بأي صفة زار حافظ بشار الأسد مدرسة في دمشق؟

خلال زيارة حافظ بشار الأسد للمدرسة
خلال زيارة حافظ بشار الأسد للمدرسة
TT

بأي صفة زار حافظ بشار الأسد مدرسة في دمشق؟

خلال زيارة حافظ بشار الأسد للمدرسة
خلال زيارة حافظ بشار الأسد للمدرسة

أثارت «زيارة مفاجئة» لحافظ الأسد مدرسة في دمشق، أسئلة عن الصفة الرسمية التي قام بها النجل الأكبر للرئيس السوري بشار الأسد، لمؤسسة حكومية في البلاد، خصوصاً أنها تضمنت لقاءات مع مسؤولين في المدرسة وعدد من التلامذة.
وقال مدير «ثانوية الباسل للمتفوقين» أحمد أحمد: «خاطبته: أستاذ حافظ، أجابني معتذراً: أنا لست أستاذاً. خاطبته سيد حافظ، أجابني: لست سيداً». وأضاف أن حافظ أبلغه: «أتمنى أن تناديني حافظ من دون ألقاب، لأنني ما زلت طالباً».

واحتفل موالون للنظام بزيارة نجل الرئيس السوري (18 سنة)، و«تواضعه الشديد» و«ثقته بنفسه»، كغيرها من الجولات في معالم العاصمة السورية، فيما انتقد معارضون هذه الزيارة ومعانيها السياسية. وكتب بسام يوسف، أحد النشطاء على صفحته في «فيسبوك»: «مدير مدرسة وإلى جانبه مدرسون آخرون يقفون باستعداد». وأضاف: «المتحدث مراهق... يقوم بزيارة مدرسة اسمها مدرسة باسل الأسد، على الحائط تظهر صورة بشار الأسد، وصورة لحافظ الأسد الآخر، وتظهر صورة لأسماء الأسد أُمّ حافظ الأسد».

كانت نشاطات علنية سابقة لنجل الرئيس السوري قد أثارت الكثير من الجدل بين موالين ومعارضين. وفي 2018، كشف الرئيس السوري في معرض لقائه وفداً برلمانياً روسياً أن أبناءه استجمّوا في معسكر «أرتيك للطلائع» في شبه جزيرة القرم. وقال: «باتوا يفهمون روسيا بشكل أفضل، بفضل العطلة التي أمضوها العام الماضي في معسكر القرم»، التي ضمتها روسيا عام 2014، الأمر الذي قوبل برفض من أوكرانيا ودول غربية.
ويعد «أرتيك» من المعسكرات التي نالت شهرة واسعة في العهد السوفياتي منذ تأسيسه عام 1925، ونسخت سوريا هذه التجربة بتعميم نموذج «طلائع البعث» التابعة للحزب الحاكم. ويحظى المعسكر باهتمام من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يتابع تطويره وتأهيله لاستقبال الأطفال من روسيا ودول أخرى.

ويتقن حافظ الأسد اللغة الروسية، وقام بزيارات عدة إلى المركز الثقافي الروسي في دمشق، في حين أن شقيقه الأصغر كريم (مواليد 2004) يتعلم اللغة الصينية، فيما تتقن زين (مواليد 2003) الإنجليزية.
وكانت صحيفة «إيفنينغ ستاندرد» البريطانية قد نشرت أن حافظ زار ابنة عمته أنيسة شوكت، ابنة بشرى والجنرال الراحل آصف شوكت، في لندن العام الماضي، قبل أن تجمد لندن أموال أنيسة في مصرف بريطاني.



تحركات رئاسية صومالية لنزع فتيل أزمة «العام الانتقالي»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظّمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظّمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تحركات رئاسية صومالية لنزع فتيل أزمة «العام الانتقالي»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظّمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظّمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

تحرك رئاسي صومالي جديد لعقد حوار مع المعارضة، وذلك قبل أيام من مهلتها التي تنتهي قبل منتصف مايو (أيار) الحالي، رفضاً لـ«العام الانتقالي» الذي سمح به الدستور الجديد، لتمديد فترتي الرئيس والبرلمان عاماً إضافياً.

الدعوة للحوار المرتقب في 10 مايو الحالي لاقت ترحيباً أممياً، خصوصاً أنها تحمل فرصة أخيرة لتفاهمات حاسمة بين الرئيس حسن شيخ محمود، والمعارضة التي ترفض تمديد فترة الرئاسة، بحسب خبير في الشأن الصومالي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، متوقعاً 3 سيناريوهات، أرجحها مشاركة المعارضة في الاجتماع والتوصل لتفاهمات، وأصعبها المقاطعة وانتظار تصعيد شعبي وأزمة سياسية غير مسبوقة.

دعوة حوار جديد

ووفقاً لما ذكرت وكالة الأنباء الصومالية (صونا)، دعا حسن شيخ محمود، الأحد، مجلس المستقبل (المعارض) إلى مشاركة في اجتماع يُعقد رسمياً في 10 مايو الحالي، وذلك «استناداً إلى اللقاءات والمشاورات الخاصة التي أجراها خلال الفترة الأخيرة مع سياسيين وقادة سابقين وشيوخ عشائر ومختلف فئات المجتمع الصومالي».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

ويأتي هذا الاجتماع، بحسب ما ذكرته «صونا»، «انطلاقاً من الحاجة إلى مناقشة القضايا المصيرية للبلاد بروح إيجابية وشفافية ومسؤولية، وعلى رأسها مسار بناء الدولة، بما في ذلك الانتخابات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحديد التوجه السياسي لمستقبل الصومال»

وأكّد الرئيس الصومالي أن «المرحلة الراهنة تتطلب التوافق وتقديم التنازلات المتبادلة، لضمان أن تكون الحوارات مثمرة وتُسفر عن نتائج عملية وفعّالة».

ويستلزم الدستور الصومالي المعدل حديثاً «عاماً انتقالياً»، يترتب عليه تمديد فترتي مؤسستي الرئاسة والبرلمان سنة أخرى، لكن المعارضة لا تكفّ عن التهديد والإنذار بأنها لن تسمح بتجاوز المواعيد السابقة المقررة لانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في منتصف مايو 2026.

وكان رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، أكّد أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن «تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان 5 سنوات بدلاً من 4 سنوات (التي يفترض أن تنتهي قبل منتصف مايو)».

رفض التمديد

وعقب إقرار التعديل الدستوري في مارس (آذار)، قال ائتلاف المعارضة الصومالية، المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان، إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026، فيما تنتهي ولاية الرئيس في 15 مايو من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

وجاء أحدث تلك الإنذارات على لسان رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، محذراً الأربعاء الماضي، من أن الخلافات السياسية قد تهدد وجود الدولة إذا لم يتم التوصل إلى حل شامل قبل نهاية ولاية الرئيس في 15 مايو. وقال: «إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي يقبله جميع الصوماليين، فلن تكون هناك حكومة فيدرالية لإدارة البلاد».

وتعارض ولايتا غوبالاند وبونتلاند وقيادات معارضة بارزة التعديلات الدستورية، قائلة إنها لم تتم بطريقة قانونية، وأعلنت مقاطعتها الدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي قبل شهرين، وسط خلافات جذرية مع الحكومة تشمل أيضاً رفض الانتخابات المباشرة.

توقيت حساس

من جانبه، قال المحلل السياسي الصومالي عبد الولي جامع بري، إن تصريح حسن شيخ محمود حول «التنازلات المتبادلة» والدعوة إلى حوار في 10 من الشهر الحالي يأتي في توقيت حساس جداً، لأنه يسبق مباشرة موعد 15 مايو الذي لوّحت به أطراف معارضة للتصعيد، لافتاً إلى أن هذا يضع البلاد أمام لحظة سياسية حاسمة، فيها فرصة حقيقية لخفض التوتر، لكن خطر الفشل وارد أيضاً.

ويعتقد أن نجاح الحوار يتوقف على أجندة الاجتماع، التي ستشمل القضايا الحرجة، وأبرزها الانتخابات، والدستور، وتقاسم السلطة، بخلاف الضمانات، وهل هناك التزام واضح بعدم اتخاذ خطوات أحادية أثناء الحوار، بخلاف أهمية وجود أطراف دولية ومحلية محايدة كوسطاء، لافتاً إلى أن وجود هذه العناصر يمكن أن يسفر عن تجميد أو تأجيل تصعيد 15 مايو، مستدركاً: «لكن أما إذا اعتبرته المعارضة مجرد تكتيك لكسب الوقت، فالتصعيد قد يستمر».

ويرجح إمكانية قبول المعارضة هذا الحوار، إذا ضمنت أنه ليس شكلياً، بل يؤدي إلى نتائج ملموسة، وقد تشترط وقف أو تجميد أي قرارات أحادية، خاصة المتعلقة بالانتخابات أو التعديلات الدستورية بخلاف تحديد جدول زمني واضح للحوار ونتائجه وإشراك جميع الأطراف السياسية دون إقصاء.

ترحيب أممي

ووسط ذلك المسار الجديد المقترح للحوار، رحّبت بعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال والمملكة المتحدة بدعوة الحكومة الفيدرالية لعقد اجتماع مجلس مستقبل الصومال، واصفة المبادرة بأنها خطوة استراتيجية وفي توقيت مثالي لمعالجة الأولويات الوطنية الحاسمة، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الصومالية الأحد.

وأكّدت البعثة الأممية، في بيان، أن الاجتماع يمثل فرصة هامة لرسم خريطة طريق مشتركة للمضي قدماً في القضايا الوطنية الكبرى، داعية الأطراف كافة إلى المشاركة بنوايا حسنة وإعلاء مصلحة الشعب الصومالي.

ومن جانبه، أشاد السفير البريطاني لدى مقديشو، تشارلز كينغ، بالمبادرة، مؤكداً أن الحوار الوطني هو المسار الأمثل لتعزيز الاستقرار وحماية مكتسبات الصوماليين.

ومع هذه الترحيبات الدولية، يتوقع بري عدة سيناريوهات محتملة للحوار، أولها مشاركة المعارضة والاتفاق على خريطة طريق مشتركة وتأجيل أو إلغاء تصعيد 15 مايو، بخلاف سيناريو المشاركة المشروطة بالدخول في حوار، لكنها تبقي خيار التصعيد قائماً، فيما تحاول الحكومة كسب الوقت وعقد جولات دون نتائج.

وأسوأ السيناريوهات بحسب بري، التعثر والفشل، حيث قد ترفض المعارضة المشاركة أو تنسحب سريعاً، وهذا يجعل تصعيد 15 مايو واقعاً، وقد يتوسع سياسياً أو شعبياً.


العمال في اليمن... بطالة قاسية ومعاناة لا تنتهي

شخص يشتري وجبات خفيفة من عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)
شخص يشتري وجبات خفيفة من عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)
TT

العمال في اليمن... بطالة قاسية ومعاناة لا تنتهي

شخص يشتري وجبات خفيفة من عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)
شخص يشتري وجبات خفيفة من عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ«عيد العمال» في 1 مايو (أيار) من كل عام، يعيش عمال اليمن مُنذ سنوات أعقبت الانقلاب والحرب التي أشعلها الحوثيون، واقعاً مختلفاً، تتجسد فيه معاناة يومية وصراع مرير من أجل البقاء، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً.

يقول عدد من العمال في صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط»، إنه لم يعد هذا اليوم بالنسبة لكثير منهم مناسبة للاحتفال بأي إنجاز عملي، أو المطالبة بتحسين الحقوق؛ بل تحول إلى محطة للتذكير بحجم التحديات التي يواجهونها، بدءاً من البطالة المُتفشية، مروراً بتدهور الأجور، وانتهاءً بانعدام الحماية الاجتماعية.

واشتكى بعضهم من استمرار انهيار أوضاعهم وأسرهم للعام الثاني عشر على التوالي، حيث يكافحون يومياً لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات، وسط ارتفاع الأسعار وندرة الشغل، وغياب أقل الخدمات، لافتين إلى أن الأجور فيما بقي من القطاعات كالبناء والنقل، وغيره من الأعمال الحرة، لم تعد تتناسب مع حجم الجُهد المبذول، ولا مع متطلبات الحياة الأساسية.

يمنيون في صنعاء يصطفون على رصيف شارع في انتظار الحصول على عمل (الشرق الأوسط)

وفي وقت طالب فيه العمال الجهات المعنية والمنظمات الدولية بالتدخل لتخفيف معاناتهم، أكدت مصادر عاملة في اتحاد نقابات العمال الخاضع للجماعة الحوثية بصنعاء، أن هذه المناسبة تَحلُّ هذا العام مع استمرار معاناة ما يزيد على مليون موظف حكومي يمني يُعيلون مئات الآلاف من الأسر، من ظروف قاسية، إلى جانب 8 ملايين عامل يمني بالأجر اليومي باتوا يعيشون تحت خط الفقر، نتيجة الانقلاب والصراع المستمر.

واتهمت المصادر في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، الجماعة الحوثية، بمواصلة مضاعفة معاناة الملايين من عمال الأجر اليومي بمناطق سيطرتها، عبر انتهاجها سياسات الفساد المنظم ضد ما تبقى من مقومات القطاع الاقتصادي.

كفاح من أجل العيش

يقول «محمود» - وهو عامل بناء في صنعاء: «نحن لا نحتفل بعيد العمال مثل سائر مواطني جميع بلدان العالم؛ بل نعيشه بوصفه يوماً آخر من الكفاح من أجل لقمة العيش». ويعمل «محمود»، وهو أب لـ3 أولاد، لساعات طويلة مقابل أجر زهيد لا يكفي حتى لسد رمق أطفاله، ويضيف: «نخرج يومياً بحثاً عن عمل، وقد نعود دون أن نحصل على شيء. الحياة أصبحت قاسية جداً».

بدوره، يصف «عصام. ن»، وهو اسم مستعار لسائق أجرة، معاناته، قائلاً: «أسعار الوقود ترتفع باستمرار، بينما دخلنا يتراجع. أعمل لفترات طويلة، ومع ذلك لا أستطيع تغطية المصاريف. أحياناً أفكر في ترك العمل، لكن لا يوجد بديل». ويؤكد أنه يعمل منذ أكثر من 10 سنوات في هذه المهنة، لكنه لم يشهد ظروفاً أقسى من هذه الأيام.

ملايين اليمنيين يفتقدون للخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)

أما عبد الله (39 عاماً) وهو بائع متجول في منطقة باب اليمن بصنعاء، فيروي لـ«الشرق الأوسط»، قصته: «كنا نبيع ونكسب بشكل مقبول قبل سنوات، أما الآن فالناس بالكاد يشترون. الجميع يعاني، وليس نحن فقط».

وتختصر هذه الشهادات واقعاً مريراً يعيشه آلاف العمال في اليمن، حيث تتقاطع المعاناة اليومية مع غياب الأفق، وسط أزمة مُتفاقمة أنهكت الجميع، ومطالبات مُستمرة بتحسين أوضاع العمال وضمان حقوقهم الأساسية.

أزمة عميقة

يرى مختصون اقتصاديون أن أزمة العمال في اليمن لم تعد مجرد انعكاس مؤقت للحرب؛ بل تحولت إلى أزمة هيكلية عميقة. ويؤكد هؤلاء أن استمرار تراجع النشاط الاقتصادي، وضعف الاستثمار، وانقسام المؤسسات المالية، كلها عوامل تُفاقم من معدلات البطالة وتحد من قدرة السوق على التعافي.

ووفق بيانات «إسكوا»، يُصنف اليمن ضمن الدول منخفضة الدخل ذات الاقتصاد الهش، وهو ما ينعكس مُباشرة على ضعف خلق فرص العمل واتساع رقعة الفقر.

ويشير الاقتصاديون إلى أن استمرار الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي، أسهما في تفاقم معاناة العمال، حيث توقف كثير من المشاريع، وتقلصت فرص العمل، وازدادت معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب. كما يحذرون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اتساع دائرة الفقر وتعميق الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

بائعة متجولة تحمل ألعاباً قابلة للنفخ في أحد شوارع صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (إ.ب.أ)

في موازاة ذلك، تكشف تقديرات غير رسمية عن ارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق، خصوصاً بين فئة الشباب، حيث يجد الآلاف أنفسهم خارج سوق العمل دون أي فرص حقيقية. ومع توقف كثير من القطاعات الإنتاجية والخدمية نتيجة سنوات الانقلاب والصراع، تقلصت فرص التوظيف إلى حد كبير، ما دفع كثيرين إلى اللجوء إلى أعمال مؤقتة، أو غير مستقرة.

ويؤكد البنك الدولي في تقاريره حول اليمن، أن نحو واحد من كل 6 أشخاص في سن العمل، لا يجد فرصة عمل، في حين تزداد الصورة قتامة مع بطالة الشباب، التي تشير تقديرات «منظمة العمل الدولية» إلى أنها تتجاوز 25 في المائة على مستوى المنطقة العربية، مع توقعات بأن تكون أعلى في اليمن نتيجة استمرار الصراع وتقلص النشاط الاقتصادي.


اختناق مالي يربك سلطة الانقلاب الحوثي

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)
TT

اختناق مالي يربك سلطة الانقلاب الحوثي

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

دخلت الجماعة الحوثية في اليمن مرحلة مالية توصف بأنها الأكثر صعوبة منذ سنوات، بعد أن انعكس تراجع مواردها بصورة مباشرة على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مقاتليها وموظفي الخدمة المدنية، بالتوازي مع تدهور ملحوظ في الخدمات العامة، وفي مقدمها القطاع الصحي، وظهور مؤشرات تذمر كثيرة داخل قواعدها الاجتماعية والتنظيمية.

وتقول مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة باتت تواجه اختناقاً مالياً واضحاً، جعلها عاجزة عن صرف مستحقات مقاتلين في عدد من الجبهات منذ نحو أربعة أشهر، كما أوقفت للشهر الثالث على التوالي صرف نصف راتب لنحو 30 في المائة من الموظفين المدنيين الذين كانت تمنحهم مبالغ محدودة على فترات متباعدة، في وقت يتواصل فيه انقطاع الرواتب الأساسية لغالبية موظفي الدولة منذ سنوات.

وترجع المصادر هذا التدهور إلى تداخل عدة عوامل ضاغطة، في مقدمها تراجع عائدات موانئ الحديدة، التي شكلت خلال السنوات الماضية أحد أهم الشرايين المالية للجماعة، بعدما تأثرت بنيتها التشغيلية جراء الضربات الإسرائيلية التي تعرضت لها، وما تبع ذلك من انخفاض في حركة الاستيراد والتفريغ الجمركي والرسوم المفروضة على السلع الداخلة عبر تلك الموانئ.

انقطاع مستحقات مقاتلي الحوثيين في عدد من الجبهات منذ أشهر (رويترز)

وحسب المصادر، فإن الأزمة لا ترتبط فقط بتراجع إيرادات الموانئ، بل تمتد إلى انكماش تدفقات مالية أخرى كانت تمثل رافداً مهماً لاقتصاد الجماعة. فقد أدى تقلص نشاط المنظمات الإنسانية في مناطق سيطرتها إلى فقدان دورة نقدية كانت تغذي الأسواق المحلية وتوفر جزءاً من العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد، فضلاً عن تراجع ما كانت الجماعة تستفيد منه بصورة غير مباشرة من حركة المساعدات والإمدادات المرتبطة بها.

وتضيف المصادر أن توقف إمدادات الوقود التي كانت تحصل عليها الجماعة بشروط ميسرة أو دون مقابل زاد من الضغوط، إلى جانب تأثير العقوبات الأميركية المرتبطة بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وما ترتب على ذلك من تضييق على شبكات التمويل والتحويلات والأنشطة التجارية المرتبطة بالجماعة، وهو ما حرمها من موارد تقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً.

ويرى مراقبون أن إلحاح الحوثيين مؤخراً على إعادة تحريك المسار الإنساني ضمن أي تسوية سياسية شاملة، لا ينفصل عن هذه الأزمة الخانقة، خصوصاً مع استمرار الضغوط الأميركية على شبكات التمويل الإقليمية، وتشديد الرقابة على مسارات الدعم والتهريب، بما يقلص هامش المناورة المالية أمام الجماعة.

انهيار خدمات وتفاقم المعاناة

تزامن هذا الاختناق المالي مع تدهور واضح في مستوى الخدمات العامة في مناطق سيطرة الحوثيين. وأكدت مصادر طبية في صنعاء توقف المستشفى الجمهوري، ثاني أكبر مستشفى حكومي في العاصمة المختطفة، عن استقبال المرضى بصورة شبه كلية، نتيجة انقطاع المخصصات التشغيلية، وتوقف مصادر الدعم التي كانت تسهم في استمرار تقديم الخدمات المجانية للفئات الأشد فقراً.

ووفق المصادر، فإن عشرات الأطباء والعاملين الصحيين يواصلون العمل منذ أشهر دون انتظام في صرف مستحقاتهم، بينما فقد آلاف المرضى منفذاً علاجياً كان يمثل الملاذ الأخير لهم، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات الخاصة، وتراجع القدرة الاستيعابية للمرافق الحكومية الأخرى، التي خُصص بعضها لخدمة قيادات الجماعة ومقاتليها.

أولويات الحوثيين المالية تتمثل في الإنفاق على التعبئة الفكرية والعسكرية (رويترز)

ولا يقف أثر الأزمة عند القطاع الصحي، إذ تتحدث مصادر محلية عن اتساع مظاهر التقشف داخل المؤسسات التابعة للحوثيين، وتأخر صرف الموازنات التشغيلية لقطاعات خدمية متعددة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

تذمر داخلي

في موازاة الضغوط الاقتصادية، بدأت تظهر مؤشرات على اتساع التذمر داخل البيئة الموالية للجماعة. ويقول الصحافي المتخصص في شؤون الحوثيين عدنان الجبرني إن الجماعة تمر بإحدى أكثر مراحلها الداخلية حساسية، نتيجة تراكم الأزمات المالية والتنظيمية، وتراجع الثقة داخل قواعدها، واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة التنظيمية.

وحسب الجبرني، فإن قيادة الجماعة لا تزال تتمسك بما تسميه «أولويات الإنفاق»، وهي سياسة تمنح الأفضلية للقدرات العسكرية والتصنيع الحربي وبعض مشاريع البنية التحتية ذات الطابع الاستراتيجي، مقابل تقليص الإنفاق على الالتزامات الاجتماعية والخدمية، وهو ما ولّد شعوراً كبيراً بالاستياء في أوساط المقاتلين والموظفين والموالين على حد سواء.

الحوثيون ألزموا مزارعين وعمالاً بالمشاركة في دورات تدريبية على القتال (إعلام محلي)

ويضيف أن الجماعة كثفت في الآونة الأخيرة من أنشطتها التعبوية والتجنيدية لتعويض حالات التسرب من الجبهات والمعسكرات، بالتزامن مع تشديد الإجراءات الأمنية الداخلية وتقليص حركة القيادات الوسطى والميدانية، وهو ما أدى إلى مزيد من الارتباك في بنية التواصل التنظيمي.

اللافت، وفق مراقبين، أن مظاهر التذمر لم تعد حبيسة المجالس المغلقة، بل بدأت تتسرب إلى الفضاء العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال منشورات صادرة عن شخصيات محسوبة على الجماعة أو متعاطفة معها، تنتقد اتساع الفقر، وتفاوت الامتيازات، وازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الداخلية.

وبرز ذلك بصورة أوضح عقب نشر وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب الحوثية مواد مصورة قالت إنها تتعلق باعترافات خلية تجسس، إذ أبدى بعض أنصار الجماعة تشكيكاً علنياً في الرواية الرسمية، مشيرين إلى تناقضات في الأسماء والوقائع، وإلى استمرار حرية حركة بعض الأسماء التي وردت في الرواية نفسها، ما فتح باباً واسعاً للتساؤلات حول طبيعة تلك المواد وأهدافها.