300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

الناخبون العرب يريدون دوراً مؤثراً على السياسة الإسرائيلية عبر «القائمة المشتركة»

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس
TT

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

لقد فشل بنيامين نتنياهو في الفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية مرتين، لكنه نجح في البقاء رئيس حكومة 11 شهراً زيادة على المدة التي منحها له الناخبون عام 2015. نتنياهو لم يصبح فقط رئيس حكومة لأطول مدة، أكثر حتى من زعيم الحركة الصهيونية ومؤسس الدولة العبرية، ديفيد بن غوريون، بل بات رئيس الحكومة الوحيد الذي تمكّن من تمديد دورة حكمه من أربع إلى خمس سنوات. وعلى الرغم من وعود خصومه بأنهم لن يسمحوا بانتخابات رابعة هذه المرة، فإن الزعيم الليكودي المتشدد يخطط لرقم قياسي جديد: فإما يفوز بالحكم لأربع سنوات أخرى، وإما يحقق مكسباً أشد تواضعاً فيحافظ على النتيجة المتوازنة الحالية وعلى استمرار أزمة الحكم ويمدد سلطته بأشهر أخرى عدة، ويجرّ إسرائيل لانتخابات رابعة.
كل هذا، يحدث رغم الأزمة الشديدة التي يعانيها جهاز التعليم تحت قيادته، والأزمة الأشد التي يعانيها الجهاز الصحي، ومع أن خصومه يتهمونه بتقوية حركة «حماس» ودفع «الخاوة» لها حتى تخفف من إطلاق الصواريخ... والأنكى من ذلك، وجود ثلاث لوائح اتهام بالفساد جاهزة لدى النيابة ضده، في بنود خطيرة تشتمل على تلقي رشى، وممارسة الاحتيال، وخيانة الأمانة.

لكي يفوز بالجائزة الأكبر، أي الانتصار في الانتخابات والفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية، يحتاج بنيامين نتنياهو إلى زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة بثلاثمائة ألف صوت، من 1.113 مليون إلى 1.4 مليون.
الأرقام نفسها تنطبق على منافس نتنياهو، بيني غانتس. فحزب الجنرالات «كحول لفان» (أزرق أبيض) الذي يقوده حصل في الانتخابات الأخيرة على 1.15 مليون صوت. وهكذا، فهو أيضاً يحتاج إلى 300 ألف صوت إضافية حتى ينهي عهد نتنياهو.
من إدارة نتنياهو وغانتس للمعركة، حتى الآن، يتضح أن كلاً منهما يسعى لسحب الأصوات من المعسكر الآخر. الأول يحاول مهاجمة غانتس على أنه يسار يتخفى بشكل يميني ليبرالي، ويحاول سحب أصوات من قوى اليمين التي انتقلت إليه. وغانتس يحاول إطلاق خطاب يميني ليجتذب الأصوات من معسكر الليكود. الخبراء يؤكدون أن كليهما يخطئ الهدف ويبتعد عنه. فالمخزون الحقيقي الذي يمكن لكل واحد منهما تحصيل الأصوات هو في مجموعة الناخبين التي تمتنع عن التصويت. ففي الانتخابات الأخيرة، التي أجرت يوم 17 سبتمبر (أيلول) 2019 بلغت نسبة التصويت عموماً في إسرائيل 69.8 في المائة، في حين بلغت في 2015 نحو 72 في المائة. وعليه، إذا تمكن أي منهما أن يرفع النسبة ويعيدها إلى ما كانت عليه في العقود الماضية، فإن عدد الناخبين سيرتفع بأكثر من 300 ألف صوت. وللعلم، في السنوات الخمسين الأولى لإسرائيل تراوحت نسبة التصويت ما بين 78.7 في المائة في سنة 1999 و86.9 في المائة عام 1949.

- فرصة نتنياهو
هل يستطيع بنيامين نتنياهو حقاً أن يزيد عدد أصوات حزبه (الليكود) بثلاثمائة ألف صوت؟
على هذا السؤال توجد إجابة واضحة وقاطعة في حزبه، هي: نعم يستطيع، رغم وقوف قسم كبير من الصحافة ضده ورغم وجود حزب منافس من الوزن الثقيل، في مواجهته. فالليكود حصل على 1.14 مليون صوت فقط في الانتخابات قبل الأخيرة، يوم 9 أبريل (نيسان) 2019، ولقد خسر في انتخابات سبتمبر 300 ألف صوت وما عليه سوى أن يستعيدها.
في محيط نتنياهو واثقون من أنه إذا تحرك بشكل جدي ووصل إلى جمهور الناخبين في البيوت والساحات، بخطاباته الشهيرة ومهاراته العالية، فسيستطيع ذلك. السبب أن جمهور اليمين يحبه لدرجة التبجيل. وسكان الأرياف يعشقونه. واليهود الشرقيون يرون فيه بطلاً قومياً. واليهود الروس يمنحونه أكثر من ثلث قوتهم. والشرائح الوسطى من المجتمع يعطونه نصف أصواتهم. وإذا كانت قضية الفساد عقبة أمام المثقفين، فإن الشرائح الضعيفة، التي تبغض الشرطة وتكره المحاكم وتعتبر الجهاز القضائي الإسرائيلي بعيداً عن النزاهة، يرون فيه ضحية للمؤسسة وينسون أنه منذ 11 سنة كان نتنياهو هو نفسه المؤسسة. إنهم يتفرجون عليه وهو يخطب في الأمم المتحدة أو أمام الكونغرس الأميركي ويُسحرون. يشاهدونه يلتقي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويرونه كيف يستطيع أن يجلب إلى إسرائيل زعماء 46 دولة بينهم 4 ملوك و26 رئيساً وينبهرون.
لكن منافسي نتنياهو ليسوا خصماً سهلاً. حزبهم هو «حزب جنرالات»؛ إذ يضم أربعة رؤساء أركان سابقين للجيش وجنرالات آخرين عدة. يحظى بأصوات الأثرياء والمثقفين ومعظم أولئك الذين يفتشون عن تغيير جذري للسياسة الإسرائيلية. وقد أثبت أنه قادر على جلب كمية هائلة من الناخبين. عمره سنة واحدة، خاض خلالها معركتي انتخابات وتحول إلى أكبر حزب في إسرائيل.
صحيح أن قائده لا يتمتع بـ«الكاريزما» التي يتمتع بها نتنياهو، ولا يجيد الخطابة مثل نتنياهو، ولا يتقن الألاعيب الحزبية ولا يتسم بالحرارة الشعبية، لكنه رغم ذلك يتعلم الدروس ويحسن الأداء ويقلّص الهوة مع رئيس الحكومة اليميني. وفي آخر استطلاع للرأي، لأول مرة منذ سنة، قال 40 في المائة من الإسرائيليين، إن غانتس هو رئيس حكومتهم المفضل، وهو الرقم نفسه الذي حصل عليه نتنياهو.
هذا يعني أن غانتس يستطيع، موضوعياً أن يتغلب على غريمه؛ إذا أفلح في فك سر المجتمع الإسرائيلي والضرب على الوتر الصحيح. ومن ثم، فالمعركة الانتخابية الثالثة ينبغي أن تكون حاسمة.

- ما بين الأصل والتقليد
مع هذا، مشكلة غانتس، وفقاً لعشرات الخبراء، أنه يؤمن بأنه يستطيع سحب أصوات من اليمين. هذا خطأ فاحش، وقع فيه كثير من قادة الوسط واليسار، الذين حاولوا إسقاط حكم اليمين منذ عام 1977 وفشلوا. فلقد تبنوا خطاب اليمين وراحوا ينافسونه في ملعبه... بينما جمهور اليمين يفضل «اليمين الأصلي» على «اليمين المُقلد».
آخر مثل على ذلك حصل هذا الأسبوع، عندما نصب نتنياهو فخاً لغانتس فوقع هذا فيه بسهولة هو وجنرالاته الآخرون. إذ لاحظ نتنياهو أن غانتس يركّز حملته الانتخابية على موضوع الفساد، ويصرّ على دعوة الهيئة العامة للكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، الذي حلّ نفسه، من أجل البحث في طلب نتنياهو الحصول على حصانة برلمانية. هذا الموضوع محرج له ويضعفه لأنه يبرز كونه فاسداً جانياً يحاول التهرّب من المحكمة. ولذا قرّر حرف النقاش إلى موضوع آخر. وطرح اقتراحاً بأن يبحث الكنيست، ليس فقط الحصانة، بل أيضاً مشروع قانون لضم غور الأردن وشمالي البحر الميت إلى إسرائيل.
ماذا فعل غانتس؟ أخذ قادة حزبه الجنرالات في جولة في غور الأردن وأعلن من هناك أن «غور الأردن هو السور الواقي الشرقي لدولة إسرائيل في كل (سيناريو) مستقبلي. وسنعمل على تطبيق السيادة في غور الأردن، بعملية وطنية متفق عليها، وبالتنسيق مع المجتمع الدولي».
هنا، انقض نتنياهو على تصريحات غانتس هذه، مدركاً أن خصمه وقع في الفخ الذي نصبه له. فصرح بأنه يحيي غانتس على تصريحه وسيدخله في امتحان ليرى إن كان صادقاً. وقال له: «تعال نترجم هذه الأقوال إلى فعل عملي ونقرّر معاً بأكثرية 100 عضو كنيست ضم غور الأردن والبحر الميت».
هنا انتبه غانتس إلى المطب وراح يصحّح تصريحه، وخرج رفاقه في قيادة «كحول لفان» يرقّعون وراءه: «نتنياهو يحكم منذ 11 سنة وكانت لديه حكومة يمين ذات أكثرية، فلماذا لم يقرّر ضم غور الأردن؟»، و«نحن لم نقل إننا نريد ضم غور الأردن فوراً... بل أكدنا أن الأمر سيتم بالتنسيق مع المجتمع الدولي». لكن الضرر كان قد حصل، وبدا فيه غانتس بائساً ضعيفاً وفاشلاً في تقليد نتنياهو.

- الصحافة تنتقد سذاجة غانتس
وحقاً، حفلت الصحافة الإسرائيلية بالتعليقات التي سخرت من تصرّفه. وكتب بن درور يميني، المعلق السياسي في «يديعوت أحرونوت» معلقاً: «منذ أكثر من عقد وبنيامين نتنياهو رئيس للوزراء. ومنذ عشرات كثيرة من السنين واليمين في الحكم. وحتى اليوم، ويا للعجب، لم يكبّد اليمين نفسه عناء ضم غور الأردن. اليمين يعرف لماذا. وقد طرأ التغيير قبل بضعة أيام من الانتخابات السابقة. في مؤتمر صحافي غريب، أعلن نتنياهو فجأة عن أنه ينوي ضم الغور. قبل بضعة أيام بالذات من الانتخابات؟ فجأة تذكر؟ كان واضحاً أن هذه حيلة انتخابية. مرت أشهر، ولم يتم الضم. لأن الضم سيئ لإسرائيل. سيئ جداً. حتى اليوم كان يمكن لإسرائيل أن تدّعي بأن السيطرة في الضفة الغربية ليست إلى الأبد. فقد تلقى الفلسطينيون المزيد فالمزيد من عروض السلام، التي تضمنت إقامة دولة فلسطينية على نحو 95 في المائة من المناطق، بما في ذلك تبادل الأراضي؛ ما كان سيمنحهم 100 في المائة، بما في ذلك تقسيم القدس. لكنهم قالوا لا. هذه الـ«لا» الدائمة، منحت إسرائيل مبرراً مهماً لمواصلة السيطرة في الضفة. لقد فهم نتنياهو على نحو ممتاز لماذا لم يرغب أي واحد من أسلافه في الضم، وهو لأنه بدلاً من اتهام الفلسطينيين، سيقع الذنب على إسرائيل. لكن يوجد نتنياهو جديد، يحرص أكثر على نتنياهو مما على إسرائيل. هذه حيلة سياسية. نتنياهو يعرف بأن هذا سيئ. لكن إلى الجحيم بإسرائيل. المهم أن يكون ممكناً إحراج «كحول لفان». ويتبين أن الحزب الذي يدعي بأنه بديل لحكومة اليمين دخل في رأس مفتوح إلى الفخ. لماذا يحتاج غانتس إلى أن يعلن بأنه يؤيد الضم، حتى وإن كان بعد الانتخابات؟ فهل هو الآخر يحتاج إلى أن ينضم إلى هذه السخافة؟ لدى رؤساء هذا الحزب بضعة أيام كي يصحوا. لا حاجة إلى الدخول إلى الفخ. لا حاجة إلى السير في درب نتنياهو. هناك حاجة إلى قول لا واضحة وحازمة للضم. لقد فهم اليمين هذا لسنوات طويلة جداً. ويفترض بغانتس أيضاً أن يفهم هذا».

- سقطة... ومناسبة تاريخية
جاءت هذه السقطة عند غانتس في وقت كان نتنياهو يحتفل باستقبال زعماء العالم، في حدث سياسي ضخم وغير مسبوق في تاريخ إسرائيل والدول عموماً. ذلك؛ فجمع مثل هذا العدد الضخم في بلد صغير مثل إسرائيل ليس بالحدث العادي. ولقد استغله نتنياهو حتى النهاية لمصلحته الحزبية. وهو يخطّط لمزيد من هذه الحركات، التي تعتبر في السوق السياسية «ضربات معلم»، لا يستهان بها. وإذا كان غانتس يريد أن يخرج من هذه المعركة فائزاً، ولا يخسر ما حقّقه من أصوات، لا بد أن يفتّش عن طرح سياسي مغاير، يأخذ المعركة الانتخابية إلى مكانها الحقيقي. والمسألة ليست صعبة. تحتاج فقط إلى أن يتذكر غانتس لماذا جاء إلى السياسة. لماذا تأسس حزبه «كحول لفان». ولماذا دخل هذا الحشد الكبير من الجنرالات إلى عالم السياسة بواسطة حزب واحد.
النائب أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة»، قال إن «على غانتس أن يأتي بخطاب سياسي مختلف يحمل فيه الأمل للشعب في إسرائيل وليس الأوهام». وصحيفة «هآرتس» أنشأت مقالاً افتتاحياً قالت فيه، إن «أيمن عودة أصاب كبد الحقيقة في انتقاده لغانتس». والمناصرون لإحداث تغيير في إسرائيل، يقولون إن «حكومة نتنياهو تضيع على إسرائيل فرصة تاريخية لتثبيت وجودها في الشرق الأوسط وتقيم سلاماً مع جميع الدول العربية، بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين يقوم على أساس حل الدولتين». ويعتبرون ذلك بمثابة مساس بالمصالح الاستراتيجية لإسرائيل. ويقولون إن المواجهة مع إيران مهمة، لكنها ستبدو أقوى وأفضل إذا تمت في إطار تحالف إقليمي، وربما يستطيع تحالف إقليمي كهذا أن يجعل الإيرانيين يستيقظون ويوقفون مشاريع الهيمنة والتوسع. وعندما يطرح خطاباً كهذا، يستطيع توشيحه بالكثير من بوارق الأمل للمواطن الإسرائيلي، فيتعهد بتوفير ميزانيات أكبر للتعليم وللصحة وللعلوم وللثقافة، إضافة إلى محاربة الفساد.

> العرب نحو إنجاز آخر؟

- لقد وضع قادة «القائمة المشتركة»، التي تضم الأحزاب العربية، هدفاً لهم في هذه المعركة الانتخابية هو أن يرفعوا عدد ممثليهم في الكنيست من 13 إلى 15 نائباً، وبذا يزيدون من تأثيرهم.
ثمة أكثر من استطلاع رأي يشير إلى احتمال جيد للارتفاع مقعداً واحداً على الأقل. لكن المسألة ليست هيّنة. فمن أجل الارتفاع إلى هذا العدد من النواب، يجب رفع نسبة التصويت بين الناخبين العرب، على الأقل لتصبح بنسبة التصويت نفسها لدى اليهود. والحال، أن نسبة الناخبين العرب كانت دائماً منخفضة عن نسبة اليهود. في انتخابات أبريل الماضي صوّت فقط 49 في المائة منهم، وكان ذلك تعبيراً عن احتجاج الجمهور على تفكيك «القائمة المشتركة». ففي حينه خاض العرب الانتخابات بقائمتين منفصلتين، واحدة تحالفت فيها «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» برئاسة أيمن عودة مع «الحركة العربية للتغيير» برئاسة أحمد الطيبي، والأخرى تحالفت فيها «الحركة الإسلامية» برئاسة منصور عباس مع «التجمع الوطني» برئاسة امطانس شحادة. ورد الجمهور على ذلك بضربتين: الامتناع عن التصويت جزئياً، فمن نسبة تصويت بلغت 62 في المائة في 2015 إلى 49 في المائة هذه المرة. ثم إن مَن صوّتوا منحوا 30 في المائة من أصواتهم للأحزاب اليهودية. وهكذا، هبط تمثيل العرب من 13 إلى 10 نواب.
لكن، في انتخابات سبتمبر صحّحت الأحزاب الموقف وعادت لتشكيل «القائمة المشتركة» من جديد. فارتفعت النسبة إلى 60 في المائة. وصوّت 80 في المائة منهم لها، و20 في المائة للأحزاب اليهودية. وارتفع عدد ممثلي العرب إلى 13 مقعداً من جديد. وهكذا، لزيادة هذا التمثيل، ينبغي أولاً أن يصوّت العرب بنسبة التصويت نفسها عند اليهود، وفي حالة كهذه يمكنهم الوصول إلى ما هو أكثر من 15 مقعداً.

- التأثير على الحلبة السياسية
لكن القضية التي تشغل بال المواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيي 48)، هي التأثير على الحلبة السياسية. فعام 1993، كان عدد ممثليهم في الكنيست خمسة نواب فقط، هم: نواب «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»: الشاعر الوطني توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة، ومعه هاشم محاميد، رئيس بلدية أم الفحم سابقاً، والكاتبة الشيوعية تمار غوجانسكي، وممثلان عن «الحزب الديمقراطي العربي» عبد الوهاب دراوشة وطلب الصانع. لكن ظروف الأزمة السياسية يومها، جعلت رئيس الحكومة إسحق رابين يلجأ إليهم لتشكيل تحالف خارج الائتلاف. فاتفقوا معه على أن يقيموا «جسماً سياسياً مانعاً» يمنع اليمين من إسقاط حكومته، مقابل تعهده بتقليص هوة التمييز، والشروع بتحقيق المساواة للمواطنين العرب، مع تعهد آخر بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً يدير معها رابين مفاوضات السلام. وهكذا نشأت المفاوضات لاتفاق أوسلو.
اليوم، وبعد نقاشات داخلية طاحنة في «القائمة المشتركة»، يطرح النواب العرب مشروعاً مماثلاً مع بيني غانتس. وقد أوصوا عليه ليكون رئيساً للحكومة مقابل خطة مساواة أخرى. ووافق غانتس على قسم كبير من مطالبهم، ووضعها ضمن برنامج حزبه السياسي قبيل الانتخابات. وهم وضعوا أنفسهم في المعسكر الذي يمنع نتنياهو من تشكيل حكومة.
حصلت «القائمة المشتركة» على 470611 صوتاً تشكل 80 في المائة من أصوات العرب، إضافة إلى نحو 10 آلاف صوت من الوسط اليهودي في الانتخابات الأخيرة. ومنح العرب فقط 20 في المائة من أصواتهم للأحزاب اليهودية. وكان أكبر الخاسرين من هذه النتيجة حزب ميرتس اليساري، الذي حصل في انتخابات أبريل على 40 ألف صوّت من العرب، وبفضلها حافظ على بقائه، لكنه تراجع إلى 15 ألف صوت في الانتخابات الأخيرة. لذا؛ فإنه وضع مرشحه العربي، عيساوي فريج، في مكان غير مضمون هذه المرة (المرتبة الـ11)، فرد الأخير بغضب متهماً القيادة بالعنصرية.
في المقابل، حصل «كحول لفان» بقيادة غانتس على أكبر عدد من الأصوات العربية في انتخابات سبتمبر (35 ألفاً)، أي ما يعادل مقعداً واحداً. وحصل حزب العمل على 9787 صوتاً في البلدات العربية، وحزب اليهود الروس «يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان على 9785 صوتاً (وهو يفرد مقعداً ثابتاً للعرب يشغله النائب حمد عمّار)، والليكود 6803 أصوات (هو أيضاً يفرد مكاناً لمرشح عربي في المرتبة الـ33 ويشغله فطين ملاّ)، وحزب «شاس» على 6133 صوتاً.
هذه النتائج تعني أن العرب ما زالوا يؤمنون بأن تأثيرهم على السياسة الإسرائيلية يأتي من خلال قائمة خاصة بهم، هي «القائمة المشتركة»، ولا يثقون بالتأثير من خلال الأحزاب اليهودية. وحسب استطلاعات الرأي يريد 82 في المائة من المواطنين العرب إيجاد شكل من أشكال التعاون مع الائتلاف الحاكم ليحدث التأثير. ويقول 72 في المائة إنهم يؤيدون بناء جسم مانع ضد حكم اليمين. ويقول 64 في المائة من العرب إنهم يؤيدون الدخول في الحكومة إذا كانت تلك حكومة وسط ويسار.
ولقد استجاب النائب أيمن عودة، رئيس «المشتركة»، لرغبة المواطنين عندما أبدى الاستعداد للدخول في تعاون ما مع الائتلاف. لكن هذه المسألة لم تنضج بعد في الأحزاب اليهودية، كما يجب، وتحدث خلافاً داخل «القائمة المشتركة» نفسها. فتصريحات عودة تنسجم مع قسم فقط من «الجبهة» التي يمثلها، وتلقى تجاوباً من «الحركة العربية للتغيير» ومن «الحركة الإسلامية»، بينما يعارضها غالبية حزب «التجمع» وقسم من «الجبهة»... لذلك؛ فإن التقدم فيها يبدو بطيئاً.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.