زعماء الدول القوية... شخصيات كاريزماتية بأساليب تواصل مختلفة مع الشعب

بين تغريدات وخطابات نارية ولغة «جوبيترية» وقائد صارم ودود

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

زعماء الدول القوية... شخصيات كاريزماتية بأساليب تواصل مختلفة مع الشعب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تختلف أساليب رؤساء الدول في التواصل مع مواطنيهم، ولكل منهم طريقته التي يحاول من خلالها استقطاب رأي الشارع العام في بلاده للاستفادة منه، في حملات انتخابية، أو ليسجل التاريخ عنه مدرسة بدأها قد يتبعها قادمون بعده.
الرئيس الأميركي ترمب الذي يفضل التواصل المباشر مع جمهوره عبر «تويتر»، من دون أي قيود أو كلمات منمقة، لطالما كرهها وابتعد عنها، إلى مؤتمرات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الماراثونية، وصورة الزعيم القوي الذي يختار أسلوب زيارات غير تقليدي من داخل غرفة قيادة القاذفة الاستراتيجية، أو من على متن غواصة، وغيرها، إلى اللغة الخطابية الفلسفية التي يتميز بها الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون، وقد وصفها كثيرون بأنها بعيدة عن لغة الشعب العادي، وهدوء الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي يحظى بشعبية واسعة بين مواطنيه.
رؤساء أربع دول عظيمة أو الأفضل القول نافذة اقتصادياً أو سياسياً، تستطيع بالتالي أن تؤثر بقراراتها على سياسيات دول العالم. كيف ولماذا يختلف التواصل بين رئيس وآخر مع شعبه وما تأثيرات المجتمع الذي ترعرع فيه على خطاباته؟
- ترمب والتواصل عبر «تويتر»
هو الرئيس الأول الذي اعتمد على سياسة «تويتر» للحديث مع شعبه. دونالد ترمب أحبط كل المحاولات الرامية إلى إقناعه بالتخلي عن منصته المفضلة بجملة واحدة: «هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكّنني من الحديث مباشرة مع الأميركيين». فعلاقته المتأرجحة مع الإعلام الأميركي أدت إلى غياب الثقة بنقل الخبر، فاختار أن ينقل الخبر بنفسه عبر تغريدات فاقت الـ11 ألف تغريدة حتى الساعة. أراد أن يوطد علاقته مع المواطنين ليكسب أصواتهم مرة أخرى. فغرد بشكل متواصل كل يوم مع بزوع الشمس وحتى ساعات متأخرة من الليل. واعتمد بشكل أساس على «تويتر».
لم يقتصر استخدام ترمب لـ«تويتر» على التواصل مع شعبه، بل أراد منه استفزاز معارضيه عبر استعمال المنصة وسيلة مستمرة للتواصل لا يمكن تجاهلها. معروف عن ترمب أنه في كل مرة يختلف مع مستشاريه على قضية معينة في المكتب البيضاوي، يتوجه إلى مكتبه يخرج هاتفه الجوال، ويقول: «هل تريدون مني أن أحسم الموضوع فوراً؟».
يعلم ترمب أن تغريدة واحدة منه ستصل إلى أكثر من 72 مليون من متابعيه على «تويتر»، وستحظى باهتمام وسائل الإعلام الأميركية والأجنبية على حد سواء. «أضغط على هذا الزر وخلال ثانيتين: لدينا خبر عاجل!»، هذا ما قاله في مؤتمر عقده مع شخصيات إعلامية محافظة في البيت الأبيض.
تعلُّق الرئيس الأميركي بـ«تويتر» لمخاطبة الأميركيين أقلق مساعديه في بداية عهده، فإلى جانب مواقفه اليومية التي يعرب فيها عن رأيه بالسياسات الداخلية، سن ترمب السياسات الخارجية على منصة التواصل الاجتماعي من دون تنسيق يُذكر مع مستشاريه، سواء من خلال الإعلان عن الانسحاب من سوريا، أو زيادة التعريفات على الصين، أو الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.
أمر أقلق مساعديه لدرجة أنهم فكروا في الطلب من «تويتر» تأخير إرسال تغريدات ترمب لـ15 دقيقة بعد كتابتها. لكنهم لاحظوا أنه لن يغير من ممارساته. وهذا ما فسرته مستشارة البيت الأبيض كيلي آن كونوي عندما قالت: «هو بحاجة للتغريد كحاجتنا لتناول الطعام».
يستمتع ترمب بالحديث من دون رقيب ومن دون الالتزام بنص سياسي، ويبرع في استقصاء طاقة داعميه عبر الحديث معهم مباشرة ورؤية ردود فعلهم. ومن الواضح أنه يتمتع بكاريزما في هذه التجمعات تغيب عن المؤتمرات والأحداث الرسمية. ولعل أبرز ما يظهر تفاعل الجمهور معه هو جملة لا تزال تُكرر في تجمعاته: «اسجنوها! اسجنوها!» في إشارة إلى منافسته السابقة هيلاري كلينتون، التي يتهمها ترمب بتسريب أسرار دولة من خلال استعمال أجهزة كومبيوتر خاصة بها.
- بوتين وخطابات من قاذفات استراتيجية
أتقن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لعبة» الإعلام بمهارة، منذ السنوات الأولى لصعوده في السلطة، من جهاز الاستخبارات إلى رئاسة الحكومة، ومن ثم رئاسة روسيا. وبرز مساران في نشاطاته الرامية إلى التأثير عبر الإعلام، إن كان على الرأي العام المحلي أو الدولي، في قضية معينة، أو ملفات بأكملها، وكذلك في تقديم نفسه بصورة القائد القوي القادر على حماية مصالح البلاد والاستماع للمواطنين، والإنسان البسيط الذي يخرج، حاله حال أي روسي، في رحلات صيد في أعماق غابات سيبيريا.
مهارة بوتين في استغلال الإعلام للتأثير على الرأي العام، وتأكيد اهتمامه المباشر بهواجس المواطنين، والقضايا التي تثير قلقهم، برزت أول مرة بصورة جلية قبل أسبوع على مشاركته في أول انتخابات رئاسية ربيع عام 2000. حينها وبينما كان يشغل منصب رئيس الحكومة والقائم بأعمال الرئيس، أجرى بوتين زيارة بأسلوب «غير تقليدي» للقوات الروسية التي كانت تشارك في «الحرب الشيشانية الثانية»، وفاجأ الجميع، حين ظهر وهو على كرسي «الطيار الثاني» يقود مقاتلة من طراز «سو - 27»، متجهاً إلى العاصمة الشيشانية، غروزني. رحلته الجوية تلك التي جاءت قبل أسبوع تقريباً على الانتخابات الرئاسية في 26 مارس (آذار) 2000. تركت أثراً كبيراً لدى المواطنين، الذين شعروا بأنهم أمام مرشح للرئاسة قوي، ويمكن التعويل عليه.
وفي السنوات اللاحقة، قدم بوتين مفاجآت أخرى شبيهة بتلك، وظهر عام 2005 وهو داخل غرفة قيادة القاذفة الاستراتيجية الحاملة للصواريخ «تو 160». وظهر عام 2019 وهو على متن غواصة غطس فيها يتفقد سفينة غرقت خلال معارك الحرب العالمية الثانية، وفي تسجيل آخر تناقلته وسائل الإعلام ظهر وهو يقود سيارة شحن حديثة صناعة وطنية من نوع «كاماز».
وكانت هناك تسجيلات أخرى يظهر فيها «بوتين الإنسان» و«بوتين والرياضي» منها مقطع فيديو له أثناء مداعبة نمر في محمية روسية، فضلاً عن تسجيلات له أثناء رحلات الصيد في سيبيريا، وأخرى أثناء مشاركته في مبارزة «الكاراتيه»، أو في لعبة «الهوكي على الجليد»، وغيرها.
في موازاة ذلك، حرص بوتين على الاستفادة من المنصات الدولية لعرض المواقف الروسية ورؤيته لبنية العالم، وجاء في هذا السياق خطابه «الناري» من على منبر «مؤتمر ميونيخ للأمن»، عام 2007. الذي حذر فيه من مخاطر منظومة «عالم أحادي القطب»، ووجه انتقادات حادة للغرب، ودعا للتعاون في بناء منظومة جديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة. وفي نهاية عام 2001. أطل بوتين عبر برنامج «على الهواء مباشر مع الرئيس فلاديمير بوتين»، كان البث المباشر مع إحدى القاعات في «الكرملين»، وتمكن المواطنون من توجيه أسئلة له إما عبر الهاتف أو الإنترنت، وكذلك عبر بث مباشر من مراكز بث خاصة في 10 أقاليم روسية. مع الوقت تحول «على الهواء مباشر مع فلاديمير بوتين» إلى تقليد سنوي، يجري بثه من داخل استوديو تلفزيوني. وفي الفترة ما بين 2008 و2012. أي حين كان رئيساً للوزراء قبل عودته للرئاسة، لم يتوقف بوتين عن تقليد الحوار سنوياً مع المواطنين، وأطلق برنامجاً باسم «حديث مع فلاديمير بوتين». ويتحدث بوتين بشكل تقليدي، سنوياً، مع الصحافيين من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، ضمن تقليد آخر تحت عنوان «المؤتمر الصحافي السنوي الكبير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، يُنظم في صالة مسرح «الكرملين»، ويُبث أيضاً على الهواء مباشرة، ويجيب فيه بوتين عن أسئلة الصحافيين المشاركين فقط.
- لغة ماكرون «جوبيترية»
لفهم اللغة الخطابية التي يلجأ إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتعين علينا أن نذكّر بملامح شخصيته. ماكرون هو الرئيس الأصغر سنا الذي ولج إلى قصر الإليزيه في تاريخ الجمهورية الفرنسية. يحمل حقيبة ثقافية ممتلئة: فبعد دراسة ثانوية محلية في مدرسة يسوعية، ثم في معهد العلوم السياسية في باريس، دخل معهد الإدارة العالي الذي يُعدّ مصهر النخب الفرنسية. ودرس المسرح والفلسفة وحصل على إجازة وماجستير. وعمل إلى جانب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وأهدى رسالتيه في الفلسفة إلى ماكيافيل وهيغيل. انتمى إلى الحزب الاشتراكي وتعرف على جاك أتالي، المستشار الخاص للرئيس الأسبق ميتران. يبين هذا السرد السريع أن حقيبة ماكرون الثقافية والعلمية ممتلئة حقاً.
بداية، ومنذ ما قبل وصوله إلى الرئاسة، تحدث ماكرون عما يسميه «عامودية السلطة» بمعنى أن القرار الأخير يعود لرئيس الجمهورية. وعمَّم معاونوه مبدأ «الرئيس جوبيتر». و«جوبيتر» في الميثولوجيا الرومانية هو «ملك الآلهة» أو «إله السماء» وهو صنو «زوس» في الميثولوجيا الإغريقية. ولذا اعتمد مبدأ «الكلام النادر» الذي يبتعد عن المقابلات الصحافية وعن التماسّ المباشر مع أهل الإعلام الأمر الذي شكل نقيضاً لما درج عليه الرئيس هولاند «الرئيس العادي». كذلك فإن معاونيه روجوا لفكرة أن ماكرون يتمتع بـ«تفكير بالغ التعقيد» ما يستتبع مباشرة لغة استثنائية تتوافق مع الصورة التي يريد أن يعطيها عن نفسه لدى الفرنسيين والآخرين.
روّج ماكرون، في سعيه للسلطة، لمبدأ تخطي اليمين واليسار التقليديين وبناء شيء «مختلف». لذا فإنه نظر لمفهوم «العالم الجديد» المناقض لـ«العالم القديم» وجعل منه معلماً رئيسياً من معالم محيطه. والمتعارف عليه أن الكلمات المستخدمة في السياسة توازي الفعل رغم أنها تسبقه. وبكلام آخر، فإن ماكرون، بلاغياً، بنى عالمه «الجديد» بكلمات وعبارات جديدة. كل ما يراه «شواذاً» نسبه إلى العالم «القديم»، وما رآه بناء وضعه في خانة «الجديد». لذا كثر الحديث في خطاباته عن «الأساسيات» التي نهض عليها بناؤه. وفي داخل هذا البناء، يدور العالم حول شخص الرئيس. من هنا، إكثاره في خطاباته من استخدام ضمير المتكلم مفرداً وجمعاً «أنا ونحن» بدل استخدام تعابير «حيادية» من غير هذا الضمير. ووفق الباحث اللغوي د. ميايافر التابع المركز الفرنسي للبحوث العلمية، فإن الإصرار على استخدام «الأنا» سخّر لبناء الصورة الشخصية للرئيس المهيب الذي يرسم ويقرر ويُطاع. واستخدام «نحن» لمزيد من الجلالة والقدرة. وفي كلتا الحالتين، يوظف استخدام المفردات في عملية بناء الصورة وفي ترتيب العلاقة بين مَن هو فوق، ومَن هو تحت. ثم تتعين الإشارة إلى أن معجم ماكرون غالباً ما يكون معقداً حين يلجأ إلى كلمات وعبارات لا يفهم كنهها الفرنسي العادي ولا المتوسط.
لم يستنفد ماكرون كنوز اللغة وحدها، بل طوع طريقة الكلام والصوت وتعابير الوجه وحركية اليدين، لإيصال الرسالة، وكلها تقنيات تدرِّب على استخدامها في فن المسرح، ولجأ إليها في خطاباته وفي مداخلاته التلفزيونية.
ما سبق يرسم صورة ماكرون «الأولى». إلا أن المتاعب والصعوبات التي لاقاها مع اندلاع حركة «السترات الصفراء» ثم الإضرابات التي واجهت إصلاحاته دفعته ليغير طريقة تعامله مع الفرنسيين من أجل تعديل صورة «الرئيس المتعالي»، لتحل محلها صورة الرئيس القريب من الناس والمهتم بشؤونهم وشجونهم اليومية والحياتية.
- شي القائد «الصارم والودود»
وصف مراقبون وخبراء أحاديث الرئيس الصيني شي جينبينغ للجماهير بأنها «تحظى بشعبية واسعة بين مواطنيه»، لافتين في هذا الصدد إلى أن «شي رسم صورة للقائد الصارم والودود في آن واحد».
تولى شي الحكم في الصين عام 2013. وحسب المراقبين فإنه «صاحب شخصية غير عادية، لكي يتمكن حتى يومنا هذا من إدارة دفة هذا البلد الهائل، بهدوء وسلام».
«جذب شي الأنظار إليه منذ السنوات الأولى له في الرئاسة، وعقد البعض مقارنات بينه وبين سلفه جينتاو، وذلك لتقديم شي نمطاً مختلفاً في القيادة، نجح من خلاله برسم صورة له في الداخل والخارج، كقائد يتميز بشخصية ودودة وصارمة في آن واحد»، وذلك حسبما قال جيفري وازرستروم، بروفسور التاريخ بجامعة كاليفورنيا، في تصريحات نقلتها عنه صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست».
واتفقت مع هذا الرأي جون توفيل درير، بروفسور العلوم السياسية بجامعة ميامي، التي أعربت عن اعتقادها بأن «الرئيس الصيني حاول إظهار حدوث تحول في أسلوب القيادة الصينية»، موضحة أن «شي يتميز بشخصية أكثر سلاسة وانبساطاً عن شخصية جينتاو، الذي كان أكثر تحفظاً»، حسبما ذكرت الصحيفة ذاتها.
درير أوضحت أيضاً أن «أحد الأسباب وراء تولي شي قيادة الحزب الشيوعي، أن الجماهير تثق به، بجانب كونه شخصاً قادراً على التواصل الجيد، وبث الثقة في نفوس الآخرين».
ويبدو توصيف «كوارتز» الإخباري، لأسلوب تواصل الرئيس الصيني مع شعبه، لا يحظى بالإجماع. ففي المقابل، اعتبرت مجلة «فوربس» الأميركية أن «شي، هو أول رئيس (شعبوي) للصين»، موضحة أنه «على خلاف الحال مع القيادات التقليدية للحزب الشيوعي الصيني، يبدو أن الرئيس الصيني أقرب ما يكون إلى السياسيين المحترفين، وذلك لما يبديه من اهتمام واضح بالرأي العام، تجلى ذلك في إعلانه فور توليه الرئاسة، عن حملة لمكافحة الفساد ومحاربة (ما يُعرف بالنمور)، في إشارة إلى عدد من (الفاسدين)، ما شكل خطوة أكيدة نحو جذب التأييد الشعبي للرئيس الصيني».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».