كتب السيرة الذاتية والمترجمات الأكثر مبيعاً في معرض القاهرة

ناشرون يشيدون بالإقبال الجماهيري الذي تخطى حاجز المليون

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

كتب السيرة الذاتية والمترجمات الأكثر مبيعاً في معرض القاهرة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

لا يزال معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يستمر حتى 4 فبراير (شباط) المقبل، يشكل الظاهرة الثقافية الأكبر والأهم على أجندة الفعاليات الثقافية بمصر. وقد اتخذت الدورة الجديدة (51)، «مصر أفريقيا... ثقافة التنوع» شعاراً لها، والسنغال ضيف شرف والمفكر الراحل جمال حمدان شخصية المعرض، الذي يحتفي بإعادة إصدار مؤلفاته وعلى رأسها موسوعته الشهيرة «شخصية مصر».
برز ثقل المعرض هذا العام بمزيد من دور النشر المشاركة، 900 ناشر من 38 دولة. أول ملاحظة خلال زيارة المعرض في أسبوعه الأول هو كثافة عدد الزوار عن العام الماضي مع سهولة ويسر التنقل بين صالات المعرض الأربع، وتنظيم أجنحة العرض فضلاً عن وجود صالة مخصصة للنشاط الثقافي والعروض الفنية والسينمائية.
يقول الناشر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، عضو اللجنة العليا التنظيمية للمعرض، لـ«الشرق الأوسط»: «حرصنا هذا العام على تلافي السلبيات وزيادة المواصلات وتقليص مساحات الأجنحة لضمان مشاركة أكبر عدد من الناشرين. هذا العام يؤكد المعرض أنه يليق باسم مصر ومكانتها والأمر المبهج حقاً هو إقبال الأطفال والشباب على المعرض. وحرص اتحاد الناشرين، من جهة أخرى، على عقد ندوة عن الملكية الفكرية للتوعية بأهميتها وفضح أساليب المزورين وما يمثلونه من تهديد لصناعة النشر، كما بدأنا خطوات عملية لمواجهة القرصنة الإلكترونية بالتعاون مع «غوغل».
أما جناح السنغال ضيف الشرف فكان منصة عرض لأبرز الكتب الأدبية والشعرية باللغتين العربية والفرنسية، منها كتاب: «سفينة السعادة» تأليف عبد الرحمن الأندلسي، و«الجوهر النفيس في عقد نثر الأخضر والرئيس». كما حظي المعرض بزيارة وزير ثقافة السنغال مع وزيرة الثقافة المصرية والذي أكد على أهمية التبادل الثقافي بين الدولتين.
وعن حضور السنغال ضيف الشرف في الفعاليات، يقول د. شوكت المصري، المشرف على البرنامج الثقافي للمعرض: «لاحظنا اهتماماً بالغاً من الجمهور بحضور الندوات الخاصة بالسنغال وثقافتها ورموزها والتي تنوعت ما بين التاريخ والأدب والشعر، فضلاً عن مشاركة فرق سنغالية فنية، هذا الشغف من الجمهور المصري يقابله شغف سنغالي بالثقافة المصرية، حيث تحل مصر ضيف شرف على معرض السنغال الدولي للكتاب في الأشهر القليلة المقبلة.
الحضور الأفريقي بارز في فعاليات البرنامج الثقافي، ومن أبرز الندوات التي عقدت الندوة التي تحدثت فيها ناديلكا مانديلا حفيدة الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا عن كتابها الجديد «أنا نديلكا» وهو سيرة ذاتية عن قصة صمودها أمام مصاعب الحياة والتحديات التي تواجهها كامرأة. وقالت نديلكا لـ«الشرق الأوسط»: «حاولت عبر كتابي أن أبث الأمل لقرائه بأن الحياة بكل ما فيها يجب أن تعاش بحلوها ومرها، فحياتي وحياة أي من المشاهير ليست سهلة، وأقدم فيه خلاصة ما تعلمته من جدي، وطبقت مبدأه في أن أتحدث عن الصعوبات التي واجهتني كي أتخطاها، كما أشير فيه إلى تجربتي في العمل التطوعي عبر مؤسستي الخيرية، والكتاب سوف يترجم قريباً إلى العربية».
وتحظى صالات العرض الضخمة في فضاء المعرض بزخم لا يخفت من صالة لأخرى حيث تلاشت العوائق بين الصالات وتنسيق الممرات بين الأجنحة أفضل من العام الماضي. وخلال جولتنا استوقفنا جناح «صوت القاهرة» المميز بما يحويه من كنوز سمع بصرية تحوي تراث الفن والغناء والتمثيل بل الصحافة أيضاً، إذ يحوي الجناح موسوعة بجميع أعداد مجلة الهلال منذ صدورها وحتى اليوم، أي عبر قرن ونصف من الزمان، فضلاً عن مجموعة أسطوانات مدمجة وأسطوانات خاصة بجهاز «بيك أب» لأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ووردة وغيرهم، والمصحف كاملاً بصوت كبار المقرئين بمصر.
بينما جاء جناح المملكة العربية السعودية هذا العام أصغر مساحة عن الأعوام السابقة لكنه لا يزال جاذباً لزوار المعرض من الشخصيات العامة والجمهور على السواء، فيما جاءت مشاركة وزارة الثقافة السعودية ممثلة في المجلة العربية بجناح أكبر هذا العام بأكثر من 600 عنوان تتنوع ما بين الكتب الأدبية والعلمية والطبية والموسوعات اللغوية، فضلاً عن الموسوعات العلمية المخصصة للطفل والناشئة ويشير عبد العزيز المهنا، المسؤول عن جناح المجلة العربية بالمعرض أن «أكثر الكتب رواجاً الموسوعات العلمية الموجهة للأطفال والشباب، والتي تقدم شرحاً مبسطاً للطاقة والفضاء والمجموعات الشمسية والأرض وعلم الجغرافيا والفيزياء بشكل مبسط ومسل عبر صور وشروح، كما تلقى مجموعة منشورات المجلة العربية مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية إقبالاً كثيفاً ومنها «الذكاء الخارق» لنيك بوستروم، و«الطاقة النووية» لتشارلز فيرغيسون و«أخلاقيات المعلومات» و«السايبورغ البشري» للمؤلف لوسيانو فلوريدي». ويضم الجناح أعداد «المجلة العربية» التي تصدرها وزارة الثقافة السعودية شهريا.
سور الأزبكية لقي إقبالاً كثيفاً في مشاركته الأولى بمقر المعرض الجديد، حيث تشارك 40 مكتبة تعرض كتباً ومجلات نادرة والتي يهتم بها الباحثون والطلاب حيث تتوفر لهم بأسعار زهيدة. وكان من اللافت حرص زوار المعرض على التقاط الصور التذكارية مع ضباط الجيش والشرطة بالزي العسكري في الأجنحة المخصصة لوزارة الدفاع المصرية ووزارة الداخلية حيث توزع الأجنحة مطبوعات تعرف بها والمجلات الثقافية الشهرية التي تصدر عنها منها: «مجلة النصر».
على صعيد الإصدارات، كان من اللافت هذا العام تحمس دور النشر لنشر كتب السير الذاتية والكتب التاريخية التي تفرض حضورها هذا العام في مواجهة الرواية العربية والمترجمة.
يقول الناشر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب وصاحب الدار المصرية اللبنانية التي أصدرت هذا العام عدة مؤلفات للسير الذاتية: «السير الذاتية لا تروي قصصاً شخصية فقط، بل تعكس الظروف الاجتماعية والاقتصادية عبر تجربة حياة ثرية يمكن أن تفيد الأجيال الجديدة بنقل الخبرات لهم، وهو جنس أدبي يدمج بداخله عدة فنون كتابيه». ومن بينها: «(سيرة وميسرة) لصالح بن بكر الطيار، وإحسان عبد القدوس... معارك الحب والسياسة» وهو ما يؤكده المدير العام لدار الشروق أحمد بدير، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك إقبال على السير الذاتية والكتب المترجمة خاصة أن الترجمة في دور النشر المصرية بدأت تنتعش عقب تعويم الجنيه المصري وارتفاع أسعار المترجمات عن دور النشر السورية واللبنانية والعراقية فكان سعر الكتاب يتراوح ما بين 300 إلى 400 جنيه، فأعادت دور النشر المصرية ترجمة بعض الكلاسيكيات أو عبر شراكات ترخيص بالنشر فبات سعر الكتاب في حدود 150 جنيهاً، لكن يظل ارتفاع أسعار الكتب بوجه عام تحدياً كبيراً أمامنا وأمام القراء». ومن بين المترجمات عن دار الشروق «حول العالم في 80 يوماً» لجول فيرن بترجمة جديدة، و«الحياة على كرسي متحرك» لجاري كارب، وإعادة إصدار ترجمات «أنطون تشيكوف» لأبو بكر يوسف، الروايات والقصص القصيرة التي نفدت طبعتها الأولى، أما السير الذاتية: «فكتاب (أربعون) لأحمد الشقيري الذي يدمج السيرة الذاتية مع التنمية البشرية لا يزال متصدراً المبيعات، والسيرة الذاتية لجودة عبد الخالق «من الميدان إلى الديوان» و«مذكرات وزير من زمن الثورة»، كما «هناك إقبال من الشباب على كتب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ في طبعاتها الجديدة ومن أكثرها مبيعاً (أولاد حارتنا) وتليها (بين القصرين)، و(الحرافيش)، فضلاً عن روايات أورهان باموق الصادرة حديثاً «الحياة الجديدة» ورواياته القديمة، ورواية «فردقان» ليوسف زيدان تليها روايته «عزازيل».
أما الناشر مصطفى الشيخ، مدير دار آفاق للنشر، فيذكر أن «هناك إقبالاً كثيفاً من الجمهور على المترجمات وقد قدمت الدار وجبة دسمة من 75 عنواناً جديداً من المترجمات الأدبية والعلمية والفكرية والفلسفية إلى جانب الرواية من لغات إنجليزية ويونانية وروسية، ومن أكثر الكتب إقبالاً «يوميات تولستوي»، و«رسائل هيمنغواي» التي تقع في 1500 صفحة لكنها حظيت بإقبال الشباب عليها، وكتاب «العقل والمادة».
هذا وتخطى زوار المعرض حاجز المليون زائر في سادس أيامه وفقاً لبيان وزارة الثقافة.



إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).