حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

الهجوم المسلح في كندا يفرض نفسه بقوة * الاقتصاد والقضايا الأمنية ما زالت المسائل المحببة لدى الصحف البريطانية

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية
TT

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

توزعت اهتمامات الصحافة الفرنسية هذا الأسبوع على 3 محاور أساسية: الاهتمامات الداخلية بشقيها السياسي والاقتصادي والمحاور الساخنة في العالم وعلى رأسها مواجهة الإرهاب وتمدده من الشرق الأوسط وامتداداته إلى بلدان الساحل وصولا إلى أوروبا وأميركا الشمالية وتشعبات الحرب في سوريا والعراق وأخيرا وباء الإيبولا ومخاطره والوسائل والأدوات المسخرة لمواجهته ومنع انتشاره.
بيد أن الاهتمامات الداخلية كان لها قصب السبق. ففي الشق السياسي، المرجل يغلي في صفوف الحزب الاشتراكي (الحاكم) بسبب الانقسامات الآيديولوجية بين جناح إصلاحي يمثله رئيس الحكومة مانويل فالس ووزير الاقتصاد ماكرون ويحظى بغطاء من الرئيس فرنسوا هولاند وبين جناح تقليدي متمسك بيساريته ناقم على هولاند لأنه تخلى عن وعوده وها هو يتبع سياسة «يمينية». وذهب فالس إلى حد اقتراح تغيير اسم الحزب الاشتراكي لأن التسمية «عفا عنها الزمن». وفي الأيام الماضية انضمت الوزيرة السابقة والأمين العام السابق للحزب مارتين أوبري إلى حلقة «الناقمين» وبينهم نواب كانوا إلى أيام خلت وزراء في حكومة فالس الأولى للتنديد بالسياسة «اليبرالية» للحكومة التي يصفونها بـ«الفاشلة» والبعيدة عن تحقيق النتائج المتوخاة منها. ويدعو معسكر «الناقمين» إلى اتباع سياسة يسارية حقيقية تتجاوب مع الفئات التي تشكل القاعدة الانتخابية للاشتراكيين. وما يفاقم الأزمة غياب النمو الاقتصادي واستمرار أرقام البطالة بالقفز إلى فوق «3.5 مليون عاطل عن العمل» واتباع الحكومة لسياسة تقشفية وارتفاع الضرائب...
وصدرت صحيفة «لوموند» المستقلة يوم الخميس بعنوان رئيس على صفحتها الأولى يقول: «معركة ما بعد هولاند بدأت داخل الحزب الاشتراكي» فيما وضعت مجلة «لو بوان» على غلافها صورة هولاند مع العنوان التالي: «فرصته الأخيرة قبل الصدمة» مصحوبة بـ3 عناوين فرعية: الأزمة الاقتصادية المنذرة بالمخاطر، آخر أوراق هولاند ولعنة الإليزيه». والمفارقة أن هولاند ما زال في منتصف ولايته التي تنتهي بعد عامين ونصف. والحال أن معركة انطلقت بسبب ضعفه الشعبي كما تعكسه استطلاعات الرأي وغياب نتائج الإصلاحات التي أقرها منذ وصوله إلى الرئاسة وتدهور صورة الحكم والحكومة في الداخل والخارج. ولعل أبرز دليل على ذلك أن كافة الصحف الفرنسية رصدت مكانا بارزا لنبأ توجيه المفوضية الأوروبية كتابا للحكومة الفرنسية تطلب فيه توضيحات عن طبيعة الميزانية الجديدة التي ترى أنها لا تحترم المعايير الأوروبية لجهة العجوزات.
لكن إذا كان اليسار يتمزق، فإن اليمين ليس أفضل حالا. فالرئيس السابق نيكولا ساركوزي يتأهب للعودة رئيسا لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية. ومشكلته أنه يجر وراءه سيلا من الفضائح منها 5 رئيسة وأن له منافسين على رئاسة الحزب من جهة وخصوصا على المقعد الرئاسي الذي لن يشغر إلا في عام 2017. ومن بين منافسيه على التأهل للمنافسة الرئاسية رئيسا حكومة سابقان هما آلان جوبيه وفرنسوا فيون. بيد أن الأخطر بينهما هو جوبيه لأنه يحظى باحترام كبير في صفوف اليمين ويتبع نهجا معتدلا بينما أخذ ساركوزي يذهب في خطابه السياسي نحو التشدد لسحب البساط من تحت أرجل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن. وصدرت مجلة الإكسبرس هذا الأسبوع وعلى غلافها صورة مركبة تجمع ساركوزي وجوبيه ومع عنوان: «من سيجهز على الآخر؟».
و استمرت الصحف البريطانية بتغطيتها للقضايا الاقتصادية والأمنية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ونشرت تحقيقات صحافية حول قضايا التنصت الأمني واختراق الأجهزة الأمنية للمنظمات اليسارية. وجاءت التغطية متنوعة ومختلفة بين صحيفة وأخرى لتعكس ميولها السياسية والآيديولوجية. كما تضمنت التغطية المسائل الترفيهية الخفيفة والتي جاءت من خلال نشر صور الممثلين وأفلامهم. لكن أحداثا أخرى جديدة فرضت نفسها على التغطية مثل الهجوم المسلح في كندا وسط الأسبوع.
إذ تصدر الهجوم على مبنى البرلمان الاتحادي الكندي في أوتاوا التغطية في الصحف البريطانية بعد ثاني يوم من وقوع الحادث، بعدما أطلق مسلح النار على جندي عند نصب الحزب الوطني الكندي الواقع في الجهة المقابلة للبرلمان. وتمكن المسلح من الفرار وجرى البحث عنه بين المباني الحكومية الكندية. وتناولت الصحف الدعم الذي عبر عنه العديد من قادة العالم تجاه ما تمر به كندا. وفي الصفحات الداخلية أفردت الصحف بإسهاب تحقيقات وتغطية كاملة حول العملية والشخص الذي قام بها. كما دقت ناقوس الخطر بخصوص أعمال إرهابية مشابهة من قبل عناصر متطرفة قد تقوم بأعمال في مناطق أخرى من العالم.
ونالت المسائل الاقتصادية نصيبها من التغطية، خصوصا إعلان بنك إنجلترا بأنه قد لا يزيد من رفع محتمل لمعدلات الفائدة والتي وصلت إلى أدنى معدل لها منذ 5 أعوام.
واعتبر الركود في أوروبا يعيق الانتعاش الاقتصادي في بريطانيا، وكذلك توقعات البنك المركزي بتراجع نسبة نمو الاقتصاد خلال الثلاثة شهور الأخيرة من العام، ويرجع ذلك جزئيا لانخفاض الصادرات. وبينت الصحف أن تراجع الصادرات يبرز الخطورة المتمثلة في أنه سوف يكون من الصعب على اقتصاد المملكة المتحدة أن ينمو بوتيرة أسرع من بقية الشركاء التجاريين خلال فترة طويلة دون زيادة نسبة عجز الموازنة.
وفي بداية الأسبوع تناولت صحيفة «التايمز» قضايا التنصت، التي قد تلجأ إليها الأجهزة الأمنية والشرطة من خلال استخدام بعض الثقوب في القانون يعطيها الحق في التنصت على التليفونات الجوالة لبعض الأشخاص دون الرجوع إلى وزير الداخلية من أجل الحصول على تخويل يسمح لهم بذلك.
وفي نفس عدد الاثنين تناولت الصحيفة تصريحات المفوض الأوروبي منويل باروسو حول الجوانب السلبية التي تتبعها الحكومة البريطانية والتي قد تؤدي إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتداعيات ذلك على مشروع الاتحاد الأوروبي وعلى الاقتصاد البريطاني.
وتناولت كذلك صحيفة «الديلي تلغراف» المحافظة في عدد الجمعة الماضية العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكيف أن الاقتصاد الأوروبي يؤثر بذلك على النمو المتسارع للاقتصاد الأوروبي. الصحيفة عكست توجه التيار المحافظ الذي يرغب في خروج بريطانيا من الاتحاد. كما قامت الصحيفة بتغطية موسعة للحفل الثالث لزواج الممثل كلوني من المحامية اللبنانية أمل علم الدين. وعلى صفحتها في عدد السبت الماضي نشرت الصحيفة صورة على صفحتها الأولى لبارعة علم الدين، والدة أمل حماة جورج كلوني.
صحيفة «الغارديان» ركزت في تغطيتها على التعويضات التي ستدفعها الشرطة لضحايا نشاطات عملائها في أوساط المنظمات اليسارية والبيئية، والتي جاءت على خلفية فضح هوية أحد هؤلاء، والذي أقام علاقة مع إحدى الفتيات وكانت النتيجة أنها حملت منه وأنجبت طفلا، على الرغم من أنها لم تكن على علم بارتباطات العميل مع الأجهزة الأمنية. كما تناولت الصحيفة بتغطية موسعة ما يحصل عليه أعضاء البرلمان من أموال نتيجة نشاطاتهم الأخرى إضافة إلى عملهم كأعضاء في مجلس العموم ورواتبهم من هذا العمل.
ومع بداية الأسبوع الماضي، اهتم الإعلام الأميركي، كما ظل بالحرب ضد «داعش»، بصورة خاصة وبنشاطات الإسلاميين، بصورة عامة. وبعد إهمال فترة طويلة صار هناك اهتمام بالحرب الأهلية في ليبيا، بين «الحكومة الجديدة المعتدلة»، وأنصار «الحكومة القديمة الإسلامية» وصف صحيفة «نيويورك تايمز». والتي أشارت إلى أن «القوات الموالية للحكومة الجديدة شنت هجوما على متشددين إسلاميين، مما أسفر عن قتل 75 خلال 5 أيام».
وعن «داعش»، قالت صحيفة «واشنطن بوست» التي تنشر متوسط 3 أخبار كبيرة أو متوسطة الحجم، كل يوم عن المسلمين والإسلاميين، إن «تركيا سوف تسمح للأكراد الأتراك بعبور الحدود والانضمام إلى إخوانهم في مدينة كوباني السورية (الكردية)»
ومع بداية الأسبوع اهتمت القنوات التلفزيونية، مع صور الملابس البراقة للبابا والقساوسة، ومع صور الأماكن الدينية في الفاتيكان بمؤتمر الكاردينالات، الذي كان موضوعه التحديات التي تواجه العائلة المسيحية. وأيضا مناظر براقة لقداس لإعلاء مكانة البابا قبل السابق بول السادس. حضر الاحتفال الباب السابق بنديكتوس السادس عشر، وقرابة 100 ألف شخص. وكان هناك اهتمام خاص بوثيقة مثيرة للنقاش عن السلوك الجنسي للكاثوليك.
وفي منتصف الأسبوع مع أخبار مرض إيبولا، وأخبار الاستعدادات لانتخابات الكونغرس، عادت إيران إلى تلفزيون «فوكس» اليميني، أكثر القنوات اهتماما بإيران. ونشرت صور متظاهرين ضد إصابة نساء بجروح في هجمات بأحماض قاتلة ومشوهة بتهمة عدم ارتداء الحجاب.
واهتم تلفزيون «فوكس»، أيضا بالعدو الأول: روسيا. وأكثر من تغطية.
خبر غواصات سويدية اعترضت طائرات روسية فوق بحر البلطيق، بينما يستمر البحث عن غواصة روسية في بحر البلطيق، أيضا، يعتقد أنها كانت تتجسس على سفن حلف الناتو.
ومع نهاية الأسبوع، صارت الهجمات الإرهابية قريبة من الأميركيين. وذلك عندما أطلق شخص النار داخل مبنى البرلمان الكندي في العاصمة أوتاوا. بعد أن أطلق النار، وقتل جنديا كان يحرس النصب التذكاري، بالقرب من مبنى البرلمان، وكان الهجوم وقع في واشنطن. صارت قناة «سي إن إن»، وقنوات أخرى، تنقل مناظر مباشرة من أوتاوا، وخصوصا صور من داخل مبنى البرلمان لنواب ونائبات تجمعوا داخل قاعة اجتماعات، ووضعوا كراسيهم خلف الباب لمنع دخول الإرهابي (قتل داخل البرلمان).
ومع نهاية الأسبوع، أيضا، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» خبرا في أعلى الصفحة الأولى، وأعادت إلى الأذهان موضوعا كاد كثير من الناس ينسوه، أو نسوه فعلا: إدانة 4 موظفين سابقين في شركة «بلاك ووتر» في قضية تتعلق بقتل 14 مدنيا عراقيا عام 2007، اعتقادا بأنهم كانوا يريدون مهاجمة فريق من جنود وحرس «بلاك ووتر». وتعددت التعليقات بين غاضب «لأننا نريد نسيان حرب العراق»، وبين مؤيد «للذراع الطولى للعدالة الأميركية».
ومع نهاية الأسبوع أيضا عادت أخبار العنف الأميركي داخل أميركا:
في بيلشوك (ولاية واشنطن)، أطلق طالب مسلح النار على زملائه، وقتل واحدا، وجرح آخرين، ثم قتل نفسه. ومرة أخرى، كان الحادث مثيرا، ولاحقته كاميرات القنوات التلفزيونية الرئيسية، ونقلت صورا مباشرة له.
ومع نهاية الأسبوع بالإضافة إلى هلع العنف في الداخل والخارج عاد هلع إيبولا: ثبتت إصابة طبيب في مدينة نيويورك بفيروس إيبولا وكان عاد من غينيا، حيث اشترك في حملة «أطباء بلا حدود» وكأن نيويورك تحتاج إلى هلع جديد: تابعت كاميرات التلفزيونات الحدث دقيقة بدقيقة: شقة الرجل المطاعم التي أكل فيها قاعة الرياضة التي تدرب فيها، سيارات التاكسي التي استقلها (اتصل سائقون قلقون، ووصفوا شخصا، أو أشخاصا).
وبسبب الهلع، سارع العمدة وعقد مؤتمرا صحافيا، وطمأن، أو حاول أن يطمئن الناس.



الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد