صحافيات العالم العربي... تحديات ومعوّقات أمنية وجندريّة

«صناعة الإعلام» اختبرت المرأة كناشرة ومؤسسة مجلات

الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
TT

صحافيات العالم العربي... تحديات ومعوّقات أمنية وجندريّة

الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك

منذ انزلقت سوريا إلى الحرب الأهلية قبل ثماني سنوات، أصبح الجانب الرقابي الأمني هو أحد أبرز التحديات والمخاطر التي تواجه الإعلاميات والإعلاميين طوال فترات عملهم، وخاصة أنه تعزز بشكل أكبر بعد 2011.
فالمشاق التي تواجه العاملات في مجال الإعلام متعددة وصعبة إلى درجة أن الصحافة وصفته بأنه «مهنة المتاعب»، ويجد معظم العاملين في المهنة أن الوصول إلى قمة الهرم الوظيفي الإعلامي مهمة شبه مستحيلة لا يبلغها إلا القليلون، ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجهها المرأة في مجال العمل الإعلامي تتضاعف أحياناً فوق تلك التي يواجهها الرجال؛ الأمر الذي أوصل عدداً قليلاً فقط من النساء إلى المراكز القيادية الإعلامية حتى في الدول الغربية. هذا ليس حال الصحافيات السوريات فقط، بل أخريات في مناطق النزاع كالصحافيات الفلسطينيات. قد تختلف معاناة صحافيات سوريا عن تلك في مصر، على سبيل المثال، إلا أن التحديات لا تزال موجودة وتشكل عوائق على النساء في مهنة المتاعب، أكثر من الرجال.
في عام 2018 وعندما كانت الإعلامية السورية لجين حاج يوسف تغطي قضايا النساء المهاجرات من دول الشرق الأوسط والتحرش الجنسي الذي طال قريناتها النساء السوريات، لم تكن تعلم أنها ستحصل على جائزة «الإعلام المعني بالهجرة» نهاية العام نفسه لتغطيتها الصحافية، وهي مكافأة التميز للأهمية الإخبارية بدعم من الاتحاد الأوروبي. تعمل لجين خبيرة جندرية وقامت بعدد من الدورات الصحافية المختصة بقضايا المرأة والتمكين المجتمعي، وشاركت مع منظمة اليونيسكو التابعة لهيئة الأمم المتحدة في ورشات لصياغة النظام الداخلي المراعية للنوع الاجتماعي بالمؤسسات الإعلامية، إلى جانب صياغة السياسات الإعلامية المتخصصة في شؤون الهجرة بدعم من مفوضية الاتحاد الأوروبي و«المركز الإعلامي المفتوح».
لدى حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، وعن أهمية تغطية قضايا مثل هذه في ظل استمرار الحرب في بلدها ودول الشرق الأوسط، قالت: «من المعروف أن النساء والأطفال من أكثر الفئات هشاشة في البلدان التي تعاني من النزاعات، مما يجعل اهتمام الإعلام بقضاياهم أمراً ملحاً بالدرجة الأولى»، لكنها أشارت بأن النساء: «أقوياء ولديهنّ شجاعة وشخصية وقدرة على تحمل أحلك الظروف، لكن الحروب نالت من قدرتها، سيما النزاع السوري الذي دخل عامه العاشر».
لجين المتحدرة من العاصمة السورية دمشق، حاصلة على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة دمشق، عملت قبل 2011 كمعدة ومقدمة برامج في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السوري الحكومي. وتشغل اليوم منصب رئيس التحرير في «مؤسسة روزنة للإعلام» منذ عام 2014. كما أسست مع الفريق التحريري أول غرفة أخبار مدمجة في الإعلام لكادر موزع بين ثلاث دول: الداخل السوري وتركيا وفرنسا، وتدير حالياً مشروع المرأة المدعوم من برنامج المرأة - الأمم المتحدة منذ بداية عام 2019.
مؤسسة روزنة تحمل شعار «إذاعة حرة... مهنية عالية»، انطلقت منتصف عام 2012 لتبث أثيرها عبر موقعها الإلكتروني بالعام نفسه، وفي يونيو (حزيران) 2013 افتتحت استوديو في العاصمة الفرنسية باريس، وفرعاً ثانياً في مدينة غازي عنتاب التركية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2014، وتعمل لجين ولينا الشواف مدير تنفيذي وميس قات مديرة الميديا الرقمية في قيادة مؤسسة سورية إعلامية.
وعن تجربة «روزنة» تابعت لجين حديثها قائلة: «في روزنة كان الإصرار على وجود النساء في غرفة الأخبار والإدارة على أساس الكفاءة، اليوم تحقق بوجود خبرات من الصحافيات المتميزات واستطعنا تحقيق هذا التوازن»، فالحرب رغم تأثيراتها السلبية خلقت فرصة لإفساح المجال للصحافيات في التغطية الإعلامية داخل مناطق الصراع وعلى خطوط التماس، «يمكن القول إن تجربة المواطن الصحافي التي تعززت بسوريا كان لها أثر كبير في انخراط العديد من النساء ضمن المجال الإعلامي، وبالمقارنة قبل 2011 يمكن ملاحظة هذا الأثر بشكل واضح».
وترى أن وجود نساء إعلاميات ومراسلات يعملنّ في التغطية الميدانية، ساهم في إيصال واقع إيجابي داعم للنساء على الأرض، بدلاً من تقديم صور الانتهاكات المستمرة ضدهن بشكل نمطي، «فحساسية النساء تجاه الخبر ونقله له ميزة أخرى لأنها أكثر فهماً بما تعانيه من كافة النواحي»، وتتبنى مؤسستها «روزنة إف إم» استراتيجية وسياسية تحرير حيادية وتبتعد عن الأخبار المزيفة، وأضافت: «الخبز الصحيح ومن مصادر متطابقة شعار وهوية للعمل، بدل أخبار عاجلة التي يمكن أن تكلف المؤسسة سمعتها».
واختتمت لجين حاج يوسف حديثها لتقول: «بعد 2020 تحول الإعلام إلى (إعلام رقمي): لكن سيزداد التحدي الذي يواجه المؤسسات مع التحول نحو الإعلام الرقمي، وهو تحدٍ كبير سيواجه المؤسسات الكبيرة قبل الصغيرة»، ويضعها أمام تحديات على مستويات مختلفة: «سواء كانت متعلقة بالمحتوى أو التمويل أو الوصول للجمهور أو الكفاءات الإعلامية»، على حد تعبيرها.

بين فكي الاحتلال والانقسام
عام 2014 وخلال ذروة أجواء العدوان الإسرائيلي التي كان يعيشها قطاع غزة، بدأت الصحافية الشابّة نفين إسليم عملها كمراسلة تلفزيونية من قلب الأحداث الساخنة. ومنذ ذلك الحين أدركت أنّ عليها تحمل الكثير من التحديات، لتكون قادرة على إثبات وجودها في ساحة عملٍ مجتمعها «محافظ»، وتضج دائماً بالأحداث المتوترة.
تقول في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر بداية ساهم في إكسابي قدرات خاصّة، مكنتني من تجاوز العقبات، ودفعتني نحو الاستمرار في الظهور ضمن التغطيات الساخنة التالية للعدوان إلى أن وصلت لمسيرات العودة التي اندلعت على حدود غزة، واستمرت لأكثر من عام ونصف، وقمعتها إسرائيل بوسائل مختلفة»، شارحة أنّ الأخطار التي تواجهها كصحافية تتعدى الاحتلال، وتصل لحالة الانقسام الداخلي، الذي يزيد من الانتهاكات الميدانية، التي تطال حرية العمل والرأي، على حد وصفها.
وعلى صعيدها الشخصي، تسرد إسليم التي تعمل في فضائية «الغد» أنّها واجهت صعوبات أخرى تتمثل، بنظرة المجتمع الذي يستنكر أحياناً فكرة غياب الصحافية عن البيت لأيامٍ طويلة خلال الأوقات الساخنة، ويرفض كذلك أمر وجودها في أماكن الخطر والنزاعات، وتروي أنّها تعاني أيضاً من الحالة النفسية الصعبة التي تمرّ بها، كلما تعايشت مع أجواء القصص الإنسانية الصعبة، التي تحرص دائماً على أن تُفرد لها مساحات خاصّة، في أصول عملها.
«في التقارير التلفزيونية التي أعدها، أحاول دائماً أن أمنح مساحة خاصّة للنساء، لأتمكن من إبراز جوانب حيواتهنَ المتنوعة»، تردف، مبيّنة أنّه ورغم ذلك، فهي ترى أنّ الإعلام الفلسطيني بشكلٍ عام ما زال مقصراً في اهتمامه بالقضايا النسوية، حيث تبرز المرأة في تغطيته ضمن تواريخ ومناسبات محددة.
الصحافية في «شبكة نوى النسوية» آلاء أبو عيشة، توضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ الصحافيات الفلسطينيات، عانينَ على مدار سنوات طويلة، من الانتهاكات الإسرائيلية المختلفة، التي ترمي للنيل من الرسالة الإعلامية الوطنية تماماً كما عانى زملاؤهم الصحافيون الرجال، قائلة: «رغم تلك المعيقات، فإنّ الصحافيات بشكلٍ عام، أبدين في المناسبات المختلفة وأوقات الأزمات، أداءً مميزاً شمل تغطية كلّ تفاصيل الأحداث، من مواقعها الأكثر سخونة وتوتراً، وأيضاً أظهرن تميزاً كبيراً في إيصال الرسالة الإعلامية بعيداً عن القوالب الإخبارية الجامدة، وكتبن عن فلسطين ومأساتها: شهداؤها وأسراها وجرحاها، بأساليب إنسانية استقطبت التعاطف الدولي».
ومضت تحكي عن المكانة التي تحظى بها الصحافيات في الوسطين المحلي والعربي، فقالت: «كثيرات هن الزميلات اللاتي استطعن إيجاد موطئ قدمٍ لهن في إدارات بعض الوسائل الإعلامية، ذلك رغم الثقافة الذكورية التي تمنح الرجال غالباً نصيباً أكبر لدى الحديث عن المناصب الإدارية وأماكن صنع القرار في المؤسسات الإعلامية»، مطالبة بإعطاء الصحافيات فرصة أكبر في إطار قيادة المشهد الإعلامي الفلسطيني وإثبات جدارتهن في ذلك.

التنميط والتهميش...
أجمع خبراء إعلام في مصر على أن «التنميط، والتهميش، والأمومة، تحديات غير مهنية تواجه الصحافيات المصريات»، مؤكدين أن «المرأة مُنفذ جيد للسياسات الإعلامية؛ لكنها حتى الآن ليست راسمة لها»؛ إلا أنهم في الوقت نفسه أشاروا إلى «وجود نماذج جديدة وتجارب ناجحة لنساء في الإعلام حالياً، لكن تحتاج لتسليط الضوء عليها».
فعلى مدار ما يقرب من قرن اختبرت صناعة الصحافة والإعلام بمصر المرأة، كناشرة، ومؤسسة صحف ومجلات، ورئيسة للتلفزيون والإذاعة، حتى وصلت لمنصب وزير الإعلام؛ لكن تراجع دور الإعلام، ومعه تراجع دور المرأة في قيادته.
«تجربة المرأة المصرية في مجال الإعلام والصحافة (ميزتها) عن باقي الدول العربية، ودول العالم»، على حد قول الإعلامية، منى سلمان، إن «مصر عرفت القيادة النسائية في مجال الإعلام منذ بدايات القرن الماضي، فكان بمصر مجلة سياسية مهمة أنشأتها فاطمة اليوسف عام 1925 (وهي مجلة روز اليوسف بمصر)، وأيضاً هناك درية شفيق التي قدمت مفهوماً مختلفاً وسابقاً للصحافة النسائية في الأربعينيات من القرن الماضي، وكانت قيادات التلفزيون منذ إنشائه عام 1960 نسائية، وتعد تماضر توفيق، أول رئيسة للتلفزيون»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «التلفزيون كان نموذجاً، وحالة مختلفة لقياداته النسائية على مدى عقود».
«ورغم الدور القيادي للمرأة المصرية في الإعلام سابقاً؛ فإن المجتمع الآن أصبح أقل ليبرالية عما كان عليه في بداية القرن العشرين»، بحسب الدكتور أيمن منصور ندا، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما حدث في بداية القرن العشرين لم يكن استثناء، فمجلة (روز اليوسف) نشأت مع ظهور الحركة النسوية، وتوافقت مع الفترة الليبرالية بمصر (1919 - 1952)، وكانت هناك نماذج مماثلة لريادة المرأة في المسرح والسينما والأدب والثقافة وغيرها»، مضيفاً: أن «المجتمع الآن (متحفظ) أكثر مما كان عليه من 100 سنة، ونظرة المثقفين للمرأة أقل ليبرالية عما كانت عليه، لذلك لا نتوقع بروز دور القيادات النسائية في ظل مجتمع لا يؤمن بهذا الدور أصلاً - على حد قوله -»، مشيراً إلى أن «وضع المرأة لم ولن يتغير، ما لم تتغير الصورة الذهنية عن دورها في الإعلام، فحتى الآن المرأة متلقٍ في مجال الإعلام». فيما تؤكد منى سلمان «تراجع دور المرأة المصرية في الإعلام مقارنة بدورها قبل 100 عام».
على أرض الواقع يهيمن الرجل على المشهد الإعلامي المصري، وعلى مستوى الصحف اليومية القومية والخاصة، باستثناء رئاسة المرأة لتحرير بعض المجلات والإصدارات الخاصة بالمرأة في بعض المجلات، والدوريات ربع السنوية، وبعض المواقع الإلكترونية الخاصة مثل «ولاد البلد» و«المنصة»، رغم أن المرأة استطاعت في السابق الوصول لمنصب وزير الإعلام، الذي تولته الدكتورة درية شرف الدين من منتصف 2013 ولمدة عام.
فاطمة فرج، مؤسس موقع «ولاد البلد»، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم وجود المرأة في غرف الأخبار؛ فإن وجودها القيادي ضعيف، ويحتاج لتوازن أفضل»، مشيرة إلى أن «هناك نماذج جديدة وتجارب ناجحة لنساء في الإعلام حالياً؛ لكنها تحتاج لتسليط الضوء عليها، وعدم الاكتفاء بالاحتفاء بالماضي».
وعلى مدار عقود كانت هناك محاولات لتنميط دور المرأة، وقصره على المهام والموضوعات الخاصة بالمرأة والطفل، فإن الإعلامية المصرية كانت دائماً ما تسعى لكسر هذه القوالب، وهو ما فعلته الصحافية الاستقصائية صفاء صالح، التي غطت الحروب والنزاعات الأخيرة في اليمن والعراق وليبيا وسوريا. وقالت صفاء صالح لـ«الشرق الأوسط» إنها «كانت تواجه نظرات دهشة من زملائها الذكور لتغطيتها مناطق نزاعات خطرة؛ لكن على الأرض كونها امرأة كان يحقق لها ميزة في بعض المجتمعات القبلية التي تشعر بالتعاطف معها وتحاول مساعدتها».
في السياق نفسه، ترى فاطمة فرج أن «محاولات كسر الصورة النمطية ترتبط بتوفر الميزانيات، والأمر ينطبق على الرجال والنساء معاً، في ظل ضعف الميزانيات المخصصة للتطوير، ولإرسال مراسلين حربيين مثلاً»، مشيرة إلى أن «تعزيز دور المرأة مرتبط بمناقشتها القضايا العامة لتقديم نفسها كإعلامية وليس كناشطة نسوية».
وتنقل منى سلمان، عن رئيسة تحرير إحدى الصحف الغربية، قولها إنه «إذا كان المطلوب من رئيس التحرير الرجل، أن يصدر الصحيفة بشكل يومي، فالمطلوب مني كامرأة أن أنقذ مهنة الصحافة»، موضحة أن «المرأة مطالبة بأن تثبت أنها (خارقة) في العمل والمنزل كأم، وهذا يأتي على حساب صحتها واستقرارها النفسي».



«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
TT

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت، مدفوعين بمخاوف من استغلاله مجاناً في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي. وأفاد خبراء بأن «الحظر مجرد إجراء مؤقت»، ودعوا إلى «وضع قواعد توازن بين حقوق الملكية الفكرية والحق في الوصول إلى المعلومات».

تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، تطرّق إلى بدء أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة في حظر أو تقييد الوصول لأرشيفها على الإنترنت. وأشار إلى أن هذا التحرك بدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي بحظر صحف مثل «نيويورك تايمز» و«يو إس إيه توداي» أرشيفاتها على الإنترنت، بعد تأكيدها أنه «يستخدم في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي».

مخاوف من استغلال عنصر المجانية

ووفق تحليل «نيمان لاب»، فإن «هذا التحرك ليس موجهاً ضد فكرة الأرشفة في حد ذاتها، بل جاء مدفوعاً بمخاوف متصاعدة من استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى». ولفت التقرير إلى أن «حظر الأرشيف امتد لصحف أخرى في بريطانيا والبرازيل رغبة في حماية حقوق الملكية الفكرية».

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا، والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن قرار حظر الأرشيف «حل مؤقت قد يحمي بعض الحقوق القانونية قصيرة المدى، لكنه يضعف الشفافية، ويقوض الذاكرة الرقمية، ويعزز احتكار البيانات لدى المنصات الكبرى». وأردفت أن «أرشيف الإنترنت لا يعد المصدر الوحيد لتدريب النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي؛ بل هو جزء من منظومة مغذّيات الذكاء الاصطناعي التي تشمل أيضاً البيانات التجارية، والمنصّات الاجتماعية، والأرشيف المفتوح، والبيانات المرخصة، والتفاعل البشري، والبيانات الاصطناعية».

وتابعت أن «هذا الصراع الظاهري يخفي جوانب أكثر أهمية، إذ إن جوهر الصراع يتركز حول ملكية البيانات والسيطرة على المعرفة الرقمية بهدف احتكار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الحق القانوني المثير للجدل في الوصول إلى البيانات العامة». وأشارت الباحثة إلى أن «الحل يكمن في اعتماد المؤسسات على مبدأ الحوكمة المتوازنة للذاكرة الرقمية، التي تعنى بحماية المحتوى من دون تدمير البنية المعرفية للأرشفة والحق العام في الوصول للمعلومات». وأوضحت أن «هذا المبدأ ينبثق منه اتخاذ قرارات من أبرزها: الحذف الانتقائي بدل الحظر الشامل، والترخيص المنظم لاستخدام المحتوى، وإنشاء أرشيفات إعلامية مؤسسية مستقلة بدلاً من الاعتماد الكامل على الأرشفة الخارجية».

زيادة الاعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (صورة أرشيفية)

وأضافت إلى ما سبق ذكره، ومن ثم «تطبيق نموذج الوصول المتعدد للأرشيف، والتفرقة بين الإتاحة للعامة، والوصول الأكاديمي والصحافي، والوصول المدفوع، وكذا تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي عبر عقد اتفاقيات تتضمن عقود ترخيص وقواعد بيانات معلنة وشفافية بيانات تدريب النماذج وإقرار تعويضات مالية، حسبما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة وإنتاجها الإعلامي».

من ناحية أخرى، لفتت إلى أن «الحظر يُشكل ضرراً على الأكاديميين، حيث يفقدهم المادة الخام للبحث العلمي الخاصة بأي ظاهرة علمية ونشأتها... وأن البحث الأكاديمي يحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من البيانات السابقة، واستنساخ الدراسات، وبالتالي، فإن حظر الأرشيف الرقمي لا يعني فقط ضياع مواد إعلامية أو وثائق تاريخية، بل يؤدي عملياً إلى تعطيل القدرة العلمية على فهم الظواهر في سياقها الزمني والتطوري خصوصاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، التي لا تدرس الظواهر بوصفها أحداثاً ثابتة، بل بوصفها عمليات ديناميكية تتشكل عبر الزمن».

واستطردت فقالت إن «الحظر يمحو الذاكرة الرقمية للعصر الحديث التي يعتمد عليها المؤرخون، ما يؤدي إلى خلق فراغات تاريخية رقمية، ويسهم في ظهور انقطاعات للسجل التاريخي مما ينتج تشوها في فهم الأحداث التاريخية، فضلاً عن تعزيز احتكار التاريخ من قبل المنصات، وهو ما يؤدى إلى تهديد كتابة التاريخ الرقمي».

الذاكرة الرقمية

على صعيد ثانٍ، بينما تسعى الصحف إلى حماية ملكيتها الفكرية من الاستغلال التجاري، فإن هذا التحرك يثير تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية»، وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين الذين يعتمدون على هذا الأرشيف في عملهم وفي رصد التطورات حول العالم.

هنا، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، إنه «في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، أصبح الجدل حول حماية المحتوى الصحافي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وبالأخص بعد تصاعد الدعوات لحظر بعض أدوات الأرشفة الرقمية مثل أرشيف الإنترنت من استخدام المحتوى الصحافي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنه «على الرغم من أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية للمؤسسات الإعلامية، يبقى السؤال الجوهري: هل الحظر هو الحل الأمثل أم مجرد علاج مؤقت لمشكلة أكثر تعقيداً؟».

ومن ثم، أشار إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه تحدياً حقيقياً، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على كميات هائلة من البيانات والمحتوى لتطوير نماذجه، والصحافة المهنية تُعد من أهم مصادر المعلومات الموثوقة». وشرح أن «استخدام هذا المحتوى من دون تنظيم أو تعويض عادل يهدد الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، لا سيما في وقت تعاني فيه الصحافة التقليدية من تراجع الإيرادات وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي. وبناءً عليه، فإن حظر الأرشيفات الرقمية بشكل كامل قد لا يكون حلاً جذرياً، بل قد يؤدي إلى إضعاف الوصول إلى المعرفة وتقييد البحث العلمي والتاريخي».

ولفت أيضاً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ازدياداً في النزاعات القانونية بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي بشأن استخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين وقّعت مؤسسات إعلامية اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا تنظم استخدام البيانات والمحتوى. وقال إن «الحل الحقيقي يكمن في بناء إطار قانوني وأخلاقي متوازن يضمن حقوق المؤسسات الإعلامية دون الإضرار بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وذلك عبر تطوير أنظمة ترخيص واضحة تسمح باستخدام المحتوى الصحافي مقابل تعويض عادل وشفاف، إضافة إلى فرض قواعد تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن مصادر البيانات المستخدمة في تدريب نماذجها».

واستطراداً، اقترح الأكاديمي المصري «إنشاء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا لتطوير نماذج تعاون تحقق المنفعة للطرفين بدلاً من الصراع المستمر... وذلك لأن فقدان ميزة الوصول إلى خدمات الأرشفة الرقمية قد يحمل آثاراً خطيرة على المدى الطويل، لا سيما أن تلك الأرشيفات الإلكترونية أصبحت بمثابة الذاكرة الرقمية للعالم الحديث، وأداة أساسية لتتبع الأحداث، والتحقق من التصريحات، وتحليل تطور القضايا السياسية والاجتماعية عبر الزمن».

ايضاً أوضح الدكتور عبد الله أن «الصحافي الاستقصائي يعتمد على الوصول إلى النسخ المؤرشفة للكشف عن التناقضات أو حذف المعلومات أو تغيير الروايات الرسمية، بينما يعتمد المؤرخون والباحثون على هذه المواد لبناء فهم دقيق للتاريخ المعاصر... وبالتالي، فإن تقييد الوصول إلى الأرشيف الرقمي قد يضعف الشفافية والمساءلة العامة، ويخلق فجوة معرفية خطيرة للأجيال المقبلة».

وفي خلاصته، إزاء الموضوع قال إن «التحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا، بل في تنظيمها بشكل يحمي الإبداع الصحافي، ويصون حق المجتمع في المعرفة في آن واحد... فالمستقبل لن يكون لمن ينجح في منع الذكاء الاصطناعي؛ بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق النشر وحرية الوصول للمعلومات».

تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية» وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين


«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين
TT

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

في خطوة تُصعّد المنافسة مع منصات التواصل الاجتماعي لجذب المستخدمين، طرحت شركة «ميتا» تطبيقاً جديداً أسمته «فوروم»، يهدف إلى تحويل كل المجموعات التي يشترك فيها المستخدم على «فيسبوك» إلى تجربة تفاعلية مستقلة.

وفقاً لما ذكرته «ميتا» في بيان لها بنهاية مايو (أيار) المنصرم، فإن «فوروم» يُعدّ ساحة للنقاش العميق في المواضيع التي تثير اهتمام المستخدم، ويعتمد في الأساس على خاصية «اسأل»، التي تدمج الردود من مختلف المجموعات لتقديم إجابات فورية.

وحسب الشركة، فإن «الإجابات التي يحصل عليها المستخدم يصار إلى جمعها وتدقيقها عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يتولّى ترجيح أكثر الإجابات التي حصلت على تفاعل إيجابي».

مراقبون يرون أن ما تقدمه «ميتا» ليس ابتكاراً، بل هو ميزة يوفرها بالفعل تطبيق «ريديت». إذ يتيح إجابات بشرية حقيقية للأسئلة من مستخدمين يمتلكون خبرة ومعرفة في بعض المواضيع، وهو السبب ذاته الذي يجعله حالياً أحد أكثر المصادر التي تستشهد بها برمجيات وتطبيقات الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابات.

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصّص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، يرى أن «ميتا» تراهن على نقل المستخدم من شبكة علاقات شخصية إلى «مجتمعات اهتمام»، مستفيدة من قوتها العددية عبر دمج مجموعات «فيسبوك» الجاهزة داخل «فوروم».

ويوضح علي سعد لـ«الشرق الأوسط» ان «هذا الدمج يقلل تكلفة انتقال المستخدم ويجعل دخوله فورياً، بينما تخلق ميزة (اسأل) إحساساً بالاكتفاء داخل المنصة من دون الحاجة إلى المغادرة إلى محركات البحث التقليدية، لكن هذا الرهان يصطدم بعائق الخصوصية».

ويتابع أنه «بينما توفر منصة (ريديت) مساحة مجهولة لطرح الأسئلة الحساسة، تظل بيئة (ميتا) مرتبطة بالهوية الحقيقية؛ ما قد يحد من عمق التفاعل». ثم يضيف: «النتيجة المتوقعة هي نجاح في جذب المستخدم اليومي، مقابل صعوبة في استقطاب المجتمعات المتخصصة التي تفضل السرية».

من ناحية أخرى، فإن «ميتا» بطرحها تطبيق «فوروم» تدخل وفق الدكتور علي سعد «منطقة حساسة أخلاقياً وقانونياً مع سعيها لتغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات المستخدمين... والتحدي الأبرز هو الموافقة المستنيرة، حيث قد لا يدرك المستخدم أن مشاركاته الشخصية تُستخدم في تدريب النماذج، مع صعوبة حذف أثرها لاحقاً».

ثم يستطرد موضحاً: «إلى جانب ذلك، تلوح في الأفق مخاطر جودة البيانات، فالاعتماد على إجابات الجمهور يفتح الباب أمام التحيزات، والمعلومات المضللة، بل واحتمالات فساد المحتوى عمداً لتوجيه إجابات الذكاء الاصطناعي وجهات محددة». كذلك تزداد هذه المخاطر مع «احتمال تسرّب البيانات الحساسة رغم محاولات إخفاء الهوية؛ ما يضع (ميتا) تحت طائلة قيود تنظيمية صارمة، لا سيما في الاتحاد الأوروبي».

للعلم، يقوم مستخدمو «فوروم» بتسجيل الدخول عبر استخدام بيانات اعتماد حساباتهم على «فيسبوك». وبناءً على ذلك يجري استيراد مجموعاتهم تلقائياً داخل التطبيق. وسيكون بإمكان المستخدمين بعد ذلك المشاركة في مناقشات المجموعات، أو العثور على مجموعات ذات صلة بناءً على المواضيع التي يثير اهتمامهم بالفعل.

في سياق متصل، صرّح خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» في المملكة العربية السعودية ومصر، في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن شركة «ميتا» تعتمد «الاستنساخ الرقمي» استراتيجيةً راسخةً وممنهجة. ويلفت إلى انعكاس هذه الاستراتيجية بدءاً من اقتباس ميزة «القصص» من «سنابشات»، مروراً بـ«الريلز» لمواجهة صعود «تيك توك»، ووصولاً إلى إطلاق «ثريدز» بديلاً مباشراً لمنصة «إكس»، والآن «فوروم».

وأردف عبد الراضي: «تعود أسباب هذه الاستراتيجية بالأساس إلى طبيعة سوق المنافسة الشرسة بين منصات التكنولوجيا، فمع ظهور أي منتج جديد يلقى قبولاً جماهيرياً واسعاً، تلجأ الشركات الكبرى عادة إلى خيارين، إما الاستحواذ الكامل على هذا الوافد الناجح، أو إصدار نسخة مستنسخة ومطوّرة منه؛ وذلك لجذب مستخدمين».

وفي رأيه: «تتجاوز أهداف (ميتا) من استراتيجية الاستنساخ مجرد الهيمنة، بل هي تمتد إلى أن الاستنساخ أيضاً يعدّ خياراً اقتصادياً ذكياً يوفر تكاليف ابتكار الأفكار وتطويرها».


«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي