أمين ألبرت الريحاني: الأديب العربي مهمّش لأنه بات كسولاً وقابلاً بصومعته

ثمانون عاماً على رحيل «فيلسوف الفريكة»... لكنه لا يزال حياً

أمين الريحاني
أمين الريحاني
TT

أمين ألبرت الريحاني: الأديب العربي مهمّش لأنه بات كسولاً وقابلاً بصومعته

أمين الريحاني
أمين الريحاني

يصادف هذا العام مرور 80 عاماً على وفاة الأديب والمفكر الكبير أمين الريحاني. وهو مع ذلك لا يزال حياً، ويعاد إصدار كتبه، وتقام حولها الندوات وتكتب الرسائل الجامعية، كما صدرت أعماله الكاملة قبل سنتين، وترجمات مؤلفاته إلى لغات مختلفة لا تزال متواصلة. أمين الريحاني لم يمت والفضل الأكبر لابن شقيقة الشاعر والباحث الأكاديمي أمين ألبرت الريحاني، الذي يحمل اسم عمه وعبء إرثه الأدبي منذ عقود، وهو الذي يعنى بمتحفه الجميل في مسقط رأسه في الفريكة.
عمل أمين ألبرت الريحاني نائباً لرئيس الشؤون الأكاديميّة في «جامعة اللويزة» في لبنان. وهو حالياً رئيس «مؤسسة الفكر اللبناني» في الجامعة نفسها، له دواوين ودراسات عديدة، وعشق في متابعة مسار الأعلام، وعلى رأسهم عمه وإرثه الذي يعنى به منذ عقود. وهو بمناسبة ثمانين المفكر أمين الريحاني يحدثنا عن رؤيته إلى دور الأدباء المغيب هذه الأيام، رغم الأحداث الجسام التي تمر بها مجتمعاتنا، وتصوره لما يجب أن يكون عليه التعاطي مع تركات الكتّاب التي غالباً ما تهمل حد النسيان. وكيف تمكّن هو بشغف وصبر وعناد من إبقاء أمين الريحاني حياً في الذاكرة.
هنا حوار معه:
تهميش الأديب الكاتب نابعٌ من عدم أخذه مأخذَ الجِدّ. فمن جهة يكتفي الأديب بأن يكون أديباً جماليّاً بعيداً عن الشأن الفكري الذي يُفتَرَض أن يشَكِّلَ مدخلاً لانخراطه بهموم المجتمع، وباباً لالتزامه بقضايا الناس والوطن؛ ومن جهة أخرى يرتضي الأديب بأن يبقى داخل الإطار التقليدي، إطار القضبان المنعزلة عن الصفحات الثقافيّة والمنابر والمؤسسات والأندية مما يعزّز النظرة الخاطئة بأن الأديب كائن مُنزوٍ يهتم بشؤون اللغة والمادة المعجميّة والموسوعيّة والتاريخيّة، وإن ذهب بعيداً فهو يهتمّ بصياغة العبارة الجميلة بعيداً عن مشاكل الناس وهمومهم اليوميّة والمصيريّة. من هنا فإن الأديب بات منعزلاً في مكتبه أو منزله، مستقيلاً من دَور استنهاض المجتمع وإيقاظ المواطنين نحو مسارهم المستقبليّ. وهذا ما جعل الكاتب قابلاً بصومعته، كَسولاً رافعاً عن كَتِفَيه عبءَ القيادة الفكريّة والدور الطليعي والعمل على تكوين الرؤيا المستقبليّة التي تُشَكِّلُ دافعاً للتطوّر والتقدّم.
وهذا الواقع المؤلم، أدّى إلى تراجعه والاكتفاء بخطوات صغيرة أوّليّة كنشر مؤلّفاته نشراً تجاريّاً عشوائيّاً بعيداً عن الخطوات الجادّة التي تشمل التحقيق والتدقيق والتقديم والتوثيق في كلِّ عملٍ كتابي يقومُ به من أجل وضع نتاجه موضع المرجعيّة العلميّة المطلوبة. لذا أجدني في ملامة مباشرة للأديب الكاتب قبل أن أكون في ملامة للآخرين. يعني أن الأديب، هو المسؤول، بالدرجة الأولى عن تهميش المجتمع له وإبعاده وإهماله.
كذلك فإن إهمال الكاتب لدَورِه ونتاجِه يُشَكِّلُ سبباً رئيسياً لإهمال البرامج المدرسيّة للكُتّاب والأدباء ودَورِهم الاجتماعي والوطنيّ. وتصحيحاً لهذا المسار الخاطئ تبدأ من صاحب العلاقة المباشرة قبل الانتقال إلى خطوات أخرى منتظرة من الآخرين، وتحديداً من المدارس وبرامجها، والجامعات ومناهجها، والمجالس والجمعيّات والأندية ونشاطاتها الثقافيّة المختلفة.
> من تجربتك كأكاديمي، هل تُعطي المناهج الجامعيّة ما يكفي من زاد لجعل الطالب قادراً على اكتشاف ذاته وتراثه، وتعويض النقص المدرسي إن كان موجوداً؟
- التقصير الجامعي لا يقلّ عن التقصير المدرسي. لكنه أفدح، نظراً للتوقُّعات الكبرى من الجامعات. وذلك يعود إلى السبب الأوّل، أي تقصير الكاتب، أو المهتمين بإرثه من بعده، تجاه أعماله ونتاجه. وأكبر مثل على ذلك أن إصدار الأعمال الأدبيّة الكاملة لكاتب ما، قليلاً بل نادراً ما يأتي نتيجة جهد أكاديمي متواصل ومعزّز بالتوثيق والتدقيق والتحقيق والتقديم المدروس، إلى جانب تعزيزه بالفهارس والمسارد المطلوبة. عندئذ تجد الجامعات نفسها أمام حدث أدبي وفكري رصين لا يمكن تجاهله أو إهماله.
هل نعلم مثلاً أنّ غبريال غارسيا ماركيز يُعِدُّ العدّة لكتاب جديد له قبل ستة أشهرٍ من صدوره، والحملة تشمل النشر الموضوعي العلمي والإخراج المتقن، والاتصالات الإعلاميّة وتوثيق شبكة المدارس والجامعات، فيأتي الإصدار الجديد حدثاً قائماً بذاته ونتيجة جهد متكامل مع فريق مختص للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد والمؤسسات والمنابر الإعلاميّة.
> قد يعترض البعض بحجّة أنّ ما ينطبق على أديبٍ عالمي، بقدرات ماديّة ومعنويّة فائقة، لا ينطبق على أدباء محلّيين، لا حولَ لهم ولا قوّة.
- قد يكون ذلك صحيحاً، إنما المقصود من هذا المثل لا علاقة له بالقدرات الماديّة والمعنويّة بل بالاستعداد للقيام بمِثْلِ هذه الحملات التي يجب تنظيمُها على المستوى المحلّي أولاً، وذلك ضمن نطاق لجان مصغّرة تضم المؤلف والناشر والموزّع وبعض الأصدقاء للقيام بهذا العمل الضروري والمُجدي.
بالمقابل أرى أنّه آن الأوان للجامعات في أن تعيد النظر ببرامجها ومناهجها المتعلقة بتدريس الأدب، فتدريس مقرّر «التذوّق الأدبي» لطلاب السنة الأولى الجامعية، أو السنة الثانية، لم يعد يلبّي طموحات الطلاب واهتماماتهم الفكريّة والأدبيّة. وقد يكون المقرّر الجديد حول موضوع «دَور الأديب في الحياة العربيّة» أقرب إلى رغبة الشباب الجامعي في اكتشاف ذاتهم الصغرى أوّلاً تمهيداً لاكتشاف ذاتهم الكبرى ثانياً. فمعرفة الذات شرط لمعرفة الوطن، ودَور الأديب مسألة حاسمة في هذا السياق، ودراسة معنى هذا الدَور ومضمونَه ومواقفَه من شأنه أن يساعد الطالب الجامعي على بلورة فهمِه لدَورِ الكاتب في المجتمع، وبالتالي على تعزيز اهتمامه بكُتّاب وطنه وحقيقة دورهم في استنهاض الهِمم وتكوين رؤيا جماعيّة وطنيّة مطلوبة لمواجهة الحاضر والتخطيط للمستقبل القريب والبعيد.
> ما هي السبُل لملء الثغرات؟
- ثمّة خطوات عدّة لا بد من اتخاذها كي يستعيد الأديب دورَه في المجتمع، في وطنه، منها ما هو مُلقَى على عاتق الكاتب نفسه، وبينها: 1) العمل على نشر مؤلّفاته نشراً علميّاً موضوعيّا موثَقاً. 2) تنظيم حملة توعية حول موضوع كتابه وأهميّة هذا الموضوع في استنهاض المجتمع في سبيل التقدّم والتطوّر. 3) العمل مع المدارس والجامعات لتنظيم حركة تواصل ثقافي مع الكاتب والأديب وتنظيم لقاءات معه يستكمل التلميذ فيها مطالعاته حول هذا الكاتب أو ذاك. 4) العمل على حركة إعلامية تتناول الكتاب الجديد ومؤلِّف هذا الكتاب من خلال ندوات تسلّط الضوء على مواقف هذا الكاتب وعلى أبرز خصائصه الكتابيّة ودَوره في الحياة الاجتماعيّة والوطنيّة. 5) صوتُ الكاتب في طرح القضايا الاجتماعيّة والوطنيّة لا يجوز أن يخفُت أو أن يتراجع. بل على العكس، إذ إن المطلوب من الكاتب أن يبقى محتفظاً بمكانته القياديّة الطليعيّة، وأن يستعيد إضرامها إن خفتَتْ وإلا فقد دَوراً لا يجوز التنازل عنه إن آمنّا أنّ الكاتب صاحبُ الموقع الأوّل في التوجيه والاستنهاض على المستويين الاجتماعي والوطنيّ.
> أنت تهتم منذ عقود بالحفاظ على إرث أمين الريحاني، ما الصعوبات التي واجهَتْكَ وأنت تحاول إحياء هذه التركة الثقافية الكبيرة؟
- كلّ أديب متشعّب الاهتمامات والأغراض الأدبيّة ويكتب بأكثر من لغة واحدة يواجه خطر عدم الاستيعاب الكلّي، وبالتالي يصعب فَهمُه ككُلٍّ متكامل. وقد لاحظت تدريجيّاً أن كثيراً من الباحثين أخذوا يتخصّصون في منحى واحدٍ من المناحي الفكريّة المتعدّدة والمتشعّبة لدى الرَّيحاني. وكانت النتيجة أنّ من يعرفه ككاتب مقالات لا يعرفه كقاص وروائي، ومن يعرفه كاتب قصص ورواية ومسرح، لا يعرفه ناقداً صاحب رؤية حيوية معاصرة للأدب، بل أكثر من ذلك، فمن يعرفه أديباً مُتحرّراً لا يعرفه مناضلاً سياسياً، وإن صدف وعرفه في الأدب والسياسة فهو لا يعرفه فيلسوفاً. وفي معظم الأحيان من يعرف فيلسوف الفريكة كاتباً باللغة العربيّة نادراً ما كان ليعرفه كاتباً وشاعراً باللغة الإنجليزيّة.
وإثر مراجعتي لمؤلّفاته العربيّة والإنجليزيّة لاحظْتُ أنّ قلّة منها تأتي على ذكر سائر مؤلّفاته العربيّة، والمسألة عينُها وجدتها في أعماله الإنجليزية. ففي مثل هذه الحال يصبح الكاتب مُوَزَّعاً مُشَرْذماً، بل مُشتّتاً مُبَعثراً بين جميع أغراضه الأدبيّة والفكريّة، وبين اللغتين الموزَّعتَين على مداد قلمه.
> وما كانت الوسيلة لجمع هذا الشتات؟
- سرعان ما أدركتُ أن الحل يبدأ مع مُحَقِّقي ودارسي مؤلّفات الرَّيحاني. وقد عمَدْتُ على توسيع الدراسات الرَّيحانيّة بحيث ألفتُ انتباه الباحثين والمُحَقِّقين، أو مَن ينشغِلُ بكتابة رسالة ماجستير أو ينشغِلُ بأطروحة دكتوراه في ناحية من نواحي الدراسة حول الرَّيحاني أن يوسعَ ملاحظاته وهوامشه لتشمل مجمل نتاج الكاتب في طبعة جديدة من كتبه أو في رسالة ماجستير جديدة، أو في أطروحة دكتوراه حديثة. وقد بدأَتْ ثمار هذا المشروع الجديد تَينَع.
وكان من أبرزها مشروع المؤلّفات العربيّة الكاملة للرَّيحاني حيث أدخلْتُ في المقدّمة، والهوامش، والإحالات، والمسارد، والفهارس كل ما يمكن مقارنته من الوجوه المختلفة، الفكرية والأدبيّة والفنيّة والسياسيّة والفلسفيّة، وباللغتين العربيّة والإنجليزيّة، عند الأديب الذي تمّ جمع نتاجه بلغة واحدة من لُغَتَيه تمهيداً لجمع مؤلّفاته التي تركها بلغة ثانية.
هكذا بدأ الدارسون يطرحون، لا غرضاً واحداً، بل ثيمائيّة واحدة يتابعون دراستها في مختلف الأغراض التي عالجها الأديب باللغتين العربيّة والإنجليزيّة. فالناقد الأدبي لا يستقيم أمره من دون الناقد الفنيّ، والشاعر بلغة معيّنة لا تكتملُ صورته من دون شِعره باللغة الأخرى. والفلسفة الصوفيّة كما عالجها في كتاباته العربيّة النثريّة لا تكتملُ صورتُها من دون الفلسفة الصوفيّة كما عالجها في شِعره الإنجليزي. ومفهوم «المدينة العظمى» كما تناولها في كتابه «الرَّيحانيّات» بالعربيّة تبقى ناقصة من دون العودة إلى «المدينة العظمى» وإنسانها المتفوّق كما ناقشها في كتاب «خالد»، روايته الفلسفيّة بالإنجليزيّة... ونزعته القوميّة العربيّة لا تقتصر على كتابه «القوميّات» إن لم نتابع تردداتها وصداها في كتابه «ملوك العرب».
> ألا تعتقد أن كثيراً من الأدباء في لبنان والمنطقة العربية، لم يكن لهم حظّ الرَّيحاني، وكيف لنا أن نعيد لهم هذا الحضور؟
- يمكن للجواب أن يكون على مستوَيين: الأوّل بالنسبة للأديب نفسه، والثاني بالنسبة للمؤسسات الثقافيّة ومراكز الأبحاث. فالأديب الكاتب يُتوقَّع منه أن يعزّز حضوره الأدبي ودَوره القيادي في المجتمع، بمعنى أن يكون ناشطاً أدبيّاً مماثلاً لما يُعرَف بالناشط السياسي والناشط البيئي والناشط الاجتماعي... فيشكّل حضوراً متواصلاً ومستداماً من خلال نشر المقالات أو المقابلات أو سائر الأغراض الأدبيّة مُرَكِّزاً على فكرة مكانة الكاتب ودَورِه في مجتمعه، خاصّة حين يواجه مجتمعه تحديّات صعبة على مستويات مختلفة، وجميعها يحتاج إلى رأي الكاتب وحضوره وتفاعله مع بيئته ومع ما يعانيه المواطنون اجتماعيّاً وسياسياً.
أمّا المؤسسات الثقافيّة ومراكز الأبحاث فيمكن لها أن تباشر بمشروع مماثل لما نقوم به نحن في «مؤسسة الفكر اللبنانيّ» في «جامعة اللويزة». بدأنا بدراسة أوّليّة لكل شخصيّة من كُتّاب لبنان وأدبائه منذ القرن السابع عشر حتى اليوم، هؤلاء الذين اعتبرهم عبد الرحمن بدوي طليعة الفلسفة العربيّة المعاصرة وطليعة الاستشراق في أوروبا، وبالتالي المؤسسين لحركة النهضة العربيّة.
هؤلاء الذين نعرف أسماء العَلَم لدى كُلٍّ منهم ولا نعرف أكثر من الاسم. انكببنا على مراجعة ما أنجزه كلُّ عَلَم من هؤلاء الأعلام المنسيين وانتهينا بسبعة فصول مخصصة لكلّ كاتب من هؤلاء الكتاب. والفصول السبعة تتوزع على المواضيع الآتية: 1) السيرة المفصّلة مع التدقيق بكلّ المعلومات السابقة وتصحيح الأخطاء التاريخية واللغويّة السابقة؛ 2) إعداد ثبت كامل بكلّ مؤلّفاته مع تصنيفها وتبويبها وضمّ كلّ المخطوطات والأعمال غير المكتملة بحيث يأتي الثبت كاملاً وشاملاً ليُشَكِّلَ مرجعاً موضوعيّاً لمؤلّفاته الكاملة بلغاتها الموضوعة المختلفة؛ 3) وضع ثبت كامل بالترجمات المختلفة التي قام بها، ثمّ ما تُرجِمَ له من مؤلّفات فتكتملُ بذلك حركة التأليف والترجمة لكلّ ما ترك من أعمال أدبيّة وفلسفيّة وتاريخيّة ولاهوتيّة وفقهيّة... 4) بيبليوغرافية شاملة، قدر المستطاع، حول كلّ ما كُتِب عنه من كتب وأطروحات ورسائل وفصول من كتب، ودراسات ومقالات بمختلف اللغات التي يمكن الوصول إليها؛ 5) نماذج من كتاباته بمعدّل ثلاثة فصول أو مقالات مختارة من مؤلّفاته؛ 6) أبرز ما قيل عنه بلغات مختلفة؛ 7) جدول إحصائي بمؤلّفاته؛ 8) جدول إحصائي بالمراجع عنه؛ 9) لائحة بالمراجع التي اعتمدناها في إعداد هذه الفصول.
> كيف يمكن الاطلاع على نتاج هذا المشروع؟
- شملَ المشروع حتى اليوم نحو خمسٍ وعشرين شخصيّة من كبار أدباء لبنان وكُتّابه، من القرن السابع عشر حتى اليوم، ونُشِرَت تلك الفصول لكلٍّ من هؤلاء على موقع إلكتروني باسم المؤسسة، باللغتَين العربيّة والإنجليزيّة. وسنباشر بنشرها أيضاً بالفرنسيّة في شهر أبريل (نيسان) المقبل، ثم بالإسبانية مع مطلع الصيف المقبل. هكذا نكون قد أعدنا الاعتبار إلى الكاتب والأديب في لبنان، ولو بصورة جزئية، تمهيداً لاستعادة مكانته ودَوره في مجتمعه وفي وطنه وفي الحياة العربيّة على السواء.



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»