صائب عريقات.. «ذاكرة المفاوضات»

من طالب وناشط سياسي إلى أستاذ جامعي فصحافي ثم كبير المفاوضين لـ 20 عاما

صائب عريقات.. «ذاكرة المفاوضات»
TT

صائب عريقات.. «ذاكرة المفاوضات»

صائب عريقات.. «ذاكرة المفاوضات»

بعد أكثر من 20 عاما من قيادة المفاوضات مع الاسرائيليين وصل الدكتور صائب عريقات الى قناعات محددة لا يبدو انه يريد ان يجاهر بها الآن، لكن الرجل الأكثر خبرة من بين الفلسطينيين والعرب وربما الغرب في مفاوضة الاسرائيليين في العقدين الأخيرين قال لـ»الشرق الأوسط» انه لم يعد يحتمل ان يستمر اخلاقيا في ظل الجرائم الاسرائيلية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني».
لم يقل عريقات صراحة انه سيغادر موقعه نهائيا، لكنه المح الى رحيله عن المشهد، بقوله انه مصر على استقالته الأخيرة التي قدمها قبل شهور للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وانه يعكف حاليا على وضع كتاب يوثق مسيرة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، ما لها وما عليها للأجيال القادمة. وزاد على ذلك بتقديم وصيه للشعب الفلسطيني بعدم مقايضة الحق بحق.
وبغض النظر، غادر او بقي عريقات فانه سيظل «شيطان» المفاوضات كما كان يحلو للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ان يلقبه ممازحا، في اشارة الى قدرته على المناورة، و «ذاكرة المفاوضات» كما يحلو للرئيس الفلسطيني الحالي انه يناديه.
عريقات احد القادة الفلسطينيين القلائل الذين يعملون في مجال تخصصهم وعن جدارة، فقد درس الرجل عن المفاوضات والسلام وحل النزاعات، وقدم رسائل متعددة في هذا المجال في دراسته العليا. يتحدث عريقات بلغة علمية بحته، يعرف ما له وما عليه، بما في ذلك انه كمفاوض لا يصنع القرارات، كما أبلغنا ذات مرة، وانه لا يجب لأي مفاوض ان يصنعها أصلا.
له مريدون يروون فيه ثابتا على الحق ولم يقدم تنازلات، وله منتقدون كثر يروون فيه مفرطا او حتى متنازلا، أما هو فيرى انه «ما دامت الصراعات حتمية فإن المفاوضات حتمية» ويعتقد انه عندما «لا تتقن الأمم الحديث بلغة المصالح فإنها عادة ما تتأثر بالأحداث دون القدرة في التأثير عليها».
فمن هو عريقات.. ولد صائب محمد صالح عريقات في 28 أبريل (نيسان) 1955 في مدينة أريحا في الضفة الغربية، ولا زال يعيش في نفس المنزل، وهو السادس من بين سبعة أطفال.
تنحدر عائلته من قرية أبو ديس، أحدى ضواحي مدينة القدس وكان والده لفترة طويلة مقيم في الولايات المتحدة كرجل أعمال. تلقى تعليمه الأساسي في مدينة أريحا، ثم حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة سان فرانسيسكو الأميركية، ثم ماجستير في العلاقات الدولية 1979.
عمل بعدها مباشرة محاضرا في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، كبرى جامعات الضفة، قبل ان يحصل على شهادة الدكتوراه في حل النزاعات من جامعة برادفورد في المملكة المتحدة عام 1983، وكانت أطروحته للدكتوراه عن دور «أوبك» في الصراع العربي الإسرائيلي.
قال بعد دراسته أنه أصبح على قناعة أنه لا يوجد حل عسكري للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وانما عن طريق المفاوضات. كتب مئات المقالات السياسية في صحيفة القدس، كبرى الصحف الفلسطينية، لحوالي 12 عاما، وعمل في هيئة تحريرها من 1982 حتى 1994.
اثار جدلا كبيرا عام 1982 عندما دعا إلى الحوار بين الأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين، ودعا طلاب اسرائيليين الى زيارة جامعة النجاح، وهاجمه طلاب الجامعة ووصفوا الأمر بالخياني.
انضم الى الوفد الفلسطيني الذي كان منضويا تحت مظلة الوفد الأردني لعملية السلام عام 1991، وأثار غضب الاسرائيليين والأميركيين، عندما تعمد ارتداء الكوفية الفلسطينية اثناء الجلسة الافتتاحية لمؤتمر السلام، وكانت الكوفية تمثل رمزا للهوية الوطنية الفلسطينية. ويتذكر عريقات انه نظر في عيني رئيس الوزراء الاسرائيلي المتطرف انذاك اسحق شامير، قائلا «لا يمكنك أن تنكر وجودي بعد الآن.. أنا هنا» اعتقل عام 1986 من قبل اسرائيل بتهمة «التحريض» واعتقل مرات بداية الانتفاضة الأولى عام 1988.
كان أول سياسي فلسطيني ينتقد تدخل الولايات المتحدة في الأزمة العراقية الكويتية في أغسطس (اب) 1990، من خلال مقارن التصرف الاميركي، مع اسرائيل، متسائلا عن السرعة التي تصرف الأميركيين إلى إنهاء احتلال الكويت، فيما كان الفلسطينيون يدخلون عامهم 23 في ظل الاحتلال. عينه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وزيرا للحكم المحلي في أول حكومة للسلطة الفلسطينية في عام 1994. ثم عين مسؤولا للمفاوضات عن المرحلة الانتقالية من محادثات السلام في عام 1995. ونجح عن دائرة اريحا في أول انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني جرت عام 1996، وأصبح عضوا في المجلس التشريعي
احتفظ بحقيبة الحكم المحلي حتى أبريل 2003 عندما عين وزيرا لشؤون المفاوضات، قبل ان يستقيل في16 مايو 2003 من منصبه في الحكومة ومن منصبه كرئيس لدائرة المفاوضات المؤقتة في منظمة التحرير، لكن عرفات رفض استقالته وابقاه في منصبه مسؤولا لدائرة شؤون المفاوضات.
اختلف مع عرفات مرارا حول قضايا سياسية لكنه حافظ على ولائه له. وتم تعيينه مجددا وزيرا للمفاوضات في مجلس الوزراء الطاريء لحكومة أحمد قريع في 2003. واحتفظ بمقعده في المجلس التشريعي في الانتخابات البرلمانية في 2006 التي اكتسحتها حماس، ولم تستطع الحركة منافسته في أريحا التي يعطيها جزءا من وقته ويمد يده لاهلها على الدوام. واصل عمله كمفاوض في حقبة الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس تحت رئاسة أحمد قريع، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قبل ان يعينه عباس رئيسا للوفد الفلسطيني في 2009.
في نفس العام 2009 انتخب عضوا في اللجنة المركزية في حركة فتح، وهي أعلى هيئة قيادية في الحركة. ثم اختير بالتوافق في نهاية 2009 عضوا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهي أعلى هيئة قيادية مسؤولة عن الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية.
تعرض لهجمة غير مسبوقة عام 2011 عبر سلسلة تقارير بثتها قناة الجزيرة الفضائية، نشرت فيها وثائق قالت انها تثبت تنازلات الوفد الفلسطيني في قضيتي القدس واللاجئين، وواجه عريقات الوثائق بقوله ان فيها تحريفا كبيرا وليست وثائق رسمية. وأقر فيما بعد انه يتحمل كامل المسؤولية عن تسريب الوثائق، لكن ليس لديه ما يخفيه في المفاوضات. ولم يتخلى عنه عباس وقدم له الدعم في وجه الحرب الاعلامية.
قدم استقالته في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي الى الرئيس الفلسطيني في خضم مفاوضات يفترض لن تستمر حتى ابريل (نيسان) المقبل. قال عريقات انه مصمم على استقالته لأنه لم يعد يستطيع المواصلة اخلاقيا، ورفض عريقات الاصرار عليه بمواصلة دوره في المفاوضات، قائلا ان «الشعب مليء بالكفاءات ولا يوجد في هذا العالم من لا يمكن الاستغناء عنه؛ ديغول عندما أراد الاستقالة، احتجوا عليه.. قالوا له: كيف تستقيل؟! ذهب إلى نافذة مكتبه وقال للحضور: انظروا.. كانت هناك مقبرة. وأضاف «هنا دفن ناس كثيرون كنا نعتقد أنه لا يمكن الاستغناء عنهم.. لا يوجد على الأرض من لا يمكن الاستغناء عنه، والشعب الفلسطيني شعب كفاءات، وهناك من هو أفضل مني».
وأضاف في تصريحاته لـ»الشرق الأوسط» ان استقالته قائمة، «وأرجو قبولها، وأنا صاحب هذا الشأن، ولا أريد أن أقول أكثر من ذلك. المسألة ليست بالشخصنة، أنا لم أولد إلا جنديا فلسطينيا، وكل ما أقوم به لا يرقى إلى أظفار شهيد، وويل لأمة يصبح الفرد من قادتها يشعر بأنه أهم من قضيته، أنا جندي والحياة مستمرة والشعب الفلسطيني كله كفاءات تستطيع النهوض بهذه المسألة أكثر مني».
عريقات متزوج ولديه 4 أطفال ، سلام و دلال ( بناته التوأم)، وعلي ومحمد، ويكنى أبو علي.
احتفل هذا الاسبوع باصدار كتابه الجديد «بين علي وروجر»، ويجري الكتاب دراسة مقارنة بين عناصر التفاوض السبع التي حددها عالم المفاوضات الاميركي روجر فيشر، وعناصر التفاوض الاثنا عشر عند سيدنا علي بن ابي طالب، اي دراسة مقارنة بين السلوك التفاوضي الغربي والسلوك التفاوضي العربي – الاسلامي.
ويعد الكتاب نتاج 9 سنوات من العمل والجهد الفكري، ولا يحتوي كلمة واحدة عن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وانما هو دراسة مقارنة بين المدرسة الغربية، والمدرسة العربية الإسلامية في علم التفاوض، ويتناول بشكل علمي الأسلوب التفاوضي في عصر سيدنا علي بن أبي طالب، الذي أعتبره العصر الأصعب في تاريخنا الإسلامي.
وقال عريقات عن كتابه، «يُعد بداية متواضعة لطرق باب كبير، وفاتحة لتعريف أبنائنا بتراثنا وتاريخنا، فالأمم تنهض بفكرة وتنهار بفكرة، وان مصير الأمم لا يتحدد بالمواقف المريحة وانما بالمواقف الصحيحة». يقول عريقات في مقدمة الكتاب «لعشر سنوات واكثر قرأت كل يوم ، جالست الفارابي ، وبن المقفع وابا حامد الغزالي والشريف الرضي والطبري والبخاري وكنت اسألهم في مختلف جلساتنا بعد منتصف الليل وفي ساعات الفجر في مدينة اريحا في ايام شتائها الدافئة وايام صيفها الحارة ، لو كنتم مكاني فكيف ستعدون انفسكم لمفاوضات اسرائيل واميركا او هذه الدولة او تلك في اروروبا وغيرها؟ كيف ستتعاملون مع واقع علاقات دول العرب في واشنطن ؟».
ويضيف، «كنت استحضر نيقولا ميكافيلي، وتوماس هوبز، وجان بودان، ومونتيسيكو، وفولتير، واطرح عليهم ذات الاسئلة، ولم تكن اجاباتهم مختلفة عن المفكرين العرب والمسلمين فالضعف ظاهرة يسهل تشخيصها وعندما لا تتقن الامم الحديث بلغة المصالح فانها عادة ما تتأثر بالاحداث دون القدرة في التأثير عليها».
له اصدارت أخرى من الكتب، مجموعها 8، أهمها «الحياة مفاوضات» الذي صدر في 2008، ويعد مقدمة لعلم المفاوضات ويخصص للمفاوضات كعلم بذاته واستغرق مدة ثلاث سنوات لكتابته. وقال عريقات عن كتابه انه «مخصص لتبيان العوامل المشتركة للسلوك التفاوضي الإنساني وكيفية تفادي حدوث صراع، ومحاولة الحد منه، وكيف نعد للمفاوضات ومن أي المتطلبات نبدأ، وكيف نتصرف أثناء المفاوضات وخلالها وبعدها، وأن المفاوضات حاجة وليست ضرورة فقط».
له عشرات الدراسات السياسية والقانونية المهمة التي وضعت تصورات لمفاصل مهمة من حياة الفلسطينيين وخلال المفاوضات. أقر انه له اخطاء خلال فترة التفاوض الطويلة، أهمها «عندما حصلنا على مكانة لدولة فلسطين كدولة غير عضو عام 2012 ولم نذهب مباشرة للمؤسسات الدولية لطلب عضوية هذه المؤسسات».
تحدث عريقات عن نفسه أكثر من مرة بعيدا عن السياسة التي تملأ حياته. قال انه يصلي الفجر ويقرأ القرآن يوميا ويمارس الرياضة بشكل منتظم. احد أحب الاوقات الى قلبه عندما يستطيع الافطار في رمضان مع العائلة وبناته واحفاده الذي يصفهم بأغلى ما في الحياة. كان مدخنا شرها ثم ترك التدخين عام 1969 وراح يدخن النرجيلة ثم تركها بعد اصابته بجلطات متتالية. يحب ان يستمع لأم كلثوم، وخصوصا «رق الحبيب» كما يعشق اغاني المطربة الراحلة ويتني هيستون. يقرأ لعدة ساعات كل يوم ويكتب، وينكب الان على تأليف كتاب جديد يرصد فيه تجربة المفاوضات مع الاسرائيليين من الألف الى الياء.



براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
TT

براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)

في ظل ظروف إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها أزمات دول القرن الأفريقي مع صراع على موانئ البحر الأحمر ومياه نهر النيل، تبرز أوغندا، الدولة الحبيسة الواقعة في شرق أفريقيا، بوصفها لاعباً دبلوماسياً، متغلغلاً في عمق النزاعات الأفريقية ببراغماتية سياسية تؤطّر أسلوب الرئيس يوويري موسيفيني، كزعيم مخضرم أمضى قرابة أربعة عقود في السلطة.

تلعب أوغندا أدواراً حسّاسة في ملفّات إقليمية عدّة، وتبرز كمحرّك أساسيّ لملف مياه النيل بصفتها «دولة منبع»، ترفض الاعتراف بالاتفاقيات القديمة باعتبارها «اتفاقيات استعمارية».

ثم إنها تطلّ كلاعب محوَري في أزمات دول القرن الأفريقي عبر تاريخ طويل من التدخّلات الإقليمية في شؤون دول الجوار، وتؤطّر عقدة «الدولة الحبيسة» سياساتها الخارجية. وهذا الواقع يجعل العاصمة الأوغندية، كمبالا، تتحرّك على تخوم ملفات شديدة الحساسية؛ من نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، إلى مستقبل اتفاقيات النيل، وخطط إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء بربرة في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي.

حالة اسمها موسيفيني

منذ وصول يويري موسيفيني إلى الحكم في أوغندا عام 1986 إثر تحرك عسكري أطاح بسلفه الجنرال تيتو أوكيلو، قدّم الرجل «نموذجاً براغماتياً» للحكم يقوم على أولوية الأمن والنمو لتحقيق مصالح بلاده الاقتصادية والاستراتيجية.

أيمن شبانة، الأستاذ في معهد الدراسات الأفريقية بالقاهرة، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن هذا «النموذج» لم ينحصر في الداخل الأوغندي، بل تمدّد إقليمياً من خلال سياسة تدخلية نشطة في دول الجوار، حيث حاول موسيفيني إبراز دوره ودور بلاده كمحرك وحكيم ولاعب مؤثر في الإقليم.

وأردف شبانة أن «أوغندا مارست منذ أواخر الثمانينات سياسة تدخل مباشر وغير مباشر في دول الجوار، بحجة حماية أمنها القومي ومنع نقل الصراعات إلى داخلها». وأشار في هذا الصدد إلى «دعم كمبالا للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق ثم سلفا كير، وكذلك دعمها للجبهة الوطنية الرواندية عام 1994... في محطات مفصلية ساهمت بإعادة تشكيل الإقليم».

وفق شبانة، لم تتوقف تدخلات أوغندا عند السودان ورواندا. ففي أواخر التسعينات، «لعب موسيفيني دوراً محورياً في الإطاحة برئيس الكونغو الديمقراطية موبوتو سيسي سيكو، بضوء أخضر أميركي، لصالح لوران كابيلا. لكن التحالف لم يدم طويلاً. فمع ميل كابيلا لاحقاً نحو الصين والكتلة الشرقية، انقلبت كمبالا عليه، ودخلت في صراع مفتوح داخل الكونغو الديمقراطية».

وحقاً، اتهمت تقارير أممية أوغندا بدعم المتمردين في الكونغو الديمقراطية، ما عزز الصراع داخل البلاد. لكن رغم ذلك، حافظ موسيفيني على علاقاته الدولية، مبرّراً تدخلاته في شؤون دول الجوار بالرغبة في «تأمين بلاده»، وعززت تدخلاته سعيه لتقديم كمبالا «حليفاً أمنياً» للغرب في شرق أفريقيا.

سد النهضة في إثيوبيا (آ ب)

«اتفاقية عنتيبي» ... ومياه النيل

في ملف مياه النيل، تتبنى أوغندا موقفاً صلباً يستند إلى رفض اتفاقيتي 1929 و1959 لتوزيع حصص مياه النهر، إذ تعتبرهما اتفاقيتين «استعماريتين» لم تكن دول المنابع طرفاً فيها. ويوضح شبانة هنا أن «هذا الموقف يستند إلى ما يُعرف بمبدأ نيريري – جوليوس نيريري الرئيس التنزاني الأسبق – القائم على رفض الاعتراف بأي التزامات موروثة عن الاستعمار».

هذا الموقف برز مع استضافة كمبالا توقيع «اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل» المعروفة باسم «اتفاقية عنتيبي»، يوم 14 مايو (أيار) 2010، بعد اجتماع ضم 6 دول، هي إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا وبوروندي. ومن ثم، دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في خطوة اعتبرتها مصر والسودان «تهديداً مباشراً لأمنهما المائي».

مع هذا، لم يؤثر ذلك بشكل كبير على علاقات أوغندا مع مصر، ولا سيما أن كمبالا «لا تتبنّى خطاباً تصعيدياً ضد القاهرة... وإن حافظت على التنسيق مع دول المنبع لتكوين كتلة تفاوضية ضاغطة»، بحسب شبانة، الذي يصف موقف كمبالا بـ«الحياد» في ملف «سد النهضة» الإثيوبي.

بدورها، ترى هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية (GIGA)، في ما يتعلق بحوض النيل، «أن دور أوغندا ومصالحها واضحان نسبياً. فهي تُعد من دول المنبع لنهر النيل، ولديها مصلحة مباشرة في الحفاظ على استقلالية قرارها في كيفية استخدام المياه، ولا سيما اعتمادها الكبير على الطاقة الكهرومائية». وتشير الباحثة المتخصصة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أحد خطوط التصدّع التاريخية في أي نقاش يتعلق باستخدام مياه النيل هو الخلاف بين دول المنبع ودول المصبّ، فحين وقّعت أوغندا، مثلاً، على اتفاقية الإطار التعاوني لتكريس مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه بين دول الحوض، تبدي كل من مصر والسودان مخاوف عميقة بشأن أمنهما المائي، خاصة مع إدارة دول المنبع لاستخدامات المياه بشكل مستقل». وتضيف: «هذا السياق يفسّر موقف أوغندا من سد النهضة الإثيوبي. فبوجه عام، اتسم موقف كمبالا بالحياد المائل إلى الدعم تجاه السد... حيث تتقاطع مصالح أوغندا مع إثيوبيا، بوصفهما دولتين من دول المنبع، في رفض أن تحدد دول المصب، ولا سيما مصر، كيفية استخدام مياه النيل».

وتوضح هاجر علي أنه «غالباً ما يُفسَّر غياب التأييد الصريح من جانب أوغندا على أنه ضوء أخضر أو دعم ضمني لنهج إثيوبيا الأحادي في بناء وتشغيل سد النهضة». وحقاً، تشترك أوغندا مع إثيوبيا في الرغبة في «الاستخدام المنصف» للمياه وتوليد الطاقة الكهرومائية. إذ لدى كمبالا مشاريع طموحة لبناء سدود على النيل الأبيض، وهي تدعم دول المنبع بإقامة مشاريع دون إخطار مسبق لدول المصب. لكنها في الوقت نفسه تحاول لعب دور «الوسيط العاقل» لتقريب وجهات النظر بين القاهرة وأديس أبابا، مستفيدة من علاقة موسيفيني القوية بالطرفين. وفي مؤتمر صحافي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأوغندي في القاهرة العام الماضي، قال موسيفيني إن إشكالية أزمة السد الإثيوبي ترتبط «بنهج التعامل مع الأزمة... مصر تستند في مطالبها إلى حقوق تاريخية نصَّت عليها اتفاقات جرى توقيعها في فترات استعمارية، والطرف الآخر يتكلّم عن حقوقه في التنمية»، لافتاً إلى «إمكانية البحث عن سبل تحقق التوافق والرخاء لجميع الأطراف». ولكن، وفق شبانة، «تبدو تحركات موسيفيني مقلقة بقدر ما هي مغلفة بخطاب هادئ». ويضيف أن كل ما من شأنه تقويض استقرار حوض النيل أو إضعاف الموقف التفاوضي لدول المصب يصب، ولو بشكل غير مباشر، في غير صالح القاهرة. و«الوضع يزداد حساسية في ظل العجز الواضح للجانب السوداني عن لعب دور داعم للموقف المصري، نتيجة الانقسام الداخلي والحرب المستمرة، ما يترك القاهرة شبه منفردة في مواجهة تكتل منسق سياسياً وقانونياً».

اقرأ أيضاً

موسيفيني (آ ف ب)

عقدة «الدولة الحبيسة»

تشترك أوغندا مع إثيوبيا في معضلة «الدولة الحبيسة». إذ تعتمد كمبالا بشكل شبه كامل على مواني كينيا وتنزانيا. وهو اعتماد ترى أوغندا أنه «يخنقها اقتصادياً»، ويضعها في «تبعية جيوسياسية» لدول العبور.

وفي تقرير نشره «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» العام الماضي، قال حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، إن «مظلومية أوغندا في سياق عقدة الدولة الحبيسة أقل عسكرة من إثيوبيا، لكنها لا تقل خطورة من حيث التداعيات». وأردف أن موسيفيني يشعر بإحباط مما يصفه بـ«القبضة الخانقة» لكينيا على التجارة الأوغندية، ما يدفعه للبحث عن ترتيبات وصول بحري أفضل، وربما شبه سيادية.

في هذا الإطار، تبرز مبادرة «ممر ديسو» DESSU (جيبوتي - إثيوبيا - جنوب السودان - أوغندا) كمحاولة لكسر الاحتكار الكيني لمسارات التجارة، وتعزيز التكامل الإقليمي بديلاً للتبعية، وفقاً لعبد الرحمن.

والحقيقة أنه منذ توقيع مذكرة التفاهم بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع زعيم «أرض الصومال» موسى بيهي عبدي، مطلع عام 2024، لم تتوقّف ردود الفعل الإقليمية والدولية. وجلّها غلب عليه رفض الاتفاق، سواء لاعتباره «انتهاكاً للسيادة الصومالية»، أو من زاوية التحذير من تداعياته المحتملة بزيادة منسوب التوتر في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أزمات سياسية وأمنية.

مصر رفضت، وأبرمت في أغسطس (آب) من العام نفسه، اتفاقاً عسكرياً مع الصومال، وأمدتها بمعدات وأسلحة في الشهر الذي يليه. كذلك عزّزت دعمها للصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال دولة مستقلة». ولكن بعكس إثيوبيا، ليس لأوغندا مصلحة مباشرة في ميناء بربرة بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، ولا تعتمد عليه في تجارتها الخارجية. لذلك يظل انخراطها في هذا الملف محدوداً ومنسجماً مع موقف الاتحاد الأفريقي الرافض للاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً، وفق هاجر علي، التي ترى أن إعلان أوغندا، بالتنسيق مع كينيا، نيّتها التوسط بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، إنما «يعكس سعي كمبالا لترسيخ نفسها كوسيط إقليمي داخل إطار (إيغاد)، مع ادعاء قدر من الحياد».

تحدٍ دبلوماسي لأوغندا

يمثل مشروع تأمين منفذ بحري لإثيوبيا في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي تحدياً دبلوماسياً لأوغندا، فإثيوبيا هي الشريك الأمني الأكبر لأوغندا في محاربة «حركة الشباب» في الصومال ضمن بعثات الاتحاد الأفريقي. وهذا يعني أن أي تقوية لإثيوبيا اقتصادياً وعسكرياً ربما يصبّ في مصلحة استقرار الحليف الأوغندي. لكن تأييد طموح أديس أبابا يحمل في طياته اعترافاً بـ«أرض الصومال»، وهذا يناقض موقف كمبالا الداعم لسيادة دولة الصومال. ثم إن كمبالا، بحسب مراقبين، تسعى للحفاظ على ثقلها السياسي في شرق أفريقيا، ولا تريد تغيير موازين القوى بمنح نفوذ أكبر لإثيوبيا.

الصومال من القوة ... إلى الوساطة

من جهة أخرى، شكّلت مشاركة أوغندا العسكرية في بعثات حفظ السلام الأفريقية بالصومال أحد أعمدة نفوذها الإقليمي. لكن الإعلان أخيراً عن سحب القوات الأوغندية، بسبب نقص التمويل وأولوية الأمن الداخلي، يعكس تحوّلاً استراتيجياً. ووفق هاجر علي، وبشأن السؤالين الأخيرين، «يفتح السحب المجال أمام انتشار أكبر للقوات المصرية، خصوصاً في ظل الاتفاقيات الثنائية بين مصر والصومال، وطبعاً في إطار (أوسوم) AUSSOM، وهو ما لا تنظر إليه إثيوبيا بعين الرضا». وتوضح الخبيرة أن «انسحاب أوغندا يؤدي إلى إزالة المنطقة العازلة بين الوجودين العسكريين المصري والإثيوبي في الصومال من جهة، ومن جهة أخرى قد يمنح كمبالا هامشاً أوسع من الحياد في لعب دور الوسيط بين الطرفين».

براغماتية بلا شعارات

في أي حال، تتحرك أوغندا وفق ما يمكن وصفه بـ«البراغماتية الاستراتيجية»... لا آيديولوجيا حاكمة بقدر ما تحكمها بوصلة المصالح؛ بقاء النظام، واستقراره، وتقليل التكلفة مقابل العائد.

ووفق أيمن شبانة، لا تسعى أوغندا إلى الاصطدام المباشر، لكنها لا تتردد في دعم أو عرقلة مسارات إقليمية إذا هدّدت توازناتها. «موسيفيني ينخرط أحياناً في مسائل تسوية الصراعات، لكن ليس لديه الثقل الذي يمنع أو يمنح أو يؤثر في موازين القوى».وهنا يرى حمدي عبد الرحمن أن «أي إعادة رسم لخرائط النفوذ في القرن الأفريقي، خاصة خارج الأطر التعاونية، ستنعكس بالضرورة على أمن البحر الأحمر. والقدرات العسكرية المتنامية لإثيوبيا وأوغندا، إلى جانب عزلتهما الجغرافية، تفضيان إلى سيناريو متقلب، إذ قد تُشعل الأزمة الإقليمية المقبلة حروباً تخاض صراحةً من أجل الوصول إلى المحيط، ما يُحوّل مشكلة اقتصادية إلى صراع متحرك قد يُدمر استقرار القرن الأفريقي الهشّ». لكن هاجر علي ترى أن «أوغندا تسير نحو ترسيخ موقعها كوسيط وفاعل دبلوماسي في المنطقة، أكثر من كونها لاعب قوة مباشراً... فالتورّط النشط في شؤون القرن الأفريقي لا يبدو مجزياً في ظل مخاوف داخلية تتعلق بالاستقرار، وحاجة النظام إلى توجيه قدراته العسكرية لضمان تماسك الجبهة الداخلية».


محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

عيدي أمين (غيتي)
عيدي أمين (غيتي)
TT

محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

عيدي أمين (غيتي)
عيدي أمين (غيتي)

في شرق القارة الأفريقية بعيداً عن منافذ البحر، تقع دولة أوغندا، التي استطاعت تحقيق قدر من الاستقرار في منطقة تشوبها الاضطرابات، وإن لم تسلم من تأثيرها وانعكاساتها على أوضاعها الداخلية.

إذ شهدت أوغندا منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1962، انقلابات عسكرية عدة، أعقبها حكم عسكري في سبعينات القرن الماضي بقيادة عيدي أمين، ثم حرب استمرَّت 5 سنوات أوصلت الرئيس الحالي يويري موسيفيني إلى السلطة عام 1986.

أيضاً واجهت أوغندا تمرداً طال لنحو 20 سنة في شمال البلاد، أدى لمقتل الآلاف وتشريد الملايين. ويُنسب إلى موسيفيني الفضل في استعادة قدر من الاستقرار والازدهار الاقتصادي بعد سنوات من الاضطرابات، وإن شابت فترة حكمه تدخلات عسكرية في دول الجوار.

وهنا أبرز المحطات التاريخية:

* 1894: بريطانيا تضم مملكة بوغندا والأقاليم المجاورة لتشكيل «محمية أوغندا»؛ بهدف حماية طريق التجارة عبر نهر النيل.

* 1962: وضع دستور فيدرالي يجعل ملك بوغندا، رئيساً للدولة.

* 1963: إعلان أوغندا جمهورية.

ميلتون اوبوتي (غيتي)

* 1962 - 1966: صراع سلطة بين الحكومة المركزية وأكبر الممالك الإقليمية (بوغندا).

* 1967: ميلتون أوبوتي يستولي على السلطة بانقلاب، ويلغي الممالك القبلية في أوغندا.

* 1971 - 1979: الجنرال عيدي أمين يستولي على السلطة ويحكم البلاد.

* 1972: عيدي أمين يطرد عشرات الآلاف من الآسيويين الأوغنديين.

1978 - 1979 - أوغندا تغزو تنزانيا، لكن تنزانيا تتمكَّن من الرد.

* 1980: عودة ميلتون أوبوتي إلى السلطة.

* 1980 - 1986: «حرب الأدغال» الأوغندية بين حكومة أوبوتي وعدد من الجماعات المتمردة، أبرزها «الجيش الوطني للمقاومة»، يُقتَل فيها نحو 500 ألف شخص.

* 1986: زعيم المتمردين يويري موسيفيني يستولي على السلطة، إيذاناً بمرحلة من الاستقرار ويعاد انتخابه أكثر من مرة ليحكم البلاد لأربعة عقود.


إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»
TT

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات إلى أن إسرائيل تخبئ أهدافاً خفيّة من هذه الخطوة، تتمثل في التموضع استراتيجياً وأمنياً في سواحل أرض الصومال والقرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر، مما يتيح لها مواجهة تهديدات جماعة «الحوثي» الموالية لإيران في اليمن داخل أراضيها، ويحقق لها البعد الحيوي الجيوبولتيكي للصومال أطماعاً قديمة تضع الإقليم على أعتاب مرحلة جديدة من صراع القوة والنفوذ.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشكل مفاجئ، اعتراف إسرائيل رسمياً بـ«أرض الصومال» -الكيان الانفصالي غير المعترف به دولياً- دولة مستقلة. وعلى الفور سارعت السلطات الصومالية في العاصمة مقديشو، ومعها كل من المملكة العربية السعودية ومصر والاتحاد الأفريقي والكثير الدول العربية والأفريقية إلى إدانة هذا الاعتراف.

مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ذكر، حينذاك، أن توقيع الاتفاق مع «أرض الصومال» جاء للاعتراف المتبادل. وأردف أن تل أبيب تعتزم توسيع علاقاتها فوراً، من خلال تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة بما يتضمّن فتح سفارات وتعيين سفراء.

وبعد نحو 10 أيام من هذا الاعتراف، زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر «أرض الصومال». وكما هو متوقع، ندّدت جمهورية الصومال بهذه الزيارة، ودعت دول الجوار الأفريقي إلى احترام سيادة الصومال ووحدة أرضيها. وكذلك إلى إعلان وقوفها خلف الدولة والشرعية ودعم «الصومال الموحد» في مواجهة مشروع التقسيم، وما قد يترتب عليه من فوضى تمزّق هذا البلد الأفريقي العربي، وتتعداه لتهدد الأمن والاستقرار في كل دول المنطقة.

حضور إسرائيلي قديم

جدير بالذكر أنه على الرغم من أن لإسرائيل حضوراً قديماً في منطقة «القرن الأفريقي»، وتربطها علاقات دبلوماسية مع كل من دول كينيا وإثيوبيا ومصر وأوغندا وجنوب السودان، ينظر خبراء ومتخصصون في شؤون السياسة الأفريقية والعربية، إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من إسرائيل لتوسيع نطاق نفوذها في «أرض الصومال». وتعد أوساط إقليمية معنية هذا التطوّر أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي محتمل، لا سيما أنه قد يغدو قريباً ورقة ضغط وابتزاز فعالة وخطيرة في مواجهة عديد من الدول العربية والأفريقية في «القرن الأفريقي» ومنطقة الشرق الأوسط.

أهمية استراتيجية لإسرائيل

يشدد الصحافي والباحث السياسي عبد المنعم أبو إدريس، على القول إن هذا الاعتراف يعزّز وجود إسرائيل الدبلوماسي في أفريقيا، وعلى وجه الخصوص في «القرن الأفريقي». ويضيف: «تبرز هنا أهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأرض الصومال، فهي تقع في واجهة ممرّين مهمّين، هما المحيط الهندي والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر عند مدخل مضيق باب المندب».

ويقول إدريس، وهو مؤلف كتاب بعنوان «مدخل إلى القرن الأفريقي... القبيلة والسياسة»، إن لدى إسرائيل اهتماماً قديماً بالمنطقة ومضيق باب المندب تحديداً. ولقد سعت منذ وقت مبكر لاستئجار جزيرة دهلك الإريترية، وتتردّد أيضاً أحاديث عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في الجزيرة.

ويتابع أبو إدريس سرده قائلاً: «الوجود الإسرائيلي راهناً في منطقة أرض الصومال -التي كانت تُعرف في الماضي الاستعماري بـ«الصومال البريطاني»- يقرّبها من اليمن، وتهديدات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران التي تشن هجمات متكرّرة على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر».

ثم يوضح أنه إبّان الحرب على قطاع غزة، أطلقت جماعة الحوثي المدعومة من إيران عشرات الصواريخ والمسّيرات، باتجاه إسرائيل، دعماً لحركة «حماس»، وأعلنت مسؤوليتها عن عدد من الهجمات. ووفقاً لتقديرات أبو إدريس، فإن إسرائيل من خلال حضورها في هذا الموقع الجغرافي المهم، ستستطيع أن تلعب أدواراً مهمة في مساندة أطراف في الإقليم لديها معها علاقات وطيدة، بما يرجّح كفتها.

كل شيء متصل

من جهته، يقول الدكتور عمر حمد الحاوي، أستاذ العلوم السياسية المقيم في فرنسا، إنه «لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولةً مستقلةً، بمعزل عن الحرب التي دارت في قطاع غزة وإيران، وسعيها بقوة للقضاء على حلفاء إيران، خصوصاً ذراعها (حزب الله) وجماعة الحوثيين في اليمن. إذ إنها -أي إسرائيل- ترى فيها بؤراً مهدِّدة لأمنها القومي». وللعلم، لأكثر من ثلاثة عقود امتنع المجتمع الدولي عن الاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً عن مقديشو، لكن تربطها علاقة قوية مع إثيوبيا التي خرجت منها «الحركة الوطنية الصومالية» بقيادة عبد الرحمن طور، أيام نظام الرئيس السابق منغستو هيلا مريام، وهي أول دولة تفتح بعد سنوات قليلة قنصلية هناك.

في لقاء مع «الشرق الأوسط» اتفق الدكتور الحاوي، مع ما ذهب إليه أبو إدريس، بأن الخطوة الإسرائيلية ترتبط باستراتيجية قديمة، كانت تخطط لها بحكم وجودها في منطقة «القرن الأفريقي» منذ بدايات الستينات، وأكد إن إسرائيل «درجت على استغلال الصراعات الداخلية، لتعظيم نفوذها أكثر في دول أفريقيا. ثم أردف: «لقد ظلت أرض الصومال تصارع لفترة طويلة للحصول على الاعتراف بها كياناً مستقلاً. وبالتالي، فإن أي اعتراف مهما كان حجم تأثيره يُعد مكسباً لها، ومقابل ذلك تعاني إسرائيل نفسها من عزلة في المنطقة».

ويستطرد الحاوي: «لذلك سعت للاعتراف باستقلال أرض الصومال، التي يمكِّنها موقعها من الوصول إلى مضايق مائية ذات أهمية استراتيجية، ومدخلاً إلى دول في منطقة الشرق الأوسط بعضها معادٍ لها». وهنا يشير خبراء آخرون إلى أن من أبرز دوافع إسرائيل وراء تقوية علاقتها بدول في القرن الأفريقي، زعمها الشعور «بالخطر والتهديد الأمني المستمر لوجودها»، ولذلك تبحث عن دول تطبّع معها العلاقات.

في هذا الصدد، يوضح الحاوي «هذا البعد الحيوي جداً، والحقيقة أنه يحقّق موقع الصومال الجيوسياسي لإسرائيل أطماعها في إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر، ويدنيها من خريطة الصراع في اليمن وإيران». ثم يقول: «إن أهم نيَّات إسرائيل هي تأسيس قواعد عسكرية في سواحل أرض الصومال... وهي عبر وجودها العسكري والأمني هناك ترى أنها ستستطيع حماية مصالحها في المنطقة، والقضاء على الجبهات المتحالفة أو المدعومة من إيران في لبنان وسوريا وغزة، وتدعم المقاومة في فلسطين». وحقاً، يُجمع المحللون على أن الوجود العسكري الإسرائيلي في «القرن الأفريقي» ومدخل البحر الأحمر، يُشكل خطورة متعاظمة، من استخدام القواعد البحرية في المهام العسكرية المختلفة، ويرون أن الخطر الأكبر يبرز، بالذات، في استغلالها محطّات متطوّرة تقنياً لأغراض استخباراتية تجسّسية على دول المنطقة.

خيارات صفرية

من ناحية ثانية، لا يرى الدكتور الحاوي أن وجود إسرائيل في «أرض الصومال» والبحر الأحمر، مجرد تهديد عسكري وأمني، بل يرى أنه يمتد إلى الاقتصاد وأمن الملاحة والتجارة في أهم المضايق العالمية... ويوضح: «هذا الوجود يبعث بمخاوف من أن يمتد ذلك لخنق وحصار المنطقة».

في السياق عينه، يستبعد الحاوي وجود القدرة عند دول المنطقة على وقف التوسّع الإسرائيلي واحتوائه. وبناءً عليه، يقترح أن «الخيار المتاح أمامها -أي دول المنطقة العربية- هو الاعتراف بـ(أرض الصومال)، وتبادل السفارات معها كدولة مستقلة، كأقوى ورقة ضغط يمكن أن تدفعها للحد من نفوذ إسرائيل على أراضيها». غير أن الحاوي يستدرك ليقول إن هذا الخيار «قد يفتح، في المقابل، أبواباً واسعة أمام طموحات بعض الأقاليم التي ترغب في الانفصال عن دولها الأم».

«مشروع تآمري»... في حرب المياه

بالتوازي، يعتقد البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، أن «دخول إسرائيل يزيد الوضع الإقليمي تعقيداً، وقد يقطع الطريق أمام أي ترتيبات لعودة أرض الصومال، سواءً كان ذلك في إطار نظام كونفدرالي للوحدة مع جمهورية الصومال، مسنودةً بالتعاون الوثيق بين إسرائيل وإثيوبيا».

ومن ثم، يلفت مكي في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «أرض الصومال» لم تكن تحت سيادة الصومال -الصومال الإيطالي سابقاً- قبل عام 1961، بل كانت تحت الاستعمار البريطاني، ونالت استقلالها قبل فترة وجيزة من الصومال الذي كان تحت الحكم الإيطالي. ثم ذكّر بأن «إثيوبيا فتحت لها قنصلية في هرجيسة، عاصمة أرض الصومال وكبرى مدنها. وكان هذا أول تمثيل دبلوماسي أجنبي في (أرض الصومال)، وهدفه بالنسبة إلى أثيوبيا -المعزولة عن البحار- الاستفادة من ميناء بربرة ذي الأهمية الاستراتيجية على المحيط والبحر الأحمر».

مكي أشار، من جانب آخر، إلى أن «اعتراف إسرائيل بـ(أرض الصومال) يهدف أيضاً إلى تقليص الوجود المصري الكبير، وإمكانية انتزاع اعتراف من الدول الأفريقية بـ(أرض الصومال) دولةً مستقلة، تمهيداً لحرب المياه المقبلة... بالتزامن مع عزم إثيوبيا على بناء مزيد من السدود والخزانات على الأنهار والخيران التي تغذّي نهر النيل، والقادمة من الهضبة الإثيوبية».

وألمح البروفسور مكّي، وهو خبير متخصص، إلى وجود «مشروع تآمري» جارٍ التخطيط له، وهو يهدف إلى حصار المنطقة وتطويقها، وأن بعض أطرافه أفريقية وعربية. إذا قال: «هذا المشروع يبدأ من (أرض الصومال) لشغل الجيش المصري بحرب المياه». وأردف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاعتراف الإسرائيلي ستكون له تأثيرات على صراع المواني والجيوسياسة، على البحر الأحمر... وبالتالي، لا بد من القول: دعونا ننتظر منذ الآن لمعرفة هوية الدولة (العربية) الثانية التي ستعترف علناً بـ(أرض الصومال)».

«أرض الصومال»... في سطور

الجدير بالإشارة أنه يرأس «أرض الصومال» اليوم، عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم «عرو»، وكان قد انتُخب للمنصب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مرشحاً عن حزب «وطني». وفي موضوع المطلب الاستقلالي، في 2001 أجرى في «أرض الصومال» استفتاءً على مشروع دستور للانفصال عن الصومال، صوّت فيه 97.1 في المائة لصالح الاستقلال. أما بشأن الانتخابات النيابية، فتجرى انتخابات تعدّدية بانتظام في البلاد منذ عام 2003.

«عرو» هو سادس رئيس لـ«أرض الصومال» منذ انفصال الإقليم عن جمهورية الصومال في مايو (أيار) 1991، ومن أبرز التحديات التي طرحها خلال الحملة الانتخابية: البحث عن الاعتراف الدولي لتحديد شكل العلاقة مع الصومال. والنظر في مذكرة التفاهم التي أبرمها النظام السابق مع إثيوبيا... التي أثارت الكثير من الجدل في منطقة القرن الأفريقي. ومعالجة بعض التوترات في مناطق محدودة بإقليم «سول». هذا بالإضافة إلى تعهده بانضمام «أرض الصومال» إلى كلٍّ من الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، ومنظمة الكومنولث، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد).

هذا، وفي مطلع 2024، كان موسى بيحي عبدي، الرئيس السابق لـ«أرض الصومال»، قد وقّع مذكّرة تفاهم مع إثيوبيا، حصلت بموجبه الأخيرة على مَنفذ بحري يتضمّن ميناء تجارياً وقاعدة عسكرية في بربرة، لمدة 50 سنة.

جغرافياً تقع «أرض الصومال» في الجزء الشمالي من الصومال، تحديداً في البر الرئيسي لشمال شرقي أفريقيا (المعروف بـ«القرن الأفريقي») على شاطئ خليج عدن. وتحدّها إثيوبيا من الغرب، وجيبوتي (الصومال الفرنسي، ثم أرض العفر والعيسى سابقاً) من الشمال الغربي، وخليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن. وعقب سقوط العاصمة مقديشو في عام 1991، أعلن الجزء الشمالي المُسمى حالياً «أرض الصومال» (صومالي لاند)، استقلاله عن البلاد.

يبلغ عدد سكان «أرض الصومال» اليوم نحو 6 ملايين نسمة، وكبرى مدنها العاصمة هرجيسة، تليها بورعو وبربرة، التي هي الميناء الرئيسي على خليج عدن. أوساط إقليمية تعد علاقات إسرائيل و«أرض الصومال» أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي