آندرو كومو... حاكم نيويورك يخطف الأضواء وترمب يسعى لاستخدامه في معركته الانتخابية

جراء أزمة {كورونا}

آندرو كومو... حاكم نيويورك يخطف الأضواء وترمب يسعى لاستخدامه في معركته الانتخابية
TT

آندرو كومو... حاكم نيويورك يخطف الأضواء وترمب يسعى لاستخدامه في معركته الانتخابية

آندرو كومو... حاكم نيويورك يخطف الأضواء وترمب يسعى لاستخدامه في معركته الانتخابية

كما في كل شيء تقريباً، تأخذ الأمور في الولايات المتحدة منحى يتداخل فيه السياسي، بالشخصي، بالحزبي، بالموقع الرسمي، لدى تناول شخصية عامة تلعب دورا مؤثرا، أو يعتقد على الأقل أنها تقوم بذلك بالفعل. إلا أن الصورة تغدو أوضح إذا كانت تلك الشخصية من وزن حاكم ولاية نيويورك آندرو كومو، الذي لمع اسمه فجأة في الآونة الأخيرة بعد تفجّر أزمة وباء فيروس كورونا المستجد «كوفيد - 19»، وتفشيه في مدينة نيويورك، حيث سجل أكثر من نصف عدد المصابين بهذا الوباء على مستوى الولايات المتحدة.
ولاية نيويورك عاصمتها مدينة ألباني الصغيرة، لكن مدينة نيويورك هي الأشهر فيها.
إنها أكبر المدن الأميركية، سواء لناحية عدد السكان أو مساحتها الجغرافية. ثم إنها العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة، وأحد المراكز الحساسة للاقتصاد العالمي. أضف إلى ذلك أن المدينة تحتضن أكبر بورصة في العالم حيث ما يعرف بـ«وول ستريت»، أكبر مركز مالي وتجاري ومصرفي في العالم. ويوجد فيها مقر الأمم المتحدة الرئيسي، وتعتبر من أهم منارات الثقافة في العالم، وفيها أهم دور العرض الفنية والتجارية والثقافية والأزياء والتكنولوجيا والتعليم والترفيه.
لم يخطر على بال الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه قد يستغل اسم كومو في حملته السياسية والانتخابية، لزعزعة حظوظ منافسه الرئيسي في الحزب الديمقراطي جو بايدن، «المحجور» في منزله أسوة بباقي المواطنين الأميركيين بسبب الوباء. وأعرب في مقابلة تلفزيونية قبل أيام عن اعتقاده أن الحاكم كومو يمكن أن يكون منافسا جيدا له، بدلا من جو «النعسان» – وهذا هو اللقب الذي درج ترمب على استعماله ازدراءً بمنافسه - وهو أسلوب بات معروفا عنه في مهاجمة خصومه وتحقيرهم بشكل شخصي، عبر إطلاق صفات لم تعهدها السياسة الأميركية من قبل.

المرشح المحتمل
في الواقع سبق أن تكهنت عدة وسائل إعلام أميركية باحتمال ترشح آندرو كومو للانتخابات الرئاسية، سواء في 2016 أو 2020. وأشارت عدة تقارير إلى أن كومو دعم «المؤتمر الديمقراطي المستقل»، وهو قائمة تضم العديد من الجمهوريين، بينهم أنصار لترمب، قبل أن يُحل ويهزم في انتخابات 2018 النيابية، في محاولة منه ليبدو أكثر اعتدالا، تمهيدا «لطموح رئاسي».
غير أن كومو أحجم عن ترشيح نفسه ولم يخض الانتخابات التمهيدية المتوقفة الآن. ونفى تماما نيته خوض انتخابات الرئاسة خلال مقابلة تلفزيونية مع شقيقه كريس كومو، مقدم البرامج الشهير على محطة «سي إن إن» التلفزيونية. وللعلم، أعلن كريس إصابته بالفيروس أخيراً، وهو يخضع لحجر صحي في قبو منزله بعدما حوله إلى استديو يمارس منه عمله كما العديد من مقدمي البرامج في المحطات الأميركية.
من ناحية ثانية، اتهمت قيادة الحزب الديمقراطي ترمب باستغلال أزمة الوباء لخلط الأوراق وزعزعة قاعدة الحزب المنقسمة أصلا، حيث لا يزال السيناتور اليساري بيرني ساندرز يصر على ترشحه، وسط دعوات حثيثة لإنهاء حملته. واللافت أن ساندرز ماض بالترشح، رغم خسارته غالبية الانتخابات التمهيدية التي أجريت، وثمة صعوبة بالغة في تمكنه من ردم الهوة مع بايدن لجهة الحصول على عدد كاف من أصوات المندوبين.
تعليقات أخرى اعتبرت مناورة ترمب، بأنها محاولة لتعميق الانقسام بين الفئات الشابة المؤيدة لساندرز والقاعدة الجماهيرية للحزب، ما قد يؤدي إلى امتناعها عن التصويت لبايدن في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، الأمر الذي سيصب حتما في مصلحة ترمب.

كومو ينافس ظهور ترمب
غير أن آخرين يعتبرون أن النجاح الذي يحققه حاكم نيويورك بسبب موقعه الرسمي، وصعود أسهمه وارتفاع عدد مؤيديه، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وظهوره الكثيف على شاشات التلفزيون، بات ينافس ظهور ترمب اليومي لمتابعة أنباء الوباء. ويعتقد معظم هؤلاء أن ظهوره أزعج الرئيس واعتبره تهديدا لاحتكاره موجات الأثير المرئي، بينما منافسه الرسمي بايدن قابع في منزله... يفتش عن وسيلة لخرق الحصار الذي فرضه انتشار الوباء.
في أي حال، يواصل ترمب التقليل من دور كومو في التصدي للوباء في نيويورك، قائلا إن نجاحه يعود إلى المساعدات التي قدمتها إدارته وتلبيتها كل طلباته، رغم الانتقادات العلنية والقاسية التي وجهها كومو لما اعتبره سلبية أداء الحكومة الفيدرالية في واشنطن. ورغم قوله إنه جاهز لمواجهة أي منافس سياسي، كرر كومو «إن الوضع خطير ومميت وإذا كنا منقسمين فسيهزمنا الفيروس».
كومو وفريق عمله ومسؤولو الولاية تعرضوا في البداية لانتقادات مكثفة، بعضها جاء من سكان الولاية «المنكوبة»، ومن جهات محسوبة أو مؤيدة لترمب والجمهوريين عموما، تحملهم مسؤولية البطء في اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة انتشار الفيروس.
أيضاً، تداول ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي تصريحات عدد من مسؤولي الولاية يقللون فيها من خطر الفيروس في يناير (كانون الثاني) الماضي، لتجنب إثارة الهلع بين السكان. لكن طبيعة المدينة الأكثر حضرية بين المدن الأميركية، لم تترك لكومو خيارا سوى تغيير أدائه على وجه السرعة. فغالبية السكان تستخدم النقل العام، من قطارات الأنفاق وحافلات النقل العام وسيارات الأجرة، بسبب ازدحام شوارعها القاتل، وكثافة السكان الذين يتنقلون سيرا على أقدامهم في شوارعها الشهيرة. ولا ننسى أنه في نيويورك «حي صيني» كبير، وكل هذه عوامل أدت كلها لتوفير الأجواء المناسبة لانتشار الفيروس بشكل لا مثيل له مع باقي المدن والولايات الأميركية.

العلماء... مع كومو
من جانب آخر، تلقى كومو المديح على نطاق واسع من علماء الأوبئة بعد إغلاقه الولاية والأعمال غير الضرورية لكسر منحنى صعود الفيروس. بل في 28 مارس (آذار) الماضي هدد كومو ولاية رود إيلاند برفع دعوى قضائية ضدها بشأن سياسة التمييز الصحي التي تريد تطبيقها، عبر منع سكان نيويورك من دخولها. وهذا ما كان من بين الأسباب التي منعت الرئيس ترمب أيضا من إصدار قرار فيدرالي بفرض الحجر الإلزامي على تنقل سكان عدد من الولايات، بينهم نيويورك، الأسبوع الماضي.
ونتيجة للسياسات التي اعتمدها كومو، والإجراءات القاسية التي فرضت إغلاقا كاملا لمدينة نيويورك، أظهر آخر استطلاع للرأي نشره معهد سيينا أن معدلات قبول الحاكم النشط ارتفعت هذا الشهر، بعدما استجاب للأزمة التي أطلقها انتشار الفيروس.
إذ أيد 87 في المائة ممن شملهم الاستطلاع طريقة تعامل كومو مع الوباء. كما أعرب 76 في المائة عن رضاهم عن كيفية استجابة قسم الصحة المحلي، وعبّر 74 في المائة عن رضاهم على الدكتور أنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، في حين نال ترمب ونائبه مايك بنس على رضى 41 في المائة فقط.
الاستطلاع خلص أيضاً إلى أن نسبة عدد سكان نيويورك الذين ينظرون إلى الحاكم بشكل إيجابي ارتفعت إلى 71 في المائة من 44 في المائة فقط في فبراير (شباط) الماضي.
وقال المتحدث باسم الاستطلاع ستيفن غرينبرغ إن الحاكم كومو يحظى «بدعم شبه عمومي»، حيث يوافق 85 في المائة على الأقل من الناخبين من كل منطقة على تعامله مع الأزمة، وكذلك على دعم 95 في المائة من الديمقراطيين و87 في المائة من المستقلين وحتى 70 في المائة من الجمهوريين.
على هذا الأساس، وبمقاييس ترمب، قرع آندرو كومو جرس إنذار كبير لديه، خصوصاً، وأن شخصيته وتاريخه ودوره السياسي وتجربته الطويلة في الشأن العام، مزايا تمنحه القدرة على أن يكون خصما عنيدا، له ولإرثه من بعده في مدينة نيويورك التي يتحدر منها الرئيس أيضا.

بطاقة هوية
آندرو مارك كومو من مواليد 6 ديسمبر (كانون الأول) 1957 في حي كوينز في مدينة نيويورك، لأسرة تتحدر من أصل إيطالي لجهتي الأب والأم. وهو سياسي ينتمي للحزب الديمقراطي ومؤلف ومحامٍ بجانب كونه الحاكم الـ56 للولاية، وهو يتولى هذا المنصب منذ 2011.
والده ماريو كومو كان قبله محامياً لامعاً وحاكماً ناجحاً لولاية نيويورك لثلاث فترات متتالية، وجرى تداول اسمه غير مرة كمرشح عن الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية. أما والدته فاسمها ماتيلدا نيرافا. ولآندرو خمسة أشقاء بينهم كريس كومو وشقيقته الدكتورة مارغريت عالمة الأشعة الشهيرة.
تخرج آندرو كومو في مدرسة سانت جيرارد ماجيلا في عام 1971 ومدرسة المطران مولوي الثانوية في عام 1975، ثم تابع تعليمه الجامعي وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة فوردهام – إحدى أعرق الجامعات الكاثوليكية في الولايات المتحدة – عام 1979. ثم حاز على الإجازة في الحقوق من معهد ألباني للحقوق التابع لجامعة يونيون (ريف ولاية نيويورك) عام 1982.

تاريخ سياسي حافل
بدأ آندرو كومو حياته المهنية مديراً لحملة والده، ثم محامياً مساعدا لمنطقة في مدينة نيويورك. ثم أسس مؤسسة الإسكان «هلب يو إس إيه» (HELP USA) وعُيّن رئيسا للجنة نيويورك للمشردّين في المدينة، وهو المنصب الذي شغله من عام 1990 إلى عام 1993.
في عام 1993 انضم كومو إلى إدارة الرئيس بيل كلينتون كمساعد وزير التخطيط المجتمعي والتنمية في وزارة الإسكان والتنمية الحضرية بالولايات المتحدة. ومن 1997 إلى 2001. شغل منصب وزير الإسكان والتنمية الحضرية خلفا للوزير هنري سيسنيروس.
في عام 2006 انتخب كومو مدعيا عاما لنيويورك، وفي العام 2010 انتخب حاكما للولاية، وأعيد انتخابه مرتين بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية ضد المنافسين الليبراليين زيفير تيتش أوت (2014) وسينثيا نيكسون (2018). وخلال فترة ولايته، أشرف كومو على تمرير قانون يشرّع زواج المثليين في نيويورك، وإنشاء تحالف الولايات المتحدة للمناخ، وهي مجموعة من الدول ملتزمة بمكافحة تغير المناخ باتباع شروط «اتفاقيات باريس للمناخ».

إجراءات بالجملة
بالإضافة إلى ذلك، مرّر كومو أكثر قوانين مراقبة الأسلحة صرامة في الولايات المتحدة، ودعم توسيع المساعدة الطبية وقانون ضرائب جديد يرفعها على الأغنياء ويخفضها على الطبقة الوسطى. وكذلك أقر منح إجازة عائلية مدفوعة الأجر وزيادة الحد الأدنى للأجور والمساواة في الأجور بين الجنسين وتشريع استخدام الماريغوانا الطبية.
وفي عام 2000 قاد كومو جهود وزارة الإسكان والتنمية الحضرية للتفاوض على اتفاقية مع شركة سميث اند ويسون، أكبر مصنّع للمسدسات والبنادق اليدوية، لتغيير تصميمها وتوزيعها وتسويقها لجعلها أكثر أمانا والمساعدة في إبعادها عن أيدي الأطفال والمجرمين. وتضمنت ميزانيات وزارته زيادة المعروض من المساكن الميسرة التكلفة وتمكين المواطنين من تملّك المنازل، وقوانين لخلق فرص العمل والتنمية الاقتصادية. وشمل ذلك إعانات مساعدة الإيجارات الجديدة، وإصلاحات لدمج الإسكان العام، وقيودا أعلى على الرهون العقارية المؤمن عليها من قبل إدارة الإسكان الفيدرالية، وقمع التمييز في الإسكان وبرامج موسعة لمساعدة المشردين في الحصول على السكن والوظائف، وإنشاء مناطق تمكين جديدة.
في المقابل، يؤخذ على كومو أن طلبه بزيادة القروض لمنازل الفقراء في محاولة لإنهاء التمييز ضد الأقليات، عبر إجبار مؤسستي فاني ماي وفريدي ماك العقاريتين العملاقتين المدعومتين من الحكومة، على شراء القروض المشكوك بتحصيلها، ساعد في حدوث أزمة الرهن العقاري عام 2008.
وفي عام 1998 قالت المفتشة العامة التي عينها الرئيس بيل كلينتون في وزارة الإسكان سوزان غافني، أمام لجنة في مجلس الشيوخ إنها كانت ضحية «تصعيد» الهجمات على مكتبها من قبل كومو و«مساعديه الرئيسيين»، بما في ذلك الاتهامات بالعنصرية والتمرد والمخالفة. وفي عام 1999. خلص مكتب غافني إلى أن 15 من أصل 19 هدفا لمؤسسة «بناة المجتمع» التي كان خلفها كومو، كانت أنشطة وليست إنجازات فعلية وأن مبادراته «كان لها تأثير معوق على العديد من عمليات الوزارة القائمة». وفي مايو (أيار) 2001 تقاعدت غافني بعد فترة وجيزة من التوصل إلى تسوية بقيمة 490 ألف دولار مع موظف أسود اتهمها بالتمييز العنصري ومنعه من الترقي.

مع هيلاري... ضد أوباما
في عام 2008، قال كومو، الذي كان يدعم ترشح هيلاري كلينتون عن منافسها باراك أوباما: «لا يمكنك الرفض والركض في مؤتمر صحافي»، ما أدى لتعرضه لانتقادات عدة لاستخدامه عبارة كانت تطلق على الأميركيين الأفارقة خلال حقبة التمييز العنصري والعبودية.
ولاحقاً، في استطلاع رأي في فبراير 2019. أجري بعد توقيعه عددا من التشريعات التي وصفت بـ«التقدمية»، بينها التوسع في الإجهاض وقوانين الأسلحة أكثر صرامة، تراجعت شعبية كومو إلى 43 في المائة وهو الأدنى له، ورفضه 50 في المائة من «النيويوركيين»، ما يشير إلى أن تلك التشريعات أزعجت بعض الناخبين وساهمت في خفض شعبيته.
غير أن أسلوبه الحازم في التعامل مع الوباء الذي وضع نيويورك في عين العاصفة... أعاد له رضى الشارع، داخل ولايته وخارجها.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.