الناطق باسم البرلمان الليبي: سنمتثل لقرار المحكمة العليا بشأن انعقاد الجلسات في طبرق

بوهاشم حذر في حوار مع («الشرق الأوسط») من سعي ميليشيات متطرفة إلى حكم قضائي لصالحها «بالترهيب أو الترغيب»

فرج بوهاشم الناطق باسم البرلمان الليبي («الشرق الأوسط»)
فرج بوهاشم الناطق باسم البرلمان الليبي («الشرق الأوسط»)
TT

الناطق باسم البرلمان الليبي: سنمتثل لقرار المحكمة العليا بشأن انعقاد الجلسات في طبرق

فرج بوهاشم الناطق باسم البرلمان الليبي («الشرق الأوسط»)
فرج بوهاشم الناطق باسم البرلمان الليبي («الشرق الأوسط»)

في أجواء يسيطر عليها الترقب، أكد الناطق باسم مجلس النواب (البرلمان) الليبي، فرج بوهاشم، أن البرلمان سيمتثل للحكم الذي ستقرره المحكمة الدستورية العليا بشأن صحة انعقاد جلساته في طبرق من عدمها، رغم قوله، في حوار مع «الشرق الأوسط» في مقر البرلمان بالمدينة الواقعة شرق البلاد، إن المحكمة ستنعقد في العاصمة طرابلس «التي هي خارج السيطرة»، معربا عن اعتقاده أن «مجلس النواب لن يتلكأ أو ينكر المحكمة أو الحكم الصادر أو يطعن في نزاهة الحكم أيًّا كان، رغم علمنا ومعرفتنا بالظروف المحيطة بصدوره».
وقال بوهاشم إن مجلس النواب اضطر لعقد جلساته في طبرق مؤقتا بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في كل من طرابلس وبنغازي، مشيرا إلى أن الميليشيات المتطرفة تسعى للحصول على حكم من المحكمة «بأي شكل، سواء بالتهديد أو بالترهيب أو بالترغيب، رغم معرفتها بأن انعقاد جلسات البرلمان في طبرق دستوري».. لكنه أثنى على حوار «غدامس» الذي عقد الشهر الماضي بين عدد من النواب المقاطعين لأعمال البرلمان، ووفد من مجلس النواب، رغم أن نتائج الحوار لم تصل «إلى شيء ملموس بعد».
وأوضح بوهاشم أن نسبة القوات التي تحارب المتطرفين في ليبيا إلى اللواء حفتر «فيها مغالطة كبيرة»، لأن هذه القوات «هي قوات الجيش الوطني الليبي»، لكنه أثنى، في المقابل، على حفتر، وقال إنه «في مقدمة الداعين لمحاربة الإرهاب والتطرف بعد أن تنادى أفراد الجيش الليبي للثأر ردا على عمليات الاغتيال التي طالت نحو 500 من الضباط والجنود».
وإلى أهم ما جاء في الحوار:

* هل مجلس النواب يتحسب لقرارات المحكمة الدستورية العليا التي ستفصل في دستورية انعقاد مجلس النواب في طبرق، وهل يتخوف من صدور قرار بعدم دستورية استمرار هذه الجلسات في طبرق؟
- في الحقيقة، لا شك في إجراءات المحكمة، التي نعلمها ونعرف جيدا السادة القضاة في الدائرة الدستورية، ولا نشك في نزاهتهم ألبتة، ولكن تخوفنا هو من الظروف المحيطة بالمحكمة ومكان انعقاد الجلسة التي تعقد في طرابلس.. وكما تعلم هذه المدينة خارج السيطرة. وما نعلمه عن تلك الميليشيات المتطرفة، هو السعي للحصول على حكم بأي شكل، رغم معرفتها بأن انعقاد مجلس النواب في طبرق انعقاد دستوري، ولكن نعلم جيدا أنها ستحاول الضغط بشتى الوسائل، سواء بالتهديد أو بالترهيب أو بالترغيب، وبالتالي التخوف يكمن في هذه النقطة تحديدا.. وليس شكا في نزاهة القضاء الليبي.
* لو افترضنا جدلا أن القرار صدر ضد انعقاد جلسات مجلس النواب في طبرق، فكيف سيكون التصرف؟
- لا شك أن مجلس النواب الليبي يحترم القضاء، وسيذهب إلى ما تذهب إليه المحكمة، رغم علمنا وإدراكنا لظروفها المحيطة، إلا أننا نحترم القضاء.. ولا أعتقد، وهذه وجهة نظري، أن مجلس النواب سيتلكأ أو ينكر المحكمة أو الحكم الصادر عنها، أو يطعن في نزاهة هذا الحكم، رغم علمنا ومعرفتنا بالظروف المحيطة بصدوره.
* وبالنسبة للنواب الذين يقاطعون أعمال مجلس النواب، كم عددهم بالتحديد؟
- عدد النواب المقاطعين يتراوح بين 20 و25 نائبا، منهم من يأتي ثم يذهب ويغيب لفترات طويلة، ومنهم من جاء وانقطع عن الحضور، ومنهم من لم يأت منذ البداية.
* وهل ينتمون إلى تيار معين أو إلى مناطق معينة؟
- أغلب المقاطعين محسوبون على التيار المتشدد، وعلى جماعة الإخوان المسلمين. هم «الإخوان» ومجموعة أخرى تتستر بالدين أو «الإسلام السياسي» كما يطلق عليه البعض.
* لكن هناك دوائر أخرى لم تجر فيها الانتخابات؟
- نعم.. هذه ما زالت لا يوجد لها نواب، لأنه لم تجر فيها انتخابات. وهي تشمل 12 مقعدا ستجرى الانتخابات عليها في حال توفر الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات في تلك الدوائر. وهؤلاء لا تستطيع أن تدخلهم في عملية جمع وطرح كما يحاول البعض أن يفعل بأن يضيف عدد الدوائر التي لم تجر فيها الانتخابات إلى دوائر النواب المقاطعين. الدوائر التي لم تجر فيها الانتخابات لم تخرج لها نتائج بعد. وبالتالي، فإن إجمالي عدد النواب المنتخبين وفقا للنتائج التي أعنتها المفوضية العليا للانتخابية الليبية هم 188 نائبا، وليس 200 نائب. وبالتالي يكون الخَصم من النواب المقاطعين فقط، وليس من النواب المقاطعين ونواب الدوائر التي لم تجر فيها الانتخابات بعد.
* ما تقييمك لاجتماع غدامس الذي انعقد بين عدد من النواب المقاطعين ووفد من نواب المجلس.. هل هناك نتائج إيجابية لهذا الاجتماع؟
- في الحقيقة، وحتى يومنا هذا، الإيجابي الوحيد هي الروح التي سادت ذلك الاجتماع من حيث أريحية السادة النواب، والحوار كان يسير بشكل جيد، ولم تحدث مشادات.. كان نقاشا أخويا إيجابيا وبناء.. تفاءلنا تفاؤلا كبيرا من الوضع الذي كان سائدا خلال أول جلسة للحوار، ولم تقم حتى الآن أي جلسة أخرى باستثناء الجلسة التي عقدت في طرابلس أثناء حضور السيد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة.. وهذه الأخيرة كانت جلسة قصيرة جدا، ولم يتم التطرق فيها لأي ملفات. وما وصلنا، وما ورد إلينا هنا، ما زال مجرد شعارات وتصريحات إعلامية فقط، ولم نصل إلى شيء ملموس بعد.
* كم نائبا من النواب الـ20 أو الـ25 كانوا موافقين على الدخول في الحوار؟
- الذين كانوا موجودين نحو 12 نائبا.. أي إن الذين حضروا جلسة حوار غدامس كانوا هم هذا العدد.
* هل كان من بينهم نواب من جماعة الإخوان المسلمين؟
- نعم..
* أثير في الفترة الأخيرة تعريف لـ«عملية الكرامة»، وللواء خليفة حفتر.. وبعض وسائل الإعلام تصر على أنه هو من يحارب المتطرفين، والبعض الآخر يقول إن من يحارب المتطرفين هو الجيش الوطني الليبي.. كيف للبرلمان أن يتدخل لحل هذه الإشكالية.. وكيف يوضح الصورة للآخرين بهذا الشأن؟
- لا شك أن القوات الموجودة على الأرض هي قوات الجيش الوطني الليبي، ونسبتها من خلال وسائل الإعلام إلى اللواء حفتر وتسميتها بـ«قوات حفتر»، هي مغالطة كبيرة جدا. لا شك أن السيد اللواء حفتر فعلا هو في مقدمة الداعين لمحاربة الإرهاب والتطرف في البلاد، وبدأها بالعملية التي عرفت باسم «عملية الكرامة»، وذلك من خلال أفراد الجيش الليبي الذين تنادوا للثأر أو استرداد كرامة الجيش التي انتهكت على يد المتطرفين الذي قاموا بعمليات اغتيال لضباط وضباط صف وجنود تجاوز عددها 500 عملية اغتيال. وهنا تنادى هؤلاء الضباط لاسترداد الكرامة لمواجهة المتطرفين. وكان لسان حالهم يقول: «نحن ميتون.. ميتون، فلنمت في الميدان أشرف من أن نموت على الفراش أو نموت بدم بارد على أيدي المتطرفين». وبالتالي انطلقت المواجهات، وتنادى الشرفاء من الجيش الليبي، وبدأت المعركة بقيادة حفتر بحكم أن أغلب الضباط مغمورون، ولا يعرفهم أحد بشكل جيد، وكذلك الجنود، بينما الشخصية التي كانت معروفة لدى العامة، ولدى العالم، هي شخصية السيد حفتر، وبالتالي أصبح هو الاسم البارز الذي يجري ترديده وتداوله عبر وسائل الإعلام، ولكن في حقيقة الأمر أن هذه هي قوات الجيش الليبي النظامي، وجميع عناصر هذا الجيش يحملون أرقاما عسكرية.
* هناك كثير من التقارير الغربية وحتى بيانات رسمية غربية تعكس مساواة تلك الدول في خطاباتها وبياناتها بين الجيش الوطني والبرلمان من جانب، والميليشيات المسلحة من جانب آخر.. هل تشعرون بالغضب من مثل هذه التسمية وهذه المساواة؟
- بالطبع نشعر بالغضب.. وبكل تأكيد نحن نستاء جدا من وضع الجسم الشرعي (البرلمان والجيش الوطني) في الكفة نفسها مع الميليشيات التي جرى تصنيف أغلبها على أنها إرهابية. وهذه المساواة هي مساواة بعيدة جدا عن الواقع، وعزونا ذلك إلى جهل هؤلاء الذين يتبنون مثل هذا الكلام عن الوضع الليبي وعن الأمور الحقيقية في ليبيا وحقيقة الصراع الدائر. ولا شك أن من يريد مساندة ليبيا، فعليه أن يسمي الأمور أسمائها، وأن يكون حذرا جدا في تصريحاته وفي مصطلحاته التي يتحدث بها. وهناك من يحاول أن يظهر مجلس النواب على أنه يخضع لسيطرة تيار معين، بينما الحقيقة أن أغلب نواب البرلمان الآن هم مستقلون، وليس لهم توجه مسبق ولا انتماء مسبق، إلا المصلحة الوطنية والعمل على بناء مستقبل الدولة الليبية. كذلك كنا نود من المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته تجاه ليبيا، وما زلنا نأمل في ذلك، عن طريق دعم المؤسسات الشرعية في البلاد. وحتى الآن لم يجرِ دعم هذه المؤسسات (من قِبل المجتمع الدولي) إلا بالتصريحات، والتي نعدها مغازلة سياسية لا أكثر، مثل القول: «أنتم شرعيون، ومجلس النواب هو من يمثل ليبيا».. ولكن بالمقابل هناك التصريحات التي أشرت إليها بالتسوية بقولهم «الأطراف» ووضع الجانب الشرعي مع اللاشرعي في الكفة نفسها.



تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.


«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».