مدنيو طرابلس... ضحايا محتملون تحت رحمة «القصف العشوائي»

البعثة الأممية تطالب طرفي الحرب بتحقيق مستقل في مقتل مهاجرين

بائع في سوق للأسماك بمدينة بنغازي أمس (أ.ف.ب)
بائع في سوق للأسماك بمدينة بنغازي أمس (أ.ف.ب)
TT

مدنيو طرابلس... ضحايا محتملون تحت رحمة «القصف العشوائي»

بائع في سوق للأسماك بمدينة بنغازي أمس (أ.ف.ب)
بائع في سوق للأسماك بمدينة بنغازي أمس (أ.ف.ب)

انهمك المواطن الليبي أيوب إمساعد مع 3 من أشقائه في نقل بعض ما أمكنهم حمله من أثاث منزلهم على ظهر شاحنة كبيرة للفرار من القصف الصاروخي الذي استهدف منطقة أبوقرين (جنوب شرقي مدينة مصراتة)، بحثاً عن مأوى جديد يقي أسرتهم من الموت، بعدما شهدت بلدتهم معركة مستعرة بين الجيش الوطني وقوات «الوفاق» المدعومة بالميليشيات الأحد الماضي، قضي فيها 14 شخصاً من الجانبين.
وضعية إمساعد، الذي قال في اتصال بـ«الشرق الأوسط» أمس إنه لا يعلم إلى أين سيذهب هو وأشقاؤه ووالدته قبل أن يشير إلى احتمالية انتقالهم إلى مدينة جنزور (12 كيلومتراً غرب طرابلس)، تعكس إلى حد كبير مأساة آلاف المواطنين في العاصمة، ممن تقع منازلهم في مناطق الاشتباكات بين القوتين.
وأضاف إمساعد (26 عاماً): «لا نستطيع المغادرة بكل أمتعتنا، سنضطر إلى تركها في المنزل المكون من 3 طوابق... أبي سبقنا إلى جنزور لتدبير منزل، وأخبرنا أن الأوضاع هناك أكثر أمناً... الحرب لم تصلها بعد».
وقضي عشرات المواطنين في طرابلس منذ اندلاع الحرب قبل قرابة 10 أشهر، وتهدمت منازل ودمرت مزارع بغارات جوية وبالقصف الصاروخي العشوائي. ودعت الأمم المتحدة، في تقرير أصدرته أمس، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين، مشيرة إلى سقوط ما لا يقل عن 287 مدنياً، وإصابة 369 مثلهم، خلال العام الماضي.
وعملية «بركان الغضب»، التابعة لقوات حكومة «الوفاق»، اكتفت بالتنبيه على المدنيين في المنطقة الممتدة من أبوقرين حتى سرت شرقاً، والجفرة جنوباً، بضرورة الابتعاد عن تمركزات «القوات المعتدية»، وعدم السماح لهم باتخاذهم دروعاً بشرية، في إشارة إلى الجيش الوطني.
ونقل أحد أعضاء جمعية «الهلال الأحمر الليبي» في طرابلس (هو من أوصلنا إلى المواطن إمساعد) أن آلاف المدنيين في العاصمة يعانون وضعاً معيشياً صعباً، وقال لـ«الشرق الأوسط» أمس: «فور الإعلان عن هدنة لوقف إطلاق النار، بدأنا في إجلاء العالقين بمنازلهم، خارج نطاق العمليات العسكرية، لكن للأسف بعض هؤلاء وجدناهم قد فارقوا الحياة، لأسباب منها الرعب أو انتهاء طعامهم».
وأضاف القيادي بالجمعية، الذي تحفظ على ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «أسرة أيوب إمساعد تعد حالة من بين آلاف الحالات المشابهة؛ يوجد هناك عائلات كثيرة تريد المغادرة ولا تستطيع بسبب الخوف وقلة المال، أو أنهم ينتظرون وقف الحرب، وللأسف هؤلاء أو غيرهم ربما يسقطون في أي لحظة إن لم يتم إسعافهم فوراً»، منوهاً إلى أنهم «يتلقون مئات الاستغاثات، ولا يتمكنون من إنقاذهم بسبب تواصل القتال».
وبلغت حصيلة القتلى منذ بداية المعارك بين الطرفين 3538 شخصاً، بينهم 287 مدنياً، منهم 29 عنصراً طبياً، و49 سيدة، و56 طفلاً، بالإضافة إلى 10123 جريحاً، وفقاً لإحصائيات مستشفيات غريان العام والميداني قصر بن غشير والخضراء والميداني تاجوراء ابن سينا سرت والسبيعة ومصراتة العام والزهراء وترهونة العام وشارع الزاوية وطريق المطار وأبو سليم.
وتسببت الحرب في نزوح أكثر من 140 ألف مواطن، بحسب الأمم المتحدة، عن منازلهم، بعضهم يقيم في مساكن مستأجرة أو في مصانع ومدارس معطلة، وبعضهم الآخر ينام في الشوارع وفي محيط البنايات.
ومعاناة المواطنين في طرابلس لا تختلف كثيراً عن مأساة المستشفيات والأطقم الطبية هناك، فمن قبل استهدفت القذائف العشوائية مستشفى الصفوة بمنطقة الهضبة القاسي السبت الماضي، ما أسفر عن جرح حسام نوري المبروك وياسين على عسكر اللذين تصادف وجودهما بالمصحة في أثناء تأديتهما عملهما بها، ونقلا إلى مستشفى الحوادث أبو سليم لتلقي العلاج.
وعلى خلفية استهداف الأحياء السكنية ومقار المهاجرين غير النظاميين في طرابلس، جددت الأمم المتحدة دعوتها أمس لأطراف النزاع في ليبيا لإجراء تحقيقات مستقلة نزيهة، لضمان المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي، فيما يتعلق بالغارتين الجويتين اللتين استهدفتا مجمع مباني الضمان في تاجوراء، في 2 يوليو (تموز) الماضي، وأسفرتا عن مقتل ما لا يقل عن 53 مهاجراً ولاجئاً في مركز احتجاز تاجوراء.
ودعت الأمم المتحدة، في تقريرها، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع وقوع مأساة مماثلة في النزاع الحالي، لافتة إلى أن 60 في المائة من هذه الخسائر سببها يعود إلى الغارات الجوية.
وأشار التقرير إلى أن غارة أصابت ورشة مركبات في المجمع تستخدمها القوات الأمنية التابعة لحكومة الوفاق، وهي تبعد 105 أمتار عن مركز إيواء المهاجرين الذي تعرض لغارة ثانية بعد 10 دقائق من الأولى، متابعاً: «أصيب المركز بقنبلة ألقيت من الجو، وقد عثر على جزء كبير منها في الفتحة التي أحدثتها، وقيّم الخبراء العسكريون في فريق البعثة أن صافي المحتوى المتفجر للقنبلة يتراوح بين 50 و100 كيلوغرام تقريباً، بما يعادل قنبلة (TNT)، وأن الوزن الإجمالي للقنبلة أعلى بكثير، أي تزن 250 كيلوغراماً على الأقل».
واستكملت البعثة في تقريرها: «يبدو أن الضربات الجوية نفذتها طائرات تابعة لدولة أجنبية، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا العتاد الجوي خاضع لقيادة الجيش الليبي أم نفذه طيران دولة داعمة له».
وقال غسان سلامة، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا: «إن هجوم يوليو (تموز) 2019 في تاجوراء مثال مأساوي على الكيفية التي أصبح بها استخدام القوة الجوية سمة مهيمنة في الصراع المدني الليبي، وعلى المخاطر والعواقب المباشرة للتدخل الأجنبي على المدنيين»، مضيفاً أنه «لهذا السبب يتعين ترسيخ الالتزامات التي تم التعهد بها في برلين، في 19 يناير (كانون الثاني)، لإنهاء هذا التدخل، والالتزام بحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة».
ويدعو التقرير جميع الأطراف، لا سيما حكومة الوفاق والجيش الليبي، فضلاً عن أي من الدول التي تدعم أي من الطرفين، إلى إجراء تحقيقات في الغارات الجوية بهدف ضمان الملاحقة السريعة للمسؤولين عن تلك الهجمات. وأوصت البعثة حكومة «الوفاق» و«الجيش الوطني» بإجراء تحقيقات مستقلة نزيهة وافية حول الغارات الجوية، ومنح تعويضات ملائمة للضحايا وأسرهم، واتخاذ تدابير تمنع تكرار الحادث، ودعتهم إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، لا سيما الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين.
ودعت البعثة إلى إغلاق جميع مراكز احتجاز المهاجرين، مع ضمان حصولهم على الحماية والمساعدة فوراً، وإعطاء أولوية للمراكز داخل المجمعات الخاضعة لسيطرة أطراف النزاع، واتخاذ خطوات فورية لضمان عدم احتجاز المهاجرين قرب الأهداف العسكرية المحتملة.



حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.


الحوثي يصطفّ مع إيران ويتحاشى إعلان الدخول في الحرب

زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
TT

الحوثي يصطفّ مع إيران ويتحاشى إعلان الدخول في الحرب

زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)

حافظ زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، في أحدث ظهور له، على سقف الخطاب السياسي المعتاد تجاه الحرب الدائرة ضد إيران، مؤكداً وقوف جماعته إلى جانب طهران واستعدادها لكل «التطورات»، لكنه تجنب في الوقت ذاته الإعلان عن الانخراط العسكري المباشر في المواجهة.

وجاءت تصريحات الحوثي بمناسبة ما يسمى «يوم القدس العالمي»، وذلك بعد أول خطبة منسوبة إلى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الذي تعهد بدوره بمواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، في مؤشر إلى تصاعد الخطاب الإيراني في ظل الحرب الدائرة.

وفي الخطاب المطول في هذه المناسبة التي ابتدعها المرشد الإيراني الأول، روح الله الخميني، قدم الحوثي رواية آيديولوجية للصراع، معتبراً أن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة مع دولة بعينها، بل «حرب على الإسلام والمسلمين».

وشدد على أن الجماعة في اليمن ترى نفسها «معنية بالموقف إلى جانب إيران ضد أعداء الأمة»، مكتفياً بالتأكيد على «الجهوزية لكل التطورات» دون إعلان خطوات عسكرية مباشرة.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون صور خامنئي (أ.ف.ب)

وأكد الحوثي في خطابه الانتماء إلى ما تسميه طهران «محور المقاومة»، مشيداً بالرد العسكري الإيراني على الولايات المتحدة وإسرائيل، وزاعماً أنه يمثل «نموذجاً للمنطقة».

كما حرص على توجيه رسائل تعبئة إلى أتباع الجماعة، مركزاً على البعد الديني للصراع وربطه بالقضية الفلسطينية و«يوم القدس»، في محاولة للحفاظ على حالة التعبئة الشعبية وتبرير أي تصعيد محتمل في المستقبل.

وفي موقف يعكس التماهي السياسي مع طهران، أشاد الحوثي أيضاً باستهداف إيران دول المنطقة، زاعماً أن لها الحق في ذلك بسبب وجود قواعد أميركية تُنفذ منها الهجمات على إيران، وهي الرواية التي تكررها طهران رغم عدم صحة هذه السردية المزعومة.

حسابات معقدة

على الرغم من اللهجة التصعيدية في الخطاب الحوثي، لم تعلن الجماعة حتى الآن أي تدخل عسكري مباشر إلى جانب إيران، وهو ما يعكس، بحسب محللين يمنيين، جملة من الحسابات السياسية والعسكرية المعقدة.

فمن جهة، يدرك الحوثيون أن فتح جبهة جديدة في اليمن قد يعرضهم لضربات أميركية أو إسرائيلية مباشرة، خصوصاً في ظل حساسية الممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، التي تعد أحد أهم طرق التجارة العالمية.

مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الحوثيين للتضامن مع إيران (أ.ف ب.)

ومن جهة أخرى، قد تفضل الجماعة الاحتفاظ بورقة التصعيد كخيار لاحق في حال توسعت الحرب إقليمياً، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة السياسية والعسكرية ويعزز موقعها داخل المحور الذي تقوده إيران في المنطقة.

كما يرى مراقبون أن الخطاب الحوثي يعكس رغبة في إظهار الالتزام الآيديولوجي مع طهران دون التورط فوراً في تكلفة عسكرية قد تكون مرتفعة، إذ رفعت الجماعة مستوى الدعم الخطابي لإيران لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام جميع الخيارات، في انتظار ما ستؤول إليه تطورات المواجهة.

عامان من التصعيد

منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 دخل البحر الأحمر وباب المندب مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعد رفع الحوثيين لافتة مساندة الفلسطينيين في غزة عبر استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، قبل أن تتوسع الهجمات لاحقاً لتشمل سفناً دولية أخرى، ومهاجمة إسرائيل نفسها.

وخلال نحو عامين تبنت الجماعة تنفيذ 228 هجوماً على سفن تجارية وعسكرية باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، مع إعلانها إطلاق مئات الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.

حوثيون في صنعاء يرفعون العلم الإيراني وصور خامنئي (رويترز)

وأدت الهجمات الحوثية إلى إغراق أربع سفن تجارية (روبيمار، توتور، ماجيك سيز، إتيرنيتي سي)، وقرصنة سفينة «غالاكسي ليدر»، فضلاً عن إصابة أكثر من 30 سفينة بأضرار متفاوتة أثناء عبورها البحر الأحمر وخليج عدن. كما أسفرت الهجمات عن مقتل نحو 11 بحاراً وإصابة واعتقال آخرين.

في المقابل، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، تضمنت نحو 2000 ضربة جوية وبحرية خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، استهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

كما نفذت إسرائيل 19 موجة من الضربات طالت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، شملت مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصنعي أسمنت ومحطات كهرباء، رداً على إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه أراضيها.

وبعد نحو ثمانية أسابيع، توقفت الحملة العسكرية الأميركية التي كان أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025 عقب وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.


تحطم طائرة تزود بالوقود أميركية في غرب العراق

مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)
مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)
TT

تحطم طائرة تزود بالوقود أميركية في غرب العراق

مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)
مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)

أعلن الجيش الأميركي الخميس تحطم إحدى طائراته للتزود بالوقود جوا من طراز «كي سي 135 ستراتوتانكر» في غرب العراق، بينما هبطت بسلام طائرة ثانية شملتها الحادثة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية في وقت سابق إنها ‌تُجري ‌عملية ​إنقاذ ‌بعد ⁠فقدانها ​طائرة عسكرية في «المجال ⁠الجوي الصديق» بالعراق خلال النزاع ⁠الدائر ‌مع إيران. وقال ‌الجيش «شاركت ​طائرتان في ‌الحادث. ‌سقطت إحداهما في غرب العراق، ‌بينما هبطت الأخرى ⁠بسلام». وأضاف أن ⁠الحادث لم يكن نتيجة نيران معادية أو ​صديقة.

وأوضحت وسائل إعلام أميركية أن الطائرة المفقودة في غرب العراق كانت تقل طاقما يتألف من 6 أفراد.

وأعلنت جماعة «المقاومة ‌الإسلامية في العراق»، وهي ‌تحالف يضم فصائل مسلحة متحالفة مع ​إيران، مسؤوليتها عن إسقاط ‌الطائرة. الجماعة في بيان لها إنها أسقطت ‌الطائرة «دفاعا عن سيادة بلدنا وأجوائه المستباحة من قبل طيران قوات الاحتلال». وأضافت أنها أسقطت الطائرة الأميركية «بالسلاح المناسب».

وهذه رابع طائرة عسكرية أميركية على الأقل تتحطم منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعد إسقاط ثلاث طائرات من طراز «إف-15» بنيران صديقة فوق الكويت. وذكرت القيادة العسكرية حينها أن الحادثة وقعت خلال قتال تضمن «هجمات من طائرات إيرانية وصواريخ بالستية وطائرات مسيّرة».

ودخلت طائرات «كي سي 135 ستراتوتانكر» الخدمة قبل أكثر من 60 عاما، وهي تتكون عادة من طاقم مكون من ثلاثة أفراد: طيار، ومساعد طيار، وعنصر ثالث يقوم بتشغيل آلية تزويد الطائرات الأخرى بالوقود، وفق معطيات الجيش الأميركي. لكن بعض مهام الطائرة تتطلب وجود ملاّح، ويمكن للطائرة أن تحمل ما يصل إلى 37 راكبا، وفق المصدر نفسه.