أبناء بلدة تل أبيض السورية تحولوا من مقاتلين إلى لاجئين

(«الشرق الأوسط») تلتقي مقاتلي {أحرار الشام} في تركيا

بلدة «تل الأبيض» تظهر بوضوح من الحدود التركية بعد فرار أبناء البلدة من مقاتلي «داعش»
بلدة «تل الأبيض» تظهر بوضوح من الحدود التركية بعد فرار أبناء البلدة من مقاتلي «داعش»
TT

أبناء بلدة تل أبيض السورية تحولوا من مقاتلين إلى لاجئين

بلدة «تل الأبيض» تظهر بوضوح من الحدود التركية بعد فرار أبناء البلدة من مقاتلي «داعش»
بلدة «تل الأبيض» تظهر بوضوح من الحدود التركية بعد فرار أبناء البلدة من مقاتلي «داعش»

يمكن للمرء أن يتتبع مسار الصراع السوري من خلال معرفة الأحداث التي نتجت عنها الجروح المنتشرة في ساقي المقاتل السوري عبد اللطيف. يكشف عبد اللطيف عن ساقه اليمنى التي بدت وقد غطتها الكثير من الجروح ذات اللون الوردي الضارب إلى الحمرة والتي تنتشر من الكاحل وحتى الركبة. يعلق عبد اللطيف على تلك الجروح بقوله «نتجت تلك الجروح عن الشظايا التي أصابت ساقي عندما كنت أقاتل ضد النظام في مدن الرقة ورأس العين». أما قدمه اليسرى، التي بدت ملفوفة في ضمادة تظهر عليها بقع الدم المتناثرة في لون أبيض يلمع تحت ضوء شمس الشتاء الساطع، فيقول عنها عبد اللطيف: «هنا أصابتني رصاصة قناص عندما كنت أقاتل ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)».
وبينما يجلس في مقعد بلاستيكي على أحد الأرصفة في مدينة أقجة قلعة التركية الواقعة على الحدود مع سوريا، يمكن لعبد اللطيف أن يسمع بوضوح أصوات الانفجار المتقطعة الناجمة عن أجواء إطلاق النار الاحتفالية التي يقوم بها أعداؤه. ولا يفصل بلدة أقجة قلعة التركية عن مسقط رأسه بلدة تل أبيض سوى معبر حدودي ضيق وبضعة أمتار غير مأهولة بالسكان. في شهر أغسطس (آب) الماضي، استطاعت كتيبة أحرار الشام، التي كان عبد اللطيف أحد مقاتليها، أن تطرد ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية وتستعيد السيطرة على تل أبيض ومعبرها الحدودي الاستراتيجي.
غير أنه ومنذ 10 أيام، تبدل الحال في تل أبيض، حيث سقطت في أيدي مقاتلي تنظيم «داعش» المرتبط بتنظيم القاعدة والذي انخرط في الصراع السوري نهاية ربيع عام 2013. وخلال الأشهر التالية، زادت أعداد مقاتلي «داعش» وقويت شوكتهم، وأصبح التنظيم من أكثر المجموعات المكروهة التي يخشاها المواطنون السوريون بسبب سمعتهم السيئة في تطبيق قوانين وإجراءات تعسفية لا ترحم في المدن التي استطاع مقاتلوه السيطرة عليها. وأخيرا وخلال الأيام الأولى من شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، دخل تنظيم «داعش» في صراع صريح مع «الجبهة الإسلامية»، وهو ائتلاف يضم مجموعة من كتائب المعارضة المقاتلة، بما فيها كتيبة أحرار الشام، التي ينتمي لها عبد اللطيف. وخلال معركة شرسة اندلعت في الـ11 من يناير واستمرت ثلاثة أيام، استطاع مقاتلو «داعش» طرد مقاتلي «أحرار الشام»، ومعظمهم من أبناء البلدة مثل عبد اللطيف - من تل أبيض وأجبروهم على النزوح إلى تركيا.
عندما انضم عبد اللطيف إلى صفوف المعارضة السورية للقتال ضد حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، كانت قواعد المعركة واضحة، فقد كان واحدا من المتمردين الذي يقاتلون ضد النظام. في بداية الصراع المسلح، انخرط عبد اللطيف في صفوف كتيبة الفاروق، التي كانت واحدة من أقوى كتائب الجيش السوري الحر. وبعد سبعة أشهر، ترك عبد اللطيف كتيبة الفاروق لينضم إلى كتيبة أحرار الشام، التي تعرف بتوجهاتها الفكرية الإسلامية وخط قتال أمامي مخيف. ويوضح عبد اللطيف سبب انشقاقه عن كتيبة الفاروق وانضمامه لكتيبة أحرار الشام بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد هناك ما يسمى بكتيبة الفاروق»، على الرغم من أنه ما زال يرتدي قميصا يحمل شعار تلك الكتيبة.
والآن وبينما يقترب حلول الذكرى الثالثة لانطلاق شرارة الثورة السورية، يبدو الصراع وكأنه قد تحول إلى شبه المستنقع، متمردون يقاتلون متمردين مثلهم، وإسلاميون منخرطين في صراع ضد إسلاميين مثلهم. قبل عدة أشهر، انخرط متمردو أحرار الشام الإسلاميين في قتال ضد متمردي وحدات حماية الشعب الكردية، وبعد ذلك بخمسة أشهر، دار قتال عنيف بين مقاتلي «داعش» ومتمردي «أحرار الشام» الإسلاميين. يعلق عبد اللطيف على المواجهة بين «أحرار الشام» و«داعش» قائلا: «حتى قبل تلك المواجهة، كان تنظيم (داعش) يصف مقاتلي أحرار الشام بأنهم كفار، وأنه ينبغي عليهم أن يقتلونا جميعا».
وقد جرى طرد مقاتلي «أحرار الشام» من مدينة تل أبيض السورية إلى مدينة أقجة قلعة التركية المتاخمة لها، حيث بقوا عالقين هناك يتابعون أعداءهم بينما ينهبون بيوتهم تحت سمعهم وبصرهم ولا يستطيعون أن يحركوا ساكنا. يبدو ذلك واضحا في ما يقوم به أبو حسين كل يوم حينما يصعد إلى أعلى ركام من الحصى مواز لسياج حدودي من السلك الشائك حتى يراقب منزله الواقع على بعد أقل من 200 متر. يقول أبو حسين وهو ينظر إلى منزله على الجانب السوري: «ها هو، إنه ذلك المنزل الأصفر اللون الذي يوجد مكاتب في طابقه السفلي». وما هي إلا دقيقة حتى يشير أبو حسين إلى شخصين يقتربان من منزله ويقول «إنهما من مقاتلي تنظيم (داعش)، أعرفهما لأنهما يرتديان الزي الباكستاني، كما يتميزون بلون ملابسهم السوداء».
وكان أبو حسين يعمل كحارس في نقطة التفتيش التي أقامتها كتيبة أحرار الشام في معبر تل أبيض الحدودي مع الجانب التركي. والآن، يبدو هذا المعبر قريبا منه، وكانت الحكومة التركية قد أغلقته عند اندلاع القتال بين «أحرار الشام» و«داعش»، وتفتحه بين الحين والآخر حتى تسمح للاجئين السوريين بالعبور إلى تركيا. وفي بعض الأحيان، يتسلل أبو حسين بطريقة غير شرعية ويتسلق سياج السلك الشائك رغبة منه في قضاء بعض الدقائق الثمينة على أرض وطنه الغالي. ومع ذلك، لا يستطيع أبو حسين الاقتراب من منزله الذي بات محاطا بمقاتلي «داعش»، الذين أعدموا عشرات المقاتلين من «أحرار الشام» عندما نجحوا في السيطرة على تل أبيض، ويعرف أبو حسين جيدا أنه سيلقى نفس المصير لو وقع بين أيدي مقاتلي التنظيم. وخلال عمله في نقطة التفتيش، كانت مهمة أبو حسين تتلخص في مقارنة أسماء المارين بالنقطة مع قائمة سوداء بأسماء مقاتلي نظام الأسد المطلوبين. غير أن الحال تبدل خلال 10 أيام فقط، يقول أبو حسين ضاحكا «أما الآن، صار اسمي مدرجا على قائمة سوداء».
وتعج شوارع مدينة أقجة قلعة التركية بالكثير من الرجال الذين كانوا يحملون صفة مقاتلين قبل 10 أيام، أما الآن، فقد صاروا لاجئين. وببشرته الصهباء وشعره الأحمر اللامع، يبدو محمود، الذي انشق عن جيش النظام السوري في مارس (آذار) 2011، بمظهر مختلف بين رفقاء السلاح. ومثل عبد اللطيف، انضم محمود إلى كتيبة الفاروق قبل أن يلتحق بكتيبة أحرار الشام. والآن، ينام محمود في شوارع أقجة قلعة حيث لا يوجد مكان آخر غيرها يمكنه النزوح إليه. ويتساءل محمود: «ما الذي يمكننا فعله الآن؟ سيقوم مقاتلو (داعش) بتفجير منازلنا، فمن الذي سيوفر لنا منازل جديدة؟».
وبصوت يملؤه الغضب، يصف محمود المعركة التي دارت بين «أحرار الشام» و«داعش» في تل أبيض: «كان من الممكن أن نهزم مقاتلي (داعش)، لكن قادتنا كانت لهم سياسة أخرى». ويتهم محمود قادة أحرار الشام بـ«خيانة» مقاتلي الكتيبة، قائلا: «لقد كانوا يصدرون أوامر بالانسحاب من دون الاشتباك مع (داعش). في بادئ الأمر، رفضنا إطاعة تلك الأوامر، لكننا حوصرنا في نهاية الأمر، فاضطررنا للانسحاب».
ويواصل هؤلاء الرجال، الذين تغص بهم شوارع أقجة قلعة معركتهم على الرغم من تغير معطيات الحرب من حولهم. لقد خبر أولئك الرجال الكثير من المواقف في ذلك الصراع الذي يشهد تحولات لم يشهدها صراع مثله قبل ذلك، ثم وجدوا أنفسهم في نهاية الأمر يجلسون هنا مرهقين ومرتبكين وغاضبين وغير متأكدين مما سيحمله المستقبل لهم. غير أن ولاءهم القديم بقي على حاله ولم يتغير، فبعد كل ما حدث في تل أبيض، لا يرون أنفسهم إلا متمردين.
يقول عبد اللطيف: «ما زلت أنتمي للجيش السوري الحر!»، مصرا على أنه ما زال يقاتل من أجل مبادئه الثورية التي يبدو أنها أصبحت أبعد ما يكون عن الصراع الدائر حاليا في سوريا، مضيفا: «أريد ديمقراطية وحرية وسأقاتل من أجلها». وبسؤاله عن أكثر جروحه إيلاما، رد عبد اللطيف مبتسما ابتسامة ساخرة: «الجرح الذي سببه القتال ضد (داعش) هو الذي يؤلمني أكثر».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.