الحوثيون في فوهة «السلام»

هل حاك التحالف ستارة الأزمة اليمنية... وما فرص نجاح إسدالها؟

الحوثيون في فوهة «السلام»
TT

الحوثيون في فوهة «السلام»

الحوثيون في فوهة «السلام»

لم يتبقَّ على عام 2018 سوى أيام معدودات. كان يمشي كأنه يسابق الوقت في ليلة من ليالي استوكهولم الماطرة، المليئة بالاجتماعات تلو الاجتماعات.
اتخذ مكانه في ردهة فندقٍ سويدي يبعد أكثر بقليل من مائة كيلومتر عن مقر مشاورات السويد اليمنية. وأخذ يقول: «علينا أن نقيس نضج الحوثيين السياسي». كانت هذه الجملة أشبه بلازمة لطالما كررها السفير الأميركي السابق لدى اليمن ماثيو تولر، في أكثر من حوار أجرته معه «الشرق الأوسط».
ولكن في زمن وباء «كورونا» أو (كوفيد - 19)، ماذا سيكون رأي السفير الذي انتقل إلى العراق عام 2019 بعد خمس سنوات عاصر خلالها منعطفات الأزمة وحتى اللحظة حول الأزمة اليمنية؟
«كوفيد - 19» غربل أجندة العالم وفرض قوانينه، وقد لا يوازي تخريبه فتافيت فوائده، بل لعل الفائدة اليتيمة فيما يبدو: وقف القتال والتركيز على مجابهة الفيروس.
لم ينتظر التحالف الحوثيين ولا التزاماتهم. مسرحيات الجماعة السابقة ونقضها الدائم لعهودها عوامل جعلت التحالف يتخذ هذه المرة استراتيجية منح الفرص. وحاك ستارة تمهد بداية النهاية وتترك للطرفين العمل على إسدالها. لقد اختار، متكئاً على دعوة أممية ودولية، أن يضع الحوثيين في «فوهة السلام»... فهل تُظهر الجماعة ذلك «النضج السياسي»؟

يحذّر رئيس الوزراء اليمني الدكتور معين عبد الملك، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» من تبعات هذا الفيروس «كوفيد - 19» الخطير، متحدثاً عن تبعات ستتجاوز الأفراد إلى الاقتصاد، «ولن ينجو منها أحد».
في اليمن، يبدو الوباء العالمي الذي بدأ يتسلل إلى نشرات الأخبار نهاية العام الماضي، كأنه أراد منح فرصة قبل أن يتسلل إلى البلد الذي انقلب فيه الحوثيون على السلطة الشرعية منذ سبتمبر (أيلول) 2014، ولم يعد هناك نظام صحي أو إداري محلي قادر على التعامل مع أمراض قابلة للعلاج. ومن المؤكد أن الفيروس، الذي هزّ كبرى دول العالم، سيكون وبالاً على اليمن وأهله، ولن يفرّق بين أنصار الحوثيين أو أنصار الشرعية.
وسط هذا الخضمّ، فتح تحالف دعم الشرعية نافذة واسعة، بإعلانه وقف إطلاق النار المؤقت القابل للتمديد.

الحقائق والآمال
يعقد كبار المسؤولين والسياسيين والمحللين آمالهم على أن يفاجئ الحوثيون منتقديهم، بتخييب الشكوك، واستثمار اللحظة، ووقف الاندفاع الذي يرافق الانبهار بالسلطة. يأملون أن يختار الحوثيون وجهة اليمن، وأن يتخلوا ولو لمرة، عن إيران ومشروعها الرامي إلى هدم بلادهم فوق رؤوسهم.
ووسط جائحة «كوفيد - 19»، ما عاد الأمر يتحمل أنصاف الحلول لليمنيين المنهكين أصلاً من الحرب. والذين يعانون في جُلّ أرجاء البلاد من نقص الخدمات والغذاء والدواء.
المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، سلم الطرفين مبادرة حل شامل، وقال في بيان إنها جاءت بعد نقاش مع الأطراف ومجموعات يمنية متنوعة. وتضمنت المبادرة: أولاً، مقترحاً لاتفاق لوقف إطلاق النار يشمل عموم اليمن ويكون خاضعاً للمساءلة. ثانياً، مجموعة من التدابير الاقتصادية والإنسانية للتخفيف من وطأة المعاناة عن الشعب اليمني وبناء الثقة بين الأطراف. ثالثاً، الالتزام باستئناف العملية السياسية.

لحظات حرجة
يقول الدكتور معين عبد الملك «إنها لحظة خطيرة من تاريخ العالم... هناك ضرورة قصوى لإنجاح الهدنة وتوحيد الجهود في مواجهة عدو مخيف يستهدف الجميع بلا تمييز». ويذكّر عبد الملك بأن تأثيرات الجائحة العالمية «ستكون مضاعفة على بلادنا التي أنهكتها حرب الميليشيات العنصرية، ودفعت الاقتصاد وقطاع الخدمات ومستوى حياة المواطنين إلى مستويات غير مسبوقة من التردي والتدهور... نأمل أن الميليشيات ستذهب معنا للهدنة بدافع من هذا الإدراك الواعي ومن شعور عالٍ بطبيعة الخطر الذي يتربص بالعالم وبشعبنا».
ويتابع: «في تقديري، نجاح إنجاز مهمة هذه الهدنة، وتحاشي التعامل معها كفرصة للمساومة أو الربح أو تغيير موازين القوى، سيشكّلان بالإضافة إلى تأمين وحماية شعبنا وأهلنا من هذا الوباء المخيف؛ أرضية واعدة لبناء الثقة والتعاطي الإيجابي مع خطط السلام وتحويلها إلى اتفاق قابل للحياة والتطبيق». ويضيف: «الساعات الأولى للهدنة لا تبشّر بخير بسبب عدد وفداحة الخروق التي ارتكبها الحوثيون، ولكن لدينا أمل أن يستوعب الحوثيون مخاطر اللحظة وضروراتها وأن يتعاملوا مع هذه الهدنة كفرصة لإنقاذ شعبنا ولإنهاء الحرب. لدينا تجربة سيئة في الحديدة وأرجو ألا تتكرر».

طلاق إيران
بعد إعلان مبادرة وقف إطلاق النار الأحادية الجانب، حضّ خطاب كبار المسؤولين في دول التحالف على ضرورة اختيار اليمن وتغليب مصلحته على مصلحة إيران، فهو الخيار الأبقى والأنجح للحوثيين، وستنتج عنه بداية لنهاية الأزمة.
من خلال المتابعات المتسقة مع الأحداث في اليمن، تلخص ثلاث رؤى علاقة الحوثيين مع إيران، بغضّ النظر عن نسبة مؤيدي أي منها. إذ يرى البعض تبعية كاملة لا يمكن فصلها، ويقرأ آخرون أنها تبعية جزئية، لكن القرارات الحاسمة بيد إيران، وبالخصوص، مسألة الصواريخ الباليستية والمسيّرات والقرار السياسي، بينما هناك من يعتقد أن الجماعة لديها قرار وتستطيع الاختيار وعلاقتها مع النظام الإيراني أشبه بما تكون تكميلية.
تقول الخبيرة في الشأن اليمني الدكتورة إليزابيث كاندِل، وهي أستاذة في جامعة أكسفورد لـ«الشرق الأوسط» «إنها هذه خطوة ذكية من التحالف... تضع الكرة في ملعب الحوثيين»، وإذا لم يستجيبوا بشكل إيجابي ومتبادل فإنهم يتنازلون عن الأرضية الأخلاقية العالية لصالح لتحالف. وعن خروج أصوات حوثية تحاول سَوْق اتهامات بأن وقف النار «مراوغة» لإرضاء المجتمع الدولي، تقول كاندل: «الواضح أن بيان التحالف يترك الخيار مفتوحاً لتمديد وقف إطلاق النار، ويضعه صراحة كخطوة أولى نحو حل قضايا أكبر... إذا كان الحوثيون يرغبون في الاحتفاظ بأي مصداقية قيادية في مواجهة جائحة يمكن أن تهلك سكانهم الضعفاء، لن يكون أمامهم خيار سوى رد مبادرة وقف إطلاق النار بالمثل، وتركيز جهودهم بدلاً من ذلك على مكافحة انتشار الجائحة».

السفير آرون: مصلحتهم مع السعودية
يجد السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون، احتراماً واسعاً من اليمنيين، وأيضاً ثمة منتقدون، خصوصاً أنه يخاطبهم باللغة العربية من خلال حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي. في السابق، تحدث السفير عن إمكانية الفصل بين إيران والحوثيين في حديث سابق أجرته معه «الشرق الأوسط»، وهو ما أثار جدلاً في تلك الأيام. بينما ترى الأستاذة في أكسفورد أن الحوثيين في وضع يمكّنهم من اتخاذ القرار بأنفسهم دون الرجوع إلى إيران. وتعتقد أن الحوثيين «يتشاركون في قضية مشتركة مع إيران عندما تناسبهم، لكن لا يجري تشغيلهم عن طريق (التحكم عن بُعد) من قِبل إيران، خصوصاً ليس الآن، عندما تكون إيران في وضع ضعيف بعد تفشي الفيروس، والعقوبات المؤلمة، وانهيار أسعار النفط. لا يحتاج الحوثيون إلى موافقة إيران. والأمر متروك لهم ليقرروا بأنفسهم».
«الشرق الأوسط» سألت السفير آرون بعد إعلان التحالف وقف النار: «هل ما زلت متمسكاً برأيك بأن الحوثيين يستطيعون أن يتوقفوا عن التبعية لإيران؟»، فأجاب: «نعم، وأعتقد أن الحوثيين يمكن أن يقتنعوا بأن المملكة العربية السعودية حليف أوثق وأكثر موثوقية من إيران»... وأردف: «تهتم إيران فقط بالحوثيين كوكلاء في صراعهم مع السعودية... بينما للسعودية روابط تاريخية طويلة مع الشعب اليمني وتهتم بأمنه واستقراره ورخائه».
ويعتقد السفير البريطاني أن «وقف إطلاق النار الذي أعلنته السعودية سيعطي المساحة اللازمة لبدء المحادثات»، متابعاً: «طالب الحوثيون مراراً بوقف إطلاق نار على الصعيد الوطني. الآن ها هو لديهم. يحتاجون إلى إظهار أنهم يريدون السلام وبدء المحادثات».
من ناحيته، يذكر اللواء سلطان العرادة، محافظ مأرب في حديث عبر الهاتف مع «الشرق الأوسط»، أن الشرعية والتحالف حريصان على السلام الصادق العادل الذي يستحقه اليمنيون. ويقول: «الحوثيون يخرقون الهدن، آخرها الليلة الماضية (الليلة التي جرى فيها إعلان وقف النار) أطلقوا صاروخاً باليستياً على مأرب»، مشدداً على التزام الحكومة بكل سبل السلام، وأن مأرب ستبقى عصيّة إذا ما حاولوا أن يستمروا في استهدافها.

هل يريد اليمنيون إنهاء الحرب؟
يجيب الدكتور حمزة الكمالي، وكيل وزارة الشباب والرياضة عضو الفريق الإعلامي لوفد الحكومة اليمنية في مشاورات السويد، قائلاً: «لا يوجد بأي حال شك بأن هناك أي يمني لا يريد إنهاء الحرب، ولكن وفق قواعد أساسية». وتتمثل قواعد الكمالي التي تحدث عنها في «الدخول صوب سلام شامل ودائم يقوم على استعادة الدولة اليمنية، وإنهاء التمرد المسلح الذي نفّذته الميليشيات الحوثية، وأن يتحولوا إلى طرف سياسي مثلهم مثل الأطراف السياسية اليمنية الأخرى... أما أن يستمر الحوثيون في التصعيد فسنظل في حلقة مفرغة نحاول إرساء سلامٍ مع من لا يؤمن به».
ويقول الكمالي لـ«الشرق الأوسط» مستطرداً: «مبادرة التحالف تؤكد النهج الذي أتى على أثره التحالف، وهو السلام القائم على إنهاء الانقلاب في اليمن واستعادة الشرعية. الدعوة قوبلت بإيجابية من الحكومة اليمنية، ولكن ما نراه من الميليشيات الحوثية لا يبشّر بخير، ونتمنى أن يختلفوا هذه المرة ويتصرفوا بطريقة تؤدي للسلام وتمنحه لليمنيين».
أما رياض الدبعي، وهو أحد المؤسسين ومسؤول الرصد في التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، فيرى أنه «من المهم في هذه الأوقات أن تكون هناك هدنة وتثبيت ووقف إطلاق النار في اليمن. اليمن بلد يعيش 5 سنوات منذ الانقلاب ولولا دعم الأشقاء في المملكة لكان الآن معظم المؤسسات منهارة خصوصاً الجانب الصحي الذي يعد أكثر القطاعات تضرراً في اليمن، وذلك بسبب كثرة الهجمات الحوثية على المستشفيات ومغادرة الأطباء اليمنيين بعد الانقلاب. وبالتالي تصبح الآن الهدنة ضرورة إنسانية في ظل جائحة (كوفيد – 19) وعلى جميع الأطراف التركيز على الوضع الصحي في اليمن ومحاولة تسخير الدعم لمواجهة الجائحة. هناك مبلغ 25 مليون دولار قُدم من المملكة كدعم إضافي لمواجهتها، إضافةً إلى دعمهم لخطة استجابة الأمم المتحدة 2020. كذلك يجب على الأطراف اليمنية أن تنظر إلى اليمنيين بعين الإنسانية في هذه الظروف وترك السلاح جانباً، والبدء في حوار سياسي شامل، وعليها أن تكون صادقة وتستجيب لدعوة الأمم المتحدة. وأنا هنا أخص بالذكر ميليشيا الحوثيين، عليهم أن يكونوا صادقين هذه المرة والابتعاد على المراوغة. لأنه لدينا تجارب سابقة مريرة فيما يخص الهدنات واستجابة الحوثيين. كل الهدن إلى وقف إطلاق النار لم يلتزم بها الحوثيون منذ عام 2015».

تشاؤم من استجابة الانقلاب
هل تتوقع التعامل الحوثي الإيجابي مع مبادرة وقف إطلاق النار؟ سألت «الشرق الأوسط» الكاتب السياسي اليمني سام الغباري، فأجاب: «على الرغم من إثبات الحكومة اليمنية والتحالف العربي حسن النيات سياسياً تجاه المعركة اليوم، لا تعير ميليشيا الحوثي هذه النيات أي احترام متبادل، وها نحن أمام مبادرة أحادية الجانب لم يلتزم بها الحوثي ولم يطلبها، وكانت تجاوباً مع المبعوث الأممي الذي صار ظهوره مثيراً للسخرية والريبة لدى اليمنيين. لا يمكن أن تقف هذه الميليشيا موقفاً مسؤولاً -إنسانياً- تجاه قتلاها الذين تقذفهم إلى الجحيم، ولم تستطع هذه الجماعة تقديم شخصية واحدة من داخلها قادرة على أن تقدم فرصاً للتعاطي المسؤول مع أي مبادرات سلام، فتركيبتها التنظيمية المستنسخة عن فكرة (الخميني) تدفعها إلى المناورة المفضوحة، لإعادة ترتيب صفوفها ومعاودة الكَرّة مجدداً».
ويضيف الغباري: «يمكنك العودة إلى محركات البحث لتشاهد الكمّ الهائل من الاتفاقات التي لم يلتزم الحوثي بها ولن يلتزم، كل همّه تجميد الحرب التي يخسرها، وترتيب صفوفه بعد وقع الخسائر الهائلة التي يتكبدها، كل هذا الاستنزاف البشري المميت يجب أن يتوقف بمعركة حاسمة أو اتفاق سياسي حقيقي، لكن السؤال: هل ستقبل الحوثية أي اتفاق سياسي؟ كل المعطيات التي يجب على أي سياسي حصيف أن يقرأها جيداً أن الحوثي وسلالته غير قادرين أو مؤهلين لذلك. بل من المستحيل وفق عقائدهم الفكرية الوصول إلى صيغة سلام، لأن ذلك يعني إلغاء الحق الحصري لهم في نظرية الولاية العنصرية على اليمنيين... من يريد تفسير هذه الحرب عليه أن يضع كل ملفاتها التاريخية أمامه، لأنها بالفعل معركة قديمة تتجدد، دون ذلك فالمبادرات السياسية لن تجدي نفعاً مع (مجتمع) يعيش داخل الجسد اليمني متورم بالعنصرية والحق الإلهي في الحكم وينازع اليمنيين الاتفاق على صيغة حكم معاصرة».
ويختتم الكاتب السياسي اليمني بالقول إن «الاتفاق مع أي فصيل يمني مثل المجلس الانتقالي ممكن الحدوث لأنه لا يستقي صراعات من حقوق متطرفة دينياً، لكن مع الحوثيين، أقولها كيمني، إن الحوثية تحولت إلى حركة سياسية مسلحة وعنيفة، سيطرت على صنعاء بدعم ثالوث العصبية السلالية والسلاح والفشل الإداري والسياسي للدولة حينها، والتمويل الإيراني الضخم بالمال والقدرات والسلاح النوعي».

... وقليل من التفاؤل
في المقابل، عند سؤال وكيل وزارة الخارجية اليمنية الأسبق مصطفى نعمان، عمّا يجدر ترقبه من الحوثيين، أجاب: «من المتوقع والمفترض أن تقبل الجماعة بالتعامل الإيجابي مع إعلان الهدنة التي كانت هي نفسها تطالب بها... أراها فرصة لليمنيين جميعاً للعمل بجدية ودون مماطلة واختلاق المبررات للخروج من مسار الحرب إلى مسار جديد». ثم أردف: «إن الدعوة السعودية للحضور مع جميع الأطراف اليمنية للبحث في استدامة الهدنة، وجعلها مدخلاً لتسوية سياسية تُنهي الحرب، جهد يجب دعمه دون شروط مسبقة. إن ما يواجه اليمن والمنطقة برمّتها هو أمر أخطر من الحرب وآثارها، وعلى الجميع أن يقرأ الرسائل السعودية التي عبّرت عنها تغريدات الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع، دون تأويلات وتشكيك».

«كوفيد - 19»... عواقب وخيمة
أخيراً، تتحدث منى لقمان، رئيسة مؤسسة «الغذاء من أجل الإنسانية - Food4Humanity»، فتقول: «رغم أننا نأمل مزيداً من الجهود الجادة في التوصل إلى وضع نهاية للحرب وليس فقط وقف إطلاق النار أو الهدنة الإنسانية المؤقتة، فإننا في الحقيقة كمراقبين وحقوقيين لا نعوّل كثيراً على التزام الحوثيين بالهدنة، والشواهد كثيرة».
لقمان تأمل «ألا يتعنت الحوثيون ويفوتوا الفرصة، خصوصاً أن الجائحة لن ترحم أحداً، وجميع حلفائهم من حكام إيران منشغلين بالكوارث التي حلّت بهم». وتحذر الناشطة الحقوقية اليمنية من انفجار هائل قد يتسبب في «تفشي الفيروس في اليمن سيكون كارثياً... ينبغي على طرفي الصراع في الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي العمل بما تقتضيه مسؤوليتهما، أن يلتزما بالعمل المشترك والتنسيق بينهما لمواجهة الوباء، ولم نجد مؤشراً حتى اللحظة على أي تنسيق».


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.