«الغرسات العصبية» قد تصبح قادرة على قراءة أفكار الإنسان وتعديلها

تطورات كبرى في تقنيات التحفيز العميق للدماغ

«الغرسات العصبية» قد تصبح قادرة على قراءة أفكار الإنسان وتعديلها
TT

«الغرسات العصبية» قد تصبح قادرة على قراءة أفكار الإنسان وتعديلها

«الغرسات العصبية» قد تصبح قادرة على قراءة أفكار الإنسان وتعديلها

تُستخدم «الغرسات العصبية»، أي الأدوات والأقطاب الصغيرة المزروعة في الدماغ والجهاز العصبي، في التحفيز العميق للدماغ، وتحفيز العصب المبهم، وكذلك للتحكم بالأطراف الصناعية عبر الدماغ.
- غرسات عصبية
قد يبدو الأمر خيالاً علمياً، ولكن الغرسات العصبية قد تصبح بعد سنوات من اليوم قادرة على قراءة وتعديل أفكار البشر. وتستخدم الغرسات العصبية اليوم لعلاج الأمراض، وإعادة تأهيل الجسم بعد الإصابة، وتحسين الذاكرة، والتواصل مع الأطراف الصناعية، وغيرها كثير.
وقد خصّصت وزارة الدفاع الأميركية ومعاهد الصحة الوطنية مئات ملايين الدولارات لتمويل هذا القطاع، ويتصدّر هذا الموضوع عناوين أوراق بحثية تُنشر بشكل أسبوعي في أهمّ الدوريات العلمية في البلاد. وقد خصصت مجلة جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين فصلاً خاصاً للحديث عنها. فما هي الغرسات العصبية؟ وكيف تعمل؟ وما إمكاناتها؟
- ما هي الغرسة العصبية؟ الغرسة العصبية هي جهاز يوضع داخل الجسم ويتفاعل مع الأعصاب. والأعصاب هي خلايا تتواصل بلغة الكهرباء، إذ تُطلق نبضات كهربائية بأشكال محددة تشبه شفرة «مورس». أمّا الغرسة، فهي جهاز من صنع البشر يوضع داخل الجسم عبر الجراحة أو الحقن، وتأتي عادة على شكل قطب كهربائي يُزرع في الجسم، ويحتكّ بالأنسجة التي تحتوي على الأعصاب، ليتفاعل مع هذه الأعصاب بطريقة ما.
وتتيح هذه الأجهزة الصغيرة تسجيل النشاط العصبي الفطري، ما يسمح للباحثين بمراقبة أنماط التواصل بين الدوائر العصبية الصحيحة. وتستطيع الغرسات العصبية أيضاً إرسال النبضات الكهربائية إلى الأعصاب للسيطرة على أنماط النشاط الفطرية، وإجبارها على التواصل بطريقة أخرى.
بمعنى آخر، تتيح الغرسات العصبية للعلماء اختراق الجهاز العصبي. ويمكننا أن نطلق على هذه العملية عدداً من الأسماء، كـ«تعديل العمليات العصبية» أو «التحفيزات الكهربائية» أو «الإلكترونيات البيولوجية»، التي تعتبر جميعها تدخّلات بواسطة غرسات عصبية قادرة على التحول إلى أدوات طبية عظيمة القوّة.
ووظائف الجهاز العصبي كثيرة جداً، فهو الذي يتحكّم بالتفكير، والنظر، والسمع، والشعور، والحركة، والتبوّل، وغيرها كثير. كما أنّه يسيطر على كثير من العمليّات غير الإرادية، كوظائف الأعضاء وأجهزة الجسم التنفسية، والمناعية، والقلبية.
يقول جين سيفيلّيكو، عالم الأعصاب في معاهد الصحة الوطنية رئيس برنامج «سبارك» فيها المتخصص بتحفيز العصب المحيطي، إن «أي شيء يقوم به الجهاز العصبي يمكن دعمه أو شفاؤه من خلال تدخل كهربائي نشط، إذا عرفنا كيف نطبقه».
- كيف تُستخدم الغرسات العصبية؟ يعتبر التحفيز الدماغي العميق واحداً من أبرز الاستخدامات الإكلينيكية (السريرية) للغرسات العصبية. وفي هذا العلاج، يتمّ وضع الأقطاب الكهربائية في عملية تدخّل جراحي في عمق الدماغ، حيث تعمل على تحفيز تركيبات محددة كهربائياً بهدف تخفيف العوارض الناتجة عن اضطرابات دماغية متعددة.
وصادقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية للمرة الأولى على استخدام التحفيز الدماغي العميق عام 1997 لعلاج مرض نوع من رعاش اليد (essential tremor). ومنذ ذلك الحين، صادقت الإدارة، وغيرها من الجهات التنظيمية العالمية، على استخدام العلاج نفسه لحالات مرض باركنسون، وخلل التوتر، والصرع، والطنين، واضطراب الوسواس القهري، وآلام الاعتلال العصبي. كما يتم حالياً البحث في إمكانية استخدام التحفيز الدماغي العميق لعلاج متلازمة توريت، والاضطرابات النفسية، كالاكتئاب. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 150 ألف شخص حول العالم خضعوا لزرع غرسات عصبية.
- تحفيز العمود الفقري
> علاج العمود الفقري وشلل الأطراف. أمضى الباحثون أيضاً وقتاً طويلاً في اختبار التلاعب بالعصب المبهم بواسطة الغرسات العصبية. ويصل العصب المبهم معظم الأعضاء الأساسية بجذع الدماغ، ويسعى الباحثون لقرصنة هذا الاتصال بهدف علاج فشل القلب، والجلطة الدماغية، والتهاب المفصلي الروماتويدي، وداء كرون، والصرع، والسكري النوع الثاني، والسمنة، والاكتئاب، والشقيقة، وغيرها من الأمراض.
وفي عام 2018، تمكن مريض أصيب بالشلل نتيجة إصابة في عموده الفقري من السير مجدداً بمساعدة تحفيز العمود الفقري.
إن أكثر التجارب المؤثرة التي اعتمدت على الغرسات العصبية كانت في تحفيز العمود الفقري الذي منح أملاً جديداً لكثير من الأشخاص المصابين بالشلل في الجزء السفلي من جسمهم عبر السماح لهم بالحركة والوقوف، وحتّى السير لمسافات قصيرة للمرّة الأولى منذ الإصابة المستدامة التي تعرضوا لها في عمودهم الفقري.
ولكن أياً من أبحاث تعديل العمليات العصبية لم يجذب اهتمام الناس كالأطراف الصناعية التي يتحكّم بها الدماغ. وتتيح هذه الأنظمة لمبتوري الأطراف التحكم بيد أو ذراع أو ساق آلية بواسطة أفكارهم. ويتطلب هذا الإنجاز زراعة غرسات عصبية في الدماغ أو في الجزء الأعلى من منطقة البتر. وتعمل بعض هذه الأطراف الآلية أيضاً على توفير ردود فعل حسية من خلال تحفيز الأعصاب الموجودة فوق منطقة البتر، ومنح المستخدم فرصة للشعور بما يلمسه.
ثم تأتي الاختبارات التي تشبه الخيال العلمي. فقد نجح الباحثون في تعزيز قدرات الذاكرة لدى بعض الأشخاص للسماح لهم بأداء بعض الوظائف من خلال تحفيز التركيبات الدماغية بطرق محددة. وبفضل غرسات الدماغ، تمكّن أشخاص مشلولون من تشغيل أجهزة كومبيوتر وطباعة جمل بمجرّد استخدام أفكارهم. وطوّر العلماء أيضاً خوارزمية تتيح تحديد مزاج الشخص بناء على نشاط دماغه. كما نجحت بعض الشركات في تطوير وتسويق غرسات عصبية مهمتها تصحيح الاتصال العصبي بين العين والدماغ. وبدوره، كشف إيلون ماسك أنّ شركته (نيورالينك) تخطط لمزامنة الدماغ البشري مع الذكاء الصناعي.
- مستقبل الأبحاث
> ماذا عن مستقبل الغرسات العصبية؟ تقيد الإجراءات الجراحية التدخّلية عادة عمل وفعالية الغرسات على أنواعها، إذ من الصعب تبرير عملية جراحية في الدماغ أو العمود الفقري دون حاجة طبية ملحة. لذا، يعمل المهندسون باستمرار على اختراع أجهزة أفضل تصل إلى أعماق الجسم بأقل تأثير على الأنسجة.
ويعتبر ديفيد ماك مولن، رئيس برنامج التعديل العصبي والتحفيز العصبي في معاهد الصحة الوطنية الأميركية، أن «المهندسين يواصلون العمل على توسيع حدود استخدام هذه الغرسات إفساحاً في المجال أمام تطبيق الإمكانات المتاحة تقنياً. ويعتمد هذا الأمر بالدرجة الأولى على تخفيف العبء الجراحي، وتعزيز ديمومة للغرسة، والمحاولة المستمرة لصناعة أقطاب كهربائية صغيرة تغطي مناطق أوسع في الدماغ».
وابتكر المهندسون غرسات عصبية بحجم ذرة التراب، وأقطاباً كهربائية تتعلق بالأعصاب كالنبات المعترش، وأقطاباً مصنوعة من مواد مرنة كالخيوط النانوكهربائية، وأقطاباً تشبه الدعامات تعرف بـ«الأقطاب الدعامية»، قادرة على الوصول إلى الدماغ عبر الأوعية الدموية، ومهمتها تسجيل النشاط الكهربائي، بالإضافة إلى شبكة إلكترونية قابلة للحقن مصنوعة من أسلاك سيليكونية نانوية، وأقطاباً يمكن حقنها في الجسم على شكل سائل تتحول داخله إلى مادة صلبة قابلة للتمدد كالحلوى.
وتقي الأقطاب الدعامية الناس خيار الجراحة الدماغية، بفضل إمكانية إيصالها إلى الدماغ عبر الأوعية الدموية. ويمكن تطبيق تقنية تعديل العمليات العصبية بطريقة غير تدخّلية باستخدام أقطاب كهربائية أو أسلاك مغناطيسية توضع على أو قرب الجلد. وأثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها في بعض الحالات، رغم أنّها لا ترقى إلى دقّة وفعّالية الغرسات.
ولكنّ الأجهزة المبتكرة هي الوسيلة الوحيدة التي ستذهب بنا إلى مراحل علاجية أبعد. ويتحدّث سيفيليكو عن «مفهوم خاطئ، مفاده أنّ العوائق التي تحول دون تطبيق تعديل العمليات العصبية تقنية بحتة، وأن السبب الوحيد الذي يحول دون امتلاك أجهزة للتحكم بالأفكار هو عدم تطوير أقطاب كهربائية تتمتع بالمرونة الكافية».
ويرى سيفيليكو أن الباحثين يحتاجون إلى مفهوم واضح لفيزياء الدوائر العصبية. كما أنهم يحتاجون إلى خرائط توضح كيفية تواصل الأعصاب، والتأثيرات الدقيقة لهذه الدوائر على الجسم والدماغ. ومن دون هذه الخرائط، لن تستطيع أكثر الغرسات تطوراً وحداثة تحقيق هدفها، وستستمر في إطلاق نبضاتها الكهربائية في المجهول.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة
خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة
TT

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة
خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة

أظهرت دراسات علمية حديثة أن تقنية «كريسبر» لم تعد تُستخدَم فقط لتعديل الجينات بدقة، بل أصبحت أداة أساسية لفهم كيفية تصرّف الخلايا المعقّدة واختلاف استجابتها للتعديل الجيني من نسيج إلى آخر. وقد بيّنت هذه الأبحاث أن نجاح التعديل لا يعتمد على «قصّ» الجين بحد ذاته، بل على السياق الخلوي والبيولوجي الذي يحدث فيه هذا التغيير.

هذه النتائج التي كشفت عنها ثلاث دراسات نُشرت خلال العام الماضي ترسم ملامح مرحلة جديدة في تطوّر «كريسبر»، مرحلة يتقدّم فيها الذكاء البيولوجي والنماذج الأكثر واقعية إلى الواجهة ليصبح فهم الخلية وآلياتها الداخلية بأهمية القدرة التقنية نفسها على تعديل الجينات.

خلايا الدماغ تتميز عن بقية الخلايا

لماذا تستجيب الخلايا العصبية لـ«كريسبر» بطريقة مختلفة عن بقية خلايا الجسم؟ أحدث هذه الدراسات زمنياً نُشرت في مجلة Nature Communications بتاريخ 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وركّزت على أحد أكبر التحديات في الطب الجيني: لماذا يصعب استخدام «كريسبر» لعلاج أمراض الدماغ؟قاد الدراسة بروس كونكلين من معهد الجينوميات المبتكرة في جامعة كاليفورنيا. وخلص فريقه إلى أن السبب لا يعود إلى أداة «كريسبر» نفسها، بل إلى طبيعة الخلايا العصبية. فالخلايا العصبية تُعدّ خلايا غير منقسمة، أي أنها لا تتجدد باستمرار مثل خلايا الجلد أو الدم.

وعندما يُحدِث «كريسبر» قطعاً في الحمض النووي داخل هذه الخلايا، فإن آلية إصلاح الضرر تختلف جذرياً عن الخلايا المنقسمة. فقد تبيّن أن تأثير التعديل الجيني في الخلايا العصبية يستمر لفترة أطول؛ ما يزيد فرص نجاح العلاج، لكنه في الوقت نفسه قد يرفع مخاطر حدوث تعديلات غير مقصودة.

كما كشفت الدراسة عن أن الخلايا العصبية تعتمد على عدد أقل من مسارات إصلاح الحمض النووي؛ وهو ما يجعل نتائج التعديل أكثر قابلية للتنبؤ إذا جرى التحكم بهذه المسارات بدقة. واستطاع الباحثون بالفعل تحسين دقة التعديل الجيني، بل ونجحوا في تطبيق الاستراتيجية نفسها على خلايا أخرى غير منقسمة مثل خلايا عضلة القلب.

وتشير هذه النتائج إلى أن علاج الأمراض العصبية باستخدام «كريسبر» ممكن، لكنه يتطلب فهماً خاصاً لطبيعة كل نوع من الخلايا بدل استخدام نهج واحد للجميع.

حين تُشوّه الأداة نفسها نتائج أبحاث السرطان

كيف دفع الجهاز المناعي العلماء إلى «إخفاء كريسبر» داخل الخلايا؟

وكشفت دراسة أخرى من سويسرا نُشرت في مجلة Cell في 7 نوفمبر 2025 عن تحدٍ مختلف، لكنه لا يقل أهمية هذه المرة في أبحاث السرطان.

وفي دراسة قادها نيكولا أسيتو، أستاذ علم الأورام الجزيئي في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ، تبيّن أن أداة «كريسبر» نفسها قد تؤثر في نتائج التجارب.

إن بروتين (كاس9) Cas9 المستخدم على نطاق واسع في «كريسبر»، ذو أصل بكتيري؛ ما يعني أنه قد يثير الجهاز المناعي في النماذج الحيوانية. وهذا التفاعل المناعي قد يؤدي إلى رفض الخلايا المعدّلة جينياً أو تقليل قدرتها على تكوين أورام، وبالتالي إعطاء انطباع مضلل حول فاعلية التعديلات الجينية.

ولتجاوز هذه المشكلة؛ طوّر الباحثون ما أطلقوا عليه «العباءة الجزيئية»، وهي استراتيجية تجعل الخلايا المعدّلة جينياً أقل وضوحاً للجهاز المناعي. وبفضل هذا الأسلوب أصبح بالإمكان إجراء تجارب «كريسبر» في نماذج حيوانية ذات جهاز مناعي سليم أقرب إلى الحالة البشرية الواقعية.

وأسفر هذا النهج عن نتائج لافتة؛ إذ تمكّن الفريق من تحديد جينين يؤدي تعطيلهما إلى انخفاض كبير في انتشار سرطان الثدي. وتؤكد هذه الدراسة أن دقة أدوات البحث لا تقل أهمية عن التعديل الجيني نفسه، خصوصاً في مجال معقّد مثل السرطان.

جيل جديد من أدوات «كريسبر» لفهم الأمراض المعقّدة

اتجاه آخر هو تعديل شبكة كاملة من الجينات بدل جين واحد. فقد تناولت الدراسة الثالثة والمنشورة في مجلة Nature Biomedical Engineering في 20 مارس (آدار) 2025 سؤالاً أساسياً هو: كيف يمكن لـ«كريسبر» أن يتعامل مع أمراض لا يسببها خلل جين واحد، بل شبكة كاملة من الجينات؟

في هذه الدراسة قاد سيدي تشين، الأستاذ المشارك في علم الوراثة وجراحة الأعصاب في كلية الطب بجامعة ييل الاميركيه، فريقاً طوّر جيلاً جديداً من أدوات «كريسبر» يعتمد على بروتين (كاس12 إيه)Cas12a بدلاً من «كاس9» التقليدي.

ويتميّز هذا النظام بقدرته على تعديل جينات عدة في الوقت نفسه، وهي خطوة محورية في دراسة أمراض مثل السرطان واضطرابات المناعة، حيث تتفاعل مسارات جينية متعددة لإحداث المرض.

ولتحقيق ذلك؛ أنشأ الباحثون سلالات جديدة من فئران معدّلة وراثياً تسمح بتشغيل أو إيقاف مجموعات من الجينات بدقة عالية. وقد مكّن هذا النهج العلماء من نمذجة أمراض معقّدة بسرعة أكبر ودراسة كيفية تفاعل الخلايا المناعية مع تغييرات جينية متعددة في آن واحد.

ويرى تشين أن هذه النماذج تمثّل قفزة نوعية في فهم الأمراض المعقّدة، وقد تسرّع تطوير علاجات تستهدف أكثر من مسار جيني بدل التركيز على هدف واحد فقط.

نماذج أقرب إلى الواقع البشري

تُظهر هذه الدراسات الثلاث أن تقنية «كريسبر» تمر اليوم بمرحلة جديدة أكثر نضجاً وواقعية. فالتحدي لم يعد في القدرة على تعديل الجينات، بل في معرفة متى وكيف وأين يتم هذا التعديل.

ومن فهم خصوصية الخلايا العصبية إلى تجنّب تداخل الجهاز المناعي في أبحاث السرطان، وصولاً إلى تعديل شبكات جينية كاملة يتضح أن مستقبل الطب الجيني يعتمد على الجمع بين القوة التقنية والفهم البيولوجي العميق.

ويرى الباحثون أن هذه التطورات ستسهِم في تحسين نمذجة الأمراض وتسريع اكتشاف العلاجات ودفع الطب الدقيق نحو علاجات مصمّمة خصيصاً لكل مريض ونوع خلية. ومع هذا التقدّم يقترب العلم خطوة إضافية من تحقيق وعد «كريسبر»، ألا وهو «علاج المرض من جذوره الجزيئية بأمان ودقة غير مسبوقين».


أسلحة الليزر... سباق عالمي محموم لتطويرها

نُظم الليزر تزداد تطوراً
نُظم الليزر تزداد تطوراً
TT

أسلحة الليزر... سباق عالمي محموم لتطويرها

نُظم الليزر تزداد تطوراً
نُظم الليزر تزداد تطوراً

في سبتمبر (أيلول) الماضي، كنت كتبتُ أن العالم يقترب من نقطة تحوّل في مجال أسلحة الليزر. جاء هذا التحليل عقب أسبوع كشفت فيه الصين عن سلاحها الليزري البحري «إل واي-1» (LY-1) خلال عرض عسكري في بكين، وسلَّمت الولايات المتحدة أولى مركباتها القتالية المجهزة بالليزر للجيش الأميركي، وطلبت فرنسا نموذجاً تجريبياً جديداً مضاداً للطائرات المُسيرة يعمل بالليزر، واختبرت الهند نظامها المتكامل للدفاع الجوي المزوَّد بمكون طاقة موجَّهة، كما كتب جاريد كيلر(*). وخلصتُ إلى استنتاجٍ مُحايد: إن الفائز في سباق التسلح العالمي بأسلحة الليزر «لن يتحدد بمسألةِ مَن يمتلك التفوق التكنولوجي، بل بمسألةِ مَن يملك الإرادة السياسية لتحويل طموحاته في مجال الطاقة الموجهة إلى واقع».

نظام لسلاح بالليزر على متن سفينة عسكرية

نظم ليزر عسكرية

وتتوارد تقارير عديدة عن توظيف نظم عسكرية ليزرية عديدة في المجالات العسكرية منها سلاح الجيش الإسرائيلي الليزريّ عالي الطاقة «الشعاع الحديدي» بقدرة 100 كيلوواط. وأفاد موقع «ديفنس بلوغ» عن رصد سلاح ليزري صيني الصنع مُثبّت على مركبة لاستخدامه للدفاع عن المطارات الذي حُددت هويته مبدئياً على أنه مطابق لنظام «غوانغجيان-21إيه» الذي عُرض لأول مرة في معرض تشوهاي الجوي عام 2022.

وتسوق الولايات المتحدة أنظمة مضادة للطائرات المسيَّرة، وهي أنظمة ثابتة الموقع، منخفضة السرعة، وصغيرة الحجم، تُعرَف باسم «أنظمة التدمير المتكاملة للطائرات المسيَّرة» (FS-LIDS)، من وزارة الدفاع الأميركية. وهكذا هي حال سباق أسلحة الليزر العالمي، اليوم: سوق تنافسية متنامية، حيث تتعايش أنظمة القوى المتنافسة، بشكل متزايد، في المخزون نفسه، بل حتى في مسارح العمليات نفسها.

وتيرة تطوير متسارعة

في غضون أربعة أسابيع تقريباً، خلال شهريْ أبريل (نيسان) ومايو (أيار) الأخيرين، بلغ معدل تطوير أسلحة الليزر عالمياً وتيرة لم أشهدها منذ تحليل نقطة التحول تلك، بل قد تكون الوتيرة أسرع الآن.

ألمانيا وأستراليا

* تطويرات ألمانية. في العاشر من أبريل الماضي، نشر الجيش الألماني «البوندسفير» تقريراً عن اختبارات أسلحة الليزر في ميدان التدريب WTD 91 بمدينة ميبن، مُفصِّلاً أربعة أنظمة مختلفة بمستويات جاهزية متفاوتة، بما في ذلك نظام جوبيتر الألماني الهولندي المشترك المُدمج في مركبة بوكسر القتالية، ونموذج بحري تجريبي اختُبر على متن الفرقاطة «ساكسن» المُقرر نشرها عملياتياً بحلول عام 2029.

* خطط أسترالية. في الحادي والعشرين من أبريل الماضي، أعلنت الحكومة الأسترالية خططاً لمضاعفة استثماراتها في قدرات مكافحة الطائرات المُسيَّرة إلى 7 مليارات دولار على مدى العقد المقبل، مع عقد مبدئي بقيمة 21.3 مليون دولار لشركة «AIM Defence» لمواصلة تطوير نظامها المحمول عالي الطاقة «Fractl. وبعد أسبوع، صرَّح وزير الصناعات الدفاعية بات كونروي بأن الجيش الأسترالي يُخطط لتركيب أسلحة ليزر على الدفعة التالية من مركبات بوشماستر، البالغ عددها 300 مركبة.

الصين وكوريا الجنوبية

* أسلحة صينية. في 22 أبريل الماضي، أفاد موقع «آرمي ريكوغنيشن» بأن شركة «نوفاسكي تكنولوجي» الصينية عرضت سلاحها الليزري «NI-L3K» بقدرة 3 كيلوواط، والمثبت على شاحنة، في معرض «خدمات الدفاع آسيا 2026» للأسلحة في ماليزيا. وصرحت الشركة بأن هذا السلاح، المصمم كخط دفاع أخير ضد الطائرات المسيّرة، مصمم خصوصاً للتصدير، وهو ثاني نظام من نوعه يظهر في غضون أسابيع قليلة، وسط ازدياد انخراط بكين في تجارة أسلحة الطاقة الموجهة العالمية.

* مخططات كوريا الجنوبية. وفي 24 أبريل، ذكرت صحيفة «سيول إيكونوميك ديلي»، نقلاً عن مصادر، أن كوريا الجنوبية تخطط لنشر سلاح ليزري ثانٍ من طراز «تشيونغوانغ» بقدرة 20 كيلوواط، بالقرب من سيول؛ بهدف إسقاط أي طائرة مُسيّرة كورية شمالية، مع تسريع الجدول الزمني لتوسيع نطاق التغطية ليشمل البنية التحتية الحيوية، مثل محطات الطاقة النووية والمطارات والموانئ البحرية، بحلول عام 2027.

روسيا وتركيا

* نظم حماية جوية روسية. في 1 مايو، أفادت وكالة «تاس» الروسية الرسمية بأن الحكومة الروسية أصدرت مرسوماً رسمياً يُدرِج أسلحة الليزر المضادة للطائرات المُسيَّرة ضِمن الأنظمة العاملة لحماية حدود المجال الجوي للبلاد. وبينما وُجدت أسلحة الليزر الروسية في منطقة رمادية بين القدرة المؤكدة والدعاية، يُعدّ هذا المرسوم مؤشراً قوياً على أن أنظمة موسكو قد تكون انتقلت إلى الفئة الأولى.

أسلحة ليزر تركية. في 5 مايو، استعرضت تركيا عدة أسلحة ليزرية جديدة، وهي: «غوكبيرك 10» من إنتاج شركة «أسيلسان» بقدرة 10 كيلوواط، و«واي جي إل إس» من إنتاج شركة «توبيتاك» بقدرة 20 كيلوواط (يُزعم أنها قابلة للتطوير إلى 80 كيلوواط)، وذلك في معرض «ساها 2026» في إسطنبول. ويُسهم كلا النظامين في مفهوم «القبة الفولاذية» للبلاد، والذي يتصور بنية قيادة وسيطرة موحدة تُدمج الصواريخ والرادار والحرب الإلكترونية والطاقة الموجهة في شبكة دفاع جوي وطنية واحدة.

قبة ليزر أميركية

في 6 مايو، أعلنت الولايات المتحدة أن فرقة العمل المشتركة بين الوكالات 401، التابعة لوزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون»، اختارت خمس منشآت عسكرية للمشاركة في برنامج تجريبي لمكافحة الطائرات المُسيَّرة باستخدام الطاقة الموجهة، وهي خطوة مهمة نحو صياغة «قبة ليزر» محلية لحماية الأصول الاستراتيجية والبنية التحتية الحيوية. ومن المتوقع أن تبدأ العمليات في وقت لاحق من هذا العام، بعد فترة 180 يوماً لوضع اللمسات الأخيرة على خطط النشر مع قادة المنشآت.

مجمع ليزر أوكراني

في 7 مايو، أعلنت شركة سيليبرا تك الأوكرانية أن مجمع الليزر «تريزوب»، الذي ذكره لأول مرة علناً قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية في 2024 وعُرض في 2025، دُمج في منصة متنقلة محمولة على مقطورة، وجرى الاستعداد لعرضه للجمهور بعد الاختبارات النهائية. ويزعم النظام، الآن، أن مداه الفعال يبلغ 1500 متر (0.9 ميل) ضد طائرات الاستطلاع دون طيار، ومن 800 إلى 900 متر (0.5 ميل) ضد طائرات «FPV» دون طيار. ووفقاً للشركة، يتمتع بقدرة عملية ضد الطائرات دون طيار من نوع «شاهد» على مسافات تصل إلى 5 كيلومترات (3.1 ميل)، مع إضافة الاستهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي وتكامل الرادار، خلال أحدث مراحل التطوير.

* باختصار، مجلة «فاست كومباني».

Your Premium trial has ended


هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي
TT

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

الدكتور كايل ستالر طبيب مختص في أمراض الجهاز الهضمي، لذا؛ فقد يكون من المفاجئ ألا يشكو كثير من مرضاه الذين يراجعونه من مشكلات في المعدة فقط، بل من مشكلات في الدماغ أيضاً!

القولون العصبي وتشوش الذهن

قد تترافق «متلازمة القولون العصبي» وغيرها من اضطرابات الجهاز الهضمي، مع تشوش ذهني. فعلى سبيل المثال، قد يصف الأشخاص الذين يعانون الإمساك والانتفاخ «شعوراً بالثقل أو التعب الجسدي والنفسي»، كما يقول ستالر، الذي يعمل في «مستشفى ماساتشوستس العام» في بوسطن. ويضيف: «يتحدث كثير من مرضاي عن مشكلات مثل التعب، والتشوش الذهني، والشعور بالخمول».

«محور الأمعاء - الدماغ»

يحرز العلماء تقدماً في فهم كيفية تأثير المسار العصبي بين الدماغ والجهاز الهضمي على صحتنا العامة... يطلَق عليه اسم «محور الأمعاء - الدماغ (gut - brain axis)»، وقد ثبت أنه يلعب دوراً مهماً في دعم جهاز المناعة، والحد من القلق والاكتئاب، وتحسين عملية التمثيل الغذائي، والوقاية من الأمراض. كما أنه يؤثر على صفاء الذهن.

وقد سألنا العلماء والأطباء عن أهم ما تجب معرفته بشأن تأثير الأمعاء على صفاء الذهن:

* كيف يعمل «محور الأمعاء - الدماغ»؟

- توجد آلاف الألياف العصبية الممتدة من الدماغ إلى البطن، والمعروفة باسم «العصب المبهم»، وهو القناة الرئيسية لـ«محور الأمعاء - الدماغ». وبوصفه العصب الرئيسي في «الجهاز العصبي اللاودي»، فإنه يساعد الجسم على الراحة والهضم ومنع الالتهابات.

تنتقل الإشارات أيضاً بين الأمعاء والدماغ عبر هرمونات التوتر وخلايا المناعة. ومن الأهمية بمكان أن بكتيريا الأمعاء تُنتج نواقل كيميائية (تُسمى «النواقل العصبية») مثل السيروتونين والدوبامين و«حمض غاما - أمينوبيوتيريك (GABA)»، التي تؤثر على الجهاز العصبي. فعندما تدخل هذه النواقل مجرى الدم أو تُحفز «العصب المبهم»، فإنها تُساعد على تحسين المزاج، وزيادة الحافز، وتهدئة الجهاز العصبي.. ويحافظ هذا التواصل المستمر على توازن أجهزة الجسم.

مشكلات الجهاز الهضمي وتشوش الذهن

* كيف ترتبط مشكلات الجهاز الهضمي بتشوش الذهن؟

- يُعزى تشوش الذهن إلى «خلل في التواصل» بين الأمعاء والدماغ، كما أوضح جيرارد كلارك، أستاذ علم الأعصاب السلوكي في جامعة «كوليدج كورك» بآيرلندا، الذي يدرس تأثير بكتيريا الأمعاء على الدماغ والسلوك.

يرتبط بعض أسباب مشكلات الجهاز الهضمي بتشوش الذهن، بما في ذلك سوء التغذية، والتغيرات الهرمونية المصاحبة لانقطاع الطمث، والقلق، والعدوى.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يُسبب «خلل الجهاز العصبي اللاإرادي»، وهو مصطلح شامل لاضطرابات متنوعة تُصعّب على الجسم التحكم في معدل ضربات القلب وضغط الدم ودرجة الحرارة، مشكلات في الجهاز الهضمي وتشوش الذهن، كما ذكر ستالر.

لا يزال من غير الواضح تماماً كيف يؤدي خلل الجهاز الهضمي إلى تشوش الذهن. بالنسبة إلى بعض الأشخاص الذين يعانون مشكلات في الجهاز الهضمي، مثل «متلازمة القولون العصبي»، تصبح الأعصاب في الأمعاء أعلى حساسية. ومع إرسال الأمعاء إشارات استغاثة إلى الدماغ، تتفاقم هذه الإشارات.

«ميكروفون قرب مكبر صوت»

يقول ستالر: «الأمر أشبه بميكروفون موضوع بالقرب من مكبر صوت... إذ تنعكس الإشارات الضعيفة، وتتضخم، وسرعان ما تصبح طاغية». ويضيف أن هذا قد يجعل مشكلات مثل الغازات أو الانتفاخ مؤلمة للغاية، ومشتتة للانتباه في نهاية المطاف، وربما تؤدي إلى تشوش ذهني.

وقد وجدت دراسة، نُشرت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن أكثر من نصف المشاركين المائة فيها عانوا من تشوش ذهني مصحوب بـ«متلازمة القولون العصبي (Irritable bowel syndrome)» أو «شلل المعدة (gastroparesis)»، وهي حالة مزمنة تواجه فيها المعدة صعوبة في إفراغ محتوياتها إلى الأمعاء الدقيقة.

دور الميكروبيوم

يتكون ميكروبيوم الأمعاء من تريليونات من البكتيريا والفيروسات والفطريات التي تستوطن الجهاز الهضمي. ويساعد الميكروبيوم المتنوع على حمايتنا من الأمراض، وتقليل الالتهابات، وإنتاج وتنظيم النواقل العصبية التي تؤثر على مزاجنا ووظائف الدماغ.

وأوضح كلارك أن الإشارات الصادرة من ميكروباتنا قد تؤثر على كثير من مناطق الدماغ المرتبطة بالتشوش الذهني. وتشمل هذه المناطق «الحصين (hippocampus)»، المسؤول عن التعلم والذاكرة؛ وقشرة الفص الجبهي، المرتبطة باتخاذ القرارات ووضوح التفكير؛ واللوزة الدماغية، وهي المركز الرئيسي في الدماغ لمعالجة الخوف والقلق.

وأشار الخبراء إلى أن اختلال توازن الميكروبيوم قد يَحدث أحياناً نتيجة مشكلات تتعلق بالنظام الغذائي، أو التوتر، أو القلة في النوم وفي ممارسة الرياضة، أو الأدوية، أو انقطاع الطمث، أو العدوى، أو الالتهاب المزمن.

فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة

يُعدّ «فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO)» أحد أنواع اختلال التوازن في الميكروبات المعوية؛ مما قد يُسبب الانتفاخ والإسهال. وفي دراسة صغيرة أُجريت عام 2018 على نحو 40 شخصاً، وجد الباحثون صلة بين تشوش الذهن وفرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة لدى المرضى الذين كانوا يتناولون البروبيوتيك. وقد تحسّنت أعراض المرضى بعد تناولهم المضادات الحيوية وتوقفهم عن تناول البروبيوتيك.

وقد حدث أنه بدلاً من أن تستوطن البروبيوتيك القولون، تجمّعت في الأمعاء الدقيقة وأنتجت كمية زائدة من «حمض اللاكتيك (D-lactic acid)»، الذي يصعب على جسم الإنسان استقلابه، كما أوضح الدكتور ساتيش راو، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وأستاذ الطب في جامعة «أوغوستا» بولاية جورجيا الأميركية، والمؤلف الرئيسي للدراسة. وأضاف: «عندما يتراكم هذا الحمض، فإن المرء يُصاب بتشوش الذهن».

البروبيوتيك... لا أدلة علمية لاستخدامه

يعتقد البعض أن تناول البروبيوتيك يُفيد في عملية الهضم، خصوصاً بعد تناول المضادات الحيوية. وبينما أظهرت الدراسات أن البروبيوتيك يُساعد في بعض الحالات، فإنه لا توجد حالياً أدلة علمية كافية تدعم استخدامه على نطاق واسع، وفقاً للخبراء.

تحسين صحة الأمعاء

* هل يُسهم تحسين صحة الأمعاء في تقليل التشوش الذهني؟

- ربما. لم يكتشف العلماء بعدُ طريقةً مُحددةً لعلاج التشوش الذهني عبر الأمعاء، ولكن العمل على الحفاظ على صحة الأمعاء يُمكن أن يُساعد على صفاء الذهن.

ولتحقيق ذلك، ينصح كلارك بتناول الأطعمة الصحية التي تُعزز صحة ميكروبات الأمعاء. وتعتمد هذه الميكروبات على الألياف مصدراً مهماً للعناصر الغذائية، لذا؛ يُنصح بتناول الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الخضراوات والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة. كما تفيد إضافةُ مزيد من الأطعمة المُخمرة إلى نظامك الغذائي، مثل الزبادي والكفير والملفوف المخلل والكيمتشي.

وتقترح ميغان ريهل، عالمة النفس بجامعة ميشيغان والمختصة في اضطرابات الجهاز الهضمي وغيرها من مشكلات الهضم، الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، وممارسة التمارين الرياضية المعتدلة، وتجربة «نظام غذائي صحي تدريجي»، على سبيل المثال، الحد من استهلاك الكافيين والكحول والأطعمة قليلة الألياف والمعالَجة.

كما أيد ستالر التغذية الجيدة قائلاً: «من المرجح أن تستمر الأنظمة الغذائية الصحية والنباتية في إظهار فوائدها وأن تصمد أمام اختبار الزمن على حساب الموضات التي تأتي وتذهب».

* خدمة «نيويورك تايمز»