حرب عالمية على فيروس {كورونا} المستجد

تحدٍّ إنساني واقتصادي واجتماعي أمام الصين والمجتمع الدولي

حرب عالمية على فيروس {كورونا} المستجد
TT

حرب عالمية على فيروس {كورونا} المستجد

حرب عالمية على فيروس {كورونا} المستجد

حتى الآن لم يصل فيروس «كورونا» إلى مرحلة تستدعي تصنيفه وباءً عالمياً، ما دام أنه لم يبلغ مرحلة الخروج عن السيطرة. لكن ذلك لا يمنع تحوّله إلى مرضٍ فتّاك يتخطّى حدود الصين ويهدد البشرية بأسرها، ما لم تنجح دول العالم في احتوائه والقضاء عليه في غضون أسابيع قليلة... وهذا، باعتبار أن فرص انتشاره كبيرة، وعدد الوفيات يزداد، والإحصاءات تسجّل إصابات بالآلاف يومياً داخل الصين، مع تفشّي تلك الحالات في دول كثيرة قريبة من الصين وعلى تماس معها.
لا تقف خطورة هذا الداء عند الجانب الصحي فحسب، بل سرعان ما وجّه ضربة قويّة للاقتصاد العالمي، باعتبار أن الصين تشكّل القوة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية، وتحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مصنع العالم، يرفد الأسواق بصناعاته المتعددة والمتنوعة. وبالتالي، فإن تطويق هذا الفيروس والقضاء باتت ضرورة عالمية وليست مسؤولية الصين وحدها، التي جنّدت كل طاقتها البشرية والمالية لمكافحة الوباء القاتل.
أمام المخاطر المتعدّدة الناجمة عن سرعة انتشار «فيروس كورونا المستجد» في الصين، دولة المنشأ، فإن جهود احتوائه تتصدّر الاهتمام الدولي، وهي تنقسم إلى شقين: الأول محاولة إنقاذ حياة المصابين أو أغلبهم، وتعزيز فرص الوقاية من الإصابات. والثاني تجنيد الطاقات لاكتشاف العلاجات الكفيلة بمحاربته والقضاء عليه.
حتى اللحظة، ما وجدت منظمة الصحة العالمية ما يبرّر تصنيف الفيروس الذي اكتشف وما زالت بؤرته الرئيسية في مدينة ووهان، بوسط الصين، وباءً يهدّد البشرية. وكانت المنظمة قد أعلنت الثلاثاء الماضي، أن «هذا الفيروس المستجد الذي انتقل من الصين إلى 24 دولة لا يمثل بعد حالة وباء عالمي، لكنه يشكل الآن حالة طوارئ صحية عامة». وكررت سيلفي بريان، رئيسة إدارة مكافحة الجوائح والأمراض الوبائية في منظمة الصحة العالمية، للصحافيين في مدينة جنيف بسويسرا: «حالياً لسنا في حالة وباء عالمي».
في لبنان، يتفق الأطباء المتخصصون في الأمراض الجرثومية والفيروسية مع ما ذهبت إليه المنظمة الدولية، لجهة رفض تعميم «فوبيا» المرض وتحويله كابوساً يقضّ مضاجع الناس، اللهمّ إذا ما اعتمدت الأساليب الناجعة في التعامل مع المصابين. ويعتبر الدكتور بيار بو خليل، رئيس قسم الأمراض الصدرية والجهاز التنفسي في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، أن خطر «فيروس كورونا المستجد» أقل وطأة من خطر فيروس «سارس» (SARS) الذي انتشر قبل سنوات، كما أنه أقل فتكاً من أمراض جرثومية وفيروسية أخرى عرفها العالم سابقاً.
ويشير إلى أن «نسبة الوفيات الناتجة عنه لا تزال عند حدود 2 في المائة من عدد المصابين، وهذا الرقم ليس متدنياً، لكنه ليس مرتفعاً أكثر من الحدّ المعقول».
هل هذه الأرقام كفيلة بتبديد القلق الذي ينتاب عامة الناس؟ وكيف يتجنّب المرء خطر الإصابة بهذا الفيروس؟
يشرح الدكتور بو خليل بالتفصيل، أين تبدأ الخطورة في هذه الظاهرة سريعة الانتشار، ويؤكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المخيف في هذا المرض، أنه جديد ومعدٍ وينتقل من شخص إلى آخر بالهواء، عدا عن أن انتشاره يزداد بشكل سريع، ولم تحصل سيطرة عليه بعلاجات فعّالة». وهو يعترف في الوقت نفسه بوجود «خوف حقيقي من خروجه عن السيطرة، لا سيما، أن العلاجات الخاصة به غير متوفرة حالياً. لذا فإننا كأطباء ننصح باعتماد سبل الوقاية من الإصابة بالفيروس، كونها الدرع الواقي في ظلّ عدم توفّر العلاجات الكفيلة بالقضاء على المرض». وحسب بو خليل: «حتى الآن لا يوجد علاج لهذا الفيروس، كما أن المضادات الحيوية الخاصة بمعالجة الالتهابات الناجمة عن الإنفلونزا والبكتيريا العادية، لا تتفاعل معها، ولا يمكن خفض حرارة جسم المصاب بهذا الفيروس عبر الأدوية التقليدية المستخدمة الآن. إنما يحاول الجسم الطبي، إسعاف المصابين بواسطة الأكسجين إذا أدت الإصابة إلى نقص في أكسجين الجسم، وإعطاءهم جرعات من دواء (البنادول/ Panadol) فقط، ومحاولة تقوية جهاز المناعة لدى المصاب، ليتولى مهاجمة هذا الفيروس والقضاء عليه».

ضحاياه في الصين
وتسبب الفيروس في وفاة 490 شخصاً في الصين وحدها حتى الآن، كما سجّلت 20438 إصابة. وسجّلت حالة وفاة واحدة في هونغ كونغ، وحالة وفاة أحدة في كل من سنغافورة والفلبين. لكن هذا الرقم مرشّح للارتفاع في ضوء اتساع رقعة الإصابات. وبينما ينصح الأطباء بإيلاء العناية للأشخاص المعرّضين للإصابة بهذا المرض، ينبّه رئيس قسم الأمراض الصدرية والجهاز التنفسي في الجامعة الأميركية في بيروت، إلى أن الوباء «أكثر ما يصيب المسنّين، والأشخاص الذين يعانون من أمراض صدرية مثل الربو والحساسية المفرطة، والمصابين بضعف في جهاز المناعة». ويشير الدكتور بو خليل إلى أنه «كلما كانت صحة الإنسان جيدة ومناعته قوية، يصبح الجسم كفيلاً بمواجهته»، معتبراً أن «الخبراء ما زالوا في طور اكتشاف هذا المرض، والبحث عن أدوية للعلاج، وبالتالي، من الصعب التكهّن بتوقيت القضاء على هذا الفيروس».
من ناحية أخرى، رغم أن منظمة الصحة العالمية لم تصنّف «فيروس كورونا المستجد» وباء عالمياً، فإن هذا لا يعني النوم على حرير والاطمئنان إلى أن هذا المرض لن ينتشر في العالم. وهنا يشدد الدكتور بو خليل، على أن «تأخر السيطرة على هذا الفيروس، قد يعني تحوّله وبسرعة إلى وباء عالمي، إذ لا ضمانات بأن هذا الوباء لن يتفشّى بشكل سريع وفتّاك».

التداعيات الاقتصادية
من ناحية أخرى، لا تقتصر التداعيات السلبية للفيروس على الجانب الصحي، بل أصابت العملاق الاقتصادي الصيني بالصميم، وانسحبت آثاره على دول العالم ككل، على حدّ تعبير الخبير الاقتصادي الدكتور جهاد حكيّم. إذ قال حكيّم في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاقتصاد الصيني متداخل مع الاقتصاد العالمي بشكل كبير، خصوصاً أن الصين باتت مصنع العالم، عدا عن أن هذا العملاق يشكل 15.5 في المائة من مجمل الاقتصاد العالمي، ولذا تعدّ الصين القوّة الاقتصادية الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة الأميركية».
ويلفت حكيم إلى أن «تقديرات الخبراء تتحدث عن إمكانية انخفاض نمو الاقتصاد الصيني في الفصل الأول من العام الحالي من 6.5 في المائة إلى 5 في المائة، لكنني أتوقع أن يتدنّى إلى حدود 4 في المائة، وربما أكثر من ذلك، ما لم يحاصر هذا الفيروس خلال أيام أو أسابيع قليلة». ويشدّد الخبير الاقتصادي اللبناني على أن «النقطة السلبية في الأمر أن تأثيرات هذا الفيروس على السوق الصينية، تأتي في وقت ما كادت الصين تخرج فيه من حربها الاقتصادية مع أميركا»، لافتاً إلى أن «تراجع النمو مرتبط بتدني أسهم الشركات وتقلبات الأسعار في السوق الصينية، بسبب تراجع العرض والطلب».
جدير بالذكر، أن صادرات الصين بلغت في عام 2019، حدود 2.5 تريليون دولار أميركي، وكان متوقعاً أن تسجل ارتفاعاً أكبر، خصوصاً بعد الاتفاق الذي أمكن التوصل إليه مع الولايات المتحدة، كما وصل فائضها التجاري إلى 1.14 تريليون دولار للعام الماضي، لكنّ هذه النسبة ستشهد تراجعاً ملحوظاً نتيجة الفيروس الفتّاك.
ويشرح الدكتور حكيم أن «انخفاض النموّ يقلق الصين إلى حدّ كبير، لأن سياستها تسعى للحفاظ على نمو لا يقلّ عن 6.5 في المائة، في سبيل لتحقيق انتصار في محاربة الفقر في البلاد». إلا أنه في المقابل، لم يبدِ تخوفاً من «انحدار الأمور نحو الأسوأ، ما دام أن تطويق هذا الفيروس بات قضية تعني العالم ككل».
وبرأي حكيم، فإن «محاصرة هذا المرض خلال فترة زمنية قصيرة، قد يساعد في استعادة الاقتصاد الصيني عافيته بشكل سريع». ويضيف أنه عندما ضرب فيروس «سارس» (SARS) بلداناً عدّة بين عامي 2002 و2003، من بينها الصين، وأدى إلى وفاة نحو 800 شخص، خسر الاقتصاد العالمي 33 مليار دولار، أما الآن، فأعتقد أن الخسائر المالية ستكون أكبر، لأن حجم الاقتصاد الصيني والعالمي في عام 2020 نما كثيراً مع عام 2002، وبالتالي قد تكون الخسارة مضاعفة.

انعكاسات محلية وعربية
من جانب آخر، مني القطاع التجاري في دول الشرق الأوسط، بخسائر كبيرة أيضاً، جراء «فيروس كورونا المستجد»، بدءاً من إحجام التجار عن السفر إلى الصين، ووضع أي بضاعة آتية منها تحت الرقابة الدقيقة، وكذلك إجراء مسح شامل وعلميات فحص دقيقة لحمولة السفن المبحرة من الصين، لكون التجّار يقدمون سلامة صحتهم على الأرباح المالية.
محمد فارس، وهو تاجر كبير لبناني، وأحد مستوردي المعدات الصناعية من الصين، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه، إن «الشركات الصينية التي تصنّع معداته، بعيدة مسافة تزيد على 4 ساعات ونصف الساعة بالطائرة عن ووهان»، لكنه يعترف بأنه «لن يغامر بالذهاب إلى الصين، رغم حاجته إلى سفر وشيك بسبب نفاد البضاعة التي لديه».
ويشير فارس وهو وكيل معدات ومحركات تستخدم لعشرات الآليات الصناعية إلى أن «الشركات التي تصنّع بضاعته لا تزال تعمل بشكل طبيعي، ولم تتأثر بموجة الفيروس، إلا أنها كانت متوقفة عن العمل بسبب عطلة رأس السنة الصينية، الممتدة بين 20 يناير (كانون الثاني) وحتى 20 فبراير (شباط)، والمفترض أن تستأنف عملها بعد انتهاء العطلة، مع توقعات بمحاصرة الفيروس خلال وقت قريب، في ظلّ القدرات المالية والطبية التي رصدت له من قبل الصين ودول العالم».
ووفق كلام فارس، الذي يستورد جزءاً من هذه المعدات إلى لبنان، وجزءاً آخر إلى بلدان آسيوية، «ربما تكون السوق اللبنانية الأقل تأثراً بالأزمة الصينية، لأنها لا تعادل شيئاً أمام السوق الأميركية، خصوصاً بعد الاتفاق الجمركي بين البلدين، والسوق الروسية الضخمة جداً، والسوق الأسترالية». ثم تابع: «الأسواق الخليجية قد تكون الأكثر تأثراً في المنطقة، بالنظر لدور الشركات الصينية الضخمة، التي تشارك بشكل فاعل في المعارض الموجودة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و(إكسبو دبي) وغيرها».
وتتعدد القطاعات التي راكم الفيروس خسائرها، لا سيما تجّار الألبسة الذين يعانون صعوبة الاستيراد في هذه المرحلة، ويكشف أحد أعضاء لجنة تجّار سوق مار الياس في بيروت لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأزمة ألحقت به وبغيره من التجار أضراراً طائلة». وتحدث عن «عجز التجّار عن الوفاء في التزاماتهم، خصوصاً لدى تجّار الجملة، ومستوردي البضائع التي يجري تسويقها أحد المعارض الضخمة في مدينة إزمير التركية، وكان يفترض تسلّم البضاعة في موعد أقصاه نهاية شهر شباط (فبراير) الحالي». وأوضح التاجر الذي رفض ذكر اسمه، أن «الشركات الصينية التي أبرمت العقد معه ومع غيره، متوقفة الآن عن العمل ولن تتمكن من استئناف عملها قبل القضاء على الفيروس. وبالتالي، لن تسلمنا بالموعد المحدد البضاعة المتفق عليها، لأن عملية التصنيع متوقفة، عدا عن أن أغلب مصممي الأزياء العالميين غادروا الصين، وقد لا يعودون إلا بعد مرور أشهر على مكافحة المرض»، لافتاً إلى أنه مع غيره من التجّار «سيتجهون إلى أسواق بديلة ومؤقتة؛ ومنها تايوان وكوريا وإندونيسيا وتركيا، وإن بكلفة أعلى وربح أقلّ».
وأظهرت الإحصاءات أن الدول القريبة من الصين، هي الأكثر تأثراً بالفيروس، والأكثر قابلية للتفشي فيها؛ وهي تايلاند (25 إصابة)، واليابان (20)، وسنغافورة (18، بينهم حالة وفاة)، وكوريا الجنوبية (16). وخارج آسيا، كانت بين الدول الأكثر تأثراً ألمانيا التي سجّلت (12 إصابة) والولايات المتحدة (11 إصابة).

دول الشرق الأوسط قلقة... ولبنان الأقل مناعة
> يجتاح الخوف والقلق بلدان الشرق الأوسط، لا سيما الدول العربية، من وصول هذا الفيروس إليهم. هذا الخوف بات مضاعفاً لدى اللبنانيين، وتحديداً في هذه المرحلة الصعبة، إذ تعاني المؤسسات الصحية من صعوبات كبيرة في استيراد الأدوية والعلاجات الضرورية للأمراض العادية، بسبب الأزمات المالية التي تعانيها البلاد، وعجز التجار والوكلاء عن سحب الدولار من المصارف، أو تحويله إلى الخارج لشراء الضروريات. وما يزيد من حالة الخوف، هو أن المستشفيات اللبنانية، غير مجهّزة للتعامل مع خطر هذا الفيروس في حال اكتشاف أي حالة من هذا النوع.
مع هذا، طمأنت مصادر طبية، بأن «الفيروس لا يزال - عملياً - محصوراً في الصين، وإن اكتشفت حالات محدودة جداً في دول على احتكاك دائم بالصين». وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «إذا وصل هذا المرض لا سمح الله إلى دول الخليج، عندها سيرتفع منسوب الخطر على لبنان، لأن بلدنا الموجود على تماس مباشر ودائم مع الخليج العربي، هو الأقل مناعة للتصدي، وهناك مئات آلاف اللبنانيين الذين يعملون في هذه الدول ويترددون إلى البلد».
وتتخذ السلطات اللبنانية أسوة بكل دول العالم، إجراءات وقائية مشددة، سواء في مطار رفيق الحريري الدولي، أو في المعابر البحرية والبرية، لرصد أي إصابة قادمة من الخارج، واطلع وزير الصحة العامة اللبناني الدكتور حمد حسن، مركز الحجر الصحي في المطار، وعاين الإجراءات الوقائية المتخذة لمنع انتقال الفيروس. وأكد حسن أن «الإجراءات الوقائية تهدف للحؤول دون عبور أي حالة مصابة بالفيروس وتركها من دون علاج». وتحدث عن «مرحلة لوجيستية وقائية تمنع وصول أي شخص مشتبه بإصابته بالفيروس إلى لبنان، واعتماد إجراءات الحظر المتخذة في الشرق الأقصى»، لافتاً إلى «عدم وجود خط مباشر بين الشرق الأقصى ولبنان، بل هناك ترانزيت في بلد ثانٍ، حيث يفترض أن يحصل الكشف المبكر لأي حالة قبل وصولها إلى لبنان». وأوضح وزير الصحة اللبناني أن «هناك استمارة عممتها رئاسة المطار والمديرية العامة للطيران المدني، وتتم تعبئتها على متن الطائرة لتجميع المعلومات الدقيقة عن الوافدين، علماً بأن الفريق الطبي جاهز لمواكبة وصولهم».

ووهان... من واحة سياحية إلى مدينة أشباح
> لم يسبق لمدينة ووهان، عاصمة إقليم هوباي بوسط الصين، أن استقطبت الاهتمام العالمي قبل انطلاق «فيروس كورونا المستجد»، وتفشّيه فيها بشكل سريع، ومن ثم خروجه إلى العالم كلّه. لقد قلب الفيروس حياة هذه المنطقة رأساً على عقب، وأجبر الملايين من سكانها على التزام منازلهم في محاولة لمنع انتشاره.
مدينة ووهان، التي تشكلت من 3 مدن هي هانكو وهانيانغ وووتشانغ (حمل اسمها الأحرف الأولى في أسمائها)، إحدى كبريات مدن الصين، إذ يقدر تعداد سكانها بنحو 11 مليون نسمة. وهي تقع عند مصب نهر الهان في نهر اليانغتسي، أكبر أنهار الصين.
وتعد هذه المدينة العامرة مركزاً ثقافياً وتعليمياً واقتصادياً ضخماً، وفيها جامعات كبرى أشهرها جامعة ووهان تستقطب الطلاب الأجانب. إلا أن هذه المدينة تحولت اليوم بفعل الفيروس الذي تذكر تقارير أنه انطلق من إحدى أسواقها إلى منطقة منبوذة وموضوعة في الحجر الصحي. لقد جعلها الفيروس الذي شل حركتها وأفرغ شوارعها الرئيسية وطرقها الفرعية التي تفصل بين مبانيها الشاهقة، «مدينة أشباح» حقيقية شبه خالية من المارّة.
وترجّح الدراسات غير النهائية أن الفيروس الجديد ظهر للمرة الأولى خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في إحدى أسواق ووهان حيث تباع حيوانات برية. وانتشر خلال عطلة رأس السنة القمرية الصينية، التي يسافر خلالها ملايين الصينيين داخل البلاد وخارجها. لكن هذا المرض حرم أهالي ووهان، وكثيراً من مناطق الصين، من متعة العيد لهذا العام، إذ نصحت سلطات ووهان سكان المدينة بالتزام بيوتهم للحد من انتشار الفيروس، غير أن السكان ابتكروا طريقة بسيطة لتشجيع بعضهم ورفع معنوياتهم، وأظهرت أشرطة مصوّرة نشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، الناس وهم يهتفون «ووهان جيايو» من شبابيك شققهم، وهو هتاف يعني «حافظي على قوتك يا ووهان».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.