذ لا يزال قطاع واسع من المستهلكين يمنح الأفضلية للحوم «البلدي»، باعتبارها أكثر جودةً، رغم اتساع الفجوة السِعرية بينها وبين اللحوم المستوردة المجمدة.

ورغم لجوء الكثير من الأسر إلى اللحوم المستورة الأقل سعراً بفعل موجات الغلاء والتضخم، فإن اللحوم المحلية في مصر ما زالت تحتفظ بمكانتها بوصفها الأفضل من حيث الطعم والطهي والقيمة الغذائية، لتتحوّل المقارنة بين «البلدي» و«المستورد» من مجرد فارق سعر إلى مسألة ذوق وثقة مُتجذرة لدى المستهلك.

ويستخدم المصريون تعبيرات متعددة عند وصف جودة اللحوم، تعكس الفارق في التفضيلات بين البلدي والمستورد، إذ تُوصف اللحوم البلدي بأنها أكثر «طراوة» وأنها «تذوب» أثناء الطهي أو الأكل، وأن طعمها أفضل بكثير من المجمدة التي ترتبط لدى البعض بكونها أكثر «قسوة» أثناء المضغ.

لحوم بلدية داخل أحد محال الجزارة بالدلتا (فيسبوك)

تصف آية نبيل (51 عاماً)، وهي معلمة وربة أسرة، اللحوم «البرازيلية » بأنها «أقل جودة»، موضحةً أنها «تلجأ إليها فقط في أوقات محدودة»، وترى أن اللحم البلدي «أجود في الطعم ودرجة النضج بعد الطهي»، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «اللحوم والكبدة البقري التي تُباع في السلاسل التجارية والمنافذ الاستهلاكية تكون غالباً مجمدة لفترات طويلة، وهو ما يجعلها أقل من حيث الطعم مقارنة باللحوم البلدية الطازجة».

أما أحمد المتولي، موظف في أحد المصانع بالجيزة، فيرى أن تجربة اللحوم المستوردة «ليست سيئة»، لأنها تتيح تناول اللحوم أكثر من مرة في الشهر، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «اللحوم الهندية والبرازيلية تحديداً أصبحت معروفة لدى المشتري المصري، رغم أنه طالها أيضاً ارتفاع في الأسعار»، ويضيف أن «سعر كيلو واحد من اللحم الكندوز المستورد يُعادل حوالي ثلثي سعر كيلو اللحم البلدي، لكن من المؤكد أن اللحم البلدي أفضل من حيث الجودة والضمان».

وتشهد الأسواق المصرية حالياً فجوة واضحة بين أسعار اللحوم البلدية والمستوردة، في وقت تتحرك فيه الأسعار تدريجياً مع الاقتراب من عيد الأضحى، إذ يتراوح سعر كيلو اللحوم البلدية في محال الجزارة بين 450 و500 جنيه تقريباً (الدولار يساوي 52.9 جنيه مصري)، بينما تتراوح أسعار اللحوم المستوردة والمجمدة بين 280 و350 جنيهاً للكيلو، حسب نوع قطعية اللحم ومنفذ البيع.

أفضلية كاسحة للحوم البلدية في مصر (من إعلان لمحل جزارة على فيسبوك)

وحسب محمد وهبي، عضو شعبة القصابين بغرفة القاهرة التجارية، فإن «أسعار اللحوم المستوردة شهدت ارتفاعات خلال الفترة الأخيرة بسبب ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، لكنها لا تزال أقل من أسعار اللحوم البلدي»، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الضغوط الأكبر ترتبط بزيادة الطلب الموسمي وارتفاع تكاليف الإنتاج، خصوصاً ارتفاع أسعار الأعلاف بنحو 3 آلاف جنيه للطن الواحد خلال الأشهر الماضية، وهو ما انعكس على أسعار اللحوم، خصوصاً مع تتابع المواسم المرتبطة بزيادة الاستهلاك، مثل شهر رمضان، وعيد القيامة، وعيد الأضحى».

ويشير ربيع حامد، بائع في إحدى محال الجزارة بمنطقة «الأردنية» بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، إلى أن «زبون اللحم البلدي يظل غير واثق من اللحم المستورد، الذي يُباع بشكل رئيسي في المنافذ الاستهلاكية، مرجعاً ذلك إلى القلق المتعلق بدرجة الحفظ والتجميد، وصولاً إلى الطعم نفسه».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع تصاعد موجات الغلاء الأخيرة، أصبح من الملاحظ أن كثيراً من الزبائن يقللون عدد الكيلوغرامات التي يشترونها شهرياً في مقابل عدم اللجوء للمستورد».

قطعيات لحم مجمد برازيلي (الشرق الأوسط)

ويقول محمد وهبي إن «السوق المصرية تعتمد على استيراد اللحوم من دول عدة، بينها البرازيل وكولومبيا والهند والسودان وإسبانيا، وتُطرح عبر المنافذ الحكومية والمجمعات الاستهلاكية»، ويرى أن «اللحوم المستوردة تساعد على استمرار توافر وتدفق اللحوم للمستهلكين رغم تفاوت الأسعار بين البلدي والمستورد»، معتبراً أن «كثيرين يستغلون فرق السعر بين النوعين لشراء كميات أكبر بغرض التخزين، وهو ما يؤثر على استقرار المعروض، خصوصاً في ظل التقلبات الحالية التي تشهدها الأسواق العالمية والمحلية».

اللحوم البلدية في مصر تتميز بجودة عالية وفق المستهلكين (فيسبوك)

ويضيف أن «اللحوم المستوردة تضم درجات وأنواعاً مختلفة بحسب بلد المنشأ وجودة المنتج»، وخلص إلى أن «اختلاف الطعم بين المستورد والمحلي لا يرتبط بالضرورة بالجودة، بقدر ما يعود إلى اختلاف نوعية الأعلاف وطبيعة التربية، فكثير من الدول المُصدرة تعتمد على المراعي المفتوحة التي تمنح الحيوانات حرية الحركة، في حين تعتمد التربية المحلية بدرجة أكبر على التربية داخل أماكن مغلقة، وهو ما ينعكس على طبيعة النسيج العضلي وطراوة اللحم».