الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا

سياسة بوتين في الشرق الأوسط... «كل الطرق يجب أن تؤدي إلى موسكو»

الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا
TT

الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا

الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا

«الحدث في واشنطن والأنظار تتجه إلى موسكو»... تبدو هذا العبارة مُرضية للكرملين، بعدما ردّدها بعضهم معلقاً على مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى زيارة موسكو للحصول على دعم من الرئيس فلاديمير بوتين في اليوم التالي من الإعلان عن خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام في الشرق الأوسط. أيضاً تصب العبارة في الاتجاه ذاته الذي تكرّس خلال الفترة الأخيرة، وبرز في أكثر من تعليق لخبراء مقربين من الكرملين: «كل الطرق تؤدي إلى موسكو، ولم يعد ممكناً العمل على تسوية أي ملف، إقليمياً كان أو دولياً، من دون أن يؤخذ رأي الكرملين في الاعتبار»!
هذا، برأي خبراء روس، ما أظهرته نتائج العام الماضي، والشهر الأول من العام الجديد الذي كان حافلاً بالأحداث على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط، وعلى المستوى الدولي أيضاً. ومن تطوّرات الموقف المتسارعة ميدانياً في سوريا... واقتراب ساعة «الحسم العسكري» في إدلب، إلى النشاط المتزايد حول الملف الليبي... وتصاعد الدور الروسي بقوة في محطات المفاوضات المتنقلة بين أنقرة وموسكو وبرلين، وانتهاءً بـ«الغموض» المتعمّد في موقف الكرملين حيال خطة السلام الأميركية، الذي رأى فيه كثيرون تحضيراً للعب دور أنشط في هذا الملف.
إزاء كل الملفات الشرق أوسطية الساخنة، يتعمّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الظهور بصفته الزعيم الذي يستقبل في موسكو عدداً كبيراً من اللاعبين المتعارضين وممثلي الأطراف الإقليمية والدولية، الذين يأتون مقرين بالدور الجديد الذي تلعبه موسكو.
ما عادت نادرة بيانات الكرملين التي تتحدّث عن إجراء اتصالات مع القيادة الفرنسية أو الألمانية لـ«بحث ملفات سوريا وليبيا والتسوية في الشرق الأوسط»، بعدما كانت هذه الاتصالات حتى وقت قريب تكاد تكون محصورة بالوضع في سوريا، وتطوّرات الموقف في أوكرانيا المجاورة.
وفي سوريا، أوحت تطورات الأسبوع الأخير، بأن موسكو اتخذت القرار النهائي بدعم الحسم العسكري في إدلب، مع ما يمكن أن يتبع ذلك من إعادة ترتيب «التوازنات» التي أقامتها موسكو في هذا البلد، وفقاً لمعايير جديدة. في هذا الإطار لم تخفّف الاعتراضات التركية التي وصلت إلى درجة اتهام موسكو بالنكوص عن التزاماتها في «اتفاق سوتشي» للتهدئة في إدلب، من اندفاعة الروس نحو دعم العملية العسكرية الجارية.
وكرّر الكرملين الرد على الاتهامات التركية بالحديث عن «التهديد المتزايد من جانب المسلحين في إدلب على المناطق المجاورة وعلى العسكريين الروس ما يستوجب مواجهة هذا الخطر». كما أعلن الوزير سيرغي لافروف أنه «لا تهاون مع الإرهابيين»، مشيراً إلى أن الطريق الوحيدة المتاحة هي أن «يستسلموا»... بينما على الأطراف الأكثر اعتدالاً في المعارضة السورية أن تختار «إما التراجع عن تحالفها مع جبهة النصرة أو تلقى المصير ذاته».
هكذا وضعت موسكو «معادلة» تطورات الموقف حول إدلب رغم الاعتراضات التركية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن موسكو تنوي التراجع عن «شراكتها» مع أنقرة، أو تقويض الجهد المشترك الذي قاد إلى المشهد الحالي. لقد حملت تطورات الأسبوع الأخير بعد «المواجهة المحدودة» بين الجيشين السوري والتركي في محيط إدلب، أوضح اختبار لمتانة التنسيق الروسي - التركي، ومدى إمكان أن ينهار هذا «التحالف» بسبب التطوّرات الميدانية المتصاعدة. وبرز خلال الأيام الماضية الجهد الروسي لمحاصرة الموقف وتعزيز قنوات الاتصال بين الجانبين.

اهتزاز الشراكة
تعكس تصريحات خبراء مقرّبين من الكرملين، قناعة بأن الشراكة الروسية - التركية قد تتعرض لبعض الهزّات، لكنها لن تشهد تراجعاً كبيراً، خصوصاً أن «ما يجمع البلدين أوسع بكثير من العناصر الخلافية». وهنا إشارة واضحة إلى أن المحافظة على اتفاقات ترتيبات الوضع في الشمال السوري، و«المنطقة التركية الآمنة» على الحدود، فضلاً عن التفاهمات على آليات التعامل مع طموحات المكوّن الكردي، والاتفاق حيال مسألة الوجود الأميركي في منطقة شرق الفرات... عناصر مشتركة لا تسمح لموسكو وأنقرة لتوسيع هوّة الخلاف كثيراً حول إدلب.
خبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» رأوا أن موسكو تعمل على «تثبيت خرائط نفوذ جديدة، يجب أن تكون الحكومة السورية بموجبها أحكمت سيطرتها فعلاً على الجزء الأكبر من أراضي البلاد، وعلى المناطق الحدودية مع العراق وتركيا والأردن».
إلا أن هذا «السيناريو» يستدعي، من وجهة نظر خبراء، إيجاد «اتفاق سوتشي» جديد، يأخذ في الاعتبار التطورات الميدانية، ويحافظ في الوقت ذاته على مراعاة الهواجس الأمنية لتركيا. ثم إن الحاجة قد تظهر أيضاً لوضع ترتيبات جديدة للتعامل في إطار «محور آستانة» بعدما أدّت تحولات كثيرة إلى تغيير المشهدين الميداني والسياسي.
ميدانياً، لا يخفي محلِّلون روس أن إزاحة قاسم سليماني ستسفر عن تقليص التأثير الإيراني في سوريا لصالح تصاعد أكبر للتأثير الروسي. والتطوّرات الجارية حول إدلب ستقلّص التأثير التركي المرتبط بالمعارضة السورية إلى درجة كبيرة، ما يعني أن الوجود التركي سيكون مرتبطاً أكثر بالحاجة إلى ترتيبات أمنية في الشمال تستجيب للقلق الأمني من جانب أنقرة، وهذا أمر لا تعارضه موسكو بل تميل إلى تثبيته أكثر.
على هذه الخلفية، فإن موسكو قد تكون أمام استحقاق إعادة النظر في توازن المصالح الذي بنته في وقت سابق بين الأطراف المختلفة من طهران إلى أنقرة إلى تل أبيب على أساس الواقع الجديد. في المقابل، يبقى الوجود العسكري الأميركي في منطقة شرق الفرات، رغم محدوديته، مؤثراً جداً على الخطط الروسية، ويظلّ العنصر الأبرز المقلق لروسيا لأنه يسفر عن الحد من قدرة روسيا على الترويج لخططها وبرامجها، لا سيما على صعيدي إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين، لأن هذا يتطلب دعماً دولياً واسعاً لا يمكن توفيره مع المواجهة الروسية - الأميركية القائمة حالياً. وهذا يفسّر تشديد الخارجية الروسية على القول قبل يومين إن «واشنطن تعرقل تطبيع الوضع في سوريا».

تعنّت نظام دمشق
من ناحية أخرى، تواجه موسكو في سوريا مع الوقائع الجديدة مشكلة جدية أخرى، برزت بقوة في الفترة الأخيرة... وهي تتمثل في مواقف النظام «المتعنتة» التي غدت بدورها عاملاً معرقلاً للخطط الروسية.
لقد برزت خلال الأسابيع الماضية رسائل وجّهتها موسكو، بوسائل مباشرة حيناً أو غير مباشرة أحياناً أخرى، عكست تزايد الضيق الروسي من أداء سلطات دمشق. وبين ذلك، آليات التعامل مع الأزمة الاقتصادية المعيشية على خلفية امتناع دمشق عن الإصغاء لـ«نصائح» موسكو حول ضرورة تعزيز التعاون مع الجهات الدولية المختصة، فضلاً عن العرقلة المتواصلة لعمل «اللجنة الدستورية» التي ترى فيها موسكو «المدخل الصحيح وبداية التسوية السياسية».
وفي أعقاب بروز عدد كبير من العناصر التي دفعت أوساطاً روسية إلى انتقاد «قلة النظام في إطلاق إصلاحات جدية على المستوى الداخلي، ما يعرقل جهود موسكو في تعزيز آليات المصالحات وتطبيع الموقف على الأرض»، اضطرت موسكو خلال الأسبوع الماضي إلى إيفاد المبعوث الرئاسي ألكسندر لافرنتييف، يرافقه نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين وعدد من العسكريين الروس، إلى دمشق للقاء الرئيس بشار الأسد، وحمله على إنجاح زيارة المبعوث الدولي غير بيدرسن إلى دمشق.
ولفتت مصادر تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إلى أن الزيارة «جرى ترتيبها على جناح السرعة بهدف إبلاغ رسالة روسية إلى القيادة السورية بضرورة إنجاح مهمة المبعوث الدولي». وهذا، خصوصاً، على خلفية بروز استياء روسي من «مماطلة الحكومة في دفع نشاط اللجنة الدستورية وتقديم الدعم الكافي للمبعوث الدولي».
رامي الشاعر، الدبلوماسي السابق والخبير المطلع على ملفات العلاقة الروسية - السورية، «يتفق تماماً بأن هدف الزيارة التأثير على دمشق لحملها على إبداء مستوى أكبر من الجدية في التعامل مع مهمة المبعوث الدولي». ولفت الشاعر إلى أن بين أهداف الزيارة إيصال رسالة إلى دمشق بأن تفعيل عمل الأمم المتحدة يسهّل إيجاد آليات لتخفيف معاناة الشعب السوري، لافتاً إلى أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية لا يمكن مواجهتها من دون دفع عمل الأمم المتحدة وحشد التأييد للجهد الدولي في هذا الاتجاه». وتابع: «ما زالت هناك أطراف داخل النظام تحاول عرقلة عمل المبعوث الدولي وتحاول استخدام آليات غير جدية ما يفاقم من المشكلات الاجتماعية والمعيشية للسوريين». وأشار إلى تحذير روسي من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع المجتمع الدولي إلى طرح ملف شرعية النظام مجدّداً على طاولة البحث.

التدخل في ليبيا
في سياق موازٍ، يتفّق خبراء في روسيا على أن التدخل المباشر لموسكو في الأزمة الليبية، الذي بدأت ملامحه تتضح وتزيد في الفترة الأخيرة، أعاد قلب الأوراق وتغيير موازين القوى، وبالأخص، أنه جاء هذه المرة من خلال اتفاق روسي - تركي لضمان وقف النار وإطلاق آلية للحوار بين الأطراف المتنازعة. وصحيحٌ أن موسكو وأنقرة فشلتا في إطلاق الحوار المنتظر خلال جولة مباحثات مطولة عقدت في موسكو أخيراً، إلا أن دخول «اللاعب الروسي» على خط الأزمة الليبية بات أكثر وضوحاً وثقة من السابق.
ثمة تحليلات تقول إن روسيا وتركيا استغلتا فشل الغرب في الأزمة الليبية لتضعا آلية خاصة بهما ضامناً لقرار سياسي في المستقبل. وهذا، في إشارة إلى تشكيل «تحالف براغماتي» جديد بين البلدين، رغم تعارض وجهات نظرهما حول الأزمة وتباين أهدافهما النهائية منها.
وحقاً، بعد 9 أشهر من بدء معركة «تحرير العاصمة الليبية»، أظهر الروس والأتراك أنهم قادرون على التأثير بشكل مباشر على الأحداث على هذه الجبهة، بل وقادرون أيضاً على التناوب في لعب الأدوار بين التصعيد والهدوء. هذا يشكل تغييراً أساسياً في قواعد اللعبة الخاصة بالأزمة الليبية. ودفع هذا التغيير إلى عقد مقارنات مع سيناريو «مسار آستانة» السورية، وتوقع بروز «محور آستانة جديد خاص بالأزمة الليبية»، مع أن لدى الطرفين مداخل متباينة في التعامل مع الأزمة، ومع أطرافها الأساسيين. ففي حين لا تخفي أنقرة دعمها «حكومة الوفاق» وتواصل إرسال السلاح والعتاد و«المرتزقة»، في مخالفة صريحة لمُخرجات «مؤتمر برلين» وللقرارات الدولية السابقة، فإن موسكو متهمة بأنها تقف على الطرف النقيض وتقدم كل أنواع المساعدات لقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بما في ذلك على صعيد إرسال «مرتزقة روس» للقتال إلى جانبه. لكن، مع كل هذا، وجد الطرفان نقطة انطلاق لـ«عمل مشترك».
في هذا الصدد، تشير تقديرات خبراء روس إلى أنه بالنسبة لأنقرة، تمثل ليبيا بشكل أساسي نقطة انطلاق لخطة استراتيجية تغطي آفاقاً أوسع نطاقاً. والمشاركة العسكرية في طرابلس تمنح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان القدرة على تعزيز أوراقه التفاوضية، بما في ذلك مع روسيا. ووجهة النظر هذه تقوم على أساس أن إردوغان يرى في روسيا «شريكاً ضرورياً» لاستعادة التوازن في علاقاته المتآكلة مع الغرب. وهو يدرك أن موسكو انطلقت في موقفها المندفع في سوريا من شعور بالخيبة لأن الغرب استخدم قرار مجلس الأمن عام 2011 للإطاحة بالنظام الليبي من دون استشارة موسكو في هذا التطوّر. وهذا يعني أن «عودة موسكو إلى الملف الليبي ضرورة أساسية للكرملين الذي كان قد تكلم مراراً عن خطأ التدخل الغربي في هذا البلد»، كما أنها توفر لبوتين مجالاً جديداً لتوسيع الحضور الإقليمي لبلاده.
بيد أن الرهان على أن «المحور التركي - الروسي» الذي يعمل بشكل جيد في سوريا، ليس كافياً من وجهة نظر بعض الخبراء، الذين يلاحظون أن «مسار آستانة» السوري غدا ممكناً فقط عندما أدرك الأتراك أنهم خسروا بشكل رئيسي بعد التدخل الروسي المباشر في سوريا.
في كل الأحوال، يرى خبراء أنه ليس هناك أدنى شك في أن روسيا أدركت منذ وقت طويل الموقف الحساس لتركيا تجاه مناطقها الحدودية وقلقها المتزايد إزاء ضعف مواقفها. لذلك، قرّرت موسكو «بشكل معقول» إشراك أنقرة في تسوية النزاع، بدلاً من العمل على عزلها. وكنتيجة لذلك، تمكن الجانبان من التفاهم على أولوياتهما في سوريا.
على صعيد آخر، مع الإقرار بحقيقة أن ليبيا توفر منصة جديدة للاندفاعة الإقليمية لروسيا، فإن أسئلة كثيرة برزت حول مدى قدرة موسكو وأنقرة على العمل بشكل مشترك في هذا البلد، لأن «فكرة روسيا الثأرية القائمة على دعم الجيش الوطني تتطلب مقاربة أكثر دقة»، ووفقاً لكثير من الخبراء الروس، فإن موقف موسكو من القضية الليبية ما زال غامضاً، إذ يقول أندريه شوبريغين، الأستاذ في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو - الذي أمضى 10 سنوات في ليبيا في عهد معمّر القذافي: «ليست لدى روسيا استراتيجية ليبية واضحة. ومثلها مثل الجهات الفاعلة الدولية الأخرى، تسعى روسيا إلى تنويع قنواتها ووسائل التأثير فيها حتى لا تسيء إلى ما هو مُعد للمستقبل. بالإضافة إلى ذلك، من الواضح للجميع أنه لا يمكن لأي من اللاعبين - الحاليين السراج أو حفتر - أن يحكم البلاد بطريقة مستدامة».
هذا الأمر ركز عليه أيضاً الدبلوماسي السابق فلاديمير فرولوف في إشارته إلى الاستراتيجية الروسية الحالية في ليبيا، إذ قال: «رأى بوتين فراغاً في السلطة يمكن ملؤه بسهولة، لكن هذا لا يعني أن موسكو استكملت بناء استراتيجيتها هناك». وتابع: «كما الحال في الحقبة السوفياتية، فإن روسيا لا تملك الوسائل لتكون اللاعب المهيمن أو الحاسم في ليبيا. فبعض الأطراف ترى أن اللعبة الروسية هي وسيلة لموازنة التأثيرات الأخرى. وموسكو تتصرّف بذكاء فقط عندما توافق على هذا الدور». ثم يوضح فرولوف أكثر: «لقد سمحت تصرفات روسيا في ليبيا بتعزيز موقعها في المفاوضات مع أوروبا. وفي ضوء ذلك، يمكن لموسكو أن تأمل في تقديم تنازلات بشأن أهم قضاياها، بدءاً بأوكرانيا».
يبقى أن الاستخلاص الأهم من الدخول الروسي القوي على الملف الليبي هو ما خرج به بعض المحللين أخيراً، من أنه على ما يبدو، لن تقتصر خطوات روسيا على ليبيا وسوريا. يبدو أن موسكو، التي تعلن من الآن فصاعداً مشاركتها في الصراع الإقليمي والعالمي من أجل النفوذ، تمدد نشاطها لتشمل مناطق أخرى... على الأقل في الشرق الأوسط وأفريقيا ووسط وجنوب آسيا.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟