الشعراء بين إغواء السرقة وقلق التأثر

قلة قليلة منهم تفلح في اجتراح لغتها الخاصة ومساحاتها البكر

بورخيس  -  مالارميه  -  لوركا
بورخيس - مالارميه - لوركا
TT

الشعراء بين إغواء السرقة وقلق التأثر

بورخيس  -  مالارميه  -  لوركا
بورخيس - مالارميه - لوركا

لعل أكثر ما يقلق الشعراء، والمبدعين بوجه عام، هو وقوعهم تحت سطوة السابقين عليهم من الرواد والمتفردين وأصحاب النماذج المهيمنة. ذلك أن هؤلاء يحرثون في أرض تمت حراثتها من قبل آلاف المرات، ويعملون على مادة لغوية كاد أسلافهم عبر القرون أن يستنفدوا كل ما تختزنه من الإيقاعات والاستعارات والأنساق التعبيرية والجمالية. وهو ما يؤكده قول بورخيس بأن الكتابة هي عمل استعادي بشكل أو بآخر، وأننا لا نكتب إلا ما سبقت كتابته من قبل. فالكتابة هي رمية نرد، وفق مالارميه، وبالتالي فلا بد للعبة المصادفات أن تكرر نفسها مع الزمن، متخذة شكل التماثل أو التشابه أو التناص. وقبل بورخيس بمئات الأعوام كان عنترة بن شداد يعبّر عن قلق التأخر الزمني الذي لا يكاد يترك للشعراء المتأخرين ما يضيفونه إلى سابقيهم، حيث يهتف بمرارة: «هل غادر الشعراء من متردّمِ؟». وإذا كانت مثل هذه الحيرة قد انتابت أحد الذين استهلوا الشعرية العربية وهي لما تزل غضة بعد، فكيف هو الحال مع المتأخرين الذين سُبقوا بكل ذلك الكم الهائل من القصائد والدواوين والأساليب. لن يكون التميز بالأمر السهل في وضع كهذا، ولن يكون الخروج من عباءة السابقين بالأمر السهل، ولكننا لن نُعدم رواداً مغامرين ممن قبلوا، رغم تأخرهم الزمني، تحدي المغامرة والابتكار، وممن نطق أبو العلاء المعري بلسانهم حين قال: «وإني وإن كنتُ الأخير زمانُهُ\ لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ».
في كتابه المميز «قلق التأثر»، يشير الناقد الأميركي هارولد بلوم، إلى أن الشاعر يعيش أكثر من سواه هاجس الوقوع في فلك واحدٍ أو أكثر من أولئك الذين يرى فيهم النموذج الأعلى المطابق لصورته عن الشعر. وهو إذ ذاك يجد نفسه أمام خيارين اثنين، يتمثل أولهما في وقوعه تحت سطوة الشاعر النموذج وإغوائه الأسلوبي، فيما يتمثل الآخر في بذل أقصى ما يستطيعه من الجهد لمقاومة ذلك الإغواء، وللذهاب بتجربته نحو مناخات مختلفة وأسلوب مغاير. وإذا كان الخيار الثاني هو الأجدى والأكثر أهمية بالنسبة لأولئك الذين يحرصون على احتلال مكانتهم اللائقة في تاريخ الشعر، فإن القلة القليلة هي التي تفلح في اجتراح لغتها الخاصة ومساحاتها البكر، فيما تأنس الكثرة الكاثرة إلى الحلول المريحة التي توفرها الإقامة في كنف الآخرين وتحت ظلالهم الآمنة. والواقع أن الإشكالية التي يثيرها بلوم ليست جديدة أو طارئة على الشعر، بل نحن نعاين تمظهراتها في غير حقبة من الزمن، حيث يستطيع شاعر متفرد أن يبسط جناحيه على عصر بكامله، وربما على عصور عديدة لاحقة. فالأمة، أي أمة، ومهما بلغ حجم توهجها الروحي والإبداعي، لا تستطيع وفق ت. س. إليوت أن تنجب أكثر من شاعرين أو ثلاثة شعراء كبار خلال قرن من الزمن. ذلك أن مواصفات الشاعر الكبير عند صاحب «الأرض الخراب»، لا تحددها نوايا الشاعر الطيبة ولا تصميمه الإرادي وثقافته الواسعة فحسب، بل ثمة ما يتعدى ذلك ليتصل بالموهبة الاستثنائية، كما باستيعاب الشاعر لأساليب سابقيه، وبقدرته على تمثّل روح الأمة وفرادة حضورها في اللغة والثقافة والفكر. واللغات الحية بهذا المعنى لا يطورها النّحاة والأكاديميون، بقدر ما يطورها شعراؤها الكبار الذين تتكنى بهم لغاتهم الأم، فيقال عن العربية لغة المتنبي، وعن الإيطالية لغة دانتي، وعن الألمانية لغة غوته، وعن الروسية لغة بوشكين، وعن الإنجليزية لغة شكسبير.
على أن ما تقدّم لا يعني بأي حال أن نطلب من الشاعر الإخلاد إلى الصمت، ما لم يكن مؤسساً أو خالق لغة جديدة، ولكن الشاعر معني بالمقابل بالسعي قدر استطاعته لتحقيق التميز والاختلاف، وبأن يكون له أسلوبه الخاص وحساسيته المختلفة إزاء اللغة، وبألا يكون مجرد ظلّ لسواه، لأن القراء لا يحتاجون إلا للنسخ الأصلية من التجارب والأعمال. وإذا كان البعض قد ذهب إلى القول بأن الوسيلة الأنجع للتخفف من وطأة الآخرين تتمثل في تجنب الشاعر ما استطاع لقراءة الشعر، مقابل اطلاعه المعمق على مختلف ضروب المعرفة والفن، فإن هذا الحل ليس سوى نوع من التعمية ودفن الرأس في رمال الجهل والتصحر المعرفي. والأجدى بدلاً من ذلك أن يتمثل الشعراء بالأشجار، حيث عليهم إذا ما أرادوا لفروعهم أن تشمخ بعيداً إلى الأعلى أن يضربوا جذورهم عميقاً إلى الأسفل. ولهذا التمثل جانبه الآخر أيضاً، حيث إن الشجرة لا تعيد إنتاج الأتربة والمواد العضوية التي تغذت منها، بل تعيدها لنا عبر عملية تحويل خلاقة على شكل فاكهة وثمار شهية. كما أن آفة التأثر يمكن أن يرتفع منسوبها لدى الشعراء الذين يقاربون الكتابة بوصفها نوعاً من المهارة الأسلوبية والتأليف المحض، بحيث يصبح الشعر احتكاكاً مباشراً بين لغتين، لغة المتأثِّر ولغة المتأثَّر به، بدلاً من أن تكون احتكاكاً مع الحياة والوجود ومكابدات الداخل.
أما السرقات الأدبية فلطالما شغلت حيزاً غير قليل من اهتمام واسع من قبل النقاد والدارسين، سواء في العصور القديمة، أو في عصرنا الحالي. ولست هنا لأتوقف عند لصوص الأدب الذين لا يتورعون عن سرقة نصوص وقصائد كاملة، الأمر الذي استوجب صدور قوانين خاصة بالملكية الفكرية وحماية المبدعين، بل عن الصور والاستعارات التي تُدهش الشعراء لدى قراءتهم لها، إلى حد أنهم لا يترددون في «مصادرتها» واختلاسها. وفيما تبدو السرقات تلك نافرة تماماً لدى الشعراء الصغار الذين لا يحسنون تمويهها أو استثمارها بشكل ناجح، فإن الشعراء الكبار يدمجونها داخل نصوصهم العالية أو يعيدون تشكيلها من جديد، بما يجعلها أفضل من الأصل الذي انبثقت عنه. وهو ما يفسر قول أحد النقاد بأن الشاعر الكبير يسرق، وأما الشاعر الصغير فيتأثر.
وقد ميز العرب في نقدهم القديم بين السرقة المتعمدة، وبين التماثل الذي تخلقه المصادفات وحدها، وهو ما اصطلح العرب على تسميته بوقوع الحافر على الحافر. على أن بعض السرقات يبدو فاقعاً تماماً وأبعد من أن يخضع لمبدأ المصادفة، كما هو حال الأخطل التغلبي الذي سرق عن النابغة الذبياني، وعلى مستويات اللفظ والمعنى والتركيب، المقطع الذي يستهله بالقول «فما الفرات إذا هبّ الرياح له\ ترمي أواذيّه العبْرين بالزبدِ». فيما يقول الأخطل «فما الفرات إذا جاشت حوالبه\ في حافتيه وفي أوساطه العُشَرُ». وفي حين يُنهي النابغة المقطع بقوله «يوماً بأجود منه سيب نافلة»، ينهيه الأخطل بالقول «يوماً بأجود منه حين تسألهُ». والأمر ذاته يتكرر مع امرئ القيس وبشار بن برد، حيث يهتف الأول «وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم»، يكتب الثاني على المنوال نفسه «وقوفاً بها صحبي عليّ عراصُها».
وإذا كنا لا نُعدم العشرات من الشواهد المماثلة التي تقع تحت باب السرقة في الشعر العربي، والعالمي على حد سواء، فإن أكثر ما يلفت القارئ المتابع هو حجم السرقات المنسوبة إلى المتنبي، التي كانت محلاً للكثير من السجالات في عصره، كما في العصور اللاحقة. وفي حين حاول البعض تصفية حسابهم مع أبي الطيب من خلال التركيز على سرقاته، كما فعل الحاتمي الذي وضع كتاباً كاملاً عن سرقات الشاعر، مركزاً بشكل خاص على سرقاته من أرسطو، فإن القاضي الجرجاني في كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه»، أورد العديد من سرقات الشاعر الموصوفة، مؤكداً على «إدانته» في بعضها، وتبرئته في بعضها الآخر. وإذ يورد بعضاً من سرقات الشاعر عمن سبقه، يؤكد على أنه كان يتصرف بالبيت المسروق بما يجعله آنقاً في الشكل وأكثر إحاطة بالمعنى. كما يعتبر أن كفّة الأبيات الجيدة عند الشاعر ترْجح في الميزان النقدي على كفة الأبيات الرديئة أو الهابطة. والحقيقة أن من يراجع ديوان المتنبي لا بد أن يلاحظ عدم تورعه عن سرقة العديد من الأبيات والصور المبتكرة التي كتبها شعراء سابقون عليه. فإذ يقول بشار بن برد «كأن جفوني كانت العيس فوقها\ فسارت وسالت بعدهنّ المدامعُ»، لا يتوانى المتنبي عن القول «كأن العيس كانت فوق جفني/ مُناخاتٍ فلما ثُرْنَ سالا». كما نلحظ تشابهاً واضحاً بين قول بشار «حظي من الخير منحوسٌ وأعجب ما\ أراه أني على الحرمان محسود»، وبين قول أبي الطيب «إني بما أنا شاكٍ منه محسود».
قد نعثر أخيراً على الكثير من الأبيات والصور التي يستمرئ الشعراء الكبار سرقتها عامدين. لكن مثل تلك السرقات تعكس قدراً عالياً من الثقة بمواهبهم المتفردة التي لا يضيرها أن تتلقف كل ما يصلها من مواد التخييل الأولية، لكي تصهره في بوتقتها. كأنهم إذ يفعلون ذلك يتماهون مع المحيطات الكبرى التي تحول الأنهار التي تصبّ فيها إلى تفاصيل صغيرة، بالقياس إلى أحجامها الهائلة. ومع ذلك فلا يمكن لنا أن ندرج كل تشابه قائم بين نص وآخر في خانة السرقة وحدها. فحيث يشتغل البشر على الأسئلة المشتركة التي تتعلق بالحياة والحب والألم والحرية والفقدان والموت، لا بد أن تتقاطع نصوصهم ومخيلاتهم في غير صورة وتعبير. ولا أظن أن غارسيا لوركا الذي وصف صديقه إغناثيو سانشيز، مصارع الثيران الوسيم، بالقول «كان قاسياً مع المهاميز ورقيقاً مع السنابل»، كان قد قرأ مديح المتنبي لعلي بن سيار، حيث يقول «قسا فالأسْد تفزع من يديهِ\ ورقّ فنحن نفزع أن يذوبا»، ولكنها نفوس الشعراء التي «تذوبُ فتقطرُ»، على ما يقوله بشار بن برد.



لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
TT

لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)

كشفت دراسة حديثة أن قضاء أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو قد يكون له تأثير ملحوظ على النظام الغذائي، وجودة النوم، ووزن الجسم لدى فئة الشباب.

وتوضح الدراسة أن اللعب بشكل متقطع أو معتدل لا يبدو ضاراً إلى حد كبير، غير أن التأثيرات الصحية السلبية تبدأ في الظهور بشكل واضح فور تجاوز مدة اللعب حداً معيناً، بحسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كورتين في مدينة بيرث الأسترالية، حيث شملت دراسة استقصائية 317 طالباً من خمس جامعات أسترالية، بمتوسط أعمار بلغ 20 عاماً.

وقسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث فئات، اعتماداً على عدد الساعات التي أفادوا بقضائها أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو. وضمت الفئة الأولى «لاعبين قليلين» ممن يقضون من صفر إلى خمس ساعات أسبوعياً، بينما شملت الفئة الثانية «لاعبين متوسطين» يقضون ما بين خمس وعشر ساعات، أما الفئة الثالثة فكانت «لاعبين كثيرين» ممن يمارسون الألعاب لأكثر من عشر ساعات أسبوعياً.

ولم يرصد فريق البحث فروقاً تُذكر بين اللاعبين القليلين ومتوسطي الوقت فيما يتعلق بجودة النظام الغذائي أو النوم أو وزن الجسم. إلا أن النتائج اختلفت بشكل واضح لدى الطلاب الذين يقضون أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في اللعب، إذ أظهرت هذه الفئة مؤشرات صحية أسوأ بصورة ملحوظة.

وقال البروفسور ماريو سيرفو، الباحث في مجال صحة السكان والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، في بيان: «ما لفت انتباهنا هو أن الطلاب الذين يمارسون ألعاب الفيديو لمدة تصل إلى عشر ساعات أسبوعياً بدوا متشابهين للغاية من حيث النظام الغذائي والنوم ووزن الجسم».

وأضاف: «لكن الاختلافات الحقيقية ظهرت لدى أولئك الذين تجاوزوا عشر ساعات أسبوعياً، حيث برز تباين واضح بينهم وبين بقية العينة».

وأشارت النتائج إلى تراجع كبير في جودة النظام الغذائي لدى اللاعبين الذين يقضون الكثير من الوقت على الألعاب الإلكترونية، كما كانوا أكثر عرضة للتصنيف ضمن فئة السمنة.

ووفقاً للباحثين، ارتبطت كل ساعة إضافية يقضيها المشاركون في ممارسة ألعاب الفيديو أسبوعياً بانخفاض ملحوظ في جودة النظام الغذائي، حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل مستويات التوتر، والنشاط البدني، وأنماط الحياة المختلفة.

أما جودة النوم، فكانت ضعيفة نسبياً لدى جميع المشاركين، إلا أن اللاعبين الذين يقضون ساعات متوسطة أو مرتفعة في اللعب أبلغوا عن نوم أسوأ مقارنةً بأولئك الذين يقضون وقتاً أقل. كما أظهر التحليل وجود علاقة وثيقة بين فترات اللعب الطويلة واضطرابات النوم، خصوصاً عندما يمتد اللعب إلى ساعات متأخرة من الليل.

ورغم أن الدراسة لم تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإن الباحثين وصفوا هذه النتائج بأنها مثيرة للقلق.

وأوضح المؤلفون أيضاً أن ألعاب الفيديو في حد ذاتها ليست ضارة بالضرورة، بل يمكن أن تقدم فوائد اجتماعية أو معرفية. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في الإفراط في ممارستها، إذ يؤدي ذلك إلى إهمال عادات صحية أساسية، مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول وجبات متوازنة، والحصول على قدر كافٍ من النوم.


لماذا نشعر بالراحة عند إعادة مشاهدة مسلسلاتنا المفضلة؟

عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
TT

لماذا نشعر بالراحة عند إعادة مشاهدة مسلسلاتنا المفضلة؟

عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)

تخيّل هذا المشهد: مررتَ بيومٍ شاق شعرت خلاله أنه لن ينتهي، وعندما تصل أخيراً إلى المنزل، لا ترغب في فعل أي شيء سوى مشاهدة التلفاز. تجلس على الأريكة، تشغّل مسلسل «فريندز»، وفجأةً تشعر بأن الحياة أصبحت أخفّ وأكثر سعادة. لقد شاهدت هذه الحلقات آلاف المرات، لكن ذلك لا يهم إطلاقاً.

جميعنا نملك تلك المسلسلات التي نعود إليها مراراً وتكراراً لأنها تمنحنا شعوراً بالراحة والدفء. تقول كلاريسا سيلفا، عالمة السلوك: «قد يكون روتين الحياة اليومي مُرهقاً ذهنياً، ولهذا السبب تمنحنا المسلسلات القديمة شعوراً بالراحة. فبدلاً من أن تزيد من أعبائنا الذهنية، توفر لنا متنفساً نحن في أمسّ الحاجة إليه».

من جانبها، تقول الدكتورة إيمي داراموس، اختصاصية علم النفس السريري بمدينة شيكاغو: «أحياناً، نحتاج إلى أن تبقى حياتنا كما هي لبضع ساعات فقط، كي نشعر بالأمان والاستقرار».

لماذا نعيد المشاهدة؟ الجوانب النفسية وراء ذلك

في عالم يفيض بعدد لا حصر له من المسلسلات والأفلام الجديدة، قد نشعر أحياناً بالذنب لأننا نعود إلى مسلسل قديم نفضّله، وكأننا نختار الطريق الأسهل أو نتهرب من الجديد. إلا أن الحقيقة أعمق بكثير من مجرد الكسل.

فيما يلي مجموعة من الأسباب التي تدفعنا للعودة مراراً إلى قصص وشخصيات مألوفة، بحسب موقع «فيري ويل هيلث»:

الاسترخاء

عند مشاهدة مسلسل جديد، نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة، والتعرّف على شخصيات جديدة، وفهم دوافعها، ومواكبة تطور الأحداث. أما عند إعادة مشاهدة مسلسل شاهدناه من قبل، فلا يوجد ضغط ذهني، ولا يحتاج عقلنا إلى بذل جهد كبير. فالنكات والعبارات والشخصيات المألوفة قادرة على رفع معنوياتنا ومساعدتنا على الاسترخاء.

الراحة والتنبؤ

حياتنا اليومية غالباً ما تكون مليئة بالضغوط والمفاجآت. في المقابل، تمنحنا المسلسلات القديمة شعوراً بالراحة والتنبؤ، لأننا نعرف تماماً ما سيحدث. لا مفاجآت صادمة، ولا نهايات حزينة تثير القلق. معرفة ما سيجري بالتحديد تجعلنا نشعر بالأمان والطمأنينة، خاصة عندما تبدو الحياة فوضوية ومربكة.

الحنين إلى الماضي

تعيدنا المسلسلات القديمة إلى نسخ سابقة من أنفسنا، وتذكّرنا بمن كنا عليه وكيف كانت تبدو حياتنا عند مشاهدتها للمرة الأولى. وتُظهر الأبحاث أن مشاهدة المحتوى الكلاسيكي تُعيد إلى الأذهان ذكريات من أوقات أبسط وأسعد، مثل مراحل الطفولة.

الارتباط العاطفي

تُعرف الروابط التي نكوّنها مع شخصياتنا الخيالية المفضلة بالعلاقات شبه الاجتماعية، وهي علاقات عاطفية من جانب واحد. ومع مرور الوقت، نتعلق بهذه الشخصيات، لذا فإن إعادة مشاهدة مسلسل ما قد تمنحنا شعوراً يشبه قضاء الوقت مع أصدقاء قدامى، مما يوفر إحساساً بالرفقة والانتماء. وتشير الأبحاث إلى أن كثيرين يعودون إلى المحتوى المألوف بسبب هذه التفاعلات شبه الاجتماعية.

الصداقة

توضح الدكتورة داراموس أن الشخصيات الخيالية تمنح شعوراً بالراحة لأنها تفعل وتقول الأشياء نفسها بالطريقة نفسها دائماً، وهي متاحة لنا باستمرار بطرق لا يستطيع الأصدقاء الحقيقيون توفيرها. وتضيف: «ستكون كل حلقة متطابقة تماماً، وستكون الشخصيات دائماً موجودة من أجلك».

الضوضاء الخلفية

أحياناً لا يكون الهدف هو التركيز الكامل، بل تشغيل شيء مألوف في الخلفية أثناء الطهي، أو التنظيف، أو تصفح الإنترنت.

الرعاية الذاتية

يساعد تخصيص وقت للاسترخاء ومشاهدة مسلسل قديم على استعادة النشاط والهدوء. وتقول سيلفا إن هذا السلوك يُعدّ أحد أشكال الرعاية الذاتية التي يمكن أن تكون مُجددة للطاقة.

تفاصيل جديدة

سواء كانت عبارة ذكية، أو تعبيراً مضحكاً، أو إشارة لم ننتبه لها سابقاً، فإن إعادة مشاهدة مسلسل ما تتيح لنا اكتشاف تفاصيل جديدة وممتعة.

ثقافة مشتركة

مشاركة مسلسلنا المفضل مع شخص مقرّب تعتبر تجربة خاصة. كما أن مناقشة الحلقات، واقتباس العبارات، والتوصية بالمسلسل للآخرين، أو تبادل النكات الخاصة، كلها أمور تقرّبنا من المعجبين الآخرين وتعزّز شعورنا بالتواصل والانتماء.

فوائد الصحة النفسية المدعومة علمياً

فيما يلي بعض الفوائد النفسية لإعادة مشاهدة برامجك المفضلة:

تقليل الجهد الذهني

تقول سيلفا: «يحتاج دماغنا إلى فترات راحة من التحفيز المفرط الذي نتعرض له طوال اليوم». فمشاهدة برنامج جديد تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً، بينما تمنحنا إعادة المشاهدة فرصة لإراحة عقولنا عند الشعور بالإرهاق.

تخفيف التوتر والقلق

يمكن لمشاهدة التلفاز أن تكون وسيلة للهروب من ضغوط الحياة وقلقها. فالقصص المألوفة تمنحنا شعوراً بالاستقرار عندما تبدو الحياة غير متوقعة، بخلاف التقلبات العاطفية التي ترافق المحتوى الجديد. وبما أننا شاهدنا هذه البرامج من قبل، فإننا نعرف تماماً كيف تنتهي الحلقات، وكيف تُفهم النكات، وكيف تُحل المفاجآت الكبرى. وتقول سيلفا: «عندما نشعر بالتوتر والإرهاق، فإن إعادة المشاهدة تمنحنا إحساساً بالسيطرة».

المساعدة على تنظيم المشاعر

عندما نشعر بالضيق أو الإرهاق، قد تساعدنا إعادة مشاهدة برنامج ما على تنظيم مشاعرنا. نعرف أن الشخصيات ستتجاوز تحدياتها، وأن النهاية ستكون سعيدة، ما يمنحنا شعوراً بالراحة والأمل في حياتنا الواقعية.

مكافحة إرهاق اتخاذ القرارات

حياتنا اليومية مليئة بالقرارات، بدءاً من اختيار الملابس صباحاً وصولاً إلى تحديد وجبة العشاء. هذا الكم من القرارات مُرهق ذهنياً. وعندما تتعدد الخيارات على منصات البث، فإن العودة إلى محتوى مألوف تساعدنا على تجنب إرهاق اتخاذ القرارات. وتقول سيلفا: «من المفيد ألا نُضطر إلى اتخاذ المزيد من القرارات خلال يومنا».

تحسين المزاج

مشاهدة اللحظات المضحكة أو المؤثرة التي نحبها كفيلة برفع معنوياتنا فوراً. وتوضح سيلفا أن هذا لا يمنحنا شعوراً بالراحة فحسب، بل يزوّد أدمغتنا أيضاً بجرعة من الدوبامين.

تعزيز الشعور بالانتماء

قد لا تكون هذه الشخصيات حقيقية، لكننا نشعر تجاهها بروابط قوية. وهذه الروابط تمنحنا الطمأنينة وتعزز شعورنا بالانتماء.

التخفيف من الملل والوحدة

تشير الأبحاث إلى أن الحنين الذي نشعر به عند إعادة مشاهدة مسلسل ما يمكن أن يساعد في مكافحة الملل والوحدة، بل وحتى الشعور بالحنين إلى الوطن لدى الأشخاص الذين يعيشون بعيداً عن ديارهم.


أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
TT

أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)

لطالما كانت ألعاب الطاولة نشاطاً أساسياً تجتمع حوله العائلات، أو وسيلة ممتعة للتواصل مع الأصدقاء في أمسية هادئة، ما دامت لا تُسبب فوضى أو جدالاً حول القواعد.

لكن الأبحاث الحديثة تُظهر أن بضع دقائق فقط من ممارسة ألعاب الطاولة قد تُحقق فوائد طويلة الأمد للدماغ، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقامت الدراسة، التي أجرتها جامعة أوريغون الأميركية، بتحليل 18 دراسة تناولت ألعاب الطاولة التي تعتمد على الأرقام ومهارات الرياضيات المبكرة لدى الأطفال، من مرحلة ما قبل المدرسة وحتى الصف الثالث الابتدائي.

وبيّنت النتائج أن هناك احتمالاً بنسبة 76 في المائة بأن ممارسة هذه الألعاب تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال عندما يُحرّك اللاعبون قطعاً على مسار مُرقم مستقيم.

وقالت الدكتورة جينا نيلسون، إحدى مُعدّات التقرير: «اخترنا هذا الموضوع لأن مهارات الرياضيات المبكرة تُعدّ مؤشراً قوياً على نجاح الأطفال لاحقاً في المدرسة، كما أن ألعاب الأرقام سهلة الاستخدام وميسورة التكلفة».

وتابعت: «تُظهر هذه المراجعة أن جلسات اللعب القصيرة باستخدام ألعاب لوحية ذات أرقام خطية يمكن أن تُحسّن بشكل كبير المهارات الرياضية الأساسية المبكرة، مثل العد، والتعرّف على الأرقام، وفهم الكمية».

ومن جهة أخرى، أوضحت ناتالي ماكنزي، خبيرة الدماغ والإدراك التي تتمتع بخبرة تمتد عشرين عاماً وتدير شركتها الخاصة، كيف يمكن لألعاب الطاولة أن تفيد البالغين، من خلال دعم التركيز، وتنشيط الذاكرة، وتحسين مهارات حل المشكلات.

وأضافت أن القواعد المنظمة وما وصفته بـ«السلوكيات الممتعة الموجهة نحو تحقيق الأهداف» يمكن أن تكون مجزية، كما توفر فرصاً قيّمة للتواصل الاجتماعي.

وشرحت: «تُفعّل هذه الألعاب وتُشغّل عدداً من مناطق وأنظمة الدماغ في آنٍ واحد. إذ تصبح قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل التخطيط واتخاذ القرارات والتحكم في الاندفاع، نشطةً أثناء عدّ المسافات، وتذكّر القواعد، وتخطيط الحركات. وفي الوقت نفسه، يُشارك الحُصين، وهو المركز المسؤول عن الذاكرة والتعلم، في استرجاع وتكرار التسلسلات والأنماط».

وأشارت ماكنزي إلى أن الألعاب توفر «مدخلات حسية متعددة» تشمل المعالجة البصرية، والإدراك المكاني، والحركة الجسدية، وهو ما يُسهم في تقوية الدماغ، وأضافت: «في الدماغ الشاب سريع التكيّف، تُعدّ هذه ممارسة قيّمة للغاية. فالخلايا التي تنشط معاً تتصل ببعضها، وكلما زاد تكرار فعل أو عملية ما، ازداد الترابط العصبي قوة على المدى الطويل».

وفي سياق متصل، يعمل الباحثان اللذان أجريا الدراسة على الأطفال، الدكتورة نيلسون والدكتورة مارا ساذرلاند، حالياً على اختبار مجموعة من ألعاب الأرقام الأصلية، وكتب قصصية ذات طابع رياضي، ومحفزات حوارية، بهدف استخدامها في المنزل مع أولياء أمور الأطفال ذوي الإعاقة، الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات.

ويأمل الفريق في دمج خصائص من أفضل ألعاب الأرقام اللوحية في لعبة خاصة يصممونها لدراستهم البحثية حول ألعاب الطاولة للأطفال ذوي الإعاقة. ولهذا الغرض، أضافوا مستويات مختلفة وتحديات رياضية اختيارية ليستخدمها أولياء الأمور بما يتناسب مع مهارات أطفالهم.

وقالت ساذرلاند: «من بين ما تعلمناه من تحليلنا الشامل، تبرز ضرورة أن تكون أنشطة الرياضيات المبكرة قابلة للتعديل بدرجة كبيرة، بناءً على استعداد الأطفال لتعلم الأعداد المختلفة. وقد كانت ردود فعل أولياء الأمور إيجابية للغاية بشأن استخدام أنشطة الرياضيات القابلة للتعديل في المنزل مع أطفالهم ذوي الاحتياجات التعليمية المتنوعة».