الرئيس الصيني يعتبر «كوفيد 19» أخطر حالة طوارئ صحية منذ 1949

سيول وطوكيو تواجهان تحديات للسيطرة على انتشار الوباء

عاملا صحة يأخذان قسطاً من الراحة بعد نقل مصابين إلى الحجر الصحي في دايغو بكوريا الجنوبية أمس (أ.ف.ب)
عاملا صحة يأخذان قسطاً من الراحة بعد نقل مصابين إلى الحجر الصحي في دايغو بكوريا الجنوبية أمس (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الصيني يعتبر «كوفيد 19» أخطر حالة طوارئ صحية منذ 1949

عاملا صحة يأخذان قسطاً من الراحة بعد نقل مصابين إلى الحجر الصحي في دايغو بكوريا الجنوبية أمس (أ.ف.ب)
عاملا صحة يأخذان قسطاً من الراحة بعد نقل مصابين إلى الحجر الصحي في دايغو بكوريا الجنوبية أمس (أ.ف.ب)

صرح الرئيس الصيني شي جينبينغ، أمس، أن فيروس كورونا الجديد يشكل أخطر حالة طوارئ صحية في الصين منذ تأسيس النظام الشيوعي عام 1949. معترفاً بوجود «ثغرات» في حملة مكافحة الفيروس.
وقال شي جينبينغ، وفق تصريحات نقلها التلفزيون الوطني: «يجب استخلاص العبر من الثغرات الواضحة التي ظهرت خلال الاستجابة إلى الوباء». واعتبر الرئيس أن الالتهاب الرئوي الفيروسي الذي أصاب نحو 77 ألف شخص في الصين، توفي منهم أكثر من 2400 «هو أزمة ومحنة كبيرة بالنسبة إلينا». كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
في الأسابيع الأخيرة، واجه النظام الشيوعي موجة استياء غير اعتيادية لتأخره في الاستجابة لظهور الفيروس الجديد في ديسمبر (كانون الأول). وسبق أن كانت الصين في 2002 - 2003 منشأ لوباء سارس (متلازمة التهاب الجهاز التنفسي الحاد) الذي أودى بحياة نحو 650 شخصاً في البلاد، بما في ذلك هونغ كونغ.
وقال الرئيس إنه بالمقارنة مع «سارس»، يبدو أن «وباء (كوفيد 19) تصعب الوقاية منه والسيطرة عليه».
وفي محاولة لمنع تفشي الفيروس، فرضت الحكومة الصينية منذ شهر الحجر الصحي على مدينة ووهان، منشأ الفيروس، وسكانها البالغ عددهم 11 مليون نسمة. وأقرّ شي جينبينغ بأن الوباء سيكون له «حتماً تأثير قوي على الاقتصاد والمجتمع»، إلا أنه أكد أن عواقب الفيروس ستكون «على المدى القصير» ويمكن التحكم بها.
وتعاني كل من كوريا الجنوبية واليابان من أزمة تفشي الوباء، إذ أعلنت سيول عن حالة طوارئ وطنية بعد تسجيل أكثر من 600 إصابة بـ«كوفيد 19»، واعتذر وزير الصحة الياباني عن سوء إدارة أزمة السفينة السياحية «دايموند برينسيس».
ورفعت كوريا الجنوبية مستوى التأهب للتصدّي لفيروس كورونا الجديد إلى أقصى درجة، بعد التزايد المقلق في عدد الحالات المُسجّلة خلال الأيام الماضية، ولا سيّما ضمن إحدى الطوائف المسيحية في البلاد.
وارتفع عدد الإصابات في البلاد أمس نحو 169 حالة، ليصل إلى 602. فيما توفي 3 أشخاص، ما يرفع عدد ضحايا الفيروس إلى 5، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وتعدّ كوريا الجنوبية ثاني أكبر بلد يضمّ مصابين بكورونا الجديد، بعد الصين التي انتشر منها الوباء في العالم.
وقال الرئيس مون جاي - إن، أمس، في أعقاب اجتماع حكومي، إن «وباء (كوفيد 19) يمرّ في نقطة تحوّل، بحيث ستكون الأيام القليلة المقبلة حاسمة». وأضاف: «سترفع الحكومة مستوى التأهب إلى أعلى مستوياته، وفقاً لتوصيات الخبراء، من أجل تعزيز التدابير التي تهدف إلى التصدّي لهذا الوباء». ودعا الرئيس السلطات لاتخاذ «إجراءات غير مسبوقة» لاحتواء الوباء.
وبين 169 حالة جديدة، هناك 95 من أتباع كنيسة يسوع في مدينة دايغو، وفقاً للمركز الكوري لمكافحة الأمراض والوقاية منها، والتي وصل عدد المصابين ضمنها إلى نحو 300 شخص. وقد انتقلت العدوى من امرأة تبلغ 61 عاماً، كانت مصابة بالحمّى في 10 فبراير (شباط)، وحضرت 4 قداديس في دايغو، قبل تشخيص إصابتها بالكورونا.
وتمّ وضع نحو 9300 عضو من أتباع هذه الكنيسة في الحجر الصحّي أو ألزموا بالبقاء في منازلهم، وفق ما أعلن رئيس المركز الكوري لمكافحة الأمراض والوقاية منها، جونغ أون كيونغ، مشيراً إلى أن نحو 1240 شخصاً منهم تظهر عليهم علامات الإصابة بهذا الوباء.
وصرّح كون يونغ جين، رئيس بلدية دايغو، التي تعدّ رابع أكبر بلدية في البلاد، أن أكثر من 90 حالة جديدة تم اكتشافها أمس، وهو ما يرفع عدد الإصابات بكورونا في المدينة إلى 247. إلى ذلك، سجّلت وفاة في مستشفى تشونغدو (جنوب شرقي البلاد)؛ حيث أصيب أكثر من 100 شخص بين المرضى والطاقم الطبي والعاملين فيها، علماً بأنها تعدّ ثاني مصدر للإصابات في البلاد، وتقع على بعد 40 كيلومتراً من دايغو، التي يبلغ عدد سكّانها نحو 2.5 مليون نسمة.
ووصف الرئيس الكوري الجنوبي الوضع في دايغو في ولاية غيونغسانغ الشمالية بـ«الأزمة الوطنية»، مشدّداً على أن المدن ستحصل على «الدعم الكامل»؛ خصوصاً فيما يتعلّق بتزويدها بالمعدّات الطبية والطاقم اللازم. وقد أعلنت السلطات الكورية الجنوبية، الجمعة، أن دايغو وتشونغدو هما «مناطق إدارة خاصة». ودعا رئيس بلدية دايغو أتباع الطائفة المسيحية الذين تظهر عليهم عوارض الفيروس التقدّم للخضوع للاختبارات الطبية اللازمة.
وفي فيديو نُشر أمس، اعتذرت الكنسية عن «إثارة المخاوف» وقالت إنها ستتعاون مع مسؤولي الصحّة «لمعالجة الموقف بسرعة». فيما رفض المتحدّث باسمها اتهام الكنيسة بالمسؤولية عن زيادة عدد الإصابات، مذكّراً بأن الفيروس ظهر في الصين، وأن «أتباع كنيسة يسوع يسجّلون العدد الأكبر من ضحايا (كوفيد 19)».
من ضمن الحالات الجديدة، يبرز 18 شخصاً كانوا في رحلة إلى إسرائيل، وفقاً للمركز الكوري لمكافحة الأمراض والوقاية منها. وفي حين لم تُعرف بعد كيفية إصابتهم بالوباء، هناك شخص واحد كان يحمل الإصابة قبل السفر إلى إسرائيل.
من جهتها، رفعت وزارة الخارجية الأميركية مستوى التحذيرات للمسافرين إلى كوريا الجنوبية، إسوة بكثير من الدول؛ خصوصاً بعد الزيادة الأخيرة في عدد الحالات المسجّلة فيها. في الوقت نفسه، دعت مراكز مراقبة الأمراض والوقاية الأميركية «الأشخاص المسنين والذين يعانون من أمراض مزمنة إلى تأجيل سفراتهم غير الضرورية». ونصحت بريطانيا رعاياها بـ«عدم الذهاب إلى دايغو وتشونغدو، إلا لأسباب ضرورية».
من جهة أخرى، توفي شخص ثالث في سفينة سياحية خاضعة للحجر الصحي بسبب فيروس كورونا قبالة اليابان، بحسب ما أفادت وزارة الصحة أمس، تزامناً مع ظهور إصابات جديدة بين ركاب السفينة. وواجهت اليابان انتقادات بعد ظهور أدلة متزايدة بأن الحجر المفروض على السفينة «دايموند برنسيس» لم يساعد كثيراً في وقف انتشار الفيروس. وتأكدت إصابة أكثر من 20 أجنبياً على الأقل تم إجلاؤهم من السفينة بعد عودتهم إلى بلدانهم أمس، وأقرت السلطات بتأكد إصابة راكب ياباني تم السماح له بمغادرة السفينة بعد الإعلان أنه غير مصاب بالفيروس.
وتوفي ياباني في الثمانينات من العمر بعد إصابته عقب خروجه من السفينة، بحسب ما أفادت وزارة الصحة الأحد. وكان راكبان مسنان توفيا الخميس بعد إصابتهما بالفيروس. وسُمح لنحو 1000 راكب بمغادرة السفينة هذا الأسبوع بعد ثبوت عدم إصابتهم بالمرض، لكنه تسود حالياً مخاوف شديدة بشأن حالتهم الصحية.
وبين هؤلاء امرأة في الستينات عادت إلى بلدها في مقاطعة توشيغي شمال طوكيو بالقطار بعد نزولها من السفينة الأربعاء. وبعد ذلك أصيبت بالحمى وثبتت إصابتها بالفيروس السبت، بحسب ما صرح مسؤول محلي لوكالة الصحافة الفرنسية. وأقر وزير الصحة كاتسونوبو كاتو السبت الإفراج عن 23 راكباً من الحجر الصحي دون فحص إصابتهم بالفيروس خلال فترة الحجر. وسجلت اليابان في المجمل 4 وفيات بالفيروس الذي أصاب أكثر من 130 شخصاً على أراضيها، إضافة إلى ركاب سفينة «دايموند برنسيس».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟