تشيلي... أطول رحلة إلى أطول بلد

عندها تنتهي الأرض... لقبها «بلاد الشعراء» وملهمة شكسبير

تشيلي... أطول رحلة إلى أطول بلد
TT

تشيلي... أطول رحلة إلى أطول بلد

تشيلي... أطول رحلة إلى أطول بلد

«سيلفي» أمام اللوحة عند باب إقلاع رحلة طيران الإمارات «تي كيه 263» الأولى إلى سانتياغو عاصمة تشيلي في الخامس من يوليو (تموز) عند الساعة التاسعة وخمس دقائق صباحاً، التقطت الـ«سيلفي» غير آبهة للتعب الواضح على وجهي بعد قطع أكثر من ست ساعات طيران من لندن إلى دبي لأكون شاهدة على أطول رحلة أقوم بها في حياتي إلى وجهة لا أعرف عنها سوى كونها تقع في جنوب أميركا وشكلها طويل ورفيع وتقع ما بين جبال الإنديز وشرق المحيط الهادي، وتحدها بيرو من الشمال وبوليفيا من الجهة الشمال شرقية والأرجنتين من الشرق وممر دريك من أقصى الجنوب. كنت أعرف عنها من خلال شعرائها مثل بابلو نيرودا وغابرييل ميسترال وأعرف أن لقبها «بلاد الشعراء»، ومن المعلومات المحدودة لدي أن عاصمتها سانتياغو تضم أكبر جالية فلسطينية في العالم وفريق كرة القدم Club Deportivo Palestino الذي تأسس عام 1920.
ربطنا الحزام، وبدأت الرحلة بالترحيب بالركاب الذين سيقضون 21 ساعة من الطيران. الوجهة واحدة ولكن قصص الركاب مختلفة، فهناك رجال الأعمال الذين سيستفيدون من الرحلة الجديدة للوصول إلى البرازيل وتشيلي بأسرع وأفضل وقت، وهناك الركاب الذين ينتظرون بفارغ الصبر لقاء ذويهم بعد طول غياب، وهناك من هم مثلي يبحثون عن الرحلات البعيدة والجديدة ويحسبون سنوات عمرهم بالمعرفة التي يكتسبونها من كل رحلة ومغامرة.
أغمضت عيني وبدأت أحلم بتلك البلاد التي شغلني اسمها وتقت شوقاً للوصول إليها لأعرف ما إذا كان اسمها «تشيلي» تيمناً بالفلفل أو بسبب شكلها الطويل والرفيع.
وبعد ساعات وساعات من النوم والأكل ومشاهدة الأفلام حطت الطائرة في مطار سانتياغو الدولي، وكان المساء بارداً والمناخ في تشيلي يعتمد على القطاع الذي تنوي زيارته، فإذا كنت تفضل الطقس الدافئ من الأفضل التخطيط للزيارة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) ومارس (آذار) وهذا التوقيت من العام هو الأفضل للذين ينوون زيارة باتاغونيا الواقعة إلى الجنوب من البلاد. وفي حال كنت تنوي زيارة العاصمة الواقعة في وسط الوادي وصحراء «أتاكاما». فيمكنك ذلك في أي وقت من فصول العام مع الأخذ بالحسبان بأن الطقس خلال صيفنا يكون الشتاء في تشيلي. فالفترة ما بين يونيو (حزيران) وأغسطس (آب) هي فترة خريفية جميلة وخلالها تشاهد أجمل اللوحات الطبيعية لا سيما إذا كنت ستقصد الجبال.
لغز الاسم
أول سؤال طرحته على أول شخص تشيلي قابلته كان: «من أين جاءت تسمية تشيلي؟» وكان الجواب بأن هناك لغطاً فيما يخص الاسم، فعلى عكس ما يظنه البعض بأن الاسم جاء من شكل البلد الطويل الأشبه بالفلفل فهو بالفعل جاء من السكان الأصليين الـMapuche ويعني «حيث تنتهي الأرض «أو تقليد المابوتشي لطائر يطلق صوتاً تسمعه وكأنه يغرد «تشيلي تشيلي».

سانتياغو
بعد حل لغز اسم تشيلي جاء وقت تقييم المدينة والحكم عليها من النظرة الأولى، فهي مدينة تحدها الجبال التي كانت تكسوها الثلوج، مدينة عصرية وتاريخية بنفس الوقت، فيها المظاهر التي توحي بأنها مدينة ناجحة اقتصادياً، طرقاتها واسعة وأبنيتها عالية، وفيها أعلى مبنى في جنوب أميركا مؤلف من 64 طابقاً، وتم أخيراً افتتاح منصة لمشاهدة المدينة من الطابق الأخير لترى أجمل معالم المدنية و«أنديان كورديليرا».وتعتبر المدينة الأكثر استقراراً وازدهاراً في أميركا الجنوبية، وشهد القطاع السياحي في تشيلي نمواً مستمراً خلال السنوات الماضية، وتعدى عدد السياح الـ5.6 مليون سائح.
إذا كانت زيارتك قصيرة إلى العاصمة، أفضل وأسرع طريقة للتعرف إليها من خلال الرحلات على متن الحافلات السياحية التي تمر بوسط المدينة وفيها تزور المعالم الاثرية مثل Plaza De Armas وكاتدرائية سانتياغو ومركز البريد المركزي ومبنى البلدية في سانتياغو، ومن الزيارات المهمة أيضاً قصر لا مونيدا Palacio De La Moneda مقر الحكومة التشيلية، ويعود بناء القصر إلى القرن التاسع عشر تم تصميمه ليكون ورشة لإنتاج العملة المعدنية ولهذا السبب أطلق عليه اسم «لا مونيدا» وتعني «العملة».
وبعد زيارة أهم الأبنية والمعالم التاريخية في وسط سانتياغو، أنصحك بالتوجه إلى محيط منطقة Barrio Lastarria حيث يمكنك اكتشاف إرث الهندسة المعمارية وطرزها الحقيقية ولا بد من المشي في شوارعها المميزة بأرضيتها المرصوفة بالحجارة الصغيرة والولوج إلى البوتيكات الصغيرة ومحلات بيع القطع الفنية.
هيا بنا إلى خارج سانتياغو
سانتياغو جميلة ولكن ما هو أجمل هو الخروج منها وزيارة المدن القريبة والذهاب في رحلات أبعد بالطائرة إلى أماكن تستحق عناء السفر.
من الزيارات التي لا تتكرر في حياتك، صحراء «أكاتاما» Acatama، فتخيل أن أرض هذه الصحراء هي الأكثر جفافاً والأعلى في العالم والغريب أن هذه الصحراء تنمو فيها الزهور أقحوانية اللون مما يجعل منها أعجوبة طبيعية حقيقية.
ومن الزيارات الجميلة الأخرى مناطق الجليد في «تييرا ديل فويغو» Tierra Del Fuego واكتشاف الغموض الذي يكتنف أشهر جزيرة في تشيلي Easter Island وPuerto Varas التي كانت على مخطط رحلتي وتبعد نحو الساعة بواسطة الطائرة.
ومن المناطق الرائعة القريبة من سانتياغو «فالبارييزو» Valparaiso التي لعبت دوراً جيوسياسياً مهماً في القسم الثاني من القرن التاسع عشر بسبب مينائها الذي جعلها منفتحة على باقي المدن والدول، هي ثاني أكبر قطاع مأهول في تشيلي ولقبها جوهرة المحيط الهادئ وتعتبر إرثاً تابعاً لليونيسكو، وهي مدينة ثقافية وتجارية مهمة، وساهم ميناؤها في استقبال الأوروبيين، لا سيما الإسبان إليها.
بعد التعرف إلى مينائها وساحتها يمكنك زيارة المتحف البحري ومتحف الفنون الجميلة بالإضافة إلى متحف التاريخ الطبيعي، ولكن من أجمل ما يمكن أن تفعله في فالبارييسو هو الصعود إلى أعلى وزيارة متحف كازا لا سيباستيانا Casa La Sebastiana منزل الشاعر بابلو نيرودا الواقع على تلة تشرف على بيوت تلك المدينة العشوائية الملونة التي تتكئ على بعضها بعضاً، وهذا المنزل هو عينة ثقافية وترجمة للثروة الفنية والثقافية في تشيلي.
ومن الممكن المشي بين أزقتها وسلالمها والقيام برحلة قصيرة على متن التلفريك القديم واستنشاق الثقافة والفن والتمعن بفن الغرافيتي المنتشر في المدينة التي تضم أكبر عدد من الفنانين والرسامين، ويتخلل نزولك مطاعم ومقاه معلقة بين الأبنية وكلها تطل على مناظر ساحرة.

الأكل في تشيلي
إذا كنت تحب سمك السلمون فأنت في المكان الصحيح، لأن تشيلي تحتضن أعداداً هائلة من مزارع السلمون، وفي حال كنت من أنصار اللحم البقري وتحديداً الاستيك فأنت أيضاً في المكان المناسب لأن تشيلي تقدم أجود أنواع اللحم وتشتهر مطاعمها بتقديم أفضل الوصفات للاستيك المشوي.
ولمحبي المعجنات أنصحهم بتذوق الـ«Sopaipillas» ومعجنات الـ«إيمباناداس» Empanadas وهي عبارة عن قطعة من العجين محشوة بالخضراوات أو الدجاج أو اللحم.
وفي تشيلي الأكل جيد، بما فيه أكل الشارع البسيط فهو رخيص ولذيذ بنفس الوقت.
المعروف عن التشيليين حبهم للآيس كريم ولهذا ترى الكثير من محلات بيعها في مختلف أرجائها وفي جميع الفصول.

ما لا تعرفه عن تشيلي
> تعتبر تشيلي من بين الدول القليلة في العالم التي تضم مكتباً رسمياً لرصد الأجسام الفضائية الغريبة UFO وهذا ما يفسر شعف التشيليين بمراقبة السماء ورصد النجوم وما يجري فيها وهم من أكثر الشعوب التي تنشر فيديوهات يدعي أصحابها رؤية أجسام غريبة في السماء.
> الشعب التشيلي يحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث استهلاك الخبز بعد الشعب الألماني الذي يحتل المرتبة الأولى. ولهذا تتوفر أنواع عديدة من الخبز اللذيذ وأشهرها ماراكيتا Marraqueta.
> توجد في تشيلي أقدم مومياء في العالم، مما يجعلها أقدم بكثير من المومياء في مصر، اكتشفت في وادي كامارونيس وأقدمها يعود إلى نحو عام 5050 قبل المسيح.
* دخلت تشيلي موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد تسجيل أكبر بركة سباحة في العالم تتسع لـ66 مليون غالون من الماء وهي بحجم 20 بركة سباحة أولمبية.
> تشيلي حطمت الرقم القياسي عام 2007 بعدما أطلقت في ميناء فينيا ديل مار في فالباريسو 1600 لوحة من الألعاب النارية، ودخلت بذلك موسوعة غينيس.
> يقال إن شكسبير استلهم شخصية «كاليبان» في مسرحة «ذا تيمبيست» بعد قراءة مدونة مستكشف ووصفه للعشائر التي كانت تعيش في «تييرا ديل فويغو» الواقعة إلى أقصى الجنوب من تشيلي.
> من أجمل الطرقات في العالم هو تلك الذي ينتهي في مدينة «كويللون» في جزيرة «تشيلويه»، وفي هذه النقطة تلتقط أجمل الصور الفوتوغرافية على الإطلاق. والطريق الثاني الرائع ينتهي في مدينة «أوشوايا» في الأرجنتين.
> أكبر زلزال مسجل في العالم ضرب تشيلي وبلغت قوته 9.5 على مقياس ريختر، وحصل في فالديفيا عام 1960 ودام لمدة 13 دقيقة وحصد نحو 6 آلاف ضحية.
> اللغة الرسمية في تشيلي هي الإسبانية، ويتسم الشعب التشيلي كونه ودوداً ومنفتحاً على الجنسيات الأخرى.

كلمة أخيرة
من الصعب أن تحصي روعة وجمال تشيلي في كلمات معدودة ولكن من السهل أن تسهب في وصفها الذي يستحق الكثير من الكلمات.



السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.