300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

الناخبون العرب يريدون دوراً مؤثراً على السياسة الإسرائيلية عبر «القائمة المشتركة»

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس
TT

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

لقد فشل بنيامين نتنياهو في الفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية مرتين، لكنه نجح في البقاء رئيس حكومة 11 شهراً زيادة على المدة التي منحها له الناخبون عام 2015. نتنياهو لم يصبح فقط رئيس حكومة لأطول مدة، أكثر حتى من زعيم الحركة الصهيونية ومؤسس الدولة العبرية، ديفيد بن غوريون، بل بات رئيس الحكومة الوحيد الذي تمكّن من تمديد دورة حكمه من أربع إلى خمس سنوات. وعلى الرغم من وعود خصومه بأنهم لن يسمحوا بانتخابات رابعة هذه المرة، فإن الزعيم الليكودي المتشدد يخطط لرقم قياسي جديد: فإما يفوز بالحكم لأربع سنوات أخرى، وإما يحقق مكسباً أشد تواضعاً فيحافظ على النتيجة المتوازنة الحالية وعلى استمرار أزمة الحكم ويمدد سلطته بأشهر أخرى عدة، ويجرّ إسرائيل لانتخابات رابعة.
كل هذا، يحدث رغم الأزمة الشديدة التي يعانيها جهاز التعليم تحت قيادته، والأزمة الأشد التي يعانيها الجهاز الصحي، ومع أن خصومه يتهمونه بتقوية حركة «حماس» ودفع «الخاوة» لها حتى تخفف من إطلاق الصواريخ... والأنكى من ذلك، وجود ثلاث لوائح اتهام بالفساد جاهزة لدى النيابة ضده، في بنود خطيرة تشتمل على تلقي رشى، وممارسة الاحتيال، وخيانة الأمانة.

لكي يفوز بالجائزة الأكبر، أي الانتصار في الانتخابات والفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية، يحتاج بنيامين نتنياهو إلى زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة بثلاثمائة ألف صوت، من 1.113 مليون إلى 1.4 مليون.
الأرقام نفسها تنطبق على منافس نتنياهو، بيني غانتس. فحزب الجنرالات «كحول لفان» (أزرق أبيض) الذي يقوده حصل في الانتخابات الأخيرة على 1.15 مليون صوت. وهكذا، فهو أيضاً يحتاج إلى 300 ألف صوت إضافية حتى ينهي عهد نتنياهو.
من إدارة نتنياهو وغانتس للمعركة، حتى الآن، يتضح أن كلاً منهما يسعى لسحب الأصوات من المعسكر الآخر. الأول يحاول مهاجمة غانتس على أنه يسار يتخفى بشكل يميني ليبرالي، ويحاول سحب أصوات من قوى اليمين التي انتقلت إليه. وغانتس يحاول إطلاق خطاب يميني ليجتذب الأصوات من معسكر الليكود. الخبراء يؤكدون أن كليهما يخطئ الهدف ويبتعد عنه. فالمخزون الحقيقي الذي يمكن لكل واحد منهما تحصيل الأصوات هو في مجموعة الناخبين التي تمتنع عن التصويت. ففي الانتخابات الأخيرة، التي أجرت يوم 17 سبتمبر (أيلول) 2019 بلغت نسبة التصويت عموماً في إسرائيل 69.8 في المائة، في حين بلغت في 2015 نحو 72 في المائة. وعليه، إذا تمكن أي منهما أن يرفع النسبة ويعيدها إلى ما كانت عليه في العقود الماضية، فإن عدد الناخبين سيرتفع بأكثر من 300 ألف صوت. وللعلم، في السنوات الخمسين الأولى لإسرائيل تراوحت نسبة التصويت ما بين 78.7 في المائة في سنة 1999 و86.9 في المائة عام 1949.

- فرصة نتنياهو
هل يستطيع بنيامين نتنياهو حقاً أن يزيد عدد أصوات حزبه (الليكود) بثلاثمائة ألف صوت؟
على هذا السؤال توجد إجابة واضحة وقاطعة في حزبه، هي: نعم يستطيع، رغم وقوف قسم كبير من الصحافة ضده ورغم وجود حزب منافس من الوزن الثقيل، في مواجهته. فالليكود حصل على 1.14 مليون صوت فقط في الانتخابات قبل الأخيرة، يوم 9 أبريل (نيسان) 2019، ولقد خسر في انتخابات سبتمبر 300 ألف صوت وما عليه سوى أن يستعيدها.
في محيط نتنياهو واثقون من أنه إذا تحرك بشكل جدي ووصل إلى جمهور الناخبين في البيوت والساحات، بخطاباته الشهيرة ومهاراته العالية، فسيستطيع ذلك. السبب أن جمهور اليمين يحبه لدرجة التبجيل. وسكان الأرياف يعشقونه. واليهود الشرقيون يرون فيه بطلاً قومياً. واليهود الروس يمنحونه أكثر من ثلث قوتهم. والشرائح الوسطى من المجتمع يعطونه نصف أصواتهم. وإذا كانت قضية الفساد عقبة أمام المثقفين، فإن الشرائح الضعيفة، التي تبغض الشرطة وتكره المحاكم وتعتبر الجهاز القضائي الإسرائيلي بعيداً عن النزاهة، يرون فيه ضحية للمؤسسة وينسون أنه منذ 11 سنة كان نتنياهو هو نفسه المؤسسة. إنهم يتفرجون عليه وهو يخطب في الأمم المتحدة أو أمام الكونغرس الأميركي ويُسحرون. يشاهدونه يلتقي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويرونه كيف يستطيع أن يجلب إلى إسرائيل زعماء 46 دولة بينهم 4 ملوك و26 رئيساً وينبهرون.
لكن منافسي نتنياهو ليسوا خصماً سهلاً. حزبهم هو «حزب جنرالات»؛ إذ يضم أربعة رؤساء أركان سابقين للجيش وجنرالات آخرين عدة. يحظى بأصوات الأثرياء والمثقفين ومعظم أولئك الذين يفتشون عن تغيير جذري للسياسة الإسرائيلية. وقد أثبت أنه قادر على جلب كمية هائلة من الناخبين. عمره سنة واحدة، خاض خلالها معركتي انتخابات وتحول إلى أكبر حزب في إسرائيل.
صحيح أن قائده لا يتمتع بـ«الكاريزما» التي يتمتع بها نتنياهو، ولا يجيد الخطابة مثل نتنياهو، ولا يتقن الألاعيب الحزبية ولا يتسم بالحرارة الشعبية، لكنه رغم ذلك يتعلم الدروس ويحسن الأداء ويقلّص الهوة مع رئيس الحكومة اليميني. وفي آخر استطلاع للرأي، لأول مرة منذ سنة، قال 40 في المائة من الإسرائيليين، إن غانتس هو رئيس حكومتهم المفضل، وهو الرقم نفسه الذي حصل عليه نتنياهو.
هذا يعني أن غانتس يستطيع، موضوعياً أن يتغلب على غريمه؛ إذا أفلح في فك سر المجتمع الإسرائيلي والضرب على الوتر الصحيح. ومن ثم، فالمعركة الانتخابية الثالثة ينبغي أن تكون حاسمة.

- ما بين الأصل والتقليد
مع هذا، مشكلة غانتس، وفقاً لعشرات الخبراء، أنه يؤمن بأنه يستطيع سحب أصوات من اليمين. هذا خطأ فاحش، وقع فيه كثير من قادة الوسط واليسار، الذين حاولوا إسقاط حكم اليمين منذ عام 1977 وفشلوا. فلقد تبنوا خطاب اليمين وراحوا ينافسونه في ملعبه... بينما جمهور اليمين يفضل «اليمين الأصلي» على «اليمين المُقلد».
آخر مثل على ذلك حصل هذا الأسبوع، عندما نصب نتنياهو فخاً لغانتس فوقع هذا فيه بسهولة هو وجنرالاته الآخرون. إذ لاحظ نتنياهو أن غانتس يركّز حملته الانتخابية على موضوع الفساد، ويصرّ على دعوة الهيئة العامة للكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، الذي حلّ نفسه، من أجل البحث في طلب نتنياهو الحصول على حصانة برلمانية. هذا الموضوع محرج له ويضعفه لأنه يبرز كونه فاسداً جانياً يحاول التهرّب من المحكمة. ولذا قرّر حرف النقاش إلى موضوع آخر. وطرح اقتراحاً بأن يبحث الكنيست، ليس فقط الحصانة، بل أيضاً مشروع قانون لضم غور الأردن وشمالي البحر الميت إلى إسرائيل.
ماذا فعل غانتس؟ أخذ قادة حزبه الجنرالات في جولة في غور الأردن وأعلن من هناك أن «غور الأردن هو السور الواقي الشرقي لدولة إسرائيل في كل (سيناريو) مستقبلي. وسنعمل على تطبيق السيادة في غور الأردن، بعملية وطنية متفق عليها، وبالتنسيق مع المجتمع الدولي».
هنا، انقض نتنياهو على تصريحات غانتس هذه، مدركاً أن خصمه وقع في الفخ الذي نصبه له. فصرح بأنه يحيي غانتس على تصريحه وسيدخله في امتحان ليرى إن كان صادقاً. وقال له: «تعال نترجم هذه الأقوال إلى فعل عملي ونقرّر معاً بأكثرية 100 عضو كنيست ضم غور الأردن والبحر الميت».
هنا انتبه غانتس إلى المطب وراح يصحّح تصريحه، وخرج رفاقه في قيادة «كحول لفان» يرقّعون وراءه: «نتنياهو يحكم منذ 11 سنة وكانت لديه حكومة يمين ذات أكثرية، فلماذا لم يقرّر ضم غور الأردن؟»، و«نحن لم نقل إننا نريد ضم غور الأردن فوراً... بل أكدنا أن الأمر سيتم بالتنسيق مع المجتمع الدولي». لكن الضرر كان قد حصل، وبدا فيه غانتس بائساً ضعيفاً وفاشلاً في تقليد نتنياهو.

- الصحافة تنتقد سذاجة غانتس
وحقاً، حفلت الصحافة الإسرائيلية بالتعليقات التي سخرت من تصرّفه. وكتب بن درور يميني، المعلق السياسي في «يديعوت أحرونوت» معلقاً: «منذ أكثر من عقد وبنيامين نتنياهو رئيس للوزراء. ومنذ عشرات كثيرة من السنين واليمين في الحكم. وحتى اليوم، ويا للعجب، لم يكبّد اليمين نفسه عناء ضم غور الأردن. اليمين يعرف لماذا. وقد طرأ التغيير قبل بضعة أيام من الانتخابات السابقة. في مؤتمر صحافي غريب، أعلن نتنياهو فجأة عن أنه ينوي ضم الغور. قبل بضعة أيام بالذات من الانتخابات؟ فجأة تذكر؟ كان واضحاً أن هذه حيلة انتخابية. مرت أشهر، ولم يتم الضم. لأن الضم سيئ لإسرائيل. سيئ جداً. حتى اليوم كان يمكن لإسرائيل أن تدّعي بأن السيطرة في الضفة الغربية ليست إلى الأبد. فقد تلقى الفلسطينيون المزيد فالمزيد من عروض السلام، التي تضمنت إقامة دولة فلسطينية على نحو 95 في المائة من المناطق، بما في ذلك تبادل الأراضي؛ ما كان سيمنحهم 100 في المائة، بما في ذلك تقسيم القدس. لكنهم قالوا لا. هذه الـ«لا» الدائمة، منحت إسرائيل مبرراً مهماً لمواصلة السيطرة في الضفة. لقد فهم نتنياهو على نحو ممتاز لماذا لم يرغب أي واحد من أسلافه في الضم، وهو لأنه بدلاً من اتهام الفلسطينيين، سيقع الذنب على إسرائيل. لكن يوجد نتنياهو جديد، يحرص أكثر على نتنياهو مما على إسرائيل. هذه حيلة سياسية. نتنياهو يعرف بأن هذا سيئ. لكن إلى الجحيم بإسرائيل. المهم أن يكون ممكناً إحراج «كحول لفان». ويتبين أن الحزب الذي يدعي بأنه بديل لحكومة اليمين دخل في رأس مفتوح إلى الفخ. لماذا يحتاج غانتس إلى أن يعلن بأنه يؤيد الضم، حتى وإن كان بعد الانتخابات؟ فهل هو الآخر يحتاج إلى أن ينضم إلى هذه السخافة؟ لدى رؤساء هذا الحزب بضعة أيام كي يصحوا. لا حاجة إلى الدخول إلى الفخ. لا حاجة إلى السير في درب نتنياهو. هناك حاجة إلى قول لا واضحة وحازمة للضم. لقد فهم اليمين هذا لسنوات طويلة جداً. ويفترض بغانتس أيضاً أن يفهم هذا».

- سقطة... ومناسبة تاريخية
جاءت هذه السقطة عند غانتس في وقت كان نتنياهو يحتفل باستقبال زعماء العالم، في حدث سياسي ضخم وغير مسبوق في تاريخ إسرائيل والدول عموماً. ذلك؛ فجمع مثل هذا العدد الضخم في بلد صغير مثل إسرائيل ليس بالحدث العادي. ولقد استغله نتنياهو حتى النهاية لمصلحته الحزبية. وهو يخطّط لمزيد من هذه الحركات، التي تعتبر في السوق السياسية «ضربات معلم»، لا يستهان بها. وإذا كان غانتس يريد أن يخرج من هذه المعركة فائزاً، ولا يخسر ما حقّقه من أصوات، لا بد أن يفتّش عن طرح سياسي مغاير، يأخذ المعركة الانتخابية إلى مكانها الحقيقي. والمسألة ليست صعبة. تحتاج فقط إلى أن يتذكر غانتس لماذا جاء إلى السياسة. لماذا تأسس حزبه «كحول لفان». ولماذا دخل هذا الحشد الكبير من الجنرالات إلى عالم السياسة بواسطة حزب واحد.
النائب أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة»، قال إن «على غانتس أن يأتي بخطاب سياسي مختلف يحمل فيه الأمل للشعب في إسرائيل وليس الأوهام». وصحيفة «هآرتس» أنشأت مقالاً افتتاحياً قالت فيه، إن «أيمن عودة أصاب كبد الحقيقة في انتقاده لغانتس». والمناصرون لإحداث تغيير في إسرائيل، يقولون إن «حكومة نتنياهو تضيع على إسرائيل فرصة تاريخية لتثبيت وجودها في الشرق الأوسط وتقيم سلاماً مع جميع الدول العربية، بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين يقوم على أساس حل الدولتين». ويعتبرون ذلك بمثابة مساس بالمصالح الاستراتيجية لإسرائيل. ويقولون إن المواجهة مع إيران مهمة، لكنها ستبدو أقوى وأفضل إذا تمت في إطار تحالف إقليمي، وربما يستطيع تحالف إقليمي كهذا أن يجعل الإيرانيين يستيقظون ويوقفون مشاريع الهيمنة والتوسع. وعندما يطرح خطاباً كهذا، يستطيع توشيحه بالكثير من بوارق الأمل للمواطن الإسرائيلي، فيتعهد بتوفير ميزانيات أكبر للتعليم وللصحة وللعلوم وللثقافة، إضافة إلى محاربة الفساد.

> العرب نحو إنجاز آخر؟

- لقد وضع قادة «القائمة المشتركة»، التي تضم الأحزاب العربية، هدفاً لهم في هذه المعركة الانتخابية هو أن يرفعوا عدد ممثليهم في الكنيست من 13 إلى 15 نائباً، وبذا يزيدون من تأثيرهم.
ثمة أكثر من استطلاع رأي يشير إلى احتمال جيد للارتفاع مقعداً واحداً على الأقل. لكن المسألة ليست هيّنة. فمن أجل الارتفاع إلى هذا العدد من النواب، يجب رفع نسبة التصويت بين الناخبين العرب، على الأقل لتصبح بنسبة التصويت نفسها لدى اليهود. والحال، أن نسبة الناخبين العرب كانت دائماً منخفضة عن نسبة اليهود. في انتخابات أبريل الماضي صوّت فقط 49 في المائة منهم، وكان ذلك تعبيراً عن احتجاج الجمهور على تفكيك «القائمة المشتركة». ففي حينه خاض العرب الانتخابات بقائمتين منفصلتين، واحدة تحالفت فيها «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» برئاسة أيمن عودة مع «الحركة العربية للتغيير» برئاسة أحمد الطيبي، والأخرى تحالفت فيها «الحركة الإسلامية» برئاسة منصور عباس مع «التجمع الوطني» برئاسة امطانس شحادة. ورد الجمهور على ذلك بضربتين: الامتناع عن التصويت جزئياً، فمن نسبة تصويت بلغت 62 في المائة في 2015 إلى 49 في المائة هذه المرة. ثم إن مَن صوّتوا منحوا 30 في المائة من أصواتهم للأحزاب اليهودية. وهكذا، هبط تمثيل العرب من 13 إلى 10 نواب.
لكن، في انتخابات سبتمبر صحّحت الأحزاب الموقف وعادت لتشكيل «القائمة المشتركة» من جديد. فارتفعت النسبة إلى 60 في المائة. وصوّت 80 في المائة منهم لها، و20 في المائة للأحزاب اليهودية. وارتفع عدد ممثلي العرب إلى 13 مقعداً من جديد. وهكذا، لزيادة هذا التمثيل، ينبغي أولاً أن يصوّت العرب بنسبة التصويت نفسها عند اليهود، وفي حالة كهذه يمكنهم الوصول إلى ما هو أكثر من 15 مقعداً.

- التأثير على الحلبة السياسية
لكن القضية التي تشغل بال المواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيي 48)، هي التأثير على الحلبة السياسية. فعام 1993، كان عدد ممثليهم في الكنيست خمسة نواب فقط، هم: نواب «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»: الشاعر الوطني توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة، ومعه هاشم محاميد، رئيس بلدية أم الفحم سابقاً، والكاتبة الشيوعية تمار غوجانسكي، وممثلان عن «الحزب الديمقراطي العربي» عبد الوهاب دراوشة وطلب الصانع. لكن ظروف الأزمة السياسية يومها، جعلت رئيس الحكومة إسحق رابين يلجأ إليهم لتشكيل تحالف خارج الائتلاف. فاتفقوا معه على أن يقيموا «جسماً سياسياً مانعاً» يمنع اليمين من إسقاط حكومته، مقابل تعهده بتقليص هوة التمييز، والشروع بتحقيق المساواة للمواطنين العرب، مع تعهد آخر بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً يدير معها رابين مفاوضات السلام. وهكذا نشأت المفاوضات لاتفاق أوسلو.
اليوم، وبعد نقاشات داخلية طاحنة في «القائمة المشتركة»، يطرح النواب العرب مشروعاً مماثلاً مع بيني غانتس. وقد أوصوا عليه ليكون رئيساً للحكومة مقابل خطة مساواة أخرى. ووافق غانتس على قسم كبير من مطالبهم، ووضعها ضمن برنامج حزبه السياسي قبيل الانتخابات. وهم وضعوا أنفسهم في المعسكر الذي يمنع نتنياهو من تشكيل حكومة.
حصلت «القائمة المشتركة» على 470611 صوتاً تشكل 80 في المائة من أصوات العرب، إضافة إلى نحو 10 آلاف صوت من الوسط اليهودي في الانتخابات الأخيرة. ومنح العرب فقط 20 في المائة من أصواتهم للأحزاب اليهودية. وكان أكبر الخاسرين من هذه النتيجة حزب ميرتس اليساري، الذي حصل في انتخابات أبريل على 40 ألف صوّت من العرب، وبفضلها حافظ على بقائه، لكنه تراجع إلى 15 ألف صوت في الانتخابات الأخيرة. لذا؛ فإنه وضع مرشحه العربي، عيساوي فريج، في مكان غير مضمون هذه المرة (المرتبة الـ11)، فرد الأخير بغضب متهماً القيادة بالعنصرية.
في المقابل، حصل «كحول لفان» بقيادة غانتس على أكبر عدد من الأصوات العربية في انتخابات سبتمبر (35 ألفاً)، أي ما يعادل مقعداً واحداً. وحصل حزب العمل على 9787 صوتاً في البلدات العربية، وحزب اليهود الروس «يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان على 9785 صوتاً (وهو يفرد مقعداً ثابتاً للعرب يشغله النائب حمد عمّار)، والليكود 6803 أصوات (هو أيضاً يفرد مكاناً لمرشح عربي في المرتبة الـ33 ويشغله فطين ملاّ)، وحزب «شاس» على 6133 صوتاً.
هذه النتائج تعني أن العرب ما زالوا يؤمنون بأن تأثيرهم على السياسة الإسرائيلية يأتي من خلال قائمة خاصة بهم، هي «القائمة المشتركة»، ولا يثقون بالتأثير من خلال الأحزاب اليهودية. وحسب استطلاعات الرأي يريد 82 في المائة من المواطنين العرب إيجاد شكل من أشكال التعاون مع الائتلاف الحاكم ليحدث التأثير. ويقول 72 في المائة إنهم يؤيدون بناء جسم مانع ضد حكم اليمين. ويقول 64 في المائة من العرب إنهم يؤيدون الدخول في الحكومة إذا كانت تلك حكومة وسط ويسار.
ولقد استجاب النائب أيمن عودة، رئيس «المشتركة»، لرغبة المواطنين عندما أبدى الاستعداد للدخول في تعاون ما مع الائتلاف. لكن هذه المسألة لم تنضج بعد في الأحزاب اليهودية، كما يجب، وتحدث خلافاً داخل «القائمة المشتركة» نفسها. فتصريحات عودة تنسجم مع قسم فقط من «الجبهة» التي يمثلها، وتلقى تجاوباً من «الحركة العربية للتغيير» ومن «الحركة الإسلامية»، بينما يعارضها غالبية حزب «التجمع» وقسم من «الجبهة»... لذلك؛ فإن التقدم فيها يبدو بطيئاً.


مقالات ذات صلة

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة،

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.