ماريك هالتير في مذكراته: كنت أحلم بتغيير العالم

تحتوي تفاصيل عن دوره في اتفاقية أوسلو ولقاءاته مع السادات وعرفات وبيريز

ياسر عرفات  -  أنور السادات  -  شمعون بيريز  -  غلاف المذكرات
ياسر عرفات - أنور السادات - شمعون بيريز - غلاف المذكرات
TT

ماريك هالتير في مذكراته: كنت أحلم بتغيير العالم

ياسر عرفات  -  أنور السادات  -  شمعون بيريز  -  غلاف المذكرات
ياسر عرفات - أنور السادات - شمعون بيريز - غلاف المذكرات

دائماً كتب المذكرات لها تشويقها الخاص والمثير... دائماً تقرأها من دون كلل أو ملل حتى تصل إلى نهايتها. نقول ذلك خصوصاً إذا كانت صادرة عن شخصيات مهمة. من بين هذه الشخصيات يقف حتماً مؤلف هذا الكتاب ماريك هالتير. وهو يهودي فرنسي من أصل بولوني وصل إلى باريس مع عائلته وهو في سن الرابعة عشرة فقط. ومع ذلك؛ فقد أتقن لغتها وبرع فيها إلى حد أنه أصبح كاتباً مشهوراً رغم أنه لا يحمل شهادات عليا. ولكنه ظل يتكلم الفرنسية بلكنة خاصة تكاد تضحك الفرنسيين. وهو شخصية نافذة جداً في الأوساط الفرنسية؛ بل وحتى العربية، ناهيك بالدولية. إنه يستطيع أن يهاتف القادة والزعماء والرؤساء على تليفوناتهم الجوالة الخاصة؛ ومن بينهم زعماء عرب. ويستطيع أن يتحاور مع جاك شيراك أو بيل كلينتون أو فلاديمير بوتين أو سواهم كأنه صديق شخصي وليس فقط مجرد صحافي. وقد اشتريت مذكراته الصادرة مؤخراً في العاصمة الفرنسية لأني كنت أتوقع أنها تحتوي أسراراً عربية وإسرائيلية وفلسطينية شديدة الخطورة والأهمية. ولم يخِب ظني.
قبل الدخول في صلب الموضوع، ينبغي القول إنه كان قد انخرط سابقاً في كتابة سلسلة من الروايات التاريخية التي تهدف إلى تمجيد ذكرى نساء الإسلام العظيمات: مثل السيدة خديجة بنت خويلد، والسيدة فاطمة بنت النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، والسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق. وهذا شيء مدهش؛ إذ يصدر عن كاتب ذي أصول يهودية ويفترض أنه بعيد جداً عن الموضوع. ولكنه مهووس بتحقيق التقارب بين العرب واليهود، أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو بين أبناء إسماعيل وأبناء إسحاق. فكلهم في نهاية المطاف من أحفاد إبراهيم الخليل. إنهم أبناء عمومة؛ كما يقال عادة. ولذلك فهو يهتم بكل شيء يخص تاريخنا وتراثنا. إنه يريد أن يتقرب منا، أن يلتصق بنا بأي شكل، لأنه يعرف أن إسرائيل العزيزة جداً على قلبه لا يمكن أن تندمج في المنطقة إن لم نقبل بها يوماً ما. الكلمة الأخيرة تبقى للعرب لأنهم أصحاب المنطقة الأساسيين من المحيط إلى الخليج. إنهم كالبحر الهادر بأعدادهم التي ستتجاوز نحو 500 مليون نسمة. وبالتالي فإسرائيل عبارة عن قطرة في بحر من العرب والفلسطينيين، وموازين القوى لصالحهم رغم كل المظاهر المعاكسة حالياً. ولهذا السبب؛ فهو مهتم جداً بإحداث التقارب بين الأديان التوحيدية الإبراهيمية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام. وقد أمضى حياته كلها في النضال من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط. ولكنه يبقى متحيزاً للطرف الإسرائيلي بطبيعة الحال. وهو لا يخفي ذلك أصلاً وإن كان يحاول جاهداً احترام موقف الفلسطينيين وآلامهم التي تفوق الوصف. وأنا هنا لا أريد الترويج لهذا الكتاب؛ وإنما فقط استعراض آرائه التي تهم كل المثقفين وأصحاب القرار في العالم العربي؛ إذ لا يكفي أن تعرف رأيك في الآخر، وإنما ينبغي أن تعرف رأي الآخر فيك أيضاً.
ما كان يهمني في مذكراته هو معرفة الدور الذي لعبه بوصفه همزة وصل بين القيادة الإسرائيلية والقيادة الفلسطينية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: كيف كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات؟ وأين؟ وما الصورة أو البورتريه الذي يقدمه عنه؟ سوف نتحدث عن ذلك قبل أن ننتقل إلى لقائه الأول مع أنور السادات. وهنا أيضاً نجد أنفسنا أمام بورتريهات عدة أو صور شخصية لقادة عرب كبار، وكلها مرسومة من قبل مثقف يهودي عالمي مؤيد لحق إسرائيل في الوجود ومتحرق لتحقيق رغبة واحدة: أن يقبل بها العرب يوماً ما. وسواء اتفقنا معه أم اختلفنا، فإن ذلك لا يغير في الأمر شيئاً. فالشيء المؤكد هو أن هذا الرجل لعب دوراً مهماً جداً طيلة الخمسين سنة الماضية، وقام بمهام سرية كثيرة وحساسة للغاية. فلماذا لا نطّلع على ما يقول؟ لماذا لا نحاول أن نعرف كيف يفكر قادة الرأي العام اليهودي فينا؟
- لقاؤه الأول مع ياسر عرفات
قبل أن يلتقي عرفات كان ينبغي عليه أن يأخذ إذناً من أعلى رأس في القيادة الإسرائيلية: أي رئيسة الوزراء غولدا مائير شخصياً. ولذلك طلب مقابلتها، فاستقبلته في مكتبها الرسمي بالقدس بعد طول انتظار. وقد استقبلته في المطبخ وأمامها علبة سجائر ومنفضة فقط. وعندما قال لها إنه ينوي مقابلة عرفات؛ بل وأخذ موعداً معه في بيروت، تغيّر لونها وامتقع وجهها وضربت بيدها بكل عنف على الطاولة إلى درجة أن السجائر تطايرت والمنفضة سقطت أرضاً. وصرخت في وجهه: تريد أن تقابل عدو إسرائيل الأول وعلى يديه دماء أطفال إسرائيل؟ هل أصابك مسٌ من جنون؟ فأجابها: ولكن النبي موسى قابل الفرعون قاتل الآلاف المؤلفة من أطفال اليهود الرضع! فلماذا لا يحق لي أن أقابل عرفات؟ فأجابته: ولكنك لست النبيّ موسى! فأجابها: بالطبع لست النبي موسى، ولكن إذا ما مسّ كلامي ضمير عرفات وجعله يقبل بالسلام وتوفير حياة آلاف الأطفال اليهود والفلسطينيين معاً؛ فلماذا لا أقابله؟ فأجابته: ولكن الله هو الذي أمر سيدنا موسى بالذهاب لمقابلة الفرعون، فهل كلمك الله يا ترى دون أن نعلم؟ فأجاب: بالطبع لا، ولكن كلمني ضميري، وسوف أفعل كل شيء من أجل السلام بين العرب واليهود. وعندئذ نهضت فجأة بكل غضب علامةً على إنهاء المقابلة فوراً، فخرج بعد أن حياها بالعبرية: «شالوم»؛ أي «سلام»، فلم ترد. ثم خرج الرجل من عندها مذهولاً دائخاً، وفي الشارع نادى على تاكسي جماعي وذهب إلى فندقه في تل أبيب. وفي الصباح الباكر؛ الساعة السادسة فجراً، أيقظه صوت التليفون وهو يغطّ في نوم عميق، وسمع صوتها يهدر ويقول له كلمة واحدة: اذهب! ثم وضعت السماعة. وعندئذ عرف أنه نال موافقتها أو مباركتها لمقابلة ياسر عرفات.
كان اللقاء الأول مع عرفات قد حدث في بيروت عام 1969، وفي ذلك الوقت لم يكن عرفات يعرف كلمة واحدة في الإنجليزية، ولم يكن هو يعرف إلا بضع كلمات نادرة في العربية. وبالتالي فقد كان هناك مترجم، وهذا شيء مزعج دائماً. ثم لم يكن عرفات وحده في المكتب؛ وإنما عشرات الآخرين من المساعدين والمقربين والحراس الشخصيين. وبعضهم كان يضع الكلاشنيكوف على ركبتيه، والبعض الآخر كان يسبّح بالمسبحة... إلخ. لم يفهم عرفات لماذا يلح هذا الرجل على مقابلته. وعندما حيّاه ماريك هالتير بكلمتين عبرية وعربية: «شالوم. سلام»، انزعج عرفات ولم يرد عليه؛ بل رأى فيه جاسوساً ماكراً ليس إلا. في ذلك الوقت؛ لم تكن فكرة السلام تخطر على بال عرفات على الإطلاق. كان يفكر فقط في محو إسرائيل عن الخريطة بمعونة العالم العربي. ولهذا السبب اختصر عرفات المقابلة، فقال له هالتير وهو يودّعه: إلى اللقاء يا فخامة الرئيس. فأجابه عرفات: نلتقي العام القادم في تل أبيب المحررة! ولكن على عتبة الباب وقبل أن يخرج التفت إليه ماريك هالتير مستديراً بكل جسده الضخم وقال له: إذا كان ذلك صحيحاً فإني سأكون قد قتلتك قبل يوم واحد من حصول ذلك! يقول هالتير: ما إن انتهى المترجم من ترجمة عبارتي حتى انتفض حرس عرفات ويدهم على الزناد، وسمعت قعقعة السلاح وهموا بالبطش بي. ولكن عرفات طلب منهم الجلوس والهدوء، ثم اقترب من ماريك هالتير وقال له بعد أن وضع يده على كتفه قائلاً: لا أعرف من الذي سيكون قد قتل الآخر قبل ذلك، ولكن قبل أن نموت معاً دعنا نلتقِ مرة أخرى. فوافق هالتير بطبيعة الحال... ثم اقترب مني، وقبّلني، وتلاقت لحيتي الكثّة مع لحيته الخفيفة. ونفهم من ذلك أن عرفات قائد حقيقي لأنه يعرف كيف يتحكم بعواطفه ولا يجعلها تتحكم به.
ثم يختتم ماريك هالتير كلامه قائلاً: لم نقتل بعضنا بعضاً بعدئذ. أبداً أبداً. وإنما أصبحنا صديقين عزيزين، والتقينا مرات كثيرة لاحقاً في الأردن، وبيروت، وتونس حيث حضّرنا لاتفاقيات أوسلو معاً، وهي الاتفاقيات الوحيدة التي كادت تنجح. ثم يفتخر هالتير قائلاً إنه هو الذي قدم سهى الطويل إلى ياسر عرفات في تونس صحافيةً تريد إجراء مقابلة معه. فوقع في حبها من أول نظرة وأصبحت زوجته ووالدة طفلته الوحيدة التي دعاها «زهوة» على اسم أمه العزيزة الغالية...
- ماريك هالتير يستدعي عرفات وبيريز إلى شقته
بعد ذلك بسنوات طويلة؛ وبالتحديد عام 1992، ابتدأت المناورات الكبرى التي ستؤدي إلى «اتفاقيات أوسلو» واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل. وقد لعب مؤلف الكتاب دوراً كبيراً فيها نظراً لعلاقاته الوثيقة مع كلا الطرفين؛ العربي والإسرائيلي. ولهذا السبب سافر ماريك هالتير مع زوجته كلارا إلى تونس لإقناع عرفات بالفكرة. وعندما عرفت صديقتهما سهى بمجيئهما أرسلت لهما سيارة خاصة إلى مطار قرطاج وحجزت لهما غرفة في فندق «هيلتون». وتعشّى الأربعة في شقة عرفات، ودار الحديث التالي: قال له عرفات وهو يشير إلى بطن سهى الحامل: انظر يا صديقي؛ هذا هو الكتاب الذي وعدتك به! وكان قد وعده بكتابة مذكراته وإرسالها إلى ناشر فرنسي، ولكنه لم يفعل، وإنما اكتفى فقط بالإنجاب! وفي نهاية العشاء سأله عرفات: هل هناك من سبب خاص لزيارتكم؟ فأجابه: نعم. إني أدعوك إلى زيارتي في شقتي الباريسية لكي تلتقي بشخصية إسرائيلية كبيرة. ومن هي؟ شمعون بيريز. وكان هذا اللقاء السري حاسماً في نجاح مؤتمر أوسلو. وكان عرفات أول الواصلين، ثم تبعه بيريز، وتصافحا لأول مرة أمام ماريك هالتير وزوجته كلارا. قال له بيريز: السيد الرئيس: رجالنا يتفاوضون في أوسلو كما تعلم، ونأمل أن ينجحوا. ولكن لا نستطيع أنا وأنت أن نحل في نصف ساعة مشكلة ضخمة عمرها نصف قرن على الأقل. وبعد خروج بيريز وسفره إلى لندن التفت عرفات إلى ماريك هالتير وقال له: صديقك بيريز شخص جيد، ولكن أنا بحاجة إلى جنرال لكي أتفاوض معه. وعندئذ فرض إسحاق رابين نفسه.
- لقاؤه مع أنور السادات
نفهم من كلام المؤلف أن زوجته كلارا هي التي اقترحت على السادات زيارة إسرائيل وإلقاء خطابه التاريخي الشهير في الكنيست. وهي فكرة جنونية في ذلك الوقت. كيف حدث اللقاء؟ القصة وما فيها جرت على النحو التالي: كان المؤلف وزوجته قد وصلا إلى مطار القاهرة حيث استقبلهما لطفي الخولي وزوجته، وكلاهما يتقن الفرنسية تماماً. ثم حجز لهما غرفة في «شيراتون» على ضفاف النيل. وبعدئذ قادهما للعشاء في منزل الممثل حسين فهمي صديق السادات. وقد حضر العشاء مراد غالب سفير مصر في موسكو. وبعد منتصف الليل فوجئ حسين فهمي بسيارة رسمية تتوقف أمام البيت القريب من الأهرامات. فخرج لمعرفة السبب، فإذا به وجهاً لوجه مع الرئيس السادات شخصياً. وهذا يعني أن الرئيس كان يعرف مدى أهمية ماريك هالتير وزوجته ومدى قربهما من القادة الإسرائيليين والعالميين. وعندئذ اقترحت عليه كلارا الفكرة. فرد عليها السادات حرفياً: شكراً على اقتراحك ليدي كلارا. سوف أفكر في الموضوع. وبالفعل؛ فهي الفكرة التي نفذها لاحقاً تحت أنظار العالم كله ولا أحد يكاد يصدق! وعندما سلّم على الشخصيات الرسمية في «مطار بن غوريون» لمح السادات شبح كلارا وزوجها وراء موشي دايان فقال لهما: هكذا تلاحظين مدام كلارا: لقد نفذت فكرتك حرفياً... إلخ.
لا أعرف ما إذا كان الرجل يريد أن يضخم مكانته أو يعطي لنفسه قيمة أكبر منه. ولكن يبقى الكتاب ممتعاً جداً ومليئاً بالمفاجآت والأسرار اليهودية والعربية والعالمية... كنت أتمنى لو كنت أمتلك الوقت الكافي للتحدث عن لقاءاته بمشاهير العرب؛ من أمثال: إدوارد سعيد، ومحمود درويش، وأمين معلوف... هذا ناهيك بمشاهير العالم من أمثال: تشومسكي، وهربرت ماركيوز، وجارودي... إلخ. ولكن الوقت ضاق والمكان لا يتسع...


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».