«قمة برلين» تقر خطوات لتطبيق حظر السلاح إلى ليبيا... وتحريك مسار التسوية

اتفاق على لجنة مشتركة من «الجيش الوطني» و«الوفاق»... ووقف التدخلات

ميركل وغوتيريش وسلامة وماس وستيفن سيبرت (المتحدث باسم الحكومة الألمانية) في المؤتمر الصحافي في ختام القمة ببرلين أمس (إ.ب.أ)
ميركل وغوتيريش وسلامة وماس وستيفن سيبرت (المتحدث باسم الحكومة الألمانية) في المؤتمر الصحافي في ختام القمة ببرلين أمس (إ.ب.أ)
TT

«قمة برلين» تقر خطوات لتطبيق حظر السلاح إلى ليبيا... وتحريك مسار التسوية

ميركل وغوتيريش وسلامة وماس وستيفن سيبرت (المتحدث باسم الحكومة الألمانية) في المؤتمر الصحافي في ختام القمة ببرلين أمس (إ.ب.أ)
ميركل وغوتيريش وسلامة وماس وستيفن سيبرت (المتحدث باسم الحكومة الألمانية) في المؤتمر الصحافي في ختام القمة ببرلين أمس (إ.ب.أ)

اختتمت في العاصمة الألمانية برلين، أمس، القمة الدولية الإقليمية المخصصة لليبيا، باتفاق على تطبيق حظر إرسال السلاح لليبيا وتحريك مسار التسوية، وأيضاً على تشكيل لجنة عسكرية من 5 ضباط من حكومة «الوفاق» و5 آخرين من «الجيش الوطني الليبي» بهدف تحويل الهدنة الحالية إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وعقدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ووزير الخارجية الألماني هايكو ماس، والمبعوث الأممي الخاص لليبيا غسان سلامة، مؤتمراً صحافياً ختامياً، مساء أمس، أُعلنت خلاله أبرز الخلاصات التي انتهت إليها قمة برلين، التي استمرت يوماً واحداً.
وقالت ميركل للصحافيين إن القمة شكلت «بداية» لانطلاقة جديدة تسمح بدعم العملية التي تقودها الأمم المتحدة للسلام، والخطة التي أعدها الأمين العام غوتيريش وممثله الخاص سلامة. وأضافت أنه تمت دعوة 12 طرفاً للمشاركة في القمة، بما في ذلك الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، مشيرة إلى أن جميع المشاركين يؤمنون بالحاجة إلى «حل سياسي، إذ ليس هناك حل عسكري». وتابعت أن جميع المشاركين أكدوا التزامهم بحظر السلاح في ليبيا، مضيفة أن هذا الالتزام الذي ورد في البيان الختامي سينتقل الآن إلى مجلس الأمن لتبنيه. وتابعت أن المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة «الوفاق» فائز السراج كانا حاضرين في برلين، لكنهما لم يشاركا في القمة.
وتحدثت عن أن الجهد الآن سيركز على تحويل الهدنة إلى وقف دائم للنار، من خلال اللجنة العسكرية «خمسة زائد خمسة»، وشددت على «أننا حصلنا على تعهدات بعدم تقديم سلاح ودعم عسكري للأطراف المتقاتلة... لدينا الآن عملية ملزمة». أما غوتيريش، فقال إن الأطراف في برلين «أرسلت إشارة إلى نيتها العمل على حل الأزمة الليبية». وقال: «ليس هناك حل عسكري. جميع المشاركين أكدوا ذلك. وجميع المشاركين أكدوا التزامهم عدم التدخل في النزاع الليبي». وأشار أيضاً إلى التزام دولي بحظر السلاح، وإلى التزام آخر بالعودة إلى المسار السياسي الليبي. وقال هايكو ماس، من جهته: «إننا حققنا الهدف من عقد المؤتمر، ولدينا الآن مفتاح حل الأزمة. ستكون هناك لجنة متابعة تتولى الإشراف على تنفيذ الالتزامات التي تم الاتفاق عليها». أما غسان سلامة فتحدث عن «3 مسارات نحاول أن ندفع بها... اليوم كان يوماً عظيماً، ولجنة المتابعة ستتابع عملية تنفيذ الالتزامات».
وكان رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي قال في ختام القمة إنه تم التوافق على اللجنة العسكرية التي ستتشكل من طرفي النزاع الليبي، فيما أكد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، استعداد بلاده لاستضافة حوار بين الأطراف الليبية، مطالباً بـ«خريطة طريق واضحة المعالم وملزمة للطرفين، تشمل تثبيت الهدنة والكف عن تزويد الأطراف الليبية بالسلاح... ودعوتهم إلى طاولة المفاوضات لحل الأزمة عبر الحوار» الذي عرض استضافته.
وانعقدت «قمة برلين» على وقع تباينات بين الأطراف المشاركة فيها، وفي ظل غياب ليبي لافت عن الجلسة الجماعية للقادة، إذ لم يشارك فيها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» فائز السراج ولا قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، على رغم وجودهما في العاصمة الألمانية. لكن المستشارة ميركل ووزير خارجيتها عقدا لقاءات معهما بشكل منفصل في مقر المستشارية.
واختتمت القمة مساء ببيان مشترك، علماً بأنها عُقدت برعاية ألمانية ـ أممية وحضرها 11 زعيماً وممثلو هيئات دولية وإقليمية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي). وإلى جانب ميركل، ضمت قائمة المشاركين رؤساء روسيا فلاديمير بوتين وفرنسا إيمانويل ماكرون وتركيا رجب طيب إردوغان ومصر عبد الفتاح السيسي والجزائر عبد المجيد تبون ورئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون وآخرين.
وبعد التقاط صورة تذكارية للقادة المشاركين، جلس أعضاء الوفود حول طاولة مستديرة حيث جرت النقاشات في جلسات مغلقة.
وكانت ليبيا محور سلسلة من اللقاءات التي جرت على هامش القمة، وسط تلميح غربي إلى استعداد للدخول طرفاً في مراقبة وقف النار، وهو ما يعني إبعاد تركيا عن مسعاها لأن تكون طرفاً فيه، علماً أن هذه النقطة كانت إحدى الإشكاليات التي نسفت الجهود التي بذلتها موسكو قبل أيام (في 13 يناير (كانون الثاني) الجاري) عندما استضافت السراج وحفتر. وامتنع الأخير عن توقيع مسودة اتفاق عرضتها موسكو آنذاك لرفضه أن تكون تركيا طرفاً في مراقبة وقف النار.
وشكّلت ليبيا، وكذلك سوريا، محوراً أساسياً في لقاء جمع الرئيس فلاديمير بوتين بنظيره التركي رجب طيب إردوغان. وقال بوتين في اللقاء، بحسب ما نقلت قناة «روسيا اليوم»، إن «تركيا وروسيا حققتا خطوة جيدة جداً بالدعوة إلى الهدنة في ليبيا»، مضيفاً: «لم نتمكن من حل جميع المسائل بشأن ليبيا في موسكو، حيث لم يدعم أحد الطرفين الاتفاق ولكن يجب المضي قدماً في هذا الاتجاه». أما إردوغان فقال إن «تحقيق السلام في ليبيا يتطلب ضمان الهدنة ووقف سياسة حفتر العدوانية»، في مؤشر آخر إلى إصراره على السير في سياسته الليبية من خلال دعم حكومة «الوفاق» ضد «الجيش الوطني».
وعقد إردوغان أيضاً على هامش القمة لقاء مع فائز السراج الذي طالب بانسحاب قوات المشير خليفة حفتر من الأراضي التي سيطرت عليها في عملية تقدمها نحو طرابلس، بحسب ما قالت حكومة «الوفاق» في بيان أمس. وتناول اللقاء بينهما موضوع وقف إطلاق النار في ليبيا، وهو أمر يراهن المبعوث الدولي الخاص للأمم المتحدة، غسان سلامة، على تثبيته وجعله منطلقاً نحو إعادة الحوار الليبي – الليبي بين السراج وحفتر.
وكان موضوعا الهدنة و«المرتزقة» محوراً أساسياً في كلمة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون أمام قمة برلين، إذ قال إن على الأمم المتحدة التفاوض على بنود هدنة في ليبيا دون أن يفرض أي من الجانبين شروطاً مسبقة، مضيفاً أنه يشعر بقلق كبير من وصول قوات سورية وأجنبية إلى طرابلس، ومطالباً بإنهاء ذلك فوراً. وأكدت الرئاسة الفرنسية، في هذا الإطار، أن الرئيس ماكرون عقد محادثات مع حفتر على هامش قمة برلين، لكنها لم توضح ما دار بينهما.
كذلك عقد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو سلسلة لقاءات قبل افتتاح القمة شملت الرئيس السيسي. وقالت الخارجية الأميركية إنهما «اتفقا على الحاجة العاجلة لوقف دائم لإطلاق النار والعودة إلى عملية سياسية تسهلها الأمم المتحدة»، مضيفة أن «الوزير بومبيو شدد على التأثير المزعزع للاستقرار للتدخلات الخارجية في ليبيا». وكانت هذه النقطة أيضاً محور نقاشات أجراها بومبيو مع وزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد. إذ أوضحت الخارجية الأميركية أنهما «ناقشا النزاع المستمر في ليبيا، وشدد الوزير بومبيو على الحاجة إلى وقف دائم للنار، والعودة إلى عملية سياسية تسهلها الأمم المتحدة، وإنهاء كل التدخلات الخارجية في ليبيا». كما التقى بومبيو بنظيره التركي مولود جاويش أوغلو حيث ناقشا، بحسب وزارة الخارجية الأميركية، «ليبيا وسوريا وقضايا ثنائية متنوعة»، وأضافت أنهما «اتفقا على الحاجة العاجلة لوقف دائم لإطلاق النار والعودة إلى عملية سياسية تسهلها الأمم المتحدة». وكان لافتاً أن الخارجية الأميركية نقلت عن بومبيو تعبيره في اللقاء عن «القلق إزاء التدخل العسكري الأجنبي في النزاع»، علماً أن تركيا معنية بهذا الأمر بالطبع كونها متورطة في إرسال قوات ومقاتلين سوريين موالين لها من سوريا إلى ليبيا. كذلك التقى بومبيو على هامش القمة وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل ووزير خارجية ألمانيا هايكو ماس. وكان لافتاً أيضاً على هامش القمة الحديث عن دور غربي في مراقبة وقف النار في ليبيا.
فقد قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون لقناة «سكاي نيوز»: «إذا تم التوصل لوقف إطلاق نار، فنعم بالتأكيد يمكننا أن نقوم بدور نجيده جيداً، وهو إرسال أشخاص وخبراء لمراقبة وقف إطلاق النار». وأضاف: «النزاعات بالوكالة تنتهي فقط عندما يقرر الوكلاء الخارجيون أنهم يريدون وضع حد لها».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.