الرئيس الفرنسي عرضة للانتقادات... وترقب تمديد الحظر

مخاوف من السيناريو الإيطالي والإسباني مع ارتفاع أعداد الضحايا

أطباء يسارعون لنقل مريض بـ«كوفيد - 19» من مستشفى مولوز شرق فرنسا أمس (أ.ب)
أطباء يسارعون لنقل مريض بـ«كوفيد - 19» من مستشفى مولوز شرق فرنسا أمس (أ.ب)
TT

الرئيس الفرنسي عرضة للانتقادات... وترقب تمديد الحظر

أطباء يسارعون لنقل مريض بـ«كوفيد - 19» من مستشفى مولوز شرق فرنسا أمس (أ.ب)
أطباء يسارعون لنقل مريض بـ«كوفيد - 19» من مستشفى مولوز شرق فرنسا أمس (أ.ب)

مع استمرار ارتفاع أعداد ضحايا وباء «كوفيد – 19»، تداعت «الوحدة الوطنية» التي دعا إليها الرئيس إيمانويل ماكرون وعادت التناحرات السياسية إلى واجهة الأحداث مع تكاثر الانتقادات الموجهة لأداء السلطات ولإدارتها هذا الملف المتفجر.
وانصبّت الانتقادات على الرئاسة والحكومة من اليمين واليسار، كما بيّن آخر استطلاع للرأي أجري لصالح إذاعة «أوروبا رقم واحد» ومجموعة «أورانج»، أن 43 في المائة فقط من الفرنسيين يؤيدون طريقة معالجة الحكومة لأزمة «كورونا»، في حين يتخوّف 80 في المائة من الأيام المقبلة. وفي الساعات الماضية، ارتفعت الأصوات. فالحزب الاشتراكي، على لسان أمينه العام أوليفيه فور، يأخذ على ماكرون والحكومة «غياب الوضوح»، و«انعدام الحزم» في المعالجة وحتى في فرض الحظر الذي بدأ العمل به منذ الثلاثاء الماضي. وجاء في رسالة وجّهها إلى رئيس الجمهورية دعوته للانتقال إلى ««اقتصاد الحرب»، ومصادرة الصناعات كافة القادرة على توفير الكمامات وأجهزة التنفس الصناعي، وسوائل التطهير والتعقيم والاختبارات الضرورية للكشف المبكر عن الإصابة بالوباء. ودعا فور إلى مكافأة الأشخاص الذين «يقفون في المواقع الأمامية» لمحاربة الوباء كالعاملين في قطاع الصحة بالطبع، لكن أيضاً كل من يساهم في استمرار الدورة الحياتية والاقتصادية كالمزارعين والعاملين في المتاجر الغذائية وقطاع النقل... ودعا أمين عام الحزب الاشتراكي السلطات إلى إجراء اختبارات الإصابة بالوباء على نطاق واسع، وهو ما ليس متاحاً في الوقت الحاضر.
واقتصادياً، يرى فور ضرورة التزام الحكومة بالقيام بحملة واسعة لمنع إفلاس الشركات عن طريق الدعم المالي والضرائبي، مع التأكيد على ضرورة أن تلزم الحكومة الوضوح والشفافية في قراراتها، التي يرى فور أنها إما غير مفهومة أو متناقضة، أو حتى بعيدة عن الواقع.
وعلى يسار الحزب الاشتراكي، يدعو حزب «فرنسا المتمردة»، الذي يقوده المرشح الرئاسي السابق والنائب جان لوك ميلونشون الى إنشاء «لجنة برلمانية للمتابعة الدائمة» لعمل الحكومة. ولا يكتفي الحزب المذكور بتوجيه الانتقادات، بل قدم ورقة تتضمن 11 مقترحاً مستعجلاً يركز على الجوانب الاقتصادية والمالية لمواجهة الأزمة أبرزها تخصيص 10 مليارات يورو بشكل عاجل للقطاع الصحي ومداواة التبعات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة من الإجراءات التي تسبب بها الفيروس، مثل التسريح وغلق المؤسسات والبطالة الجزئية.
لم يكن اليمين الفرنسي أكثر رأفة في تقييمه أداء الحكومة. ففي بيان صادر عن نواب حزب «الجمهوريون» اليميني الكلاسيكي، دعا هؤلاء إلى وضع حد لـ«الضبابية» التي تغلف الإجراءات الحكومية، مهدداً بفتح الملفات كافة بعد انتهاء الأزمة. وشدد «الجمهوريون» على ضرورة الوضوح في التعاطي مع المؤسسات والشركات التي يتعين على الحكومة أن تحدد بوضوح تلك لا يمكن الاستغناء عنها لاستمرار الدورة الاقتصادية وكيفية مساعدة الشركات الأخرى التي ستتوقف «أو توقفت» عن العمل. ومن جانبه، طالب اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية لإيضاح الحقائق وللنظر في كيفية أداء الحكومة التي يرى أنها «مقصرة» في معالجة الأزمة ومغرقة في «التناقضات».
في هذا الوقت، تتأهب السلطات لإعلان تمديد العمل بنظام الحظر الذي فرض يوم الثلاثاء الماضي لأسبوعين. وينتظر أن تعمد الحكومة إلى إدخال عدد من التعديلات عليه لجعله أكثر تشدداً، بعد الملاحظات التي صدرت أول من أمس عن مجلس الدولة. وينتظر الرئيس إيمانويل ماكرون توصية «اللجنة العلمية» المشكلة من عشرة اختصاصيين، والتي تقدم المشورة للسلطات للإعلان عن قرار التمديد الذي يبدو أن ثمة إجماعاً حوله، بالنظر إلى أن موجة وباء «كوفيد – 19» ما زالت في بداياتها، مثلما قال ماكرون أول من أمس. إلا أن الجسم الطبي هو الأكثر إلحاحاً في طلب التمديد.
وثمة مؤشر آخر على مخاوف السلطات من استطالة الأزمة، دل عليه قول وزير التربية جان ميشال بلانكير، إن «السيناريو الأفضل» بالنسبة لاستعادة الدروس في المدارس والجامعات هو أن تتم في الرابع من مايو (أيار) المقبل.
ويترافق ذلك كله مع تزايد ارتفاع ضحايا الفيروس، يوماً بعد يوم. فما بين مساء السبت وصباح الاثنين، قضى الوباء على 112 شخصاً في المستشفيات. ولا يستبعد أن تكون ضحايا أخرى قد وقعت خارجها، خصوصاً في دور المسنين؛ ما يجعل الرقم الإجمالي في فرنسا يصل إلى 674 ضحية. أما الإصابات فقد وصلت إلى 7240 شخصاً، بينهم 1746 في العناية الفائقة. ورغم أن هذه الأرقام بعيدة جداً عما هو الحال في البلدين الجارين لفرنسا وهما إيطاليا وإسبانيا، فإن السلطات الفرنسية تتخوف من أن تكون البلاد سائرة على دربهما. وقال مدير عام وزارة الصحة جيروم سالومون، أمس، إن «الوضع مستمر في التدهور للأيام المقبلة قبل أن تبدأ بالظهور منافع الحظر المشدد وتراجع الوباء». من هنا، التشدد في الحظر والرغبة في فرض مزيد من القيود على الخروج من المنازل. ومنذ أن تبنى البرلمان ليل الأحد - الاثنين مشروع قرار فرض «حالة الطوارئ الصحية»، فإن الحكومة أخذت تمتلك القاعدة القانونية التي ستمكنها، لشهرين قابلين للتمديد، من التصرف وفق ما ترى فيه من مصلحة عامة لمحاربة الوباء. ويخولها القانون الجديد سلطات واسعة إضافة إلى الحظر وشروطه ومدته، مثل مصادرة ما ترتئي أنه «أساسي وضروري» للتغلب على «كوفيد – 19»، كالأدوية والكمامات والسيارات والفنادق. كما يُمكّنها من اتخاذ الإجراءات الضرورية على الصعيد الاقتصادي.
وعمدت السلطات إلى تغليظ العقوبات على المخالفين لتدابير الحظر. فالغرامة المفروضة على المخالف تصل، المرة الأولى، إلى 135 يورو. إلا أنها في حال التكرار خلال 15 يوماً، فإنها ترتفع إلى 1500 يورو وقد تصل إلى 3700 يورو مع السجن لستة أشهر إذا تكررت أربع مرات في ثلاثين يوماً. ورغم ذلك، يؤخذ على الحكومة أنها لم تعمد إلى إغلاق الأسواق المفتوحة التي يتدفق إليها المواطنون بكثافة، حيث لا تحترم فيها الحدود الدنيا المطلوبة للوقاية.
وحتى اليوم، لم تجد السلطات حلاً لنقص الكمامات والقفازات الطبية، في حين وصل عدد الأطباء المتوفين بسبب إصابتهم بـ«كورونا» إلى ثلاثة. كذلك، ضرب الوباء العشرات من الممرضات وثلاثة وزراء، ونحو عشرين نائباً وعضواً من مجلس الشيوخ. وأعلنت وزارة الصحة، أنها قدمت طلبات للحصول على 250 مليون كمامة، في حين المخزون المتوافر لديها لا يزيد على 86 مليوناً، وهي تحتاج إلى 24 مليون كمامة أسبوعياً. وتتصاعد الطلبات من العديد للحصول على وسائل الحماية الضرورية لممارسة مهامها، بينما السلطات تركز على توفيرها للعاملين في الحقل الصحي والذين على تماس مباشر مع المرضى. ورغم طلب الرئيس ماكرون من الجيش إنشاء مستشفى شرق فرنسا مجهزة بآلات التنفس الصناعي. فإن المخاوف تكمن اليوم في ألا تتمكن المستشفيات في باريس ومحيطها من استيعاب الأعداد الكبيرة من المرضى المتوقع تدفقهم عليها في الأيام المقبلة؛ إذ إن هذه المنطقة أصبحت، بعد شرق البلاد، البؤرة الثانية لانتشار الفيروس.
إزاء هذا الوضع المتفاقم، عمد ماكرون إلى إجراء اجتماع عن بعد مع مسؤولي الديانات في فرنسا للبحث معهم في التدابير المطلوبة مع اقتراب الأعياد المسيحية والإسلامية واليهودية الشهر المقبل. وأبلغ الرئيس الفرنسي مسؤولي الأديان، وفق ما نقل عنه هؤلاء، أن الأعياد القادمة «لا يمكن أن تجرى كالعادة»، بل يجب أن تحصل دون تجمعات. ونقل عن أوساط الإليزيه، أن ماكرون طلب منهم «التحضر للاحتفال بالأعياد الكبرى بشكل مختلف»، كما أنه طمأن محاوريه إلى أن فرنسا لن تعمد إلى حرق جماعي للجثث كما يحصل في إيطاليا. وتنص تعليمات وزارة الداخلية الحالية على أن عدد الأشخاص المسموح لهم بالتواجد أثناء دفن المتوفى يجب ألا يزيد على عشرة أشخاص.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».