النجف تشيّع قتلاها والمواجهات تنتقل إلى كربلاء

إدانات محلية ودولية لاعتداء أنصار الصدر على المحتجين... وعلاوي يلوّح بالانسحاب

محتجون في ساحة التحرير ببغداد أمس ينددون باعتداء أنصار الصدر على المتظاهرين في النجف يوم الأربعاء (أ.ب)
محتجون في ساحة التحرير ببغداد أمس ينددون باعتداء أنصار الصدر على المتظاهرين في النجف يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

النجف تشيّع قتلاها والمواجهات تنتقل إلى كربلاء

محتجون في ساحة التحرير ببغداد أمس ينددون باعتداء أنصار الصدر على المتظاهرين في النجف يوم الأربعاء (أ.ب)
محتجون في ساحة التحرير ببغداد أمس ينددون باعتداء أنصار الصدر على المتظاهرين في النجف يوم الأربعاء (أ.ب)

أثار الهجوم الذي شنّه عناصر «القبعات الزرق»، التابعة لـ«التيار الصدري»، ليل أول من أمس (الأربعاء)، على المعتصمين في ساحة الصدرين بمحافظة النجف، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 7 متظاهرين وعشرات الجرحى، موجة غضب واستنكار واسعين، خصوصاً في صفوف الطلبة الذين خرج الآلاف منهم، أمس، بحشود غاضبة في ساحة التحرير وسط وبغداد، وفي النجف حيث وقعت المجزرة، وبقية محافظات وسط البلاد وجنوبها.
وفي حين هتف متظاهرون في النجف قائلين إن «الساحة لنا، ولن نعطيها»، في إشارة إلى محاولة أتباع الصدر السيطرة عليها، ردد طلبة غاضبون في البصرة هتاف: «حرقوا خيم الأحرار... أرض النجف حمرة (حمراء)».
وتزامن تشييع النجف أبناءها القتلى أمس مع انتقال المواجهات بين المحتجين وأنصار مقتدى الصدر إلى مدينة كربلاء (100 كلم جنوب بغداد)، حيث تحدث ناشطون عن إطلاق النار على المحتجين، ومحاولة إحراق خيامهم في محاولة لطردهم من ساحة الاعتصام. وأشارت «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى انطلاق مظاهرة في كربلاء للتنديد بأحداث النجف الدامية، مضيفةً أن المتظاهرين طالبوا القوات الأمنية بحماية ساحات الاحتجاج، وحصر السلاح بيد الدولة.
وليس واضحاً كيف اندلعت المواجهات بين المحتجين وأنصار مقتدى الصدر من أعضاء «القبعات الزرق»، لكن مصدراً أمنياً قال لاحقاً إن قوات الأمن تمكنت من السيطرة على الوضع قرب ساحة التربية وسط كربلاء، وفضّت الاشتباكات بين المتظاهرين والقبعات الزرق.
وفي الناصرية، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن المتظاهر عدنان ظافر الذي يواصل احتجاجه منذ أشهر، قوله إن الهجوم الذي وقع، مساء الأربعاء، في النجف، بمثابة استمرار منطقي لأربعة أشهر من حملات القمع والتخويف التي يقوم بها المهاجمون الذين لم تستطع الدولة حتى الآن تحديد هويتها، لكن الأمم المتحدة وصفتهم بـ«ميليشيات». وفي الديوانية، خرجت مظاهرة طلابية مناهضة للصدر وهادي العامري أحد كبار قيادات «الحشد الشعبي» الموالي لإيران، وهتف المشاركون فيها «لا مقتدى ولا هادي، تبقى حرة بلادي»، بحسب الوكالة الفرنسية التي ذكرت أن المحتجين في هذه المدينة يخشون أن يتكرر سيناريو النجف، حيث هاجم أنصار الصدر بعد ظهر الأربعاء ساحة الاعتصام الرئيسية للمتظاهرين المناهضين للسلطة قبل احتلاله، أمس (الخميس)، والتمركز وسط أنقاض الخيام التي أحرقت في الليل، وفق ما قال صحافيون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وتابعت الوكالة أن هذا العنف لا يقوّض تصميم المتظاهرين على ما يبدو. ففي ميدان التحرير ببغداد، قالت طيبة، طالبة الإعدادية في بغداد، وهي تلفّ العلم العراقي حول كتفيها: «لقد اعتدنا ذلك، لكننا أكثر تصميماً من قبل... كان الطلاب يخرجون مرة في الأسبوع للمظاهرات، والآن أصبحت ثلاث مرات».
في غضون ذلك، ونتيجة التحولات الشديدة في مواقف زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، حيال الحراك الاحتجاجي، سرت في الأيام الأخيرة تكهنات، نفاها مؤيدون للصدر، باحتمال خضوعه لإقامة جبرية في إيران، وتحكّم الإيرانيين بمجمل التعليمات الصادرة لأتباعه بشأن شن هجمات على ساحات الاعتصام.
وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي بيانات ومناشدات من شباب ينتمون إلى التيار الصدري، وموجهة إلى مقتدى الصدر نفسه لمطالبته بتوجيه كلمة متلفزة إلى الشعب العراقي، للتأكد من عدم خضوعه للإقامة الجبرية في إيران (حيث يدرس في قم)، وأن تغريداته عبر «تويتر» صادرة فعلاً عنه. لكن أطرافاً مؤيدة للصدر تنفي قصة الإقامة الجبرية جملة وتفصيلاً وتعدها نوعاً من حملات الاستهداف التي يتعرض لها الصدر، وتشير إلى أن أسباباً كثيرة دفعته إلى مغادرة العراق إلى إيران، وضمنها إكمال دراسته الدينية هناك.
وأثار حادث النجف الذي تورط به أتباع الصدر، حالة غضب وإدانات من السفارات والبعثات الدبلوماسية والشخصيات السياسية والثقافية في بغداد.
وفي هذا الإطار، وجّه رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي بتشكيل لجنة تحقيق بأحداث النجف، فيما لوّح رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي بالاعتذار عن مهمة تشكيل الحكومة، في حال استمرار العنف ضد المتظاهرين. وقال علاوي في كلمة موجّهة للشعب إن «ما حدث من أوضاع مؤسفة ومؤلمة في اليومين الأخيرين، مؤشّر خطير على ما يحدث، وما يُمكن أن يحدث، من سقوط شهداء وجرحى» في ساحات الاحتجاج، مشيراً إلى أن «هذا الوضع ليس مقبولاً بالمرّة، وأن مَن في الساحات هم أبناؤنا السلميّون، الذين يستحقّون كلّ تقدير واحترام، وواجبنا خدمتهم وسماعُ صوتِهم، لا أن يتعرّضوا للقمع والتضييق». ولفت إلى أن «الممارسات هذه تضعنا في زاوية حرجة، لا يُمكن حينها الاستمرار بالمهمة الموكلة إلينا مع استمرار ما يتعرض له الشباب».
أما رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، فعبّر عن مساندته لاستمرار المظاهرات السلمية، وحمايتها من أجل إجراء إصلاحات جوهرية. واعتبر في تغريدة أن «الجماهير سيدة نفسها، لا وصاية عليها، ستنتصر إرادة الشعب رغم القتل والتنكيل والتخويف».
وحذّر نائب رئيس مجلس النواب بشير خليل الحداد من خطورة تفاقم الأوضاع في النجف، بعد الهجمات التي شنّت على المتظاهرين، التي راح ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح. كذلك حمّل بيان صادر عن 13 عشيرة في محافظة ذي قار مقتدى الصدر مسؤولية إراقة الدماء، في حال استمر اتباعه بمهاجمة ساحات التظاهر.
وطالب العشائر الصدر، في بيان، بأن «لا يكون طرفاً في إراقة دماء أبنائنا في المحافظة، وعدم زج أبناء مدينتنا في قتال وصراع أهلي لمصالح شخصية وسياسية، لذا ندعوه إلى سحب أتباعه، وعدم التحريض بين أبناء المدينة، وجعل الأمن بيد القوات الرسمية الحكومية». وأضاف البيان: «نرجو احترام كرامة الدم العراقي، والابتعاد عن المصالح الشخصية والسياسية، وإلا فستكون أنت (الصدر) المسؤول الأول عن أي إراقة دماء لأبنائنا».
وفي الإطار ذاته، أدانت السفارة الأميركية في بغداد اعتداء النجف. وذكر مكتب المتحدث الرسمي باسم السفارة، في بيان، أن «سفارة الولايات المتحدة في بغداد تدين بشدة الهجوم الوحشي الذي حصل في مدينة النجف الأشرف... الذي أدى إلى مقتل وجرح عدد من المتظاهرين السلميين». وأضاف أنه «من المؤسف أنه لا يزال يُسمح للجماعات المسلحة بانتهاك سيادة القانون بالعراق مع الإفلات من العقاب ضد المواطنين السلميين». وأشار إلى أن «الحكومة العراقية وقواتها الأمنية يقع على عاتقها وضع حد لهذه البلطجة، التي تشمل خطف واغتيال الناشطين المدنيين والصحافيين، وكذلك الضرب واستخدام الذخيرة الحية وحرق الخيام في المظاهرات السلمية».
كما أدانت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) أحداث النجف، وقالت رئيسة البعثة والممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، جينين هينس بلاسخارت، عبر تغريدة في «تويتر»: «ندين بشدة أعمال العنف والعدد الكبير من الضحايا في النجف الليلة (قبل) الماضية، يجب ضمان حماية المتظاهرين المسالمين في جميع الأوقات، وليس عندما يفوت الأوان». وقال سفير الاتحاد الأوروبي في بغداد، السفير مارتن هوت، إن «الترهيب والعنف ضد المتظاهرين على أيدي عناصر مسلحة، الذي تسبب بوفيات، ليلة (أول من) أمس، في النجف، أمر غير مقبول، ولا بد من تحديد الجُناة ومحاسبتهم».
أما السفير البريطاني في بغداد، ستيفن هيكي، فعبّر عن شعوره بـ«الصدمة»، وقال، في تغريدة، هو الآخر: «صدمتُ بسبب استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين في النجف، إن من الأولويات الضرورية للحكومة الحالية والحكومة القادمة إنهاء العنف الجاري، وحماية المتظاهرين السلميين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم».
من جهة أخرى، وفي حادث آخر، في غضون أقل من يوم، أفاد مصدر أمني في محافظة البصرة، أمس، باغتيال القيادي في «سرايا السلام» التابعة للصدر الشيخ حازم الحلفي. وقال المصدر إن «حازم الحلفي يعمل موظفاً في وزارة الزراعة، وكان يستقل سيارة نوع (بيك آب) ذات لوحة تسجيل حكومية تابعة لدائرة الري أثناء عملية الاغتيال». وكانت جماعة مجهولة اغتالت، أول من أمس، القيادي الصدري أبو مقتدى الازيرجاوي، في محافظة ميسان.



آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)

تتجَّه الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى مرحلة جديدة ومعقَّدة، بعد اضطرار الأمم المتحدة إلى اعتماد آليات بديلة لتوزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب إغلاق مكاتبها هناك ومصادَرة أصولها، في خطوة أعادت رسم خريطة العمل الإغاثي في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد العاصمة الأردنية لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين؛ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من توسُّع دائرة الجوع لتشمل ملايين إضافية خلال العام الحالي.

وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 22.3 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية هذا العام، بزيادة 2.8 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، وهو مؤشر يعكس عمق التدهور الاقتصادي واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق النزاع.

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

وبحسب مصادر إغاثية، تعمل الأمم المتحدة على إعادة تنظيم عملياتها عبر نقل مهام توزيع المساعدات المنقذة للحياة إلى شبكة من الشركاء، تشمل المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لا تزال قادرةً على العمل ميدانياً داخل تلك المناطق.

تحول اضطراري

يهدف هذا التحوُّل الأممي إلى ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء إلى الفئات الأكثر ضعفاً رغم غياب الوجود الأممي المباشر، الذي تعرَّض لانتكاسة واسعة جراء قيود الحوثيين وانتهاكاتهم.

ويعكس هذا التوجه تحولاً اضطرارياً في آليات العمل الإنساني، إذ باتت الوكالات الدولية تعتمد نموذج «الإدارة عن بُعد» لتقليل المخاطر على موظفيها والحفاظ على تدفق المساعدات.

غير أن خبراء الإغاثة يحذرون من أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على الرقابة الميدانية، وصعوبة ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين دون تدخلات أو قيود.

وتؤكد تقارير إغاثية أن القيود المفروضة على العمليات الإنسانية أسهمت في حرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الأساسية، في وقت يشهد فيه البلد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم ملايين يعيشون في مستويات طارئة وفق التصنيفات الدولية للأمن الغذائي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

ويمثل مؤتمر المانحين المرتقب في الأردن محطةً مفصليةً لإعادة حشد الدعم الدولي، إذ تسعى وكالات الإغاثة إلى سدِّ فجوة تمويلية متزايدة تهدِّد بتقليص البرامج الإنسانية الحيوية.

ومن المتوقع أن يناقش المشاركون آليات جديدة لضمان وصول المساعدات في ظل القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى تعزيز دور الشركاء المحليين بوصفهم الحلقة الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.

أزمات متعددة

لا تقتصر الأزمة في اليمن على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية متوقفة أو مُهدَّدة بالإغلاق؛ بسبب نقص التمويل. ويؤثر ذلك بشكل خاص على النساء والفتيات، مع تراجع خدمات الصحة الإنجابية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.

وتحذِّر منظمة الصحة العالمية من أن تدهور الوضع الصحي في اليمن أسهم في انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في ظل انخفاض معدلات التحصين، إذ لم يحصل سوى أقل من ثُلثي الأطفال على اللقاحات الأساسية.

وقد سُجِّلت أكثر من 18600 إصابة بالحصبة و188 وفاة خلال العام الماضي، إضافة إلى تسجيل اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا عالمياً بين مارس (آذار) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نحو 350 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 1100 وفاة.

ويرتبط تفشي الأمراض بشكل مباشر بتفاقم سوء التغذية، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل يمني دون سنِّ الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 570 ألف حالة شديدة الخطورة، بينما يواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة؛ نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتؤكد المنظمات الإنسانية أن نجاح مؤتمر المانحين لن يُقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد آليات مستدامة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، ومنع تحوُّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة طويلة الأمد يصعب احتواؤها مستقبلاً.


«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended