المدينة الإعلامية في السعودية... مشروع متكامل لتطوير صناعة المجال

رئيسها التنفيذي لـ«الشرق الأوسط»: ستحتضن الصناعات المكملة للمشهد الإعلامي كافة

الدكتور فهد بن مشيط الرئيس التنفيذي للمدينة الإعلامية
الدكتور فهد بن مشيط الرئيس التنفيذي للمدينة الإعلامية
TT

المدينة الإعلامية في السعودية... مشروع متكامل لتطوير صناعة المجال

الدكتور فهد بن مشيط الرئيس التنفيذي للمدينة الإعلامية
الدكتور فهد بن مشيط الرئيس التنفيذي للمدينة الإعلامية

بعد إعلان السعودية عن مشروع المدينة الإعلامية المقرر جمعها لتخصصات ومجالات متقاطعة مع الإعلام، مثل الثقافة والتقنية والابتكار، إضافة إلى موقعها وتصميمها المعماري الذي يرتبط بالثقافة والإرث السعودي، أكد الدكتور فهد بن مشيط، الرئيس التنفيذي للمدينة الإعلامية، أنهم يعملون على إعداد شراكات استراتيجية، حيث حددت القطاعات المختلفة، وأكبر الجهات النوعية التي تسعى المدينة الإعلامية لاستهدافها، إضافة إلى أنه مع التغيرات الأخيرة الحاصلة في السعودية بدأت كثير من الجهات العالمية تطرق الباب السعودي، مؤكداً في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنهم حريصون الآن على الانتقال إلى السعودية بسبب التغييرات الكبيرة بعد «رؤية 2030».
وأشار الدكتور فهد بن مشيط إلى أنه بالإضافة إلى ما تم توقيعه في الأيام الماضية، فإن هناك مؤسسات إعلامية أخرى ستتبعها، مؤكداً أن الموقع للمدينة الإعلامية موجود، والطلب عالٍ في الصناعة الإعلامية، وستكون خلال الفترة المقبلة إعلانات وشراكات جديدة.
وقال الرئيس التنفيذي الدكتور فهد، الذي يعمل كذلك رئيساً تنفيذياً للهيئة العامة لحي السفارات (موقع المدينة الإعلامية)، إن ما تم الإعلان عنه هو البداية لخطوة كبيرة للسعودية للمساهمة في تطوير صناعة الإعلام، والتركيز على دعم كل الجهات التابعة والمعنية، سواء في الإعلام المتخصص أو الأمور المكملة للإعلام.
وأضاف أن المشروع يعنى ببناء مدينة إعلامية، ولكن بشمولية أكبر بكثير، وتبعد في مفاهيم مكملة للقطاع الإعلامي، مثل القطاعات الثقافية والابتكار والإبداع والصناعات المختلفة المكملة للصناعة الإعلامية، مشيراً إلى قرار مجلس الوزراء حول إنشاء الهيئات الثقافية الإحدى عشرة التابعة لوزارة الثقافة، وأن هذه الهيئات لها تقاطعات كبيرة مع صناعة الإعلام، حيث ستستضيف المدينة الإعلامية كثيراً من الهيئات التابعة لوزارة الثقافة.
وأكد أنهم عملوا على تطوير استراتيجية متكاملة، أقرت من مجلس الإدارة للمدينة الإعلامية، وأن هناك تفاصيل أخرى ما زالت تحت العمل، على أساس تحديد الاستراتيجيات والتوجهات المقبلة في هذا المجال، إضافة إلى أنواع الشراكات التي ستطلق في الفترة المقبلة، بجانب ما تم إطلاقه مع كبرى الشركات، سواء المحلية أو الدولية.
وأوضح الدكتور بن مشيط أنها ستكون مدينة بالمفهوم الشامل للمدينة، بحيث يكون بها جميع التخصصات المطلوبة في صناعة الإعلام، والصناعات المكملة لصناعة الإعلام بمختلف مجالاتها، حيث ستوفر مسرح واستديوهات للتصوير وغيرها، مشيراً إلى أنهم لم يحصروها فقط على الإعلام، حيث سيكون بها مجالات أخرى، مثل التقنية التي شهدت توقيع مذكرة تفاهم مع واحد من أكبر الصناديق الاستثمارية في العالم التي تستثمر في التقنية «EWTP». وتابع: «التركيز سيكون على الشركات التقنية المكملة في مجال الإعلام أو الثقافة، وهناك تقاطعات كبيرة في مجالات الإعلام والثقافة والتقنية والابتكار بشكل عام».
وحول المحفزات التي ستجذب الشركات لفتح مقراتها في المدينة الإعلامية، يقول الرئيس التنفيذي إنهم يعملون على وضع عدة أنواع من المحفزات التي تحفز القطاعات المختلفة في المجالات الإعلامية والثقافية والتقنية، وغيرها مما تختص بها المدينة الإعلامية، قائلاً إنهم يعملون ضمن مظلة كاملة، وليست بمعزل عن الآخرين، وفقاً للبرامج المختلفة التابعة لـ«رؤية السعودية 2030»، مثل برنامج جودة الحياة، وغيرها من البرامج التي تعد ضمن المحفزات الشاملة على مستوى الدولة، والتي تعود بالفائدة على المدينة الإعلامية، باستقطاب الشركات المحلية، والشركات التي لها وجود عالمي، أو الشركات الدولية.
وتابع: «من المحفزات الجاذبة للجهات والموظفين وجود الخدمات ووسائل التعليم والمعيشة كافة في المدينة الإعلامية»، مضيفاً أنهم وقعوا اتفاقيات مكملة لهذا المجال.
وقال بن مشيط إن العمل بدأ رسمياً في بناء المدينة الإعلامية، وذلك بعد توقيع الاتفاقيات الأولى وتنفيذ أعمال البناء، مشيراً إلى أن الاتفاقيات وصلت إلى نتائجها بالتوقيع والإعلان عنها، بعد عمل دؤوب في الشهرين الماضية. وذكر أن «العمل بدأ، وتم اختيار المباني للمدينة الإعلامية كمرحلة أولى، وكمرحلة ثانية سيكون هناك بناء مبانٍ جديدة»، مضيفاً أن المدينة سيكون فيها مراكز ومكاتب تجارية وأنشطة مكملة، مثل الاستديوهات والمسارح وفندق ومساكن بمختلف أنوعها، إضافة إلى ملعب غولف سيتم إنشاؤه في الحي الدبلوماسي.
وقال إن المعايير الدولية لمساحات المدن الإعلامية تتراوح بين 300 ألف متر مربع و800 ألف متر مربع، واختيار المساحة يأتي وفقاً للاستراتيجية الإعلامية، حيث إن بعض الدول تبني مدناً إعلامية بمساحات أقل، وإنه بناء على استراتيجية الهيئة والمجالات التي ستدخل بها، يتم تحديد حجم المساحة الطبيعي الذي يساندها كبنية تحتية أو مبانٍ أو مكاتب، وتحدد حجم السكان المستهدف والعاملين في هذه المدينة الإعلامية، قائلاً: «نملك مساحات شاسعة في الحي الدبلوماسي، ومستعدين لتخصيص جزء كبير منها حسب الاحتياج، حتى مليون متر مربع»، حيث يبلغ حجم حي السفارات 8 كيلومترات. وعن موقع المدينة التي ستكون في منطقة قريبة من وادي حنيفة، قال إنها ترتبط بتاريخ السعودية، وستحافظ على الإرث والتراث والقيم والعادات، حتى في الطراز المعماري.
وتابع: «هذا الطراز هو ما نعمل عليه كجزء من منظومة كاملة في التخطيط الشامل لحي السفارات بشكل كامل، بما فيها المدينة الإعلامية، وإن هناك تشريعات في البناء ستفرض على كل مطور لاتباعها للمحافظة على التراث والإرث»، مشيراً إلى طبيعة الحي الجغرافية، مثل وادي حنيفة وميزته الاستراتيجية. وأضاف أن أحد المحفزات لجذب الشركات العالمية أو المحلية ليجدون في المدينة البيئة المناسبة لهم، هو احتياجهم لوجود مدارس عالمية لأبنائهم، ومرافق عامة جميلة للتنزه أو الرياضة، وأسلوب حياة معين في جودة الحياة، قائلاً إن هذه الأمور شاملة، وإنها جزء من المدينة الإعلامية والحي الدبلوماسي.
وعززت الهيئة العامة لحي السفارات جودة الحياة داخل الحي باتفاقيات وعقود في مجالات متنوعة تختص بالتعليم ورعاية الأطفال والمشاريع الترفيهية، وذلك انطلاقاً من استراتيجيتها لتعزيز الحوار الثقافي، من خلال التعليم والرياضة والتبادل الثقافي، وتنفيذاً لبرنامج جودة الحياة الذي يعد أحد برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030».
ووقع الدكتور فهد بن مشيط، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة لحي السفارات، عدة عقود مع مجموعة من الشركات والجهات المحلية والعالمية ذات الخبرة في مجالات متفرقة، كالتعليم ورعاية الأطفال والمشاريع الترفيهية، بهدف تطوير الحي وتلبية احتياجاته وفق أعلى المعايير والمستويات، مما يساهم في تقديم خيارات مختلفة من الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية التي تساهم في تعزيز جودة حياة الفرد والأسرة.
ومن مبدأ العناية المتكاملة للأسرة، وقع الدكتور فهد بن مشيط، وعبد العزيز الحماد رئيس مجلس إدارة مدرسة «أرتال» التأسيسية العالمية، عقداً لافتتاح إحدى مدارس «أرتال» التي تعنى برعاية وتعليم الأطفال من خلال تمكين التعلم عبر اللعب للأطفال الأصغر سناً، والأنشطة القائمة على المشاريع للطلاب الأكبر سناً، ابتداءً من سن 6 شهور إلى 6 سنوات. وتركز المدرسة على جوانب عدة تعليمية مستنبطة من التكنولوجيا والهندسة والرياضيات والفنون، كما تستهدف استقبال أكثر من 120 طفلاً في سبتمبر (أيلول) المقبل.
وهذا بالإضافة إلى التوقيع مع ريم داغستاني المدير العام المؤسس لشركة «بيتي اللطيف» (Sweet Home)، المتخصصة في مجال رعاية وتعليم الطفل لأكثر من 9 سنوات، لتكون مرحلة ما قبل المدرسة مرحلة نموذجية متميزة هادفة، على أن تبدأ باستقبال الأطفال في سبتمبر (أيلول) المقبل، بطاقة استيعابية تفوق 100 طفل، وذلك من عمر شهرين إلى 6 سنوات. كما تم توقيع عقد مع المدرسة البريطانية الدولية بالرياض، متمثلة في مديرة المدرسة هيلين أولدز، وهي مدرسة تعليمية عالمية تخدم الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 3 سنوات و18 سنة، وتقدم تعليماً عالمياً عالي الجودة منذ 1979، على أن تبدأ باستقبال أول طالب في سبتمبر (أيلول) المقبل، بطاقة استيعابية تفوق 1300 طالب.
وفي مجال تقديم الأطعمة، تم التوقيع مع ديم البسام المالك المؤسس لشركة «مدار» الغذائية لتقديم الوجبات، التي تدير سلسلة من المطاعم والمقاهي الراقية، تشمل «سولت» و«باركرز» وغيرها من الأسماء التجارية، وسيتم افتتاح مطعم «سولت» في نهاية العام الحالي، وسيركز المطعم على التفاعل مع المناظر الطبيعية الواسعة في الحي الدبلوماسي، وخلق خطة جذابة نافذة للزوار، مما يثري تجربة الضيوف بشكل عام. وكما أشرفت الهيئة العامة لحي السفارات على توقيع عقود عدد من المشاريع مع الشريك الاستراتيجي شركة «رازا»، ممثلة بالمهندس فهد العيسى الرئيس التنفيذي للشركة، حيث وقعت شركة «رازا» مع دانة الملحم المالك المؤسس لشركة مركز الأطفال «تايم» (TIME)، وهو مركز تعليمي ترفيهي مختلف رائد في مجال اللعب التنموي، يعنى برعاية الأطفال منذ الولادة (بعمر الأسبوعين) على مدار ساعات عمل المركز، حيث يمكن الاستفادة من خدمات المركز بأوقات متفرقة تحددها العائلة.
إضافة إلى ذلك، وقعت شركة «رازا» مع شركة «يوغي» (yogi) الغذائية، ممثلة بالمالك نواف البراهيم، لافتتاح مطعم صحي إبداعي، حيث يمكن للضيوف خوض تجربة فريدة من نوعها من ناحية التصاميم الإبداعية والوجبات الصحية اللذيذة، فيما سيشمل مشروع «المدينة الإعلامية» الذي يقع في حي السفارات (غرب العاصمة الرياض) قطاعات في الثقافة والإعلام والتقنية، تؤثر بشكل مباشر على الصناعة الإبداعية المستقبلية، كالنشر والبودكاست والأفلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، والإعلان الرقمي، والتعليم الرقمي، والواقع المعزز وتطوير المحتوى، والتصوير والتصميم والأزياء والصّحف والمجلات والإذاعات والمحطات التلفزيونية، وغيرها.


مقالات ذات صلة

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

فازت «عرب نيوز» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» بثماني جوائز تميز في المسابقة الإبداعية السنوية السابعة والأربعين لجمعية تصميم الأخبار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)

جوائز «بوليتزر» للصحافة تكرّم تغطيات تدين إدارة ترمب وسياساتها

هيمنت التغطيات المتعلقة بإدارة ترمب على جوائز «بوليتزر» المرموقة للصحافة، حيث شنت لجنة الجائزة هجوماً لاذعاً على محاولات الرئيس الأميركي تقييد حرية الصحافة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يؤكد حصد «المجلة» جوائز تميز دولية قوة سردها البصري (SRMG)

ترشيح دولي وجوائز تميز تعزز ريادة «المجلة» البصرية

حققت «المجلة» حضوراً عالمياً بارزاً بترشيحها لجوائز «جمعية مصممي المطبوعات» المرموقة، وحصدها 14 جائزة تميز من «جمعية تصميم الأخبار»، تأكيداً لقوة السرد البصري.

«الشرق الأوسط»
شمال افريقيا وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

بين شرق البلاد وغربها باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين وتراجع هامش العمل المهني المستقل».

علاء حموده (القاهرة )

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
TT

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت، مدفوعين بمخاوف من استغلاله مجاناً في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي. وأفاد خبراء بأن «الحظر مجرد إجراء مؤقت»، ودعوا إلى «وضع قواعد توازن بين حقوق الملكية الفكرية والحق في الوصول إلى المعلومات».

تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، تطرّق إلى بدء أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة في حظر أو تقييد الوصول لأرشيفها على الإنترنت. وأشار إلى أن هذا التحرك بدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي بحظر صحف مثل «نيويورك تايمز» و«يو إس إيه توداي» أرشيفاتها على الإنترنت، بعد تأكيدها أنه «يستخدم في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي».

مخاوف من استغلال عنصر المجانية

ووفق تحليل «نيمان لاب»، فإن «هذا التحرك ليس موجهاً ضد فكرة الأرشفة في حد ذاتها، بل جاء مدفوعاً بمخاوف متصاعدة من استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى». ولفت التقرير إلى أن «حظر الأرشيف امتد لصحف أخرى في بريطانيا والبرازيل رغبة في حماية حقوق الملكية الفكرية».

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا، والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن قرار حظر الأرشيف «حل مؤقت قد يحمي بعض الحقوق القانونية قصيرة المدى، لكنه يضعف الشفافية، ويقوض الذاكرة الرقمية، ويعزز احتكار البيانات لدى المنصات الكبرى». وأردفت أن «أرشيف الإنترنت لا يعد المصدر الوحيد لتدريب النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي؛ بل هو جزء من منظومة مغذّيات الذكاء الاصطناعي التي تشمل أيضاً البيانات التجارية، والمنصّات الاجتماعية، والأرشيف المفتوح، والبيانات المرخصة، والتفاعل البشري، والبيانات الاصطناعية».

وتابعت أن «هذا الصراع الظاهري يخفي جوانب أكثر أهمية، إذ إن جوهر الصراع يتركز حول ملكية البيانات والسيطرة على المعرفة الرقمية بهدف احتكار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الحق القانوني المثير للجدل في الوصول إلى البيانات العامة». وأشارت الباحثة إلى أن «الحل يكمن في اعتماد المؤسسات على مبدأ الحوكمة المتوازنة للذاكرة الرقمية، التي تعنى بحماية المحتوى من دون تدمير البنية المعرفية للأرشفة والحق العام في الوصول للمعلومات». وأوضحت أن «هذا المبدأ ينبثق منه اتخاذ قرارات من أبرزها: الحذف الانتقائي بدل الحظر الشامل، والترخيص المنظم لاستخدام المحتوى، وإنشاء أرشيفات إعلامية مؤسسية مستقلة بدلاً من الاعتماد الكامل على الأرشفة الخارجية».

زيادة الاعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (صورة أرشيفية)

وأضافت إلى ما سبق ذكره، ومن ثم «تطبيق نموذج الوصول المتعدد للأرشيف، والتفرقة بين الإتاحة للعامة، والوصول الأكاديمي والصحافي، والوصول المدفوع، وكذا تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي عبر عقد اتفاقيات تتضمن عقود ترخيص وقواعد بيانات معلنة وشفافية بيانات تدريب النماذج وإقرار تعويضات مالية، حسبما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة وإنتاجها الإعلامي».

من ناحية أخرى، لفتت إلى أن «الحظر يُشكل ضرراً على الأكاديميين، حيث يفقدهم المادة الخام للبحث العلمي الخاصة بأي ظاهرة علمية ونشأتها... وأن البحث الأكاديمي يحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من البيانات السابقة، واستنساخ الدراسات، وبالتالي، فإن حظر الأرشيف الرقمي لا يعني فقط ضياع مواد إعلامية أو وثائق تاريخية، بل يؤدي عملياً إلى تعطيل القدرة العلمية على فهم الظواهر في سياقها الزمني والتطوري خصوصاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، التي لا تدرس الظواهر بوصفها أحداثاً ثابتة، بل بوصفها عمليات ديناميكية تتشكل عبر الزمن».

واستطردت فقالت إن «الحظر يمحو الذاكرة الرقمية للعصر الحديث التي يعتمد عليها المؤرخون، ما يؤدي إلى خلق فراغات تاريخية رقمية، ويسهم في ظهور انقطاعات للسجل التاريخي مما ينتج تشوها في فهم الأحداث التاريخية، فضلاً عن تعزيز احتكار التاريخ من قبل المنصات، وهو ما يؤدى إلى تهديد كتابة التاريخ الرقمي».

الذاكرة الرقمية

على صعيد ثانٍ، بينما تسعى الصحف إلى حماية ملكيتها الفكرية من الاستغلال التجاري، فإن هذا التحرك يثير تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية»، وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين الذين يعتمدون على هذا الأرشيف في عملهم وفي رصد التطورات حول العالم.

هنا، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، إنه «في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، أصبح الجدل حول حماية المحتوى الصحافي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وبالأخص بعد تصاعد الدعوات لحظر بعض أدوات الأرشفة الرقمية مثل أرشيف الإنترنت من استخدام المحتوى الصحافي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنه «على الرغم من أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية للمؤسسات الإعلامية، يبقى السؤال الجوهري: هل الحظر هو الحل الأمثل أم مجرد علاج مؤقت لمشكلة أكثر تعقيداً؟».

ومن ثم، أشار إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه تحدياً حقيقياً، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على كميات هائلة من البيانات والمحتوى لتطوير نماذجه، والصحافة المهنية تُعد من أهم مصادر المعلومات الموثوقة». وشرح أن «استخدام هذا المحتوى من دون تنظيم أو تعويض عادل يهدد الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، لا سيما في وقت تعاني فيه الصحافة التقليدية من تراجع الإيرادات وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي. وبناءً عليه، فإن حظر الأرشيفات الرقمية بشكل كامل قد لا يكون حلاً جذرياً، بل قد يؤدي إلى إضعاف الوصول إلى المعرفة وتقييد البحث العلمي والتاريخي».

ولفت أيضاً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ازدياداً في النزاعات القانونية بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي بشأن استخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين وقّعت مؤسسات إعلامية اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا تنظم استخدام البيانات والمحتوى. وقال إن «الحل الحقيقي يكمن في بناء إطار قانوني وأخلاقي متوازن يضمن حقوق المؤسسات الإعلامية دون الإضرار بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وذلك عبر تطوير أنظمة ترخيص واضحة تسمح باستخدام المحتوى الصحافي مقابل تعويض عادل وشفاف، إضافة إلى فرض قواعد تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن مصادر البيانات المستخدمة في تدريب نماذجها».

واستطراداً، اقترح الأكاديمي المصري «إنشاء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا لتطوير نماذج تعاون تحقق المنفعة للطرفين بدلاً من الصراع المستمر... وذلك لأن فقدان ميزة الوصول إلى خدمات الأرشفة الرقمية قد يحمل آثاراً خطيرة على المدى الطويل، لا سيما أن تلك الأرشيفات الإلكترونية أصبحت بمثابة الذاكرة الرقمية للعالم الحديث، وأداة أساسية لتتبع الأحداث، والتحقق من التصريحات، وتحليل تطور القضايا السياسية والاجتماعية عبر الزمن».

ايضاً أوضح الدكتور عبد الله أن «الصحافي الاستقصائي يعتمد على الوصول إلى النسخ المؤرشفة للكشف عن التناقضات أو حذف المعلومات أو تغيير الروايات الرسمية، بينما يعتمد المؤرخون والباحثون على هذه المواد لبناء فهم دقيق للتاريخ المعاصر... وبالتالي، فإن تقييد الوصول إلى الأرشيف الرقمي قد يضعف الشفافية والمساءلة العامة، ويخلق فجوة معرفية خطيرة للأجيال المقبلة».

وفي خلاصته، إزاء الموضوع قال إن «التحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا، بل في تنظيمها بشكل يحمي الإبداع الصحافي، ويصون حق المجتمع في المعرفة في آن واحد... فالمستقبل لن يكون لمن ينجح في منع الذكاء الاصطناعي؛ بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق النشر وحرية الوصول للمعلومات».

تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية» وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين


«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين
TT

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

في خطوة تُصعّد المنافسة مع منصات التواصل الاجتماعي لجذب المستخدمين، طرحت شركة «ميتا» تطبيقاً جديداً أسمته «فوروم»، يهدف إلى تحويل كل المجموعات التي يشترك فيها المستخدم على «فيسبوك» إلى تجربة تفاعلية مستقلة.

وفقاً لما ذكرته «ميتا» في بيان لها بنهاية مايو (أيار) المنصرم، فإن «فوروم» يُعدّ ساحة للنقاش العميق في المواضيع التي تثير اهتمام المستخدم، ويعتمد في الأساس على خاصية «اسأل»، التي تدمج الردود من مختلف المجموعات لتقديم إجابات فورية.

وحسب الشركة، فإن «الإجابات التي يحصل عليها المستخدم يصار إلى جمعها وتدقيقها عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يتولّى ترجيح أكثر الإجابات التي حصلت على تفاعل إيجابي».

مراقبون يرون أن ما تقدمه «ميتا» ليس ابتكاراً، بل هو ميزة يوفرها بالفعل تطبيق «ريديت». إذ يتيح إجابات بشرية حقيقية للأسئلة من مستخدمين يمتلكون خبرة ومعرفة في بعض المواضيع، وهو السبب ذاته الذي يجعله حالياً أحد أكثر المصادر التي تستشهد بها برمجيات وتطبيقات الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابات.

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصّص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، يرى أن «ميتا» تراهن على نقل المستخدم من شبكة علاقات شخصية إلى «مجتمعات اهتمام»، مستفيدة من قوتها العددية عبر دمج مجموعات «فيسبوك» الجاهزة داخل «فوروم».

ويوضح علي سعد لـ«الشرق الأوسط» ان «هذا الدمج يقلل تكلفة انتقال المستخدم ويجعل دخوله فورياً، بينما تخلق ميزة (اسأل) إحساساً بالاكتفاء داخل المنصة من دون الحاجة إلى المغادرة إلى محركات البحث التقليدية، لكن هذا الرهان يصطدم بعائق الخصوصية».

ويتابع أنه «بينما توفر منصة (ريديت) مساحة مجهولة لطرح الأسئلة الحساسة، تظل بيئة (ميتا) مرتبطة بالهوية الحقيقية؛ ما قد يحد من عمق التفاعل». ثم يضيف: «النتيجة المتوقعة هي نجاح في جذب المستخدم اليومي، مقابل صعوبة في استقطاب المجتمعات المتخصصة التي تفضل السرية».

من ناحية أخرى، فإن «ميتا» بطرحها تطبيق «فوروم» تدخل وفق الدكتور علي سعد «منطقة حساسة أخلاقياً وقانونياً مع سعيها لتغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات المستخدمين... والتحدي الأبرز هو الموافقة المستنيرة، حيث قد لا يدرك المستخدم أن مشاركاته الشخصية تُستخدم في تدريب النماذج، مع صعوبة حذف أثرها لاحقاً».

ثم يستطرد موضحاً: «إلى جانب ذلك، تلوح في الأفق مخاطر جودة البيانات، فالاعتماد على إجابات الجمهور يفتح الباب أمام التحيزات، والمعلومات المضللة، بل واحتمالات فساد المحتوى عمداً لتوجيه إجابات الذكاء الاصطناعي وجهات محددة». كذلك تزداد هذه المخاطر مع «احتمال تسرّب البيانات الحساسة رغم محاولات إخفاء الهوية؛ ما يضع (ميتا) تحت طائلة قيود تنظيمية صارمة، لا سيما في الاتحاد الأوروبي».

للعلم، يقوم مستخدمو «فوروم» بتسجيل الدخول عبر استخدام بيانات اعتماد حساباتهم على «فيسبوك». وبناءً على ذلك يجري استيراد مجموعاتهم تلقائياً داخل التطبيق. وسيكون بإمكان المستخدمين بعد ذلك المشاركة في مناقشات المجموعات، أو العثور على مجموعات ذات صلة بناءً على المواضيع التي يثير اهتمامهم بالفعل.

في سياق متصل، صرّح خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» في المملكة العربية السعودية ومصر، في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن شركة «ميتا» تعتمد «الاستنساخ الرقمي» استراتيجيةً راسخةً وممنهجة. ويلفت إلى انعكاس هذه الاستراتيجية بدءاً من اقتباس ميزة «القصص» من «سنابشات»، مروراً بـ«الريلز» لمواجهة صعود «تيك توك»، ووصولاً إلى إطلاق «ثريدز» بديلاً مباشراً لمنصة «إكس»، والآن «فوروم».

وأردف عبد الراضي: «تعود أسباب هذه الاستراتيجية بالأساس إلى طبيعة سوق المنافسة الشرسة بين منصات التكنولوجيا، فمع ظهور أي منتج جديد يلقى قبولاً جماهيرياً واسعاً، تلجأ الشركات الكبرى عادة إلى خيارين، إما الاستحواذ الكامل على هذا الوافد الناجح، أو إصدار نسخة مستنسخة ومطوّرة منه؛ وذلك لجذب مستخدمين».

وفي رأيه: «تتجاوز أهداف (ميتا) من استراتيجية الاستنساخ مجرد الهيمنة، بل هي تمتد إلى أن الاستنساخ أيضاً يعدّ خياراً اقتصادياً ذكياً يوفر تكاليف ابتكار الأفكار وتطويرها».


«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي