«ما وراء الابتسامة»... أبحاث علمية لفك أسرارها

دراسات لفهم أنواعها الصادقة والزائفة والخجلى والمنافقة والغامضة والقلقة

«ما وراء الابتسامة»... أبحاث علمية لفك أسرارها
TT

«ما وراء الابتسامة»... أبحاث علمية لفك أسرارها

«ما وراء الابتسامة»... أبحاث علمية لفك أسرارها

الابتسامة هي إحدى لغات الجسد، ووسيلة من وسائل الاتصال غير اللفظي لدى الكائن البشري. والابتسامة سلاح قوي وفعال يستخدمه الإنسان منذ طفولته للاقتراب والتودد للآخرين؛ فالطفل يتعلمها بعد ولادته بستة أسابيع.
الابتسامة الصادرة من القلب هي ما تنفرد به الكائنات البشرية عن غيرها من الكائنات، لكن الابتسامة، والتي قد تبدو سلوكاً إنسانياً بسيطاً، هي في حقيقتها سلوك معقد، فهي نفسياً تحتوي على أنواع ومعانٍ، فهناك الابتسامة الصادقة، والزائفة، والخجلى، والمنافقة، والغامضة، والقلقة، وغيرها. وهناك طائفة كبيرة من المشاعر والأحاسيس تعبر عنها الابتسامة، فالإنسان يبتسم عندما يكون مبتهجاً أو يائساً أو حرجاً أو خجلاً أو لتغطية عدم الراحة أو لإرضاء شخص أقوى اجتماعياً. وربما ينطبق الشيء نفسه على جميع تغيرات الوجه الأخرى للعاطفة، لكن علماء النفس بدأوا يتسألون عما إذا كانت هذه الأشياء تكشف عن عواطف البشر بصورة صحيحة.

مشاعر أساسية
ترى النظرية التقليدية الجامدة، أن هناك مجموعة من المشاعر الأساسية - ستة على الأقل، لكن ربما أكثر من ذلك بكثير - يعرضها جميع البشر على وجوههم بالطريقة نفسها. هذا يعني أنه يمكن للأشخاص الآخرين قراءة حالتك العاطفية بشكل موثوق من وجهك.
إنها فكرة جذابة أثرت في كل شيء من الممارسات التعليمية وبرامج التعلم السلوكي للأطفال المصابين بالتوحد، إلى خوارزميات برامج اكتشاف المشاعر. لكن الآن يتم تحديها؛ إذ يعتقد بعض الباحثين المنشقين أن «تعبيرات الوجه» ليست أدلة موثوقة لعواطفنا على الإطلاق، لكنها أدوات نستخدمها لمعالجة، أي التعامل مع، الآخرين. إذا كان هذا صحيحاً، فإن الآثار المترتبة على تفاعلاتنا الاجتماعية هائلة.
إن فكرة أن أنماط الحركات العضلية للوجه تعبر عن مشاعر الإنسان لها تاريخ طويل. وقد حظيت بشعبية من قبل الفنان الفرنسي شارل لو برون الذي كان مؤثراً في البلاط الملكي في عهد لويس الرابع عشر الذي وصف تكوينات الوجه لستة «مشاعر»: التعجب، والحب، والكراهية، والرغبة، والفرح، والحزن.
وبعد قرنين من الزمان، استناداً إلى تجاربه الخاصة، كتب تشارلز داروين، إن هناك تعبيرات وجهية عالمية مرتبطة بالسعادة، والحزن، والخوف، والغضب، والاشمئزاز، والدهشة.
وجاءت البيانات التجريبية الأفضل التي تدعم هذا الأمر في الستينات من القرن الماضي، عندما أجرى عالم النفس الأميركي بول إيكمان في كتابه الموسوم «كشف العواطف» Emotions Revealed المنشور عام 2007 العمل الميداني في منطقة جغرافية نائية تعرف الآن باسم بابوا غينيا الجديدة. تم أخذ هذا دليلاً على أن هذه «التعبيرات العاطفية» الستة يشاركها بالفعل الناس في كل مكان.
وكان عمله مؤثراً للغاية، إضافة إلى دراسات أخرى مستوحاة على ما يبدو لدعم فكرة أن الوجه الإنساني هو لوحة عالمية تصف كل المشاعر.

تحدي الأفكار السابقة
تقول ليزا فيلدمان باريت، من جامعة نورث إيسترن في بوسطن في كتابها الموسوم «كيف تصنع العواطف» How Emotions are Made المنشور عام 2017، إن الأبحاث الجديدة التي أجريت في مجتمعات صغيرة لا تتاح لها سوى القليل من الثقافة الغربية، تحدت هذه الاستنتاجات. عمل فريقها مع شعب الهمبا Himba، وهم مجموعة من الأشخاص الذين يعيشون في شمال ناميبيا طُلب من المشاركين فرز 36 صورة من تعبيرات الوجه المطروحة - التعبيرات الأولية للغضب، والخوف، والحزن، والاشمئزاز، والسعادة، والحيادية - إلى مجاميع حسب نوع العاطفة. ولم تدعم ردودهم نموذج العواطف الأساسية العالمية، بينما ردود فعل مجموعة المقارنة الأميركية كانت واضحة التعبير، وخلص الفريق إلى أن ثقافة المجتمعات تؤثر على كيفية إدراكنا تعبيرات الوجه.
كما أسفرت الأبحاث التي أجراها كارلوس كريفيل في جامعة دي مونتفورت في ليستر - المملكة المتحدة في بحثه المنشور عام 2018 في مجلة PNAS))، عن نتائج مماثلة. في عام 2013، قام بأول رحلة له إلى بابوا غينيا الجديدة لدراسة أهل جزر تروبرياند، الذين يعيشون مزارعين وصيادين. ووجد أنهم أيضاً «لا يرون» العواطف على الوجوه بالطريقة نفسها التي يفعل بها الغربيون. وعلى سبيل المثال، فإنهم يفسرون وجه الخوف التقليدي «مبهور» على أنه تهديد ومؤشر على العدوان - وهي مباراة غير متوقعة وجدها كريفيل منذ ذلك الحين في بعض المجتمعات الصغيرة الأخرى، مثل أرخبيل موي من كلويريمباس في موزمبيق.

تعابير وثقافات
يجادل مؤيدو الرأي التقليدي بأن هناك اتفاقاً متزايداً حول كيفية عرض المشاعر على الوجوه عبر مجموعة متنوعة للغاية من الثقافات. لكن الباحثان كريفيل وباريت وغيرهما مقتنعون بأنه لا يوجد شيء مثل التعبيرات العاطفية العالمية. ويتساءل كريفيلي إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نعلّم الأطفال الصغار أن الابتسامة تشير إلى السعادة والحزن، وهو يعتقد أن ما نسميه «التعبيرات العاطفية» لا يتعلق بالعاطفة على الإطلاق. بدلاً من ذلك، يعتقد أنها أدوات نستخدمها - عادة دون وعي - للحصول على ما نريده من الآخرين. وفي عام 2018، وضع كريفيلي وآلان فريدلوند من جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، الدليل لصالح هذه الفكرة.
في هذا المنطلق الذي ابتكره فريدلوند، فإن التعبيرات الأولية المفترضة للعواطف تأخذ معاني جديدة. وهي ليست بالضرورة عالمية. فالابتسامة هي إشارة للعمل معاً أو الارتباط أو الأصدقاء. والعبوس لكسب الرعاية أو الحماية بدلاً من الإشارة إلى الحزن. والوجه المبهور يعني الطاعة أو الإذعان لا الخوف للتخلص من الهجوم.
يُنظر إلى حركة الأنف، المرتبط تقليدياً بالاشمئزاز، على أنه رفض للطريقة التي يجري فيها التفاعل الاجتماعي. قد نجد صعوبة في مراجعة أفكارنا حول تعبيرات الوجه. لكن ليس كل الثقافات تتقاسم العقيدة الراسخة التي تقول إن الناس يبتسمون عندما يكونون سعداء، يتجولون ويتحركون عندما يغضبون، وما إلى ذلك. عندما يسأل كريفيلي سكان جزيرة تروبرياند إذا كانوا يعتقدون أنه من الممكن قراءة مشاعر الآخرين في وجوههم، فإنهم عادة ما يجيبون بـ«لا»، ويقولون «إن وجهي عادة لإغواء الشخص المقابل على فعل أشياء من أجلي، وإذا كنت ترغب في الحصول على صفقة جيدة فإن الابتسامة ستساعدك». والأكثر من ذلك، فإن البحث حول ما يفعله الأشخاص فعلياً عندما يبلغون عن شعورهم بعاطفة معينة يكشف عن الكثير من الاختلاف - حتى داخل البلدان والأفراد، كما يقول باريت، الذي قاد أخيراً مراجعة لأكثر من 1000 دراسة لحركات الوجه والعواطف. على سبيل المثال عندما يكون شخص ما غاضباً، فإن وجهه يفعل شيئاً آخر. يقول باريت: «قد يبكي أو يبتسم، أو يوسع عينيه».

أسرار الابتسامة
وتقول ليزا باريت في بحثها المنشور في يوليو (تموز) عام 2019 بعنوان «تحديات استنتاج العاطفة من حركات الوجه البشرية» في مجلة Psychological Science in the Public Interest. قد لا تظهر الابتسامة على كثير من الناس السعداء، بل قد يفعلون أشياء غيرها، وقد تكون الابتسامة واضحة لدى شخص آخر، لكن الإنسان المبتسم قد يكون خائفاً أو غاضباً أو خجولاً أو مرتاحاً أو محرجاً أو يريد الاسترضاء أو خنوعاً. ولم تظهر أي فئة من المشاعر التي درست على الإطلاق تعبيراً عالمياً أو حتى تعبيراً نموذجياً.
من جهة أخرى، نشر آلان كوينِ وداشر كيلتنر وكلاهما بجامعة كاليفورنيا في بيركلي بحثاً عام 2018 في مجلة «أميركان سايكولوجست»، خلص إلى أن إشارات الوجه والجسم معاً يمكن أن تؤشر على ما لا يقل عن 28 صفة مميزة من المشاعر اليومية على الأقل في البالغين الغربيين. وهذه تشتمل على الكبرياء والخجل والرغبة والتسلية.
ويقولان، إن هناك الكثير من أنواع الابتسامة المتنوعة التي تظهر على حالات أكثر تحديداً، مثل التسلية، والرغبة، والحب، والاهتمام، والرهبة، والتعاطف.



جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.