عالم المخرج كريستوفر نولان الخيالي ـ العلمي

«بين النجوم» هو أكبر فيلم حققه في هذا المجال

المخرج كريستوفر نولان
المخرج كريستوفر نولان
TT

عالم المخرج كريستوفر نولان الخيالي ـ العلمي

المخرج كريستوفر نولان
المخرج كريستوفر نولان

بوصول «بين النجوم» (Interstellar) إلى صالات العرض الضخمة مزودا بموسيقى هانز زيمر وبمنجزات بصرية إلكترونية لم يسبقه إليها أحد على هذا النحو، يصل المخرج البريطاني الولادة كريستوفر نولان إلى صرح جديد لم ينجزه من قبل. تستطيع أن تتصوره، بعدما أنجز 7 أفلام من قبل في غضون 24 سنة، مثل شخص وقف عند باب موصد. فتحه ودخل ليجد بابا آخر. إذ يفتح ذلك الباب يجد نفسه وقد صار أمام باب ثالث وهكذا. وكلما فتح بابا وجد نفسه أمام قدرات جديدة تصوغ رؤيته الحاضرة وتشكل حوافزه للانتقال قدما. الرحلة التي من هذا النوع لا تنتهي.
«بين النجوم» هو أكبر فيلم حققه المخرج إلى اليوم، لكنه أيضا أكبر فيلم خيالي - علمي من حيث الحجم والمنجزات ومن حيث عناصره الفنية وحسن تحقيقها. تستطيع أن تضعه إلى جانب الأيقونتين البارزتين في هذا المجال، «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك (1968) و«سولاريس» لأندريه تاركوفسكي (1972) والبعض قد يرى أنه يتجاوزهما.
مخرج «باتمان يبدأ» (2005) وما تلاه من أجزاء، لديه القدرة على صنع ما يريد. تبدأ قدراته بالتخيل ثم بدفع الخيال إلى الواقع. الواقع إلى ميزانية متاحة وبلا شروط. ومنها إلى العمل حثيثا وطويلا في طي مئات التفاصيل التقنية لكي يأتي الفيلم بالصورة التي كونها الخيال بادئ ذي بدء.

* أرق وفقدان
* حبه للسينما ولد باكرا. في سن السابعة (سنة 1977) بدأ التصوير مستخدما كاميرا سوبر 8. لم يكن راضيا عن التصوير وحده. كان عليه أن يخلق حركة ما. في العاشرة وما بعد كون مجموعة من الأفلام التي حرك فيها دمى وألعابا أمام عدسة الكاميرا. الحكاية التي في باله كانت بسيطة. التنفيذ كذلك. الطموح هو الأكبر حجما من سنواته الشابة، وبل من مداركه آنذاك.
حين أصبح شابا اختار دخول معهد لدراسة اللغة الإنجليزية عوض أن يدخل معهدا لدراسة السينما، لكنه كان يعلم أن (University College London) التابعة لجامعة لندن لديها فرع سينمائي مزود بكل ما يحتاجه الهاوي لكي يحترف: كاميرات، عدسات، أدوات صوت وطاولات مونتاج. هناك حقق أعماله الأولى: دقائق محدودة من أحلام أكبر.
مع مطلع القرن الـ21، كان نولان ما زال مجهولا. كان حقق فيلما قصيرا كاملا بعنوان Doodlebuy سنة 1997 وتبعه سنة 1998 بفيلمه الطويل الأول Following. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة تبعا لدرب تراءى له. نجمة غمزت له بعينها أن يتبع هذا الطريق فقام بذلك وحط في هوليوود ليحقق أول فيلم غريب الشأن له هناك: «ميمنتو».
القصة وضع السيناريو لها مع شقيقه جوناثان نولان تدور حول رجل أصيب بفقدان الذاكرة. فقدان جزئي يجعله غير قادر على تذكر الأحداث القريبة وكيف أنه قرر، وبنجاح، استخدام اللحظة الراهنة ليعود منها إلى الوراء ليتبين هوية المجرم الذي قتل زوجته. لكن ليس بطل الفيلم (غاي بيرس) هو وحده من يقدم على هذه الخطوة، بل المخرج أيضا فالفيلم يبدأ بدوره من النهاية ليعود أدراجه إلى الأمس. بذا، كشف نولان عن حبه لاكتشاف عوالم مقلوبة وعن رغبة في سرد ما هو غير متوقع بطريقة غير متوقعة. وإذ تم ترشيح هذا الفيلم لحفنة من الجوائز (بينها أوسكار أفضل سيناريو) نال تقديرا واسعا من بينها جائزة «معهد الفيلم الأميركي» (لأفضل سيناريو) وجائزة «جمعية الفيلم البريطاني المستقل» (أفضل فيلم) وأخرى من جمعيات نقدية مختلفة.
قاد نجاح هذا الفيلم لتحقيق فيلم ثان عن مأزق آخر لرجل آخر وهو «أرق» Insomnia سنة 2002. هذه المرة لدينا التحري آل باتشينو الذي ينتقل من المدينة الكبيرة إلى بلدة في ألاسكا والذي يعاني من أرق دائم لا يستطيع النوم بسببه. كل شيء حوله يهبط. مداركه. حالته النفسية. جسده المنهك.. ثم ها هو، خلال مطاردته المجرم الذي انتدب لكشفه، يصيب برصاصه زميله ويقتله ثم يحاول التستر على ذلك فعلته.

* مؤثرات
* حتى الآن، ما زال صاحبنا على الأرض وسنرى كيف سيرتفع عنها تدريجيا ليحلق اليوم بين النجوم. في عام 2004 قررت وورنر تسليمه مقاليد واحد من أكبر إنتاجاتها وأكثرها صعوبة: تحقيق الفيلم الذي سيعيد باتمان إلى الواجهة. كانت قد مولت عودة الرجل الوطواط إلى الشاشات الكبيرة في الثمانينات (الشخصية كانت من أملاك شركة فوكس في الستينات) عندما استقدمت صاحب رؤية فنية آخر هو تيم بيرتون لكي يحقق فيلما عن تلك الشخصية التي وضعها بوب كاين في مجلات الكوميكس في الأربعينات. هذا جلب للدور مايكل كيتون ووزع أدوار الشر على جاك نيكولسون وجاك بالانس وترايسي وولتر وأنجز فيلما ناجحا جمع 410 ملايين دولار حول العالم.
لكن تأثير وجودة هذه السلسلة خف في منتصف التسعينات عندما تسلم الإخراج جوول شوماكر وحول المغامرة إلى مرتع ترفيهي مباشر. وورنر رسمت فاصلا زمنيا قبل أن تجد أن كريستوفر نولان، المبرهن عن رؤيته التنفيذية الخاصة، هو خير من يصنع لها فيلم العودة.
نولان لم يخب هذا الاعتقاد ودلف منه إلى الجزء الثاني («الفارس الداكن»، 2008، و«صعود الفارس الداكن»، 2012). هذا الجزء الثالث جلب أكثر من مليار دولار حول العالم. بمقارنة الفيلم الثالث من السلسلة بالأول والثاني، يدرك المرء كيف انكب المخرج على تطوير ما لديه من قدرات، التي كانت لا تشكو من التطور أساسا. كل واحد من هذه الأفلام كان أفضل من سابقه. ولا واحد منها اعتبر أن النجاح أمر مضمون فاستكان إلى معطياته، بينها حقق فيلما آخر جيدا ومثيرا للاهتمام، لكنه أرضي بالكامل. بطله (هيو جاكمان) يعمد إلى السحر وألعاب الخفة، لكنه لا يرتفع عن الأرض شأن باتمان (كما أداه بنجاح في الأجزاء الثلاثة كريستيان بايل). بعده أنجز، سنة 2010 «تمهيد» ومع أن أحداثه أرضية (تدور في رحى فكرة رجل يسرق مصرفا مستخدما ما سماه «تقنية المشاركة في الحلم») إلا أن موضوعه حلق في جوانب غريبة (هل فلت زمام تلك التقنية فأصبحت حياة بطله كلها حلما؟) كذلك عمد إلى توظيف المؤثرات التقنية والغرافيكس على نحو غير مسبوق. المشاهد التي نرى فيها المدن وقد انقلبت رأسا على عقب تعبيرا عن عالم فقد توازنه كاملا، لا تنسى. والفيلم أنجز 817 مليون دولار عالميا وشركة وورنر أخبرته بأنها ستنتج له أي فيلم يريده. وما أراده هو آخر أعماله إلى اليوم «بين النجوم».
أفلام نولان ليست مشتتة من دون خط يجمعها، وليست مجرد أفلام تعتمد على الخيال والتقنيات الضخمة، بل هي نتيجة لبنة صلبة ولو مطواعة تحمل في طياتها بحث في الإنسان وفي العالم والمجتمعات. حتى «باتمان» هنا ليس باتمان في أي من الأفلام السينمائية قبل الستينات أو بعدها. نولان لا يستطيع إلا وأن يتحدث عن كل شيء ممكن جمعه من دون خطابية أو مباشرة تحت سقف فيلم واحد. وسقفه دائما عال ومرتفع بات من الصعب على الآخرين اللحاق به إليه.
* علامات النجاح

* بفضل سلسلة «باتمان» الثلاثية، حققت مجمل أفلام كريستوفر نولان ما يزيد على ملياري دولار حول العالم. من بينها نحو مليار من تلك السلسلة وحدها. لكنه شخص لا يزال يعيش في شرنقة الخيال وليس في الواقع. بسيط الهيئة وسهل الحديث ولو أنه قلما يدلي بمقابلات صحافية. هذا، حسب قوله في تصريح نادر «السبب الذي يجعلني على تواصل دائم مع ما أريد إنجازه».



أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.


شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
TT

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

«خروج آمن»

★★★★

• إخراج: محمد حمّاد

• النوع: دراما اجتماعية | مصر

معالجة إنسانية لشخصيات تبحث عن خلاص

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة. في فيلمه الأول «أخضر يابس» نجد بطلته امرأة يفوتها قطار الحياة بسرعة، ذلك الذي تستخدمه في المواصلات بطيئاً لكنه مستديم. مشكلتها أنها باتت وحيدة، حتى وإن كانت تعيش مع شقيقتها التي تتوق للزواج ولا تشعر بآلام شقيقتها الكبرى. يتجلّى عن ذلك الوضع سرد قاتم وإنساني للحالة التي يستعرضها الفيلم.

هذا يتكرّر في «خروج آمن» (ثاني فيلم روائي طويل للمخرج حمّاد منذ «أخضر يابس» قبل 10 سنوات). بطله سمعان محاط بظروف قاهرة: شاب لا مستقبل منظوراً ومتوقَّعاً له. يعمل رجل أمن في عمارة يستغلّه بعض مَن فيها لتأمين حاجاته اليومية. هناك إرهابي شاب يكنّ له العداء رغم أنّ سمعان يتستَّر عليه حين يدهم الأمن المكان بحثاً عنه. ثم هناك حقيقة أنه مسيحي يشعر بالدونية وسط محيطه، ويحمل في باله وجع خسارة أبيه (عندما قتل ليبيون والده لأنه قبطي).

المقابل النسائي هنا يأتي على شكل شابة معتلّة صحياً لكنها معدومة القدرة، لا على المعالجة الصحية فحسب، بل على تلك النفسية، في مجتمع لا أحد يرى أحداً آخر فيه. سمعان وفاطمة، كلٌّ من دين مختلف، لكن المخرج لن يذهب وراء قصة حبّ بل قصة تفاهم.

يستخدم حمّاد حنكته بوصفه مخرجاً ومؤلّفاً ليضع كلّ هذه الشخصيات وسواها في أماكن صحيحة. لا بطولات ولا إنجازات ولا حتى انتصارات. الخروج الآمن الوحيد بالنسبة إلى سمعان هو ارتكاب جريمة يرتاح فيها من الشعور بالخوف والخشية ممن قتله، وبالتالي، من وضعه المتعثّر. إنه خروج آمن (أو هكذا يقرّر) من عالم مقيَّد إلى آخر أفضل.

«خروج آمن» مصوَّر بدراية تربط بين الوضع الماثل والتأطير المناسب لكل مشهد. لا تنازل عن جعل الصورة ملازمة للحالة التي يعكسها المشهد. فيعكس حمّاد النظرة الإنسانية التي يشعر بها حيال شخصياته التي تشترك في المعاناة الماثلة مع توليف صحيح لا يفلت من بين يديه.

STRANGER

★★ 1-2

• إخراج: مادس هاديغارد

• النوع: تاريخ | الدنمارك

فيلم طموح عن الحياة قبل 4000 سنة

وفق كتاب للمؤرّخ كريس كريستنس «صعود عصر المجتمع البرونزي» الصادر عام 2023، فإن ملابس الشعوب الإسكندنافية سنة 2000 قبل الميلاد كانت عبارة عن رداء يشمل القامة من الكتفين لما بعد الركبتين. ما نراه في الفيلم العائدة أحداثه إلى 4000 سنة قبل الميلاد، فإن الملابس كانت شبيهة، باستثناء أنها كانت قصيرة للنساء وطويلة للرجال.

«غريبة»... الهجرة التي لم تنقطع يوماً (موتور برودكشن)

هل يمكن أن تكون ملابس شخصيات الفيلم على هذا النحو قبل 6000 سنة من اليوم؟ ماذا عن الذقون المحلوقة جيداً؟ ثم ماذا عن القول إنّ بعض الإسكندنافيين اكتشفوا بذور القمح والزراعة في ذلك الحين؟

لا أرغب الخوض في هذا الشأن إلا من باب التمنّي لو أنّ المخرج قدَّم المرحلة الزمنية نحو 2000 سنة إلى الأمام، لأنّ هناك تفاصيل كثيرة تحتاج إلى التدقيق. يستدعي «غريبة» الإعجاب في بعض نواحيه. من بينها حياكته قصة جديدة على هيئة موضوع يدور حول قبيلتين تنتمي بطلة الفيلم آثي (أنجيلا بوندالوفيتش) إلى إحداهما، التي وصلت إلى بقعة جديدة من الغابات الإسكندنافية (لا تبدو لي صالحة للزرع ولكن...) للاستقرار فيها. لكن القبيلة الأخرى هاجمتها وقتلت معظم أفرادها. الناجيان الوحيدان هما آثي وشقيقها ثاران (بنجامين شريفزاده) اللذان يقعان في قبضة القبيلة ويتحمّلان سوء معاملتها. لا تستمر الأحداث بمثل هذا التصاعد، بل تتحوّل إلى متابعة لا تغادر مكانها. يخفق الفيلم في إثارة اهتمام أوسع أو في إثراء حكايته لتصبح ضرورية. هو من ساعتين، ولو كان أقل ومنح مشاهديه الرغبة في التواصل مع مشكلته، لحقَّق نجاحاً أعلى. لكن ثمة ما يمكن إضافته إلى إيجابياته القليلة، وهو أنه منذ البداية يومئ بربط ما يدور حول الهجرة من موقع لآخر مع الهجرة التي لم تنقطع يوماً وتنتشر في زمننا الحاضر حول العالم بأسره.

WAR MACHINE

آلة حرب

★★ 1-2

• إخراج: باتريك هيوز

• النوع: أكشن/ خيال علمي | الولايات المتحدة

لا يفل الحديد إلا الحديد

ليس في الحبكة هنا ما هو جديد بالفعل. سبق للأرض أن دافعت عن نفسها ضدّ غزاة من الفضاء (بأشكالهم المتعدّدة) منذ الأربعينات. كذلك يذكّر الفيلم بالجزء الأول من سلسلة «المفترس» (إخراج جون مكتيرنان، 1987) باستثناء أنّ الشخصيات الموزَّعة في ذلك الفيلم تحت قيادة أرنولد شوارتزنيغر كانت أكثر صلابة.

«آلة حرب»... الحديد بالحديد (نتفليكس)

في جميع الأحوال، يعتمد الفيلم الجديد على نخبة من الجيش الأميركي يعهد إليها التحقُّق مما يحدث، وذلك بعد مدّة طويلة من التدريبات لاختيار الأكثر صلابة وقوة بين المجندين. الرقم 81 (آلان ريتشسون) يبزّ جميع الآخرين، وينطلق لمجابهة هذا الغزو الغريب. معظم أفراد فرقته يُباد، والوحش الآلي يبدو أقوى بكثير ولا سبيل لدحره. لكن لا يفني الحديد سوى الحديد، كما نرى عند نهاياته.

يوظّف المخرج وفريقه مناطق التصوير (نيوزيلندا وأستراليا) جيداً، ويفيد ذلك في مزج الأماكن الطبيعية في لُحمة المخاطر التي لا تتوقَّف (نهر جارف، جبال وعرة، وديان سحيقة...). مجموع ما تولّده الحبكة بعد نحو نصف ساعة من بداية الفيلم، وأماكن تصويرها، بالإضافة إلى مواجهة آلة الروبوت المسلّحة التي لا يمكن قهرها، نافع بوصفه تسلية وترفيهاً.

الممثل الأول ريتشسون لا يحلّ تماماً مكان شوارتزنيغر وجاذبيته، لكنه قابل للتصديق في مشاهد الخطر. المخرج الذي سبق وحقق «المرتزقة 3» يفهم مهنته ويؤمن تنفيذ مشاهد رائعة وتواصلاً في سرد جيد. كلّ ذلك لن يرفع الفيلم إلى أكثر من المستوى المعهود لأفلام تلتزم بالحركة وتتخلَّى عن عمق شخصياتها ومدلولاتها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
TT

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)

مطلع الأسبوع المقبل تعلن جوائز الأوسكار التي يترقبها عشاق السينما، وبعدها بأربعة أيام تبدأ صالات السينما السعودية في عرض أفلام رُشحت للفوز بالأوسكار، إذ يصل فيلما «مارتي سوبريم» Marty Supreme و«سيرات» Sirāt إلى دور السينما ليلة العيد، وتحديداً في 19 مارس (آذار)، ليأتي عرضهما في توقيت لافت، حيث يُتوقع أن ينعشا صالات السينما المحلية التي دخلت في حالة ركود نسبي خلال شهر رمضان.

وينتقل هذان الفيلمان سريعاً من دائرة ترشيحات الأوسكار إلى شباك التذاكر، في انعكاس للتحولات التي شهدتها سوق السينما في المملكة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت أفلام المهرجانات تصل إلى الجمهور المحلي بفارق زمني طويل عن طرحها العالمي، باتت اليوم تُعرض في توقيت متقارب مع عرضها الدولي، ما يجعل الجمهور السعودي جزءاً من دورة المشاهدة العالمية للأفلام المرتبطة بموسم الجوائز.

تيموثي شالاميه في مشهد من الفيلم (imdb)

تيموثي شالاميه في سباق أفضل ممثل

يأتي فيلم «مارتي سوبريم» في مقدمة الأفلام المنتظرة، والتي لفتت الأنظار خلال موسم جوائز هذا العام، خصوصاً مع الأداء الاستثنائي الذي قدمه النجم الأميركي تيموثي شالاميه في دور لاعب تنس الطاولة مارتي ماوزر، وهي شخصية مستوحاة من اللاعب الأميركي الشهير مارتي ريسمان الذي كان أحد أبرز نجوم اللعبة في خمسينات القرن الماضي.

الفيلم من إخراج جوش سافدي، ودخل سباق جوائز الأوسكار بعدة ترشيحات، أبرزها أفضل فيلم وأفضل ممثل لتيموثي شالاميه، إضافة إلى ترشيحات في عدد من الفئات الفنية الأخرى. ويعد هذا الترشيح محطة مهمة في مسيرة شالاميه، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نجوم جيله في هوليوود، خصوصاً بعد أدواره في أفلام مثل «Dune» و«Call Me by Your Name».

وجاء العرض الأول للفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي 2025 قبل أن يُطرح تجارياً في دور العرض الأميركية نهاية العام نفسه عبر شركة «A24» التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز شركات الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالأفلام المرشحة للجوائز. ومع طرحه التجاري، تحول «مارتي سوبريم» إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز، مدعوماً بإشادات واسعة بأداء شالاميه.

فيلم «سيرات» مرشح الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي (imdb)

«سيرات»... رحلة إنسانية معقدة

في المقابل، يقدم فيلم «سيرات» تجربة سينمائية مختلفة تنتمي إلى السينما الأوروبية ذات الطابع التأملي، وهو فيلم من إخراج المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس المعروف بأسلوبه البصري الهادئ، واعتماده على الطبيعة بوصفها عنصراً أساسياً في بناء الصورة السينمائية.

وتدور أحداثه حول أب يُدعى لويس، يؤدي دوره الممثل الإسباني سيرجي لوبيز، ينطلق في رحلة عبر صحراء جنوب المغرب بحثاً عن ابنته التي اختفت خلال حفلة موسيقية في منطقة صحراوية نائية، ويرافقه في الرحلة ابنه الصغير، لتتحول هذه المغامرة تدريجياً إلى حالة إنسانية تتجاوز مجرد البحث عن شخص مفقود. وخلال الطريق، يلتقي الأب بمجموعة من الشباب الرحّل الذين يتنقلون بين حفلات موسيقى إلكترونية تُقام في الصحراء، حيث تختلط الأسئلة العائلية بالبحث عن المعنى والهوية، في عمل يعتمد على الإيقاع البصري وبناء الأجواء أكثر من اعتماده على التسلسل المباشر للأحداث.

ولفت الفيلم الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث شارك في المسابقة الرسمية، وتمكن من الفوز بجائزة لجنة التحكيم، وهي إحدى الجوائز الرئيسة في المهرجان، كما اختير «سيرات» لتمثيل إسبانيا في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار، ليكون أحد الأفلام الأوروبية المنافسة في هذه الفئة خلال الدورة الحالية من الجائزة.

«شباب البومب3»... الكوميديا السعودية

وبينما تحضر أفلام موسم الجوائز في موسم العيد، لا يغيب الإنتاج المحلي عن صالات السينما، إذ ينضم إليها الفيلم الكوميدي «شباب البومب3»، الذي يبدأ عرضه أيضاً في 19 مارس، وهو امتداد لسلسلة الأفلام المقتبسة من المسلسل التلفزيوني الشهير «شباب البومب» الذي حقق شعبية واسعة في السعودية على مدى سنوات، واستطاعت السلسلة أن تنقل هذا النجاح إلى السينما، حيث حقق الجزآن السابقان حضوراً قوياً في شباك التذاكر المحلي.

يقود بطولة الفيلم الممثل السعودي فيصل العيسى إلى جانب محمد الحربي وعبد العزيز الفريحي وسلمان المقيطيب، في عمل يواصل تقديم مغامرات مجموعة من الأصدقاء التي اعتاد الجمهور على متابعتها في المسلسل الرمضاني. كما تدور أحداث الجزء الجديد حول عامر (فيصل العيسى) الذي يخطط لقضاء عطلة صيفية مع أصدقائه، غير أن خطته تصطدم بإصرار عائلته على مرافقته في الرحلة.

أفلام عالمية منتظرة

وإلى جانب أفلام موسم الجوائز، تشهد صالات السينما في موسم العيد عروضاً لأفلام عالمية أخرى بدأت بالفعل رحلتها في دور العرض الدولية خلال الأسابيع الماضية. من بينها فيلم الرعب «الغرباء: الفصل الثالث» The Strangers: Chapter 3، وهو أحدث أجزاء سلسلة الرعب الشهيرة التي تعود جذورها إلى فيلم The Strangers الصادر عام 2008. ويأتي الفيلم من إخراج ريني هارلن ويضم في بطولته مادلين بيتش وغابرييل باسو وإيما هورفاث، ويتابع قصة الناجية الوحيدة من هجمات الغرباء المقنّعين، والتي تجد نفسها مجدداً في مواجهة قاتليها أثناء محاولتها الهروب من المدينة.

كما ينضم إلى العروض فيلم «ذا برايد» The Bride!، وهو عمل درامي ذو طابع قوطي مستلهم من أسطورة فرانكنشتاين، ومن إخراج وكتابة ماغي جيلنهال ويضم طاقماً لافتاً من النجوم يتقدمه كريستيان بيل وجيسي باكلي، في حين تدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي حول امرأة تُعاد إلى الحياة لتصبح «عروس الوحش»، في إعادة تخيّل معاصرة لفيلم Bride of Frankenstein الكلاسيكي.

موسم سينمائي ساخن

ويمكن القول إن موسم أفلام العيد في السعودية هذا العام يحمل قدراً كبيراً من التنوع والإثارة، إذ يجمع بين أعمال قادمة من قلب موسم الجوائز العالمية، وأخرى تنتمي إلى السينما السعودية الجماهيرية. وبين فيلم أميركي يتتبع صعود لاعب رياضي في عالم تنافسي، وفيلم أوروبي يقدم رحلة إنسانية في الصحراء، وفيلم سعودي كوميدي يعتمد على نجومية مسلسل تلفزيوني ناجح، يجد الجمهور نفسه أمام خيارات سينمائية متعددة في موسم واحد.

ومع استمرار توسع سوق السينما في المملكة، وازدياد عدد دور العرض، يبدو أن هذا التنوع سيصبح سمة أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة، حيث تتقاطع الإنتاجات المحلية مع الأفلام العالمية في برامج العرض، لتمنح الجمهور فرصة متابعة أحدث التجارب السينمائية في وقت واحد.