300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

الناخبون العرب يريدون دوراً مؤثراً على السياسة الإسرائيلية عبر «القائمة المشتركة»

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس
TT

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

300 ألف صوت إضافية يحلم بها كل من نتنياهو وغانتس

لقد فشل بنيامين نتنياهو في الفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية مرتين، لكنه نجح في البقاء رئيس حكومة 11 شهراً زيادة على المدة التي منحها له الناخبون عام 2015. نتنياهو لم يصبح فقط رئيس حكومة لأطول مدة، أكثر حتى من زعيم الحركة الصهيونية ومؤسس الدولة العبرية، ديفيد بن غوريون، بل بات رئيس الحكومة الوحيد الذي تمكّن من تمديد دورة حكمه من أربع إلى خمس سنوات. وعلى الرغم من وعود خصومه بأنهم لن يسمحوا بانتخابات رابعة هذه المرة، فإن الزعيم الليكودي المتشدد يخطط لرقم قياسي جديد: فإما يفوز بالحكم لأربع سنوات أخرى، وإما يحقق مكسباً أشد تواضعاً فيحافظ على النتيجة المتوازنة الحالية وعلى استمرار أزمة الحكم ويمدد سلطته بأشهر أخرى عدة، ويجرّ إسرائيل لانتخابات رابعة.
كل هذا، يحدث رغم الأزمة الشديدة التي يعانيها جهاز التعليم تحت قيادته، والأزمة الأشد التي يعانيها الجهاز الصحي، ومع أن خصومه يتهمونه بتقوية حركة «حماس» ودفع «الخاوة» لها حتى تخفف من إطلاق الصواريخ... والأنكى من ذلك، وجود ثلاث لوائح اتهام بالفساد جاهزة لدى النيابة ضده، في بنود خطيرة تشتمل على تلقي رشى، وممارسة الاحتيال، وخيانة الأمانة.

لكي يفوز بالجائزة الأكبر، أي الانتصار في الانتخابات والفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية، يحتاج بنيامين نتنياهو إلى زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة بثلاثمائة ألف صوت، من 1.113 مليون إلى 1.4 مليون.
الأرقام نفسها تنطبق على منافس نتنياهو، بيني غانتس. فحزب الجنرالات «كحول لفان» (أزرق أبيض) الذي يقوده حصل في الانتخابات الأخيرة على 1.15 مليون صوت. وهكذا، فهو أيضاً يحتاج إلى 300 ألف صوت إضافية حتى ينهي عهد نتنياهو.
من إدارة نتنياهو وغانتس للمعركة، حتى الآن، يتضح أن كلاً منهما يسعى لسحب الأصوات من المعسكر الآخر. الأول يحاول مهاجمة غانتس على أنه يسار يتخفى بشكل يميني ليبرالي، ويحاول سحب أصوات من قوى اليمين التي انتقلت إليه. وغانتس يحاول إطلاق خطاب يميني ليجتذب الأصوات من معسكر الليكود. الخبراء يؤكدون أن كليهما يخطئ الهدف ويبتعد عنه. فالمخزون الحقيقي الذي يمكن لكل واحد منهما تحصيل الأصوات هو في مجموعة الناخبين التي تمتنع عن التصويت. ففي الانتخابات الأخيرة، التي أجرت يوم 17 سبتمبر (أيلول) 2019 بلغت نسبة التصويت عموماً في إسرائيل 69.8 في المائة، في حين بلغت في 2015 نحو 72 في المائة. وعليه، إذا تمكن أي منهما أن يرفع النسبة ويعيدها إلى ما كانت عليه في العقود الماضية، فإن عدد الناخبين سيرتفع بأكثر من 300 ألف صوت. وللعلم، في السنوات الخمسين الأولى لإسرائيل تراوحت نسبة التصويت ما بين 78.7 في المائة في سنة 1999 و86.9 في المائة عام 1949.

- فرصة نتنياهو
هل يستطيع بنيامين نتنياهو حقاً أن يزيد عدد أصوات حزبه (الليكود) بثلاثمائة ألف صوت؟
على هذا السؤال توجد إجابة واضحة وقاطعة في حزبه، هي: نعم يستطيع، رغم وقوف قسم كبير من الصحافة ضده ورغم وجود حزب منافس من الوزن الثقيل، في مواجهته. فالليكود حصل على 1.14 مليون صوت فقط في الانتخابات قبل الأخيرة، يوم 9 أبريل (نيسان) 2019، ولقد خسر في انتخابات سبتمبر 300 ألف صوت وما عليه سوى أن يستعيدها.
في محيط نتنياهو واثقون من أنه إذا تحرك بشكل جدي ووصل إلى جمهور الناخبين في البيوت والساحات، بخطاباته الشهيرة ومهاراته العالية، فسيستطيع ذلك. السبب أن جمهور اليمين يحبه لدرجة التبجيل. وسكان الأرياف يعشقونه. واليهود الشرقيون يرون فيه بطلاً قومياً. واليهود الروس يمنحونه أكثر من ثلث قوتهم. والشرائح الوسطى من المجتمع يعطونه نصف أصواتهم. وإذا كانت قضية الفساد عقبة أمام المثقفين، فإن الشرائح الضعيفة، التي تبغض الشرطة وتكره المحاكم وتعتبر الجهاز القضائي الإسرائيلي بعيداً عن النزاهة، يرون فيه ضحية للمؤسسة وينسون أنه منذ 11 سنة كان نتنياهو هو نفسه المؤسسة. إنهم يتفرجون عليه وهو يخطب في الأمم المتحدة أو أمام الكونغرس الأميركي ويُسحرون. يشاهدونه يلتقي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويرونه كيف يستطيع أن يجلب إلى إسرائيل زعماء 46 دولة بينهم 4 ملوك و26 رئيساً وينبهرون.
لكن منافسي نتنياهو ليسوا خصماً سهلاً. حزبهم هو «حزب جنرالات»؛ إذ يضم أربعة رؤساء أركان سابقين للجيش وجنرالات آخرين عدة. يحظى بأصوات الأثرياء والمثقفين ومعظم أولئك الذين يفتشون عن تغيير جذري للسياسة الإسرائيلية. وقد أثبت أنه قادر على جلب كمية هائلة من الناخبين. عمره سنة واحدة، خاض خلالها معركتي انتخابات وتحول إلى أكبر حزب في إسرائيل.
صحيح أن قائده لا يتمتع بـ«الكاريزما» التي يتمتع بها نتنياهو، ولا يجيد الخطابة مثل نتنياهو، ولا يتقن الألاعيب الحزبية ولا يتسم بالحرارة الشعبية، لكنه رغم ذلك يتعلم الدروس ويحسن الأداء ويقلّص الهوة مع رئيس الحكومة اليميني. وفي آخر استطلاع للرأي، لأول مرة منذ سنة، قال 40 في المائة من الإسرائيليين، إن غانتس هو رئيس حكومتهم المفضل، وهو الرقم نفسه الذي حصل عليه نتنياهو.
هذا يعني أن غانتس يستطيع، موضوعياً أن يتغلب على غريمه؛ إذا أفلح في فك سر المجتمع الإسرائيلي والضرب على الوتر الصحيح. ومن ثم، فالمعركة الانتخابية الثالثة ينبغي أن تكون حاسمة.

- ما بين الأصل والتقليد
مع هذا، مشكلة غانتس، وفقاً لعشرات الخبراء، أنه يؤمن بأنه يستطيع سحب أصوات من اليمين. هذا خطأ فاحش، وقع فيه كثير من قادة الوسط واليسار، الذين حاولوا إسقاط حكم اليمين منذ عام 1977 وفشلوا. فلقد تبنوا خطاب اليمين وراحوا ينافسونه في ملعبه... بينما جمهور اليمين يفضل «اليمين الأصلي» على «اليمين المُقلد».
آخر مثل على ذلك حصل هذا الأسبوع، عندما نصب نتنياهو فخاً لغانتس فوقع هذا فيه بسهولة هو وجنرالاته الآخرون. إذ لاحظ نتنياهو أن غانتس يركّز حملته الانتخابية على موضوع الفساد، ويصرّ على دعوة الهيئة العامة للكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، الذي حلّ نفسه، من أجل البحث في طلب نتنياهو الحصول على حصانة برلمانية. هذا الموضوع محرج له ويضعفه لأنه يبرز كونه فاسداً جانياً يحاول التهرّب من المحكمة. ولذا قرّر حرف النقاش إلى موضوع آخر. وطرح اقتراحاً بأن يبحث الكنيست، ليس فقط الحصانة، بل أيضاً مشروع قانون لضم غور الأردن وشمالي البحر الميت إلى إسرائيل.
ماذا فعل غانتس؟ أخذ قادة حزبه الجنرالات في جولة في غور الأردن وأعلن من هناك أن «غور الأردن هو السور الواقي الشرقي لدولة إسرائيل في كل (سيناريو) مستقبلي. وسنعمل على تطبيق السيادة في غور الأردن، بعملية وطنية متفق عليها، وبالتنسيق مع المجتمع الدولي».
هنا، انقض نتنياهو على تصريحات غانتس هذه، مدركاً أن خصمه وقع في الفخ الذي نصبه له. فصرح بأنه يحيي غانتس على تصريحه وسيدخله في امتحان ليرى إن كان صادقاً. وقال له: «تعال نترجم هذه الأقوال إلى فعل عملي ونقرّر معاً بأكثرية 100 عضو كنيست ضم غور الأردن والبحر الميت».
هنا انتبه غانتس إلى المطب وراح يصحّح تصريحه، وخرج رفاقه في قيادة «كحول لفان» يرقّعون وراءه: «نتنياهو يحكم منذ 11 سنة وكانت لديه حكومة يمين ذات أكثرية، فلماذا لم يقرّر ضم غور الأردن؟»، و«نحن لم نقل إننا نريد ضم غور الأردن فوراً... بل أكدنا أن الأمر سيتم بالتنسيق مع المجتمع الدولي». لكن الضرر كان قد حصل، وبدا فيه غانتس بائساً ضعيفاً وفاشلاً في تقليد نتنياهو.

- الصحافة تنتقد سذاجة غانتس
وحقاً، حفلت الصحافة الإسرائيلية بالتعليقات التي سخرت من تصرّفه. وكتب بن درور يميني، المعلق السياسي في «يديعوت أحرونوت» معلقاً: «منذ أكثر من عقد وبنيامين نتنياهو رئيس للوزراء. ومنذ عشرات كثيرة من السنين واليمين في الحكم. وحتى اليوم، ويا للعجب، لم يكبّد اليمين نفسه عناء ضم غور الأردن. اليمين يعرف لماذا. وقد طرأ التغيير قبل بضعة أيام من الانتخابات السابقة. في مؤتمر صحافي غريب، أعلن نتنياهو فجأة عن أنه ينوي ضم الغور. قبل بضعة أيام بالذات من الانتخابات؟ فجأة تذكر؟ كان واضحاً أن هذه حيلة انتخابية. مرت أشهر، ولم يتم الضم. لأن الضم سيئ لإسرائيل. سيئ جداً. حتى اليوم كان يمكن لإسرائيل أن تدّعي بأن السيطرة في الضفة الغربية ليست إلى الأبد. فقد تلقى الفلسطينيون المزيد فالمزيد من عروض السلام، التي تضمنت إقامة دولة فلسطينية على نحو 95 في المائة من المناطق، بما في ذلك تبادل الأراضي؛ ما كان سيمنحهم 100 في المائة، بما في ذلك تقسيم القدس. لكنهم قالوا لا. هذه الـ«لا» الدائمة، منحت إسرائيل مبرراً مهماً لمواصلة السيطرة في الضفة. لقد فهم نتنياهو على نحو ممتاز لماذا لم يرغب أي واحد من أسلافه في الضم، وهو لأنه بدلاً من اتهام الفلسطينيين، سيقع الذنب على إسرائيل. لكن يوجد نتنياهو جديد، يحرص أكثر على نتنياهو مما على إسرائيل. هذه حيلة سياسية. نتنياهو يعرف بأن هذا سيئ. لكن إلى الجحيم بإسرائيل. المهم أن يكون ممكناً إحراج «كحول لفان». ويتبين أن الحزب الذي يدعي بأنه بديل لحكومة اليمين دخل في رأس مفتوح إلى الفخ. لماذا يحتاج غانتس إلى أن يعلن بأنه يؤيد الضم، حتى وإن كان بعد الانتخابات؟ فهل هو الآخر يحتاج إلى أن ينضم إلى هذه السخافة؟ لدى رؤساء هذا الحزب بضعة أيام كي يصحوا. لا حاجة إلى الدخول إلى الفخ. لا حاجة إلى السير في درب نتنياهو. هناك حاجة إلى قول لا واضحة وحازمة للضم. لقد فهم اليمين هذا لسنوات طويلة جداً. ويفترض بغانتس أيضاً أن يفهم هذا».

- سقطة... ومناسبة تاريخية
جاءت هذه السقطة عند غانتس في وقت كان نتنياهو يحتفل باستقبال زعماء العالم، في حدث سياسي ضخم وغير مسبوق في تاريخ إسرائيل والدول عموماً. ذلك؛ فجمع مثل هذا العدد الضخم في بلد صغير مثل إسرائيل ليس بالحدث العادي. ولقد استغله نتنياهو حتى النهاية لمصلحته الحزبية. وهو يخطّط لمزيد من هذه الحركات، التي تعتبر في السوق السياسية «ضربات معلم»، لا يستهان بها. وإذا كان غانتس يريد أن يخرج من هذه المعركة فائزاً، ولا يخسر ما حقّقه من أصوات، لا بد أن يفتّش عن طرح سياسي مغاير، يأخذ المعركة الانتخابية إلى مكانها الحقيقي. والمسألة ليست صعبة. تحتاج فقط إلى أن يتذكر غانتس لماذا جاء إلى السياسة. لماذا تأسس حزبه «كحول لفان». ولماذا دخل هذا الحشد الكبير من الجنرالات إلى عالم السياسة بواسطة حزب واحد.
النائب أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة»، قال إن «على غانتس أن يأتي بخطاب سياسي مختلف يحمل فيه الأمل للشعب في إسرائيل وليس الأوهام». وصحيفة «هآرتس» أنشأت مقالاً افتتاحياً قالت فيه، إن «أيمن عودة أصاب كبد الحقيقة في انتقاده لغانتس». والمناصرون لإحداث تغيير في إسرائيل، يقولون إن «حكومة نتنياهو تضيع على إسرائيل فرصة تاريخية لتثبيت وجودها في الشرق الأوسط وتقيم سلاماً مع جميع الدول العربية، بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين يقوم على أساس حل الدولتين». ويعتبرون ذلك بمثابة مساس بالمصالح الاستراتيجية لإسرائيل. ويقولون إن المواجهة مع إيران مهمة، لكنها ستبدو أقوى وأفضل إذا تمت في إطار تحالف إقليمي، وربما يستطيع تحالف إقليمي كهذا أن يجعل الإيرانيين يستيقظون ويوقفون مشاريع الهيمنة والتوسع. وعندما يطرح خطاباً كهذا، يستطيع توشيحه بالكثير من بوارق الأمل للمواطن الإسرائيلي، فيتعهد بتوفير ميزانيات أكبر للتعليم وللصحة وللعلوم وللثقافة، إضافة إلى محاربة الفساد.

> العرب نحو إنجاز آخر؟

- لقد وضع قادة «القائمة المشتركة»، التي تضم الأحزاب العربية، هدفاً لهم في هذه المعركة الانتخابية هو أن يرفعوا عدد ممثليهم في الكنيست من 13 إلى 15 نائباً، وبذا يزيدون من تأثيرهم.
ثمة أكثر من استطلاع رأي يشير إلى احتمال جيد للارتفاع مقعداً واحداً على الأقل. لكن المسألة ليست هيّنة. فمن أجل الارتفاع إلى هذا العدد من النواب، يجب رفع نسبة التصويت بين الناخبين العرب، على الأقل لتصبح بنسبة التصويت نفسها لدى اليهود. والحال، أن نسبة الناخبين العرب كانت دائماً منخفضة عن نسبة اليهود. في انتخابات أبريل الماضي صوّت فقط 49 في المائة منهم، وكان ذلك تعبيراً عن احتجاج الجمهور على تفكيك «القائمة المشتركة». ففي حينه خاض العرب الانتخابات بقائمتين منفصلتين، واحدة تحالفت فيها «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» برئاسة أيمن عودة مع «الحركة العربية للتغيير» برئاسة أحمد الطيبي، والأخرى تحالفت فيها «الحركة الإسلامية» برئاسة منصور عباس مع «التجمع الوطني» برئاسة امطانس شحادة. ورد الجمهور على ذلك بضربتين: الامتناع عن التصويت جزئياً، فمن نسبة تصويت بلغت 62 في المائة في 2015 إلى 49 في المائة هذه المرة. ثم إن مَن صوّتوا منحوا 30 في المائة من أصواتهم للأحزاب اليهودية. وهكذا، هبط تمثيل العرب من 13 إلى 10 نواب.
لكن، في انتخابات سبتمبر صحّحت الأحزاب الموقف وعادت لتشكيل «القائمة المشتركة» من جديد. فارتفعت النسبة إلى 60 في المائة. وصوّت 80 في المائة منهم لها، و20 في المائة للأحزاب اليهودية. وارتفع عدد ممثلي العرب إلى 13 مقعداً من جديد. وهكذا، لزيادة هذا التمثيل، ينبغي أولاً أن يصوّت العرب بنسبة التصويت نفسها عند اليهود، وفي حالة كهذه يمكنهم الوصول إلى ما هو أكثر من 15 مقعداً.

- التأثير على الحلبة السياسية
لكن القضية التي تشغل بال المواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيي 48)، هي التأثير على الحلبة السياسية. فعام 1993، كان عدد ممثليهم في الكنيست خمسة نواب فقط، هم: نواب «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»: الشاعر الوطني توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة، ومعه هاشم محاميد، رئيس بلدية أم الفحم سابقاً، والكاتبة الشيوعية تمار غوجانسكي، وممثلان عن «الحزب الديمقراطي العربي» عبد الوهاب دراوشة وطلب الصانع. لكن ظروف الأزمة السياسية يومها، جعلت رئيس الحكومة إسحق رابين يلجأ إليهم لتشكيل تحالف خارج الائتلاف. فاتفقوا معه على أن يقيموا «جسماً سياسياً مانعاً» يمنع اليمين من إسقاط حكومته، مقابل تعهده بتقليص هوة التمييز، والشروع بتحقيق المساواة للمواطنين العرب، مع تعهد آخر بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً يدير معها رابين مفاوضات السلام. وهكذا نشأت المفاوضات لاتفاق أوسلو.
اليوم، وبعد نقاشات داخلية طاحنة في «القائمة المشتركة»، يطرح النواب العرب مشروعاً مماثلاً مع بيني غانتس. وقد أوصوا عليه ليكون رئيساً للحكومة مقابل خطة مساواة أخرى. ووافق غانتس على قسم كبير من مطالبهم، ووضعها ضمن برنامج حزبه السياسي قبيل الانتخابات. وهم وضعوا أنفسهم في المعسكر الذي يمنع نتنياهو من تشكيل حكومة.
حصلت «القائمة المشتركة» على 470611 صوتاً تشكل 80 في المائة من أصوات العرب، إضافة إلى نحو 10 آلاف صوت من الوسط اليهودي في الانتخابات الأخيرة. ومنح العرب فقط 20 في المائة من أصواتهم للأحزاب اليهودية. وكان أكبر الخاسرين من هذه النتيجة حزب ميرتس اليساري، الذي حصل في انتخابات أبريل على 40 ألف صوّت من العرب، وبفضلها حافظ على بقائه، لكنه تراجع إلى 15 ألف صوت في الانتخابات الأخيرة. لذا؛ فإنه وضع مرشحه العربي، عيساوي فريج، في مكان غير مضمون هذه المرة (المرتبة الـ11)، فرد الأخير بغضب متهماً القيادة بالعنصرية.
في المقابل، حصل «كحول لفان» بقيادة غانتس على أكبر عدد من الأصوات العربية في انتخابات سبتمبر (35 ألفاً)، أي ما يعادل مقعداً واحداً. وحصل حزب العمل على 9787 صوتاً في البلدات العربية، وحزب اليهود الروس «يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان على 9785 صوتاً (وهو يفرد مقعداً ثابتاً للعرب يشغله النائب حمد عمّار)، والليكود 6803 أصوات (هو أيضاً يفرد مكاناً لمرشح عربي في المرتبة الـ33 ويشغله فطين ملاّ)، وحزب «شاس» على 6133 صوتاً.
هذه النتائج تعني أن العرب ما زالوا يؤمنون بأن تأثيرهم على السياسة الإسرائيلية يأتي من خلال قائمة خاصة بهم، هي «القائمة المشتركة»، ولا يثقون بالتأثير من خلال الأحزاب اليهودية. وحسب استطلاعات الرأي يريد 82 في المائة من المواطنين العرب إيجاد شكل من أشكال التعاون مع الائتلاف الحاكم ليحدث التأثير. ويقول 72 في المائة إنهم يؤيدون بناء جسم مانع ضد حكم اليمين. ويقول 64 في المائة من العرب إنهم يؤيدون الدخول في الحكومة إذا كانت تلك حكومة وسط ويسار.
ولقد استجاب النائب أيمن عودة، رئيس «المشتركة»، لرغبة المواطنين عندما أبدى الاستعداد للدخول في تعاون ما مع الائتلاف. لكن هذه المسألة لم تنضج بعد في الأحزاب اليهودية، كما يجب، وتحدث خلافاً داخل «القائمة المشتركة» نفسها. فتصريحات عودة تنسجم مع قسم فقط من «الجبهة» التي يمثلها، وتلقى تجاوباً من «الحركة العربية للتغيير» ومن «الحركة الإسلامية»، بينما يعارضها غالبية حزب «التجمع» وقسم من «الجبهة»... لذلك؛ فإن التقدم فيها يبدو بطيئاً.


مقالات ذات صلة

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام

حصاد الأسبوع السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟