الصمت النسوي من الأوديسا حتى الثَّقافة الغربية الرَّاهنة

المجتمعات الذكورية قمعت أصوات النساء منذ ثلاثين قرناً من الزمن

ماري بيرد
ماري بيرد
TT

الصمت النسوي من الأوديسا حتى الثَّقافة الغربية الرَّاهنة

ماري بيرد
ماري بيرد

تثير كتب ماري بيرد الناقدة والأستاذة في جامعة كمبردج اهتمام الأوساط الثقافية الغربية، وقد لاقت حضوراً واهتماماً كبيرين، نظراً لما تحتويه كتبها من أطروحات ثقافية تنتقد الذكورية منحازة إلى النسوية بوصفها الجانب المستضعف والمغلوب في التراث الإنساني عبر التاريخ.
وبحكم تخصصها في الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني تغدو كتبها (تاريخ روما القديمة - الضاحك في روما القديمة - انتصار الرومان ومواجهة الكلاسيكية) بمثابة إعادة تشخيص واستكشاف لما في تلك الآثار الأدبية القديمة من صور ذكورية ترسخت وانتقلت مع حضارات العالم وصارت بمثابة عقبة كأداء كبلت النسوية بتراكمات ذلك الرسوخ التاريخي الذي دق إسفينه في جذور صلبة، تتكئ عليها اليوم المنظومة الثقافية العالمية، حتى أنّ أي محاولة لزحزحة بعض ثوابت هذا الإسفين تبدو عديمة الجدوى إن لم تكن مستحيلة.
وكانت بيرد قد أشارت في كتاب اشتركت في تأليفه مع جون غراهام هندرسون عنوانه (التراث الكلاسيكي مقدمة قصيرة جداً) إلى أن التراث الكلاسيكي ظل كما هو في قوته مؤثراً في الثقافة الغربية، ومشكِّلاً المركز في السياسة الثقافية اليوم، وهو ما جعل المرأة في التراث كما هي اليوم في المعاصرة بلا حقوق سياسية. وقد أخذت بيرد على دارسي التراث الكلاسيكي المعاصرين أنهم (لا يعيبون وحسب على الإغريق والرومان كراهيتهم للنساء... وإنما يستكشفون كيف أن الأدب القديم أبقى على كراهية النساء تلك) (الكتاب، ص46)
وفي كتاب ماري بيرد الجديد (النساء والقوة: مانفيستو) بطبعته الأميركية عام 2017 عن دار ليفرايت ثم بطبعة ثانية بالفرنسية عام 2018 ـ والذي نأمل أن يترجم إلى العربية لأهميته ـ تقف بيرد عند واحد من الآثار الأدبية التراثية الشهيرة ألا وهو ملحمة الأوديسا التي كتبها هوميروس، ممحورة أطروحة كتابها حول قمع المجتمعات الذكورية أصوات النساء منذ ثلاثين قرناً من الزمن، بهدف إبقاء القوة بيد الرجال سلطة وتفوقاً. وهو ما نجد بوادره ظاهرة في شخصيتين من شخصيات الأوديسا هما بينيلوبي وتليماك.
وما تؤكده بيرد في تحليلها لهاتين الشخصيتين أنّ النساء لن يصلن إلى المساواة في الحقوق والواجبات ما دامت سلطة الرجال قائمة ومتسيدة، وهو ما يتطلب تغيير جوهر البنية وليس الإطار العام لها، مبيّنة أنَّ التفكير في قوة النساء أمر مهم، ولا مناص فيه من الإفادة من الآداب اليونانية والرومانية القديمة من أجل تغيير مجتمعاتنا الراهنة التي أخذت تسودها مفاهيم الاندماج والانفتاح والمواطنة العالمية والتعددية الثقافية وحرية الرأي وحقوق الإنسان... وغيرها.
ولن تكون النساء قوة إلا إذا تشكل من أصواتهن (مانفيستو) أي بيان نسوي، به يدخلن القرن الحادي والعشرين، يساعدهن في ذلك ما يشهده هذا القرن من شيوع تكنولوجيا الذكاء الصناعي والتقدم السيبراني وما بعد السيبراني، فضلاً عن الوسائط التفاعلية الرقمية في عالم الإنتريت.
وإذا كانت بيرد تبتغي من النساء أن يكنَّ قوة، فليس معنى ذلك أن يمتلكن السلطة ويتفردن بها فذلك ما تنتقده النساء في الذكورية، بل القوة المقصودة هنا قوة معنوية دلالية وليست مادية عيانية بها تخرج النساء من صمتهن ليكون لهن خطابهن الخاص المعبر عن كينونتهن. بمعنى أن القوة التي تقصدها بيرد هي قوة ناعمة أداتها الصوت - القول وليس اليد - الفعل وصوره العنيفة والتعسفية والخشنة والوحشية التي بها تمكنت الذكورية من فرض سيادتها وتوكيد جبروتها.
وافتتحت المؤلفة كتابها بمقدمة حددت فيها مطلبها وهو أنّ قوة الأجيال فتيات وفتياناً تكمن في المرأة. وتضرب على ذلك مثلاً بوالدتها التي كانت سبباً في لفت انتباهها نحو ما تعانيه المرأة من تضييق حتى لا يكاد يُسمع صوتها مهما علا، متذكرة كيف أن والدتها كانت تأسف أنها لم تذهب إلى الجامعة، وهي التي كانت ترجو أن تكون قادرة على فعل ذلك، وهو ما جعلها تشعر بالإحباط كون وجهة نظرها لم تؤخذ بجدية كما أن صوتها لم يصل كما أملت أن يكون.
وأدركت من ثم أن ليس كل ما يُراد يمكن أن يكون يسيراً في التحقق، وأن المساواة الحقيقية بين الرجال والنساء ما زالت شيئاً كامناً في المستقبل. ورغم كل الدعوات والحركات المطالبة بالمساواة، فإن أوان تلك المساواة لم يحن بعد.
وبناءً على هذه التصورات عكفت ماري بيرد على تأليف كتابها بمحاضرات كتبتها من عام 2014 إلى عام 2017. مبتغية أن يكون عملها فيه واقعاً خارج سياقات المنظومة الذكورية، شارحة لنفسها ولملايين النساء في العالم كيف يكون التساوي محبطاً في الثقافة الغربية بميكيانزمية الصمت النسوي، الذي ينبغي أن يواجه الذكورية بجدية مخلخلاً الهدوء الأدبي الذي تريده مراكز القوة.
وذهبت بيرد إلى أبعد مركز في العالم القديم فوجدته عند الإغريق والرومان، قائلة: «أنا أفكر في اللحظة التي بها خلدت أوديسا هوميروس قبل ثلاثة آلاف سنة مضت» ص3. وقصدها من وراء هذا التفكير مساعدتها في إلقاء الضوء على النسوية حينما كان الصمت خصوصيتها التي كان القدر قد كتبه عليها حتى بات تغييرها في الثقافة الغربية يحتاج إلى آلاف السنين من التمرين.
وابتدأت في الفصل الأول الذي عنونته بـ«صوت النساء العام» من ملحمة الأوديسا كأقدم تقليد من تقاليد الأدب الغربي وأول مثال مسجل فيه مطالبة الرجل للنساء أنْ يصمتن(shut up) لأن أصواتهن لن تُسمع بالعموم.
والملحمة التي بطلها أوديسيوس تعد من أدب المغامرات في العودة إلى الوطن وهي التي ألهمت أسخيلوس كتابة مسرحياته التي وصفها بأنها لا تعدو أن تكون فتاتاً من مأدبة هوميروس، لكن المهم بالنسبة لبيرد في الملحمة شخصيتان الأولى بينيلوبي الزوجة التي تنتظر عودة زوجها أوديسيوس التائه في البحر، مواجهة بدهاء محاولات تزويجها وقد تقدم لخطبتها أكثر من مائة رجل عريق النسب ليكون الذي ستتزوجه هو البازيليوس أي الزعيم. والشخصية الثانية تليماك الابن الذي كان يشكو أمه ويدعوها متحجرة القلب، لائماً إياها على ترك مكانها الحقيقي في القصر واتخاذها القبو مكاناً للحياكة التي متى تنتهي منها ستتزوج الرجل صاحب الرقم الأسعد. وبالمقابل كان لدى بينيلوبي شيء ما يمنعها أن تصمت كمثال أو دليل يؤرخ لبدايات تشكل الثقافة الغربية التي فيها أصوات النساء لا تُسمع على الصعيد العام.
وتأخذ بيرد على هوميروس أنه أسكت المرأة بينما جعل الرجل هو المتكلم الذي يمثل الجزء المتكامل للتعبير والكلام. ومن ذلك الكلمات العملية التي استعملها تليماك وكانت ذات أهمية حين قال: «إن الكلام رجل أعمال ككل الرجال» ص6 بالمعنى الميثولوجي للعبارة وليس بالمعنى الذي يهبط إلى الخرافة والأسطورة. وإن الخطاب الشعري والتدريب عليه طور تليماك من صبي إلى رجل له سلطة، وهو ما تضمنه الكتاب الأول من الملحمة الإغريقية، فضلاً عن إشارات أخرى إلى الخطاب الذكوري بوصفه سلطة عامة لا تستعمل القوة بالمعنى الطيب الذي هو معتاد عند النساء.
وما أثار حفيظة ماري بيرد هو هذه العلاقة بين لحظة الصمت النسوية في الملحمة الهومرية وبين الطرق التي بها لا تُسمَع أصوات النساء بالعموم في الثقافة المعاصرة على مختلف الصعد، بدءاً (من مقعد في العموم البريطاني وانتهاء بأرضية أي متجر أو محل بسيط) ص6. ورأت بيرد أن نظرة عن كثب للعلاقة الثقافية غير الملائمة بين أصوات النساء والصعيد العام لصناعة الكلام أو الخطاب الذكوري نقاشاً وتعليقاً سيتبين أن النساء اللائي يتحدثن خارج نطاق ما هو مراد منهن ما زلن يتعرضن للإساءة والسخرية. وأن أي تساؤل أو خطاب يدعم شعار الأنثوية تطرحه النساء بصوت علاني سيواجه بتهديدات شتى، منها الاغتصاب أو قطع الرأس أو الوضع البينيلوبي في أرضية تيلماكية.
ووجدت في مفهوم (كراهية النساء Misogyny) تشخيصاً لظاهرة الصمت النسوي التي كانت الفورة التليماكية هي أول من بدأتها، لتكون أكثر بروزاً في السياسات المعاصرة على نطاق المؤسسات الرسمية، مؤكدة (أن كراهية النساء وحدها هي الطريقة لوصف ما يجري الآن لكي نعرف حقيقة أن النساء حتى عندما لا يكن صامتات، فإنهن ما زلن يدفعن ثمناً غالياً ليظهرن ويتم سماع ما يُردن) ص8
وبسبب هذا الموقف المناهض للذكورية، قاومت ماري بيرد ـ كما تشير في الخاتمة ـ كثيراً من الإغراءات التي أرادت منها إجراء تغييرات جذرية أو تطوير بعض أفكار المانفيستو الذي طرحته في هذا الكتاب. وهو ما جعلها تعتزم مستقبلاً أن يكون تفكيرها متجهاً نحو إعادة تكوين مفاهيم القوة والسلطة، مركزة على فكرة (القيادة) التي هي صفة ذكورية بينما يفترض الأمر أن تكون مفتاحاً لنجاح المؤسسات من المدارس والجامعات إلى الأعمال والحكومات. ولا يحتاج الأمر جهداً كبيراً للتدليل على أن سطوة الذكورية جعلت النسوية تعاني من أنواع من التعسف والإساءات والإيذاء الجسدي والشرور، لأن ذلك متاح معرفته بسهولة عبر الإنترنت.
ومن الأمثلة التي عرضتها بيرد في كتابها موضع الرصد، مقابلة إذاعية جرت في أثناء الانتخابات البريطانية العامة في صيف 2017 بين رجل وامرأة يمثلان حزبين مختلفين وكيف أن الرجل لم تكن لديه أدنى فكرة عن التمييز العنصري أو تطوير التعليم العالي بينما كانت المرأة عارفة سياسة حزبها لكنها مع ذلك صارت موضع تندر وسخرية، ولم تخل المسألة من بعض العنصرية، مشيرة إلى أنه إذا كان لهذا الرجل فرصة أن يكون أفضل في المرة القادمة، فإن ما هو مؤكد أنه لن تكون لهذه المرأة مرة قادمة أصلاً. وهذا المثال يقودها إلى تأكيد أن لنا في تاريخ العالم القديم دروساً بسيطة عن قيام الجغرافيات السياسية وكيف أن السلطة لا تدوم. وما كان حصل سابقاً عند انهيار الإمبراطورية الرومانية يجعلنا نعرف أن التدخل العسكري الغربي الحديث في أفغانستان والعراق هو فكرة سيئة، وأن النظر بعمق إلى اليونان والرومان سيساعدنا في أن نرى أنفسنا بعمق ونفهم بشكل أفضل كي نفكر كيف نعمل (ص94ـ97) ومن ذلك التفكير باهتمام أكبر بأوديسا هوميروس التي يمكن أن تكون بحسب بيرد جريمة ثقافية إذا نحن قرأناها كقصيدة تستكشف طبيعة الفرق بين الحضارة والبربرية في العودة للوطن والولاء والانتماء لكي نتحقق بشكل فاعل من مسألة كراهية النساء في الغرب.
ومن أجل ذلك وضعت ماري بيرد كتابها (النساء والقوة) مؤكدة أنّ صورة توبيخ تليماك لأمه بنيلوبي حين تجرأت وفتحت فمها علناً ما زالت تتكرر مسرحتها في القرن الحادي والعشرين أيضاً.



لا ترغب في فعل أي شيء؟ 8 خطوات بسيطة قد تساعدك

عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
TT

لا ترغب في فعل أي شيء؟ 8 خطوات بسيطة قد تساعدك

عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)

قد تمرّ بأوقات لا تشعر فيها بأي رغبة في القيام بشيء، حتى إن الأنشطة التي اعتدت الاستمتاع بها لا تبدو جذابة بالنسبة إليك. وربما لا تجد في أي من الخيارات المتاحة ما يثير اهتمامك، بل قد تشعر بالضيق أو الانزعاج من اقتراحات المقرّبين منك، رغم أنها تنبع من نيات طيبة.

ويُعد هذا الشعور طبيعياً من حين إلى آخر، خصوصاً خلال فترات الضغط النفسي أو عندما تتزايد مسؤولياتك وانشغالاتك اليومية.

لكن إذا استمر فقدان الاهتمام، المعروف باسم «اللامبالاة»، أو تراجعت قدرتك على الاستمتاع بالأشياء التي كانت تمنحك المتعة سابقاً، وهي حالة تُعرف باسم «انعدام التلذذ»، فقد يشير ذلك إلى مشكلة أكثر جدية.

ومع ذلك، يكون هذا الشعور مؤقتاً في كثير من الحالات، ويمكن لبعض الخطوات البسيطة أن تساعدك على تجاوزه واستعادة نشاطك تدريجياً، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

1. امنح نفسك استراحة تستعيد خلالها طاقتك

قد يكون عدم رغبتك في القيام بأي شيء أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة.

وإذا كنت معتاداً على الضغط على نفسك باستمرار، فإن الاستجابة لهذه الحاجة ومنح نفسك فرصة للاسترخاء قد يساعدانك على تجنب الاحتراق النفسي.

ويؤدي التعاطف مع الذات دوراً أساسياً في مثل هذه المواقف؛ فمن المهم أن تعترف بحجم الجهد الذي تبذله، وأن تسمح لنفسك بالحصول على بعض الوقت للراحة من دون الشعور بالذنب.

ويمكنك أخذ قيلولة قصيرة، أو تصفح تطبيقات التواصل الاجتماعي المفضلة لديك، أو الاسترخاء تحت غطائك المفضل برفقة حيوانك الأليف، أو ممارسة أي نشاط بسيط يمنحك شعوراً بالهدوء والراحة.

وقد تساعدك الاستراحة على:

- استعادة طاقتك الذهنية والجسدية.

- التفكير بوضوح أكبر وتحسين مستوى أدائك.

- تقليل احتمالات ارتكاب الأخطاء، سواء في العمل أو أثناء القيادة أو في مواقف أخرى.

- الوقاية من الاحتراق النفسي.

وفي هذا السياق، أشارت دراسة أُجريت عام 2019 إلى أن ارتفاع مستويات الاحتراق النفسي لدى الممرضين قد يؤثر في سلامة الأشخاص الذين يتولون رعايتهم.

وهذا يعني أن الحصول على قسط من الراحة لا يعود بالنفع عليك وحدك، بل قد ينعكس إيجاباً أيضاً على الأشخاص المحيطين بك.

2. اخرج إلى الهواء الطلق ولو لدقائق

يمكن لممارسة نشاط بدني خفيف في الهواء الطلق، حتى لو اقتصر على المشي لمدة 10 دقائق حول الحي، أن تساعد على تحسين مزاجك.

وقد أظهرت الأبحاث أن ممارسة التمارين الرياضية ترتبط بمجموعة واسعة من الفوائد الصحية والنفسية، من أبرزها:

- تقليل خطر الإصابة بأمراض مختلفة، بما فيها السكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطان.

- المساعدة على التعامل مع القلق والاكتئاب.

- تعزيز القوة البدنية والتناسق الحركي والمرونة.

- تقوية جهاز المناعة.

- تحسين المزاج وتعزيز الشعور بالرفاه العاطفي.

وفي إحدى الدراسات، حققت الممرضات اللواتي أمضين فترات استراحتهن في حديقة المستشفى نتائج أفضل في اختبارات تقييم الأعراض النفسية المرتبطة بالاحتراق الوظيفي، مقارنة بزميلاتهن اللواتي قضين استراحاتهن داخل المبنى.

وحتى إذا لم تكن لديك رغبة في المشي أو ممارسة الرياضة، فإن مجرد الجلوس على مقعد في مكان مفتوح وقضاء بعض الوقت وسط الطبيعة قد يمنحك فوائد ملموسة.

3. دوّن مشاعرك لفهم أسباب فتورك

قد تساعدك الكتابة اليومية على ترتيب أفكارك ومشاعرك، إذ إن محاولة فهم حالتك العاطفية قد تكشف عن الأسباب الكامنة وراء فقدان رغبتك في القيام بأي شيء.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة إذا استمر شعورك بعدم الرغبة في ممارسة الأنشطة لأكثر من بضعة أيام.

ابدأ بسؤال نفسك عما إذا كنت تشعر بأي من المشاعر التالية:

- القلق أو التوتر أو العصبية بشأن أمر معين.

- الغضب أو الإحباط.

- الحزن أو الوحدة.

- اليأس.

- الشعور بالانفصال عن ذاتك أو العزلة عنها.

فقد يستحوذ أي من هذه المشاعر على تفكيرك، إلى درجة تجعل التركيز على الأنشطة أو المسؤوليات الأخرى أمراً صعباً.

وحاول تدوين ما تشعر به بكلمات بسيطة، حتى لو بدت أفكارك غير مترابطة أو لم تتمكن من التعبير عنها بوضوح كامل.

4. جرّب التأمل لتهدئة ذهنك

قد يبدو التأمل نشاطاً يتطلب منك القيام بشيء، لكن يمكنك النظر إليه باعتباره طريقة واعية ومقصودة لعدم القيام بأي شيء.

وفي عام 2019، شاركت مجموعة من الأشخاص في جلسات تأمل استمرت 13 دقيقة يومياً.

وبعد مرور 8 أسابيع، أظهرت النتائج لديهم مجموعة من التحسينات، شملت:

- انخفاض مستويات التوتر والقلق والمزاج السلبي.

- تعزيز القدرة على التركيز.

- تحسّن الذاكرة العاملة وذاكرة التعرّف.

وقد لا تكون ممارسة التأمل سهلة دائماً، خصوصاً في البداية، لكنها قد تساعدك تدريجياً على ملاحظة مشاعرك وفهمها وتقبّلها من دون إصدار أحكام على نفسك، أو السماح لتلك المشاعر بالتأثير سلباً فيك.

5. تواصل مع صديق أو شخص مقرّب

عندما تفقد الرغبة في القيام بأي شيء، قد يكون التحدث إلى صديق أو جار أو أحد أفراد العائلة وسيلة بسيطة لتحسين حالتك النفسية.

ويمكنك التواصل مع شخص يجيد الاستماع إليك بتفهّم، أو الاكتفاء بمرافقة شخص ترتاح لوجوده في نزهة قصيرة أو قضاء بعض الوقت معه.

وقد أشار بعض الباحثين إلى أن كبار السن الذين يعانون ضعفاً في نشاطهم الاجتماعي قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب.

كما وجدت دراسات أخرى أدلة تشير إلى أن وجود شبكة اجتماعية داعمة قد يساعد على الوقاية من الاكتئاب والتدهور المعرفي، الذي يشمل مشكلات مرتبطة بالتفكير والذاكرة.

ورغم أنك قد تميل إلى الانعزال عندما لا تشعر برغبة في فعل أي شيء، فمن المهم الانتباه إلى عدم استمرار هذه العزلة لفترة طويلة.

فالتخلي عن الأنشطة والعلاقات الاجتماعية قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات على المدى البعيد.

6. استمع إلى الموسيقى المفضلة لديك

قد تساعدك الموسيقى على كسر الصمت ومنح ذهنك شيئاً للانشغال به، خصوصاً عندما لا تكون لديك رغبة في ممارسة الكثير من الأنشطة.

ويمكن للاستماع إلى موسيقاك المفضلة أن يمنحك شعوراً بالهدوء، أو يمدّك بالطاقة والحماس، أو يثير مشاعر أخرى، بحسب نوع الموسيقى التي تفضلها.

ولا تقتصر فوائد الموسيقى المحتملة على تحسين الحالة المزاجية، إذ قد تنعكس إيجاباً أيضاً على وظائف الدماغ، بما في ذلك تعزيز الانتباه والذاكرة.

وتشير بعض الأبحاث كذلك إلى أن الموسيقى قد تسهم في تخفيف الألم والمساعدة على علاج الاكتئاب.

7. ابدأ بإنجاز مهمة منزلية بسيطة

قد تفقد الرغبة في القيام بأي شيء عندما تتراكم أمامك مهام مزعجة أو مملة، مثل الأعمال المنزلية أو دفع الفواتير أو إنجاز المشاوير اليومية.

ومع تزايد هذه المسؤوليات، قد تبدو فكرة البدء في تنفيذها مرهقة وصعبة، حتى لو كانت بعض المهام بسيطة في حد ذاتها.

وفي هذه الحالة، يمكنك البدء بمهمة صغيرة لا تتطلب جهداً ذهنياً أو تركيزاً كبيراً، مثل:

- غسل الأطباق.

- ترتيب السرير.

- تنظيم إحدى الخزائن.

- أخذ كيس من الأغراض التي لم تعد بحاجة إليها إلى إحدى الجمعيات الخيرية.

- إجراء مكالمة هاتفية واحدة.

- تحضير وجبة بسيطة.

- إعادة الملابس المغسولة إلى أماكنها.

- ترتيب سطح المكتب.

وقد يكون إنجاز مهمة واحدة فقط، خصوصاً إذا كنت تؤجلها منذ فترة، كافياً لمنحك شعوراً بالإنجاز، وإتاحة الفرصة لشطبها من قائمة مهامك.

8. ضع جدولاً زمنياً ينظم يومك

إذا كنت تشعر باستمرار بعدم الرغبة في القيام بأي شيء، وتجد صعوبة متكررة في إنجاز الأعمال المنزلية أو الوفاء بمسؤولياتك الأخرى، فقد يساعدك إعداد جدول زمني على تنظيم يومك.

وربما تستخدم بالفعل مفكرة لتسجيل المهام المهمة أو المواعيد التي لا تريد نسيانها، لكن الجدول الزمني يمنحك خطة أكثر وضوحاً وتحديداً لما يمكنك القيام به، حتى خلال الأوقات التي تشعر فيها بفتور الحماس.

وليس من الضروري أن تخطط لكل دقيقة من يومك، إلا إذا وجدت أن ذلك يناسبك، بل يكفي تخصيص فترات زمنية عامة للأنشطة الأساسية، مثل:

- الاستيقاظ من النوم.

- الاستعداد لبدء اليوم.

- تحضير الوجبات.

- إنجاز المهام الدراسية أو المهنية أو المسؤوليات المنزلية.

- لقاء الأصدقاء أو المشاركة في أنشطة اجتماعية أخرى.

- الذهاب إلى النوم.

ومن المهم أيضاً تخصيص وقت للأنشطة التي تستمتع بها، وللقاء الأشخاص الذين تحب قضاء الوقت معهم.

وفي المقابل، حاول ألا تقسو على نفسك إذا لم تتمكن من الالتزام بالجدول الذي وضعته؛ فقد يكون ذلك مجرد مؤشر إلى حاجتك إلى إعادة ترتيب بعض الأولويات، أو تخصيص وقت أطول لإنجاز مهام معينة.


حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
TT

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي»، إن الجدل حول الملصق الترويجي للدورة الجديدة انصبّ على مدى تشابه الصورة مع ملامح الفنانة شادية، وأغفل الدلالة السياسية وراء استدعاء شخصية «فؤادة»، التي جسّدتها في فيلم «شيء من الخوف»، موضحاً أن مشهد فتح الهويس وتدفّق المياه إلى الأراضي يمثل جوهر الفكرة التي أراد المهرجان تقديمها.

وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار الشخصية يرتبط بموقفها في مواجهة حرمان الأهالي من المياه، وما يحمله ذلك من دلالة على الدفاع عن حق المصريين فيها. وأوضح أن المهرجان استند إلى الذاكرة السينمائية المصرية للتعبير عن هذا الموقف، مستحضراً شخصية ارتبطت في وجدان الجمهور بالشجاعة والقدرة على مواجهة الخوف والانتصار للحياة.

وأكد أن الملصق الترويجي سيخضع لتعديل يجعل ملامح شادية أكثر وضوحاً، مع الاحتفاظ بفكرته الأساسية، مشيراً إلى أن النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينتقص من المعنى الذي يستهدفه التصميم؛ إذ ينبغي لملصق مهرجان بحجم مهرجان القاهرة السينمائي وتاريخه أن يحمل رسالة توازي مكانته، وأن يستند اختيار شخصياته وعناصره البصرية إلى فكرة واضحة.

وتعرّضت إدارة مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» لانتقادات عقب الكشف عن الملصق الترويجي للدورة الجديدة، بسبب عدم تطابق ملامح الصورة مع الملامح الحقيقية للفنانة شادية.

وتدور أحداث فيلم «شيء من الخوف» حول «فؤادة»، التي تتحدى سطوة «عتريس»، وتفتح الهويس لتصل المياه إلى أراضي الفلاحين، بعدما حُرِموا منها عقاباً لهم، فيتحول موقفها إلى تحدٍّ للخوف الذي يسيطر على القرية. والفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب ثروت أباظة، وأخرجه حسين كمال، وعُرض عام 1969، وهو من بطولة شادية ومحمود مرسي. ويأتي استحضار الفيلم مجدداً في ظل الأزمة بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل.

الملصق الترويجي للمهرجان (إدارة المهرجان)

وأبدى حسين فهمي تقديره للتصميمات البديلة التي تداولها مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبراً أن احتفاظ عدد منها بشخصية «فؤادة» يعكس وصول الفكرة إلى أصحابها. لكنه أشار إلى أن ما أحزنه هو اختزال النقاش في ملامح الوجه، من دون التوقف عند البعد السياسي لاختيار الشخصية، أو دلالة موقفها في الفيلم الذي استلهم منه الملصق رسالته.

ونفى فهمي أن تكون الانتقادات قد أصابته بالإحباط، مؤكداً تمسكه بحرية النقد وإبداء الرأي، وأن اختلافه مع بعض التعليقات لا ينتقص من حق أصحابها في التعبير عنها. وشدد على أن تبادل الأفكار لا يشترط انتهاء النقاش إلى اتفاق، إذ يحق لكل طرف الاحتفاظ بقناعته، مع إتاحة المجال لعرض وجهات النظر ومناقشتها بحرية.

وعن اختيار أفلام الدورة الجديدة، قال حسين فهمي إن المهرجان يكتسب ثقلاً متزايداً عاماً بعد آخر، وهو ما انعكس على علاقته بصناع الأفلام ورغبتهم في المشاركة فيه. ولفت إلى أن استقطاب الأعمال أصبح أقل صعوبة مقارنة بالسابق، بعدما بات بعض السينمائيين يفضلون عرض أفلامهم في القاهرة، ويحتفظون بها انتظاراً للمشاركة في المهرجان، عاداً أن ذلك نتيجة للمصداقية التي راكمها المهرجان.

وأضاف أن «هذا الإقبال منح إدارة المهرجان خيارات أوسع، ودفعها إلى الاعتذار عن عدم ضم عدد من الأعمال»، مؤكداً أن «الأولوية تظل للمستوى الفني، وأن كثرة الأفلام المتاحة تفرض مزيداً من التدقيق والمفاضلة، للوصول إلى برنامج يعبر عن قيمة المهرجان، ويحافظ على ثقة الجمهور وصناع السينما في اختياراته».

وتضم الدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، المقررة إقامتها خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، نحو 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، بينها 17 عرضاً عالمياً أول، و5 عروض دولية أولى، و87 عرضاً أول في العالم العربي. وتأتي هذه الاختيارات بعدما استقبل المهرجان 5600 طلب مشاركة، توزعت بين 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 طلب للأفلام القصيرة.

يمنح المهرجان جائزة فاتن حمامة للفنان المصري آسر ياسين (إدارة المهرجان)

وربط فهمي بين تطور برنامج المهرجان والحضور المستمر في المهرجانات الدولية، مثل «برلين» و«كان»، موضحاً أن هذه المشاركات تتيح له لقاء صناع الأفلام، والتعرف إلى مشروعاتهم، ومتابعة أعمالهم في مراحل مبكرة. وأضاف أن التواصل المباشر يساعد على بناء علاقات ممتدة، ويفتح المجال لمناقشة مشاركات محتملة، إلى جانب التعريف بأنشطة مهرجان القاهرة وما يتيحه للسينمائيين من فرص للقاء الجمهور.

وأشار إلى أن هذه اللقاءات تشمل أيضاً التواصل مع الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام، واستعراض ما قدمه المهرجان في دوراته السابقة، بما في ذلك المبادرات الموجهة إلى الطلاب. وأكد أن النقاش يمتد إلى دور المهرجان في نشر الثقافة السينمائية، وإتاحة المعرفة وفرص المشاهدة لفئات قد لا تتوافر لها إمكانات منتظمة لمتابعة الأفلام والفعاليات.

ووفقاً لفهمي، تسعى إدارة المهرجان باستمرار إلى تطوير أنشطة جديدة، لافتاً إلى أن تبادل الخبرات مع رؤساء المهرجانات الأخرى يساعد على مناقشة هذه الأفكار وتوسيع أثرها، ومشيراً إلى أن بعض المبادرات التي يقدمها المهرجان تثير اهتمام زملائه في الخارج.

وفيما يتعلق بترميم كلاسيكيات السينما المصرية، قال فهمي إن اختيار الأفلام يستند إلى قيمتها الفنية، وأهمية مخرجيها وكتّابها، ومكانتها في تاريخ السينما المصرية، موضحاً أن مشروع الترميم شمل هذا العام نحو 6 أفلام، من بينها «شفيقة القبطية»، و«المتمردون»، و«البوسطجي»، و«إحنا التلامذة».

وعن تمويل المهرجان، أقرّ فهمي بأن الظروف الاقتصادية والحروب في المنطقة تزيدان من صعوبة الحصول على الرعاية، لكنه أشار إلى استمرار التعاون مع عدد من الرعاة السابقين، بالتوازي مع التفاوض مع جهات أخرى.

وأكد استمرار مقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل، موضحاً أن إدارة المهرجان تعتذر عن عدم قبول عروض الرعاية المقدمة من هذه الجهات، وتواصل التعاون مع شركات مصرية وطنية. وأشار إلى أن هذا الموقف يظل حاكماً لاختيارات الرعاية، رغم التحديات التي تواجه توفير التمويل، والحاجة المستمرة إلى دعم يضمن تقديم الفعاليات بالمستوى الذي تسعى إليه الإدارة.


رزان الصغير... من ذاكرة الأحساء إلى شاشات السينما العالمية

صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
TT

رزان الصغير... من ذاكرة الأحساء إلى شاشات السينما العالمية

صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)

من حنان امرأة لم ترزق بالأطفال، لكنها منحت طفلةً شعورَ الأمومة والأمان، ولدت حكاية سينمائية شقت طريقها من الأحساء إلى مهرجان الجونة السينمائي في مصر. تلك الطفلة هي المخرجة السعودية رزان الصغير، التي استعادت علاقتها بعمّة والدتها الراحلة لتقدم فيلمها القصير «ولد الحجية»، محوّلة تجربة شخصية رافقتها لسنوات إلى حكاية إنسانية عن الطفولة والفراق والأشخاص الذين يتركون أثرهم في حياتنا.

لم تكن الصغير تبحث عن قصة تستعرض من خلالها المكان الذي نشأت فيه، بقدر ما أرادت استعادة شعور يصعب الإمساك به؛ ذلك المزيج من الحرية والحنان الذي عاشته في طفولتها. وتوضح المخرجة السعودية في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن فكرة الفيلم بدأت من تساؤلات رافقتها حول علاقتها بعمّة والدتها، وكيف استطاعت امرأة لم ترزق بالأطفال أن تمنحها إحساساً بالأمومة، وتوفر لها مساحة تشعر فيها بحرية مطلقة، دون أن تفقد في الوقت نفسه شعورها بالأمان.

الملصق الرسمي لفيلم «ولد الحجية» من إخراج رزان الصغير (إنستغرام)

ومن هذه العلاقة ولدت حكاية الطفل «حمد»، ذي السنوات السبع، الذي يقضي يومه الأخير في القرية برفقة عمّة والدته، قبل أن يغادر العالم الصغير الذي نشأ فيه وألفه. ولا يتوقف مشهد الوداع في الفيلم على لحظة مغادرة المكان، بل يمتد للتحولات النفسية العميقة التي يختبرها الإنسان حين يبتعد عمّن منحه الأمان في سنواته الأولى.

وتوضح الصغير أن اختيارها لهذا اليوم الأخير جاء بوصفه استعارة للفراق والتغيّر، سواء أكان الابتعاد عن شخص عزيز، أو مكان مألوف، أو مرحلة من الطفولة. وعلى الرغم من تصوير العمل في الأحساء، فإنها تعمّدت عدم تحديد موقع القرية جغرافياً داخل الحكاية، ليبقى المكان امتداداً لذاكرتها، وقابلاً لأن يجد فيه الآخرون شيئاً من ذكرياتهم.

صورة تشبه الذاكرة

لم تكتفِ المخرجة باستعادة طفولتها عبر النص، بل اختارت للصورة أيضاً ما يتناسب مع طبيعة الحكاية، مستخدمة خام الفيلم السينمائي بقياس 16 ملليمتراً، في قرار أضاف تحديات تقنية إلى عملية الإنتاج.

وتشير إلى أن التصوير بهذه التقنية، خلافاً للتصوير الرقمي، يتطلب تحميض الخام ومسحه ضوئياً قبل مشاهدة النتيجة، لكنها تمسكت باختيارها لما تحمله الصورة التناظرية من إحساس بالحنين والذاكرة، وهما العنصران اللذان يقوم عليهما الفيلم.

أما التحدي الآخر فكان العمل مع الطفل سعود الراشدي، الذي يؤدي شخصية «حمد»، إذ حرصت على ألا يشعر بأنه مطالب بتقديم أداء تمثيلي طوال الوقت. وتقول إن الفريق سعى إلى خلق بيئة طبيعية ومريحة، حتى أصبح الطفل صديقاً لجميع أفراد العمل، وانعكست تلك الألفة على عفويته أمام الكاميرا.

صورة تجمع طاقم عمل فيلم «ولد الحجية» (الشرق الأوسط)

ويشارك في بطولة الفيلم خيرية نظمي، إلى جانب إبراهيم الحساوي، وعلي الأحمد، وحسن العاشور، فيما تولّى إنتاجه بكر الدحيم، ضمن إنتاج سعودي هولندي مشترك، بدعم من مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» وصندوق البحر الأحمر.

من التجربة إلى صناعة الحكاية

لم تكن «ولد الحجية» المحطة الأولى في مسيرة الصغير، لكنها مثّلت تحولاً في علاقتها بصناعة الأفلام. ففي عام 2019، شاركت في برنامج تدريبي نظّمه «إثراء» بالتعاون مع معهد الفيلم البريطاني، وأنجزت خلاله فيلم «نَفَس»، الذي شكّل إحدى تجاربها الإخراجية المبكرة.

تستعيد المخرجة تلك التجربة بوصفها مرحلة لاكتشاف أدواتها الفنية، فبينما كان النص جاهزاً، ولم يستغرق التصوير سوى نحو أسبوع، انصبّ تركيزها على التعلم والتعامل مع الممثلين وفريق العمل.

أما مشروع «ولد الحجية» فكان مشروعاً أكثر خصوصية إذ تولت كتابته بنفسها، واستغرقت رحلته من تطوير السيناريو إلى التصوير قرابة عامين، تزامناً مع دراستها للماجستير. وبعد انتهاء دراستها، تفرغت للتحضيرات، من اختيار الممثلين ومواقع التصوير إلى متابعة التفاصيل الفنية للعمل.

تقول إن فيلم «نَفَس» أتاح لها اكتشاف نفسها كمخرجة، بينما منحها «ولد الحجية» فرصة خوض تجربة متكاملة، من الكتابة حتى مراحل ما بعد الإنتاج، فضلاً عن مساحة أوسع لتقديم رؤيتها الخاصة.

وتكشف تجربتها عن دور برامج التدريب والدعم السينمائي السعودية في مرافقة صناع الأفلام خلال مراحل تطورهم، من التجارب التعليمية الأولى إلى إنجاز مشاريع مستقلة قادرة على الوصول إلى المهرجانات.

حكاية محلية بمشاعر عالمية

بين فرنسا وبريطانيا وهولندا، تنقلت الصغير لاكتساب المعرفة السينمائية، فدرست في مدرسة «لا فيميس» الفرنسية بدعم من المجلس السعودي للأفلام آنذاك، وفي بريطانيا بدعم من «إثراء»، قبل أن تكمل الماجستير في الدراسات السينمائية بجامعة أمستردام عبر برنامج الابتعاث الثقافي.

غير أن هذا التنوع في المدارس والخبرات لم يدفعها بعيداً عن الحكايات المحلية، بل عزّز قناعتها بأن خصوصية المكان ليست عائقاً أمام وصول الفيلم إلى جمهور عالمي.