التونسيون يصوتون اليوم في ثاني اقتراع تشريعي منذ إطاحة بن علي

رئيس الحكومة: تجربتنا مستهدفة والإرهاب لن يعيقنا عن تحقيق غايتنا

موظفون تابعون لهيئة الانتخابات يتسلمون صناديق الاقتراع من أعوان الجيش في إحدى النقاط الانتخابية في ولاية نابل بتونس أمس (أ.ف.ب)
موظفون تابعون لهيئة الانتخابات يتسلمون صناديق الاقتراع من أعوان الجيش في إحدى النقاط الانتخابية في ولاية نابل بتونس أمس (أ.ف.ب)
TT

التونسيون يصوتون اليوم في ثاني اقتراع تشريعي منذ إطاحة بن علي

موظفون تابعون لهيئة الانتخابات يتسلمون صناديق الاقتراع من أعوان الجيش في إحدى النقاط الانتخابية في ولاية نابل بتونس أمس (أ.ف.ب)
موظفون تابعون لهيئة الانتخابات يتسلمون صناديق الاقتراع من أعوان الجيش في إحدى النقاط الانتخابية في ولاية نابل بتونس أمس (أ.ف.ب)

يتوجه اليوم نحو 5 ملايين و285 ألفا و160 ناخبا تونسيا إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في ثاني انتخابات برلمانية تجري بعد ثورة 2011. وسيدعى التونسيون لتجديد أعضاء البرلمان التونسي (المجلس التأسيسي الحالي) واختيار 217 نائبا برلمانيا يمثلونهم في الغرفة النيابية خلال الخمس سنوات المقبلة.
قال مهدي جمعة رئيس الحكومة التونسية إن «تجربة تونس الديمقراطية مستهدفة»، مؤكدا خلال زيارة أداها، أمس (السبت)، إلى مقر الهيئة الفرعية للانتخابات بمحافظة نابل (60 كلم جنوب شرقي العاصمة التونسية)، إن «تونس ماضية قدما في بناء الديمقراطية، ولن يعيقها الإرهاب عن تحقيق هذه الغاية». وتأتي تصريحات جمعة عشية الانتخابات التشريعية التي تجري اليوم في تونس، وبعد قيام قوات الأمن باقتحام منزل كان يتحصن به مسلحون بمنطقة «وادي الليل» من محافظة منوبة (30 كلم غرب العاصمة التونسية) بعد أكثر من 24 ساعة من الحصار والمفاوضات، مما أدى إلى مقتل أحد المسلحين و5 نساء وجرح طفل.
وتجري الانتخابات التشريعية في تونس اليوم في ظل إجراءات أمنية مشددة، حيث أعلن وزير الدفاع غازي الجريبي أن «80 ألف عنصر من وحدات الأمن والجيش والحرس والديوانة سيشاركون في تأمين الانتخابات اليوم»، داعيا التونسيين إلى «الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع».
تجري الانتخابات التشريعية في تونس اليوم، وتتنافس أكثر من 1300 قائمة حزبية وائتلافية ومستقلة من أجل الفوز بـ217 مقعدا في مجلس نواب الشعب (البرلمان التونسي). كانت عمليات الاقتراع في الخارج انطلقت، منذ أول من أمس (الجمعة)، لتتواصل حتى اليوم (الأحد). ويبلغ عدد المسجلين على قوائم الناخبين أكثر من 5 ملايين ناخب. وتمثل نسبة المشاركة المنتظرة أحد أهم رهانات هذه الانتخابات، حيث هناك مخاوف من ضعف إقبال الناخبين على التصويت.
وانطلقت العملية الانتخابية في الخارج منذ يوم الخميس الماضي، وتتواصل لمدة ثلاثة أيام خارج تونس، في حين أن الانتخابات البرلمانية داخل البلاد تجري اليوم وخلال يوم واحد.
وأعدت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات (الهيكل المشرف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية) العدة لإنجاح ما بقي من مرحلة الانتقال الديمقراطي، في ظل تخوف من حصول عمليات إرباك للمسار الانتخابي وكذلك من إمكانية عزوف التونسيين عن المشاركة نتيجة تراجع منسوب الثقة في الطبقة السياسية.
وجندت وزارتا الداخلية والدفاع قرابة 80 ألف عنصر لتأمين الانتخابات وإنجاحها. وستنتشر قوات الأمن والجيش على نحو 11 ألف مكتب اقتراع موزعة على 27 دائرة انتخابية.
وعلى الرغم من حالة الانفتاح السياسي ووصول عدد الأحزاب المرخص لها حدود 194 حزبا سياسيا، فإن عدد الأحزاب السياسية التونسية التي تقدمت في كل الدوائر الانتخابية خلال الانتخابات البرلمانية التي تجري اليوم، لم يتجاوز خمسة أحزاب فقط، وهو ما عده المتابعون لمرحلة الانتقال السياسي في تونس «ضئيلا للغاية»، بالمقارنة مع عدد الأحزاب التي حازت على تراخيص قانونية بعد الثورة.
وتشمل اللائحة النهائية للأحزاب التي تمكنت من التقدم في الانتخابات البرلمانية بل الدوائر حركة النهضة (حزب إسلامي يتزعمه راشد الغنوشي)، وحركة نداء تونس (حزب ليبرالي يترأسه الباجي قائد السبسي)، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية (حزب وسطي أسسه المنصف المرزوقي، ويتزعمه حاليا عماد الدايمي)، بالإضافة إلى حزب تيار المحبة (حزب قومي يترأسه الهاشمي الحامدي)، والاتحاد الوطني الحر (حزب ليبرالي بزعامة سليم الرياحي).
ويبلغ عدد الدوائر الانتخابية في تونس 33 دائرة انتخابية من بينها 27 داخل البلاد و6 موزعة على التونسيين في الخارج، وتتنافس 1327 لائحة انتخابية مرشحة للانتخابات البرلمانية على 217 مقعدا برلمانيا، ووفق نتائج أحدث استطلاعات الرأي التي أجريت في تونس، فإن حركة نداء تونس تُعدّ مرشحة لأن تكون أبرز منافس سياسي لحركة النهضة في هذه الانتخابات.
يذكر أن «نداء تونس» تأسست منتصف شهر يونيو (حزيران) 2012 ولم تشارك بالتالي في انتخابات المجلس التأسيسي التي جرت يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 والتي فازت فيها «حركة النهضة» بأغلبية الأصوات وحصلت على 89 مقعدا برلمانيا من إجمالي 217.
وأبرز أحدث استطلاع للرأي أجرته إحدى المؤسسات التونسية المختصة وشمل الفترة الزمنية الممتدة بين 7 و11 أكتوبر الحالي، أن 86.2 في المائة ينوون التصويت في الانتخابات البرلمانية مقابل 6.1 في المائة لا ينوون المشاركة.
ولا تزال المنافسة على أشدها بين حركة النهضة (حزب إسلامي) وحركة نداء تونس (حزب ليبرالي) إذ احتلت الحركتان المراتب الأولى وتبعتهما الجبهة الشعبية (تجمع 11حزبا يساريا وقوميا) بزعامة حمة الهمامي في المرتبة الثالثة، وحل الاتحاد الوطني الحر (يرأسه سليم الرياحي) وحزب المبادرة (بزعامة كمال مرجان) في المراتب الموالية.
لكن متابعين للمشهد السياسي التونسي يتوقعون حدوث مفاجآت مثل تلك التي حصلت عليها العريضة الشعبية بزعامة الهاشمي الحامدي في انتخابات 2011 بحصولها على المرتبة الثالثة دون أن يكون للتونسيين أية معلومات مسبقة عنها.
وباستثناء الأحزاب الـ5، فإن بقية الأحزاب فشلت في التقدم بمرشحين للانتخابات البرلمانية في كل الدوائر الانتخابية، إلا أن عدة أحزاب سياسية أخرى نجحت في تجاوز حاجز الـ30 دائرة انتخابية، ومن بينها تحالف الجبهة الشعبية، والحزب الجمهوري، وحركة وفاء، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، والتيار الديمقراطي، وهي كلها أحزاب وسطية يمكن أن تستحوذ على نصيب من أصوات الناخبين التونسيين.
وتختلف الوضعية الحالية لمعظم الأحزاب السياسية عن الانتخابات التي جرت سنة 2011، فالأحزاب المشاركة، إما وُلدت قبل الثورة وبقيت محدودة الفاعلية السياسية بسبب التضييق السياسي وانعدام المناخ الديمقراطي السليم، أو من بين الأحزاب التي وُلدت بعد الانفتاح السياسي الذي تلا ثورة 2011، وهي لا تزال في مرحلة نمو وغير قادرة على المنافسة الجدية لأحزاب أخرى تُعرف بصرامتها التنظيمية واستقرار قاعدتها الانتخابية، وانتشار هياكلها على مختلف المستويات.
وفي انتظار نتائج الانتخابات التي لن تظهر قبل يوم الأربعاء المقبل حسب تصريحات شفيق صرصار رئيس هيئة الانتخابات، فإن التشخيص الأولي للخارطة السياسية التي ستفرزها الانتخابات البرلمانية يؤكد على أن عدة أحزاب سياسية انقسمت بعد انتخابات2011، نتيجة كثرة الزعامات السياسية، على غرار حزب المؤتمر الذي أفرز التيار الديمقراطي وحركة وفاء وحزب الإقلاع، وهو ما قد يؤثر على نتائجها الانتخابية.
ووفق تحاليل سياسية متعددة، فإن الخارطة السياسية التي تلت انتخابات 2011 لا يمكنها أن تتكرر خلال هذه الانتخابات، إذ إن حركة النهضة التي حصدت الأغلبية في أول انتخابات قد لا تجد الطريق ممهدة للمرة الثانية على التوالي، وهذا بفعل المنافسة الشديدة التي تعرفها من قبل عدة تيارات سياسية وبروز حركة نداء تونس التي أحدثت توازنا على المشهد السياسي في تونس.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.