هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

مواضيع «الفيتو» والعلاقات مع ترمب وتوسيع عضوية الاتحاد

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا
TT

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

يُروى أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر أراد مرة أن يستمزج حلفاءه الأوروبيين في قضيّة خلافيّة بين واشنطن وموسكو، إلا أنه لم يتمكّن من تحديد الجهة التي ينبغي أن يتصّل بها في بروكسل – العاصمة البلجيكية والأوروبية – لمعرفة موقف الاتحاد الأوروبي منها، فأطلق تساؤله الشهير: «هل من يدلّني على نظيري في الاتحاد الأوروبي؟».
يقال إن هذا السؤال هو الذي دفع بالاتحاد الأوروبي إلى استحداث منصب المسؤول الأعلى عن السياسة الخارجية الأوروبية. وهو المنصب الذي كان أوّل من تولّاه، في عام 1999، وزير الخارجية الإسباني الأسبق الاشتراكي خافيير سولانا، قبل أن يُسند إليه، بعد ذلك، منصب الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي (ناتو).
أُسّس الاتحاد الأوروبي، في أواخر عام 1993، على الدعائم التي كانت قد وطّدتها «السوق الأوروبية المشتركة»، التي بدورها انبثقت عن «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» وريثة «المجموعة الأوروبية للفحم والصُلب». تلك كانت النواة المؤسسة للمشروع الأوروبي، ولقد كان راسخاً في اعتقاد دعاة هذا المشروع أنه لا يمكن أن يكتمل في غياب سياسة خارجية ودفاعية موحّدة. غير أن الكل كان يدرك أن أمام هذا الاكتمال عقبات كثيرة يصعب تذليلها، وحساسيات ليس من السهل تجاوزها لكونها تمسّ جوهر السيادة الوطنية التي يكاد يكون من المستحيل للدول أن تتنازل عنها أو أن تفرّط بها.
رغم ذلك نجح الأوروبيّون في تضمين معاهدة إنشاء الاتحاد ما يمكن اعتباره المدماك الأول للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة بهدف «الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون الدولي وتطوير النظم الديمقراطية وتوطيدها والنهوض بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية». وكان لا بد من الانتظار حتى عام 1997 والمفاوضات «الماراثونية» الصعبة التي دارت في «قمّة أمستردام» (هولندا) للاتفاق على آلية جديدة أكثر فاعلية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية. وكانت هذه تقوم على مبدأ «الامتناع البنّاء» والتصويت بالغالبية المشروطة لمنع الدول الأعضاء من ممارسة «حق النقض» (الفيتو) داخل «المجلس الأوروبي»، مع أن سقف الغالبية المطلوبة كان عالياً بحيث يكاد يوازي «الفيتو» في القرارات الحسّاسة.
في عام 2003 أقرّت الدول الأعضاء في «قمّة نيس» (فرنسا) إضافة تعديلات على آليّة القرار تهدف إلى ترشيدها، وكلّفت لجنة الأمن والسياسة التي كان المجلس قد أنشأها عام 2001 الإشراف السياسي والاستراتيجي على عمليات إدارة الأزمات. ثم، في عام 2009 قرّرت «قمّة لشبونة» (البرتغال) استحداث منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية والرئيس الدائم للمجلس الأوروبي، وتعزيز سياسة الأمن والدفاع التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية. وكان أوّل من تولّى المنصب الجديد البريطانية كاترين آشتون، ثم خلفتها الإيطالية فيديريكا موغيريني حتى أواخر العام الماضي، عندما تشكّلت المفوضّية الجديدة برئاسة الألمانية أورسولا فان در لاين، ووقع الاختيار على وزير الخارجية الإسباني جوزيب بورّيل ليكون الوجه الجديد للسياسة الخارجية الأوروبية.

ما بعد خروج بريطانيا
مع بداية عهد المفوضية الجديدة كان الاتحاد الأوروبي قد خسر أحد أعضائه البارزين للمرة الأولى منذ تأسيسه مع خروج بريطانيا – المملكة المتحدة – من الأسرة الأوروبية. ولقد جاء خروج بريطانيا بينما كانت الأزمات الخارجية والداخلية تتراكم بشكل غير مسبوق على مائدة الاتحاد، الذي ما زالت سياسته الخارجية مقصورة على إطفاء الحرائق وتقديم المساعدات، ومتعثرة بطيئة في آلياتها، وعاجزة عن توحيد المواقف والتأثير في المشهد الدولي بما يتناسب مع القوة الاقتصادية والوزن الديمغرافي والجغرافي للاتحاد.
ومع خروج بريطانيا رأى المتحمّسون لسياسة خارجية أوروبية أكثر فاعلية، وفي طليعتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فرصة سانحة للارتقاء بهذه السياسة إلى مرتبة أعلى من السرعة في اتخاذ القرار، ومدّه بالمقوّمات المؤثرة في المحافل الدولية، بما يضمن للاتحاد الدور الوازن الذي يحلم به الأوروبيون في لعبة المحاور.
ومنذ خريف العام الماضي، ينكبّ فريق من الخبراء القانونيين والمحللّين الاستراتيجيين على تصوّر جديد للسياسة الخارجية الأوروبية، أصبح جاهزاً لمناقشته وبتّه في القمّة المقبلة، التي تقول مصادر المفوضيّة إنها ستشهد ولادة «مفهوم جديد في علاقات الاتحاد الخارجية يتماشى مع القدرات الأوروبية والمبادئ الأساسية التي قام عليها الاتحاد».
وينطلق هذا التصوّر من «الحاجة الملحّة إلى الخروج من الشلل الذي تفرضه قاعدة الإجماع في القضايا الحسّاسة»، واعتماد آليّة جديدة لاتخاذ القرار في السياسة الخارجية بسرعات مختلفة تتيح «تحييد» الدول الأعضاء التي تتردّد عادة في الانضمام إلى موقف أوروبي مشترك. وتفيد مصادر المفوضية بأن الهدف من الآليّة الجديدة هو تمكين الاتحاد من اتخاذ موقف واحد، واضح وحازم، وبسرعة، من القضايا والأزمات الدولية التي تتفاعل بسرعة تتجاوز الوتيرة البطيئة لآليات القرار داخل المؤسسات الأوروبية.

قرارات بالغالبية البسيطة
يقول مسؤول أوروبي، إن الاتحاد الأوروبي في أمسّ الحاجة اليوم إلى قرارات تُتخَذ بالغالبية البسيطة في الشؤون الخارجية، وعندما يقتضي الأمر، إلى تشكيل تحالفات تقتصر على الدول المستعدّة للتحرّك الجدّي في أزمات معيّنة. ويضرب المسؤول مثالاً على ذلك البيان الذي صدر أخيراً عن الاتحاد الأوروبي لرفض «صفقة القرن» التي اقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول أزمة الشرق الأوسط - إذ رفضتها 25 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتحفظّت اثنتان - أو العملية البحرية التي قادتها فرنسا في مضيق هرمز وانضمّت إليها 7 دول لاحقاً.
بعض القادة الأوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبنسبة أقل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، يذهبون أبعد من ذلك، فيقترحون اعتماد هذا المبدأ وتعميمه على مجالات أخرى من النشاط الأوروبي، مثل السياسة المالية أو الاجتماعية. ويقترح ماكرون أن تصبح هذه قاعدة العمل في النادي الأوروبي، الذي شهد بعد توسيعه السريع، خلال السنوات الأخيرة، تزايد التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والتاريخي بين أعضائه، وتفاقم التشتّت السياسي، بينما راحت شهيّة التكامل والاندماج تتراجع في عدد من العواصم الأوروبية.
من جهة ثانية، يؤكد مسؤول دبلوماسي من الحلقة الضيّقة حول الممثل الأعلى للسياسة الخارجية، الذي تولّى مهامه رسمياً مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن بورّيل «ليس مستعدّاً للانتظار طويلاً، وهو يحاول التوصّل إلى إجماع أوروبي حول أزمة أو قضيّة معّينة، بحيث عندما يتحقق هذا الإجماع يكون قد فات الأوان ويأتي مشفوعاً بشروط كثيرة تنزع منه أي قدرة على التأثير».
ويضرب المسؤول مثالاً على ذلك ردّ الممثل الأعلى على مبادرة الرئيس الأميركي لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إذ يذكر أن الممثّل الأعلى أعلن، بعد أربعة أيام من طرح المبادرة، الرفض الأوروبي القاطع لها، وحذّر إسرائيل من أن الاتحاد الأوروبي سيطعن في أي احتلال للأراضي الفلسطينية ينشأ عن المبادرة. هذا، وتجدر الإشارة إلى أن الرفض الأوروبي لخطة ترمب أعلنه بورّيل كموقف للاتحاد الأوروبي اتخذته الدول الأعضاء بأكثرية ساحقة بهدف التقليل من أهمية الاعتراض عليه. ولقد أثار الإعلان عن الموقف الأوروبي ردّاً عنيفاً من الجانب الإسرائيلي، في حين سارعت الحكومة المجرية اليمينية المتشدّدة - التي اعتادت الخروج عن الإجماع الأوروبي - إلى تأكيد معارضتها لتصريحات الممثل الأعلى وأبلغت واشنطن وتل أبيب أنها لا توافق عليها. لكن رغم ذلك كان رفض «صفقة القرن» قد أصبح هو الموقف الأوروبي الرسمي على الساحة الدولية.
وفي المقاربة الجديدة للسياسة الخارجية الأوروبية يعتبر خبراء المفوضية أن «الإجماع سيبقى مستحيلاً في القريب المنظور حول القضايا الكبرى، ولن يكون من السهل إرساء أسس ثقافة استراتيجية مشتركة؛ لأن لكل دولة تقاليدها وتاريخها في هذا المجال». غير أن هؤلاء يؤكدون أن الرئيسة الجديدة للمفوضية، وهي الوزيرة الألمانية السابقة أورسولا فان در لاين، وكذلك رئيس «المجلس الأوروبي» البلجيكي شارل ميشال، على اقتناع تام بأن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يستمرّ رهينة لقاعدة الإجماع، بعد خروج بريطانيا.
وحقاً، بدأت دول عدة في الاتحاد، مثل إسبانيا وهولندا وبلجيكا، تميل علناً إلى تأييد فكرة الرئيس الفرنسي بإنشاء ما يسمّيه ماكرون «الدوائر المتداخلة»، وقبول دعوته إلى الاقتداء بتجربة «اتفاق شينغن»، الذي اقتصر في البداية على خمس دول ليشمل اليوم 26 دولة، منها أربع خارج الاتحاد الأوروبي. ولا تتردد دول مثل هولندا بالمطالبة بتطبيق قاعدة الغالبية على جميع قرارات السياسة الخارجية، كالعقوبات الاقتصادية على روسيا وفنزويلا، من غير إعطاء حق النقض لأي من الأعضاء.

«حق النقض» المستحيل
مع ذلك، إلغاء «حق النقض» (الفيتو) يواجه عقبة شبه مستحيلة؛ لأن إقراره يحتاج إلى إجماع الدول الأعضاء، وهذا ما ليس متاحاً في الوقت الحاضر. لذا؛ يميل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية إلى تجاوز «الفيتو» باللجوء إلى حلول براغماتية، حتى إذا استدعى الأمر البحث عنها خارج الإطار القانوني الأوروبي المعقّد كما حصل أخيراً عندما تمكّن «المجلس الأوروبي» من تجاوز «فيتو» بولندا على «الميثاق الأخضر»، واكتفت القمة بتسجيل الاعتراض البولندي في نص الاتفاق من غير أن يحول ذلك دون مضي المفوضيّة في الإجراءات التشريعية اللازمة لتنفيذ الميثاق. ويتوقّع خبراء المفوضية أن يفرض هذا النهج البراغماتي نفسه على السياسة الخارجية والدفاعية الأوروبية التي تعتبر أرضاً خصبة لمشاركة مجموعات من الدول الأعضاء في سياسات أو عمليات تقع ضمن نطاق مصالحها الحيوية والاستراتيجية، كما حصل أخيراً عندما أطلقت فرنسا من قاعدتها البحرية في أبوظبي عملية لحماية النقل البحري في مضيق هرمز بعد الاعتداءات والتهديدات الإيرانية الأخيرة.
وكان الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية بورّيل قد أعلن في ميونيخ خلال مشاركته في مؤتمر الأمن السنوي أن «أوروبا في حاجة إلى تنمية شهيتها للسلطة»، ودعا إلى المزيد من المرونة والاستقلالية في السياسة الخارجية، مؤكداً على ما كان قد عرضه سابقاً الرئيس الفرنسي ماكرون. وقال بورّيل، إن التحديات التي تتراكم أمام الاتحاد الأوروبي، في الداخل كما في الخارج، «لا يمكن التصدّي لها فقط بالإعراب عن القلق، بل بتوافر الرغبة في التحرّك واستخدام لغة القوة والتخلّي عن قاعدة الإجماع عند الاقتضاء».
في أي حال، «لغة القوة» في قاموس المفوضية الجديدة لا تقتصر على القوة العسكرية، بل يجب أن تشمل جوانب عديدة أخرى، مثل مكافحة تغيّر المناخ. وهنا يعكف فريق من الخبراء على وضع «دبلوماسية مناخية» لأن الجهود الأوروبية، مهما بلغت، لن تكون كافية في غياب توافق دولي واسع في هذا المجال. ومن الإجراءات التي تلحظها هذه الدبلوماسية أن يكون تغيّر المناخ بنداً ثابتاً في كل مفاوضات تجارية يخوضها الاتحاد. وكذلك، بالنسبة لاحترام حقوق الإنسان وفرض قاعدة الغالبية في كل ما يتصّل بها من قرارات.

العلاقات مع ترمب
على صعيد آخر، العلاقات مع الولايات المتحدة ما زالت تثير متاعب كثيرة داخل البيت الأوروبي منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وهي مرشّحة لمزيد من التعقيدات إذا ما أعيد انتخابه في الخريف المقبل. وترى المفوضية الجديدة «أن المصارحة هي السبيل الأفضل لمقاربة هذه العلاقات الحيوية بالنسبة للأوروبيين. ولا بد من القبول بأن ثمّة اختلافاً جوهريّاً في الرأي حول بعض القضايا مع الإدارة الأميركية الحالية، مثل الاتفاق النووي مع إيران».
وتدعو الرؤية الجديدة للسياسة الخارجية الأوروبية إلى تجاوز الاكتفاء بمعارضة الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني أو خطة السلام للشرق الأوسط؛ لاقتناع الأوروبيين بأنها لن تحقق النتيجة المنشودة. ومن ثم، فهم يرون أن يكون الاتحاد الأوروبي قادراً على طرح حلول أو أفكار بديلة ومستعداً لذلك.
«ناتو» بالنسبة للأوروبيين لا يزال ضرورة حيوية في نظر المفوضية الجديدة «لأن أوروبا ليست قادرة وحدها على الدفاع عن نفسها». إلا أنهم، في المقابل، يعتقدون أنه لا يجوز أن أوروبا تقع فريسة «لعبة المحاور» التي تجنح اليوم نحو ثنائية جديدة بين بكّين وواشنطن. وفي التصوّر الجديد للسياسة الخارجية الأوروبية، أن الحرب التجارية الدائرة بين الصين والولايات المتحدة تخفي الصراع الحقيقي بين العملاقين، ألا وهو الصراع التكنولوجي الذي كانت المعركة حول شبكة الجيل الخامس من الاتصالات أولى تجلّياته. ويشدّد هذا التصوّر على أن يكون للبلدان الأوروبية سياستها التجارية مع الصين مستقلّة عن المصالح الأميركية.
بيد أن هذا التصوّر الجديد، الذي تضع فرنسا كامل زخمها خلفه، ما زال يواجَه بتردّد من جانب ألمانيا التي انتقد ماكرون أخيراً قلة تجاوبها مع مقترحاته، وتحدّث عن «نفاد الصبر» إزاء صمت المستشارة ميركل. لكن المفاجأة جاءت من الداخل الألماني عندما تعرّضت ميركل نفسها للانتقاد في صفوف حزبها بسبب إحجامها، حتى الآن، عن ملاقاة الرئيس الفرنسي ودعم مقترحاته لتعديل آليات العمل واتخاذ القرار داخل المؤسسات الأوروبي في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها الاتحاد. وكان لافتاً أن الانتقادات الأقسى جاءت على لسان آرمين لاسخيت، رئيس حكومة ولاية الراين الشمالي ووستفاليا (رينانيا)، الذي هو المرشّح الأوفر حظاً لخلافة ميركل في زعامة حزبها الديمقراطي المسيحي. وقال لاسخيت «الرئيس الفرنسي يتقدّم باقتراحات ونحن نتباطأ في الردّ والتجاوب معها، وكنت أتمنى حدوث العكس في مثل هذه المرحلة المصيرية».

موضوع التوسعة
كذلك يدعو الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية إلى إعادة النظر في «سياسة التوسعة» التي قال إنها أظهرت قصورها، خاصة بالنسبة لدول البلقان الغربي التي تقف منذ سنوات في طابور الانتظار للدخول إلى النادي الأوروبي. إلا أن جهات أخرى في الاتحاد، يتقدّمها شارل ميشال، رئيس «المجلس الأوروبي»، تذهب في الاتجاه المعاكس وتدعو إلى تجنّب التسرّع في إطلاق موجة جديدة من التوسيع قبل معالجة الأزمات الداخلية التي ما زالت تشكّل خطراً على تماسك المشروع الأوروبي.
ويقول مقرّبون من بورّيل، إنه عازم على الدفاع عن تصوّره للسياسة الخارجية الأوروبية حتى النهاية، مهما كانت الصعوبات، وينقلون عنه «إذا لم يتحرّك الأوروبيون أمام سياسات ترمب وبوتين وإردوغان، فإنهم لن يتحركوا أبداً».

الدول الأعضاء... وتاريخ انضمامها
بلجيكا........... دولة مؤسسة
فرنسا........... دولة مؤسسة
ألمانيا*........... دولة مؤسسة (عندما كانت ألمانيا الغربية، أو الاتحادية)*
إيطاليا.......... دولة مؤسسة
لوكسمبورغ... دولة مؤسسة
هولندا.......... دولة مؤسسة
الدنمارك...... أول يناير (كانون الثاني) 1973
آيرلندا......... أول يناير 1973
اليونان........ أول يناير 1981
البرتغال...... أول يناير 1986
إسبانيا........ أول يناير 1986
النمسا......... أول يناير 1995
فنلندا.......... أول يناير 1995
السويد........ أول يناير 1995
قبرص........ أول مايو (أيار) 2004
تشيكيا......... أول مايو 2004
إستونيا........ أول مايو 2004
المجر......... أول مايو 2004
سلوفاكيا...... أول مايو 2004
سلوفينيا...... أول مايو 2004
لاتفيا.......... أول مايو 2004
ليتوانيا....... أول مايو 2004
مالطا........ أول مايو 2004
بولندا........ أول مايو 2004
بلغاريا....... أول يناير 2007
رومانيا...... أول يناير 2007
كرواتيا...... أول يوليو (تموز) 2013
بريطانيا..... انضمت في أول يناير 1973 وخرجت رسميــــاً يوم 31 يناير 2020



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟