هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

مواضيع «الفيتو» والعلاقات مع ترمب وتوسيع عضوية الاتحاد

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا
TT

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

يُروى أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر أراد مرة أن يستمزج حلفاءه الأوروبيين في قضيّة خلافيّة بين واشنطن وموسكو، إلا أنه لم يتمكّن من تحديد الجهة التي ينبغي أن يتصّل بها في بروكسل – العاصمة البلجيكية والأوروبية – لمعرفة موقف الاتحاد الأوروبي منها، فأطلق تساؤله الشهير: «هل من يدلّني على نظيري في الاتحاد الأوروبي؟».
يقال إن هذا السؤال هو الذي دفع بالاتحاد الأوروبي إلى استحداث منصب المسؤول الأعلى عن السياسة الخارجية الأوروبية. وهو المنصب الذي كان أوّل من تولّاه، في عام 1999، وزير الخارجية الإسباني الأسبق الاشتراكي خافيير سولانا، قبل أن يُسند إليه، بعد ذلك، منصب الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي (ناتو).
أُسّس الاتحاد الأوروبي، في أواخر عام 1993، على الدعائم التي كانت قد وطّدتها «السوق الأوروبية المشتركة»، التي بدورها انبثقت عن «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» وريثة «المجموعة الأوروبية للفحم والصُلب». تلك كانت النواة المؤسسة للمشروع الأوروبي، ولقد كان راسخاً في اعتقاد دعاة هذا المشروع أنه لا يمكن أن يكتمل في غياب سياسة خارجية ودفاعية موحّدة. غير أن الكل كان يدرك أن أمام هذا الاكتمال عقبات كثيرة يصعب تذليلها، وحساسيات ليس من السهل تجاوزها لكونها تمسّ جوهر السيادة الوطنية التي يكاد يكون من المستحيل للدول أن تتنازل عنها أو أن تفرّط بها.
رغم ذلك نجح الأوروبيّون في تضمين معاهدة إنشاء الاتحاد ما يمكن اعتباره المدماك الأول للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة بهدف «الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون الدولي وتطوير النظم الديمقراطية وتوطيدها والنهوض بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية». وكان لا بد من الانتظار حتى عام 1997 والمفاوضات «الماراثونية» الصعبة التي دارت في «قمّة أمستردام» (هولندا) للاتفاق على آلية جديدة أكثر فاعلية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية. وكانت هذه تقوم على مبدأ «الامتناع البنّاء» والتصويت بالغالبية المشروطة لمنع الدول الأعضاء من ممارسة «حق النقض» (الفيتو) داخل «المجلس الأوروبي»، مع أن سقف الغالبية المطلوبة كان عالياً بحيث يكاد يوازي «الفيتو» في القرارات الحسّاسة.
في عام 2003 أقرّت الدول الأعضاء في «قمّة نيس» (فرنسا) إضافة تعديلات على آليّة القرار تهدف إلى ترشيدها، وكلّفت لجنة الأمن والسياسة التي كان المجلس قد أنشأها عام 2001 الإشراف السياسي والاستراتيجي على عمليات إدارة الأزمات. ثم، في عام 2009 قرّرت «قمّة لشبونة» (البرتغال) استحداث منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية والرئيس الدائم للمجلس الأوروبي، وتعزيز سياسة الأمن والدفاع التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية. وكان أوّل من تولّى المنصب الجديد البريطانية كاترين آشتون، ثم خلفتها الإيطالية فيديريكا موغيريني حتى أواخر العام الماضي، عندما تشكّلت المفوضّية الجديدة برئاسة الألمانية أورسولا فان در لاين، ووقع الاختيار على وزير الخارجية الإسباني جوزيب بورّيل ليكون الوجه الجديد للسياسة الخارجية الأوروبية.

ما بعد خروج بريطانيا
مع بداية عهد المفوضية الجديدة كان الاتحاد الأوروبي قد خسر أحد أعضائه البارزين للمرة الأولى منذ تأسيسه مع خروج بريطانيا – المملكة المتحدة – من الأسرة الأوروبية. ولقد جاء خروج بريطانيا بينما كانت الأزمات الخارجية والداخلية تتراكم بشكل غير مسبوق على مائدة الاتحاد، الذي ما زالت سياسته الخارجية مقصورة على إطفاء الحرائق وتقديم المساعدات، ومتعثرة بطيئة في آلياتها، وعاجزة عن توحيد المواقف والتأثير في المشهد الدولي بما يتناسب مع القوة الاقتصادية والوزن الديمغرافي والجغرافي للاتحاد.
ومع خروج بريطانيا رأى المتحمّسون لسياسة خارجية أوروبية أكثر فاعلية، وفي طليعتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فرصة سانحة للارتقاء بهذه السياسة إلى مرتبة أعلى من السرعة في اتخاذ القرار، ومدّه بالمقوّمات المؤثرة في المحافل الدولية، بما يضمن للاتحاد الدور الوازن الذي يحلم به الأوروبيون في لعبة المحاور.
ومنذ خريف العام الماضي، ينكبّ فريق من الخبراء القانونيين والمحللّين الاستراتيجيين على تصوّر جديد للسياسة الخارجية الأوروبية، أصبح جاهزاً لمناقشته وبتّه في القمّة المقبلة، التي تقول مصادر المفوضيّة إنها ستشهد ولادة «مفهوم جديد في علاقات الاتحاد الخارجية يتماشى مع القدرات الأوروبية والمبادئ الأساسية التي قام عليها الاتحاد».
وينطلق هذا التصوّر من «الحاجة الملحّة إلى الخروج من الشلل الذي تفرضه قاعدة الإجماع في القضايا الحسّاسة»، واعتماد آليّة جديدة لاتخاذ القرار في السياسة الخارجية بسرعات مختلفة تتيح «تحييد» الدول الأعضاء التي تتردّد عادة في الانضمام إلى موقف أوروبي مشترك. وتفيد مصادر المفوضية بأن الهدف من الآليّة الجديدة هو تمكين الاتحاد من اتخاذ موقف واحد، واضح وحازم، وبسرعة، من القضايا والأزمات الدولية التي تتفاعل بسرعة تتجاوز الوتيرة البطيئة لآليات القرار داخل المؤسسات الأوروبية.

قرارات بالغالبية البسيطة
يقول مسؤول أوروبي، إن الاتحاد الأوروبي في أمسّ الحاجة اليوم إلى قرارات تُتخَذ بالغالبية البسيطة في الشؤون الخارجية، وعندما يقتضي الأمر، إلى تشكيل تحالفات تقتصر على الدول المستعدّة للتحرّك الجدّي في أزمات معيّنة. ويضرب المسؤول مثالاً على ذلك البيان الذي صدر أخيراً عن الاتحاد الأوروبي لرفض «صفقة القرن» التي اقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول أزمة الشرق الأوسط - إذ رفضتها 25 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتحفظّت اثنتان - أو العملية البحرية التي قادتها فرنسا في مضيق هرمز وانضمّت إليها 7 دول لاحقاً.
بعض القادة الأوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبنسبة أقل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، يذهبون أبعد من ذلك، فيقترحون اعتماد هذا المبدأ وتعميمه على مجالات أخرى من النشاط الأوروبي، مثل السياسة المالية أو الاجتماعية. ويقترح ماكرون أن تصبح هذه قاعدة العمل في النادي الأوروبي، الذي شهد بعد توسيعه السريع، خلال السنوات الأخيرة، تزايد التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والتاريخي بين أعضائه، وتفاقم التشتّت السياسي، بينما راحت شهيّة التكامل والاندماج تتراجع في عدد من العواصم الأوروبية.
من جهة ثانية، يؤكد مسؤول دبلوماسي من الحلقة الضيّقة حول الممثل الأعلى للسياسة الخارجية، الذي تولّى مهامه رسمياً مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن بورّيل «ليس مستعدّاً للانتظار طويلاً، وهو يحاول التوصّل إلى إجماع أوروبي حول أزمة أو قضيّة معّينة، بحيث عندما يتحقق هذا الإجماع يكون قد فات الأوان ويأتي مشفوعاً بشروط كثيرة تنزع منه أي قدرة على التأثير».
ويضرب المسؤول مثالاً على ذلك ردّ الممثل الأعلى على مبادرة الرئيس الأميركي لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إذ يذكر أن الممثّل الأعلى أعلن، بعد أربعة أيام من طرح المبادرة، الرفض الأوروبي القاطع لها، وحذّر إسرائيل من أن الاتحاد الأوروبي سيطعن في أي احتلال للأراضي الفلسطينية ينشأ عن المبادرة. هذا، وتجدر الإشارة إلى أن الرفض الأوروبي لخطة ترمب أعلنه بورّيل كموقف للاتحاد الأوروبي اتخذته الدول الأعضاء بأكثرية ساحقة بهدف التقليل من أهمية الاعتراض عليه. ولقد أثار الإعلان عن الموقف الأوروبي ردّاً عنيفاً من الجانب الإسرائيلي، في حين سارعت الحكومة المجرية اليمينية المتشدّدة - التي اعتادت الخروج عن الإجماع الأوروبي - إلى تأكيد معارضتها لتصريحات الممثل الأعلى وأبلغت واشنطن وتل أبيب أنها لا توافق عليها. لكن رغم ذلك كان رفض «صفقة القرن» قد أصبح هو الموقف الأوروبي الرسمي على الساحة الدولية.
وفي المقاربة الجديدة للسياسة الخارجية الأوروبية يعتبر خبراء المفوضية أن «الإجماع سيبقى مستحيلاً في القريب المنظور حول القضايا الكبرى، ولن يكون من السهل إرساء أسس ثقافة استراتيجية مشتركة؛ لأن لكل دولة تقاليدها وتاريخها في هذا المجال». غير أن هؤلاء يؤكدون أن الرئيسة الجديدة للمفوضية، وهي الوزيرة الألمانية السابقة أورسولا فان در لاين، وكذلك رئيس «المجلس الأوروبي» البلجيكي شارل ميشال، على اقتناع تام بأن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يستمرّ رهينة لقاعدة الإجماع، بعد خروج بريطانيا.
وحقاً، بدأت دول عدة في الاتحاد، مثل إسبانيا وهولندا وبلجيكا، تميل علناً إلى تأييد فكرة الرئيس الفرنسي بإنشاء ما يسمّيه ماكرون «الدوائر المتداخلة»، وقبول دعوته إلى الاقتداء بتجربة «اتفاق شينغن»، الذي اقتصر في البداية على خمس دول ليشمل اليوم 26 دولة، منها أربع خارج الاتحاد الأوروبي. ولا تتردد دول مثل هولندا بالمطالبة بتطبيق قاعدة الغالبية على جميع قرارات السياسة الخارجية، كالعقوبات الاقتصادية على روسيا وفنزويلا، من غير إعطاء حق النقض لأي من الأعضاء.

«حق النقض» المستحيل
مع ذلك، إلغاء «حق النقض» (الفيتو) يواجه عقبة شبه مستحيلة؛ لأن إقراره يحتاج إلى إجماع الدول الأعضاء، وهذا ما ليس متاحاً في الوقت الحاضر. لذا؛ يميل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية إلى تجاوز «الفيتو» باللجوء إلى حلول براغماتية، حتى إذا استدعى الأمر البحث عنها خارج الإطار القانوني الأوروبي المعقّد كما حصل أخيراً عندما تمكّن «المجلس الأوروبي» من تجاوز «فيتو» بولندا على «الميثاق الأخضر»، واكتفت القمة بتسجيل الاعتراض البولندي في نص الاتفاق من غير أن يحول ذلك دون مضي المفوضيّة في الإجراءات التشريعية اللازمة لتنفيذ الميثاق. ويتوقّع خبراء المفوضية أن يفرض هذا النهج البراغماتي نفسه على السياسة الخارجية والدفاعية الأوروبية التي تعتبر أرضاً خصبة لمشاركة مجموعات من الدول الأعضاء في سياسات أو عمليات تقع ضمن نطاق مصالحها الحيوية والاستراتيجية، كما حصل أخيراً عندما أطلقت فرنسا من قاعدتها البحرية في أبوظبي عملية لحماية النقل البحري في مضيق هرمز بعد الاعتداءات والتهديدات الإيرانية الأخيرة.
وكان الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية بورّيل قد أعلن في ميونيخ خلال مشاركته في مؤتمر الأمن السنوي أن «أوروبا في حاجة إلى تنمية شهيتها للسلطة»، ودعا إلى المزيد من المرونة والاستقلالية في السياسة الخارجية، مؤكداً على ما كان قد عرضه سابقاً الرئيس الفرنسي ماكرون. وقال بورّيل، إن التحديات التي تتراكم أمام الاتحاد الأوروبي، في الداخل كما في الخارج، «لا يمكن التصدّي لها فقط بالإعراب عن القلق، بل بتوافر الرغبة في التحرّك واستخدام لغة القوة والتخلّي عن قاعدة الإجماع عند الاقتضاء».
في أي حال، «لغة القوة» في قاموس المفوضية الجديدة لا تقتصر على القوة العسكرية، بل يجب أن تشمل جوانب عديدة أخرى، مثل مكافحة تغيّر المناخ. وهنا يعكف فريق من الخبراء على وضع «دبلوماسية مناخية» لأن الجهود الأوروبية، مهما بلغت، لن تكون كافية في غياب توافق دولي واسع في هذا المجال. ومن الإجراءات التي تلحظها هذه الدبلوماسية أن يكون تغيّر المناخ بنداً ثابتاً في كل مفاوضات تجارية يخوضها الاتحاد. وكذلك، بالنسبة لاحترام حقوق الإنسان وفرض قاعدة الغالبية في كل ما يتصّل بها من قرارات.

العلاقات مع ترمب
على صعيد آخر، العلاقات مع الولايات المتحدة ما زالت تثير متاعب كثيرة داخل البيت الأوروبي منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وهي مرشّحة لمزيد من التعقيدات إذا ما أعيد انتخابه في الخريف المقبل. وترى المفوضية الجديدة «أن المصارحة هي السبيل الأفضل لمقاربة هذه العلاقات الحيوية بالنسبة للأوروبيين. ولا بد من القبول بأن ثمّة اختلافاً جوهريّاً في الرأي حول بعض القضايا مع الإدارة الأميركية الحالية، مثل الاتفاق النووي مع إيران».
وتدعو الرؤية الجديدة للسياسة الخارجية الأوروبية إلى تجاوز الاكتفاء بمعارضة الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني أو خطة السلام للشرق الأوسط؛ لاقتناع الأوروبيين بأنها لن تحقق النتيجة المنشودة. ومن ثم، فهم يرون أن يكون الاتحاد الأوروبي قادراً على طرح حلول أو أفكار بديلة ومستعداً لذلك.
«ناتو» بالنسبة للأوروبيين لا يزال ضرورة حيوية في نظر المفوضية الجديدة «لأن أوروبا ليست قادرة وحدها على الدفاع عن نفسها». إلا أنهم، في المقابل، يعتقدون أنه لا يجوز أن أوروبا تقع فريسة «لعبة المحاور» التي تجنح اليوم نحو ثنائية جديدة بين بكّين وواشنطن. وفي التصوّر الجديد للسياسة الخارجية الأوروبية، أن الحرب التجارية الدائرة بين الصين والولايات المتحدة تخفي الصراع الحقيقي بين العملاقين، ألا وهو الصراع التكنولوجي الذي كانت المعركة حول شبكة الجيل الخامس من الاتصالات أولى تجلّياته. ويشدّد هذا التصوّر على أن يكون للبلدان الأوروبية سياستها التجارية مع الصين مستقلّة عن المصالح الأميركية.
بيد أن هذا التصوّر الجديد، الذي تضع فرنسا كامل زخمها خلفه، ما زال يواجَه بتردّد من جانب ألمانيا التي انتقد ماكرون أخيراً قلة تجاوبها مع مقترحاته، وتحدّث عن «نفاد الصبر» إزاء صمت المستشارة ميركل. لكن المفاجأة جاءت من الداخل الألماني عندما تعرّضت ميركل نفسها للانتقاد في صفوف حزبها بسبب إحجامها، حتى الآن، عن ملاقاة الرئيس الفرنسي ودعم مقترحاته لتعديل آليات العمل واتخاذ القرار داخل المؤسسات الأوروبي في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها الاتحاد. وكان لافتاً أن الانتقادات الأقسى جاءت على لسان آرمين لاسخيت، رئيس حكومة ولاية الراين الشمالي ووستفاليا (رينانيا)، الذي هو المرشّح الأوفر حظاً لخلافة ميركل في زعامة حزبها الديمقراطي المسيحي. وقال لاسخيت «الرئيس الفرنسي يتقدّم باقتراحات ونحن نتباطأ في الردّ والتجاوب معها، وكنت أتمنى حدوث العكس في مثل هذه المرحلة المصيرية».

موضوع التوسعة
كذلك يدعو الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية إلى إعادة النظر في «سياسة التوسعة» التي قال إنها أظهرت قصورها، خاصة بالنسبة لدول البلقان الغربي التي تقف منذ سنوات في طابور الانتظار للدخول إلى النادي الأوروبي. إلا أن جهات أخرى في الاتحاد، يتقدّمها شارل ميشال، رئيس «المجلس الأوروبي»، تذهب في الاتجاه المعاكس وتدعو إلى تجنّب التسرّع في إطلاق موجة جديدة من التوسيع قبل معالجة الأزمات الداخلية التي ما زالت تشكّل خطراً على تماسك المشروع الأوروبي.
ويقول مقرّبون من بورّيل، إنه عازم على الدفاع عن تصوّره للسياسة الخارجية الأوروبية حتى النهاية، مهما كانت الصعوبات، وينقلون عنه «إذا لم يتحرّك الأوروبيون أمام سياسات ترمب وبوتين وإردوغان، فإنهم لن يتحركوا أبداً».

الدول الأعضاء... وتاريخ انضمامها
بلجيكا........... دولة مؤسسة
فرنسا........... دولة مؤسسة
ألمانيا*........... دولة مؤسسة (عندما كانت ألمانيا الغربية، أو الاتحادية)*
إيطاليا.......... دولة مؤسسة
لوكسمبورغ... دولة مؤسسة
هولندا.......... دولة مؤسسة
الدنمارك...... أول يناير (كانون الثاني) 1973
آيرلندا......... أول يناير 1973
اليونان........ أول يناير 1981
البرتغال...... أول يناير 1986
إسبانيا........ أول يناير 1986
النمسا......... أول يناير 1995
فنلندا.......... أول يناير 1995
السويد........ أول يناير 1995
قبرص........ أول مايو (أيار) 2004
تشيكيا......... أول مايو 2004
إستونيا........ أول مايو 2004
المجر......... أول مايو 2004
سلوفاكيا...... أول مايو 2004
سلوفينيا...... أول مايو 2004
لاتفيا.......... أول مايو 2004
ليتوانيا....... أول مايو 2004
مالطا........ أول مايو 2004
بولندا........ أول مايو 2004
بلغاريا....... أول يناير 2007
رومانيا...... أول يناير 2007
كرواتيا...... أول يوليو (تموز) 2013
بريطانيا..... انضمت في أول يناير 1973 وخرجت رسميــــاً يوم 31 يناير 2020



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.