انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

وسط مخاوف من تداعيات التنافس الأوروبي - الروسي - التركي في المتوسط

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس
TT

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

استقبلت تونس العام الجديد في مناخ تصعيد سياسي وعسكري كبير في «جارتها» الجنوبية الشرقية ليبيا، وتغيير شامل في «جارتها» الغربية الجزائر، بعد تنصيب الرئيس المنتخب عبد المجيد تبّون، الذي أعلن أن بلده سيلعب مستقبلاً دوراً حاسماً في الملف الليبي «أحب مَن أحب وكره من كره». فكيف ستنعكس المتغيرات الإقليمية عامة، وفي ليبيا والجزائر خاصة، على تونس التي يعيش أكثر من نصف شعبها على المبادلات الرسمية وغير الرسمية مع ليبيا والجزائر وعلى السياحة العربية والمغاربية؟ وكيف ستتأثر تونس بالتحركات الإقليمية والدولية المساندة لأحد أطراف الاقتتال في ليبيا بعد الاتفاق الأمني والبحري بين أنقرة و«حكومة الإنقاذ» في طرابلس؟ وما هي مضاعفات زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العاصمة التونسية؟ وأخيراً، ما هو مصير جهود الوساطة التونسية في ليبيا بقيادة الرئيس التونسي قيس سعيّد وزعماء «مجلس القبائل الليبية» بعد تشكيل الحكومة الجزائرية الجديدة بقيادة عبد العزيز جرّاد، التي احتفظ فيها وزير الخارجية صبري بوقادوم وعدد من رموز الحكم السابق بمناصبهم؟

تدعم السلطات المنتخبة أخيراً في تونس والجزائر موقف البلدين القديم المساند لـ«الحياد» و«التسوية السياسية» للأزمة الليبية مع معارضة «كل أنواع التدخل العسكري الأجنبي» في ليبيا.
إلا أن وجود أكثر من ثلاثة أرباع سكان ليبيا في المنطقة الغربية المتاخمة لحدودها مع تونس والجزائر دفع حكومتي البلدين إلى الانحياز عملياً إلى «سلطة» طرابلس منذ تفجّر النزاع المسلح مطلع 2014، بل، وبصورة خاصة، منذ تشكيل «حكومة الوفاق» (التي يرأسها فايز السراج) التي تعترف بها الأمم المتحدة تطبيقاً للاتفاق الأممي الموقّع في الصخيرات بالمغرب عام 2015.
ولقد تعاقبت مبادرات الوساطة التونسية والتونسية – الجزائرية - المصرية ضمن هذا المسار؛ ما تسبب في اندلاع أزمات داخل أوساط صنّاع القرار السياسي والنخب وتبادل الاتهامات بـ«الانحياز والاصطفاف وراء أحد أطراف النزاع... وتهديد مصالح الشعب والبلاد». ويقود منتقدي «الأطراف المنحازة للمحور التركي - القطري» يساريون من «الجبهة الشعبية» ومن حزب الشعب القومي العربي وقياديون في اتحاد نقابات العمال.
إلا أن ثمة مَن يتساءل عن أي مدى ستحافظ القيادة الجزائرية الجديدة على توجهات السياسة الخارجية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحكوماته. وإلى أي حد ستلتزم الرئاسة التونسية في عهد قيس سعيّد ودبلوماسية الحكومة التي أفرزتها الانتخابات الجديدة بـ«الحياد» و«ثوابت الدبلوماسية التقليدية» المعتمدة منذ عهدي الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة (1956 - 1987) ثم في عهدي الرئيس زين العابدين بن علي (1987 - 2011) وصولاً إلى عهد الرئيس الباجي قائد السبسي (2015 - 2019).
أيضاً، يحذّر عدد من كبار الدبلوماسيين التونسيين، بينهم وزير الخارجية الأسبق أحمد ونيس، من احتمال اندفاع الدبلوماسية التونسية نحو مرحلة «المغامرات» و«الانحياز لقوى الثورة» - بما قد يذكّر ببعض المواقف الصادرة في عهد الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، وسط انتقادات إلى تصريحات الرئيس قيس سعيّد وعدد من المقرّبين منه.

- فرار المهرّبين والإرهابيين
إلا أن دبلوماسيين وسياسيين من الفريق المقابل، مثل السفير محمود بالسرور والعميد المتقاعد هشام المؤدب، يتهمون خصومهم بالتخاذل عن «دعم غالبية الشعب الليبي» المتضرّرة من «حرب عالمية بالوكالة تجري على أرض ليبيا منذ فبراير (شباط) 2011 بمشاركة غالبية دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) وحلفائها في المنطقة»... على حد تعبيرهم.
لكن، في كل الحالات يحذر خبراء أمنيون وعسكريون، بينهم أمير اللواء المتقاعد والمدير العام السابق للأمن العسكري وللديوانة محمد المؤدب، من التحديات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الخطيرة التي تواجه تونس بسبب تصعيد الحرب في ليبيا منذ بدء هجوم قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس قبل 9 أشهر.
من جهة ثانية، بينما يحذّر عدد من الخبراء في الدراسات الأمنية، بينهم الجامعي عليّة العلاّني، من خطر فرار مجموعات من المسلحين والمدنيين الليبيين والمتهمين بالإرهاب العرب نحو تونس والجزائر وتأسيسهم «خلايا نائمة للإرهاب» داخلها، يقلل المهدي ثابت، الخبير التونسي في الشؤون الليبية، من هذا الخطر. إذ يقول ثابت «ليس للإرهاب حاضنة شعبية في تونس»، ويستدل على ذلك بتجارب سابقة كشف فيها المدنيون في الجنوب التونسي الأسلحة المهرّبة من ليبيا والمسلحين المتسللين منها للجيش التونسي، ومشاركة هؤلاء المدنيين في إجهاض مخططات المسلحين، على غرار ما حصل في معركة مدينة بن قردان الحدودية التونسية - الليبية في مارس (آذار) 2016.

- تحديات اقتصادية
في هذه الأثناء، يُعرب عدد من الخبراء الاقتصاديين عن قلقهم من مزيد من خلط الأوراق اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً في تونس بسبب اشتداد وتيرة الحرب في العاصمة طرابلس والمدن الغربية الحدودية لليبيا. ويعتقد الخبير الاقتصادي الطاهر خواجة، أن من بين أسباب تعطيل المشاريع التنموية في تونس منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 «اندلاع حرب طويلة في جارتها ليبيا... أدت إلى استنزاف مزيد من ثرواتها في التسلح والنفقات الأمنية والعسكرية».
ويكشف خبراء اقتصاديون تونسيون، عن أن ميزانيتي وزارتي الدفاع والداخلية في تونس تضاعفت 3 مرات بسبب المنعرج العسكري الأمني في ليبيا والتحديات الأمنية التي أفرزها استفحال الجريمة المنظمة والإرهاب والتهريب على حدود تونس مع ليبيا. ووفق الأكاديمي رضا الشكندالي، فإن حرب ليبيا «تسببت في فرار نحو مائة ألف عامل تونسي منها، وفي إفلاس عشرات الشركات التونسية التي كانت تستثمر فيها أو تصدر إليها، معظمها في قطاعات البنية الأساسية والبناء والصناعات الغذائية والملابس».
من جانبه، يقدر الخبير الليبي خالد الغويل خسائر الاقتصاد التونسي سنوياً منذ الإطاحة بحكم معمر القذافي عام 2011 بنحو 3 مليارات دولار أميركي، ورجح أن يرتفع حجم هذه الخسائر في حال استمر القتال.

- رُبَّ ضارة نافعة
وللعلم، فإن المؤشرات الاقتصادية تكشف، في الوقت نفسه، عن أن تطوّر الأوضاع السياسية والأمنية سلباً في ليبيا والجزائر له وجه آخر بالنسبة لتونس؛ إذ ارتفع عدد السيّاح الوافدين إلى تونس من البلدان المغاربية - وغالبيتهم الساحقة من الجزائر وليبيا – إلى مستوى غير مسبوق عام 2019 مناهزاً الـ5 ملايين وافد لأول مرة.
كذلك، تجاوز عدد السياح التونسيين الذين زاروا الجزائر عام 2019، لأول مرة، المليون بفضل تسهيل الإجراءات في المطارات والبوابات البرّية. ويستفيد السياح التونسيون في الجزائر وليبيا من انخفاض الأسعار نسبياً، بحكم الفارق الكبير في سعر صرف العملة، وتسامح السلطات التونسية والجزائرية والليبية نسبياً مع «تجارة الشنطة» في الاتجاهين، ومع المعاملات بالعملة المحلية... زمن الإحجام عن فرض رسوم على المنتجات المصنّعة في إحدى الدول المغاربية.
وحقاً، شهدت غالبية المدن الحدودية والمناطق السياحية التونسية والجزائرية خلال المدة الماضية مبادلات مكثفة وحركية وديناميكية خففتا من حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تشكو منها الطبقات الشعبية والوسطى في تونس والجزائر، خاصة في المحافظات التونسية الفقيرة مثل القصرين، والكاف، وجندوبة، وقفصة، وتوزر.
هذا، وتدرك السلطات التونسية والجزائرية الصبغة الحيوية لتشجيع الحركة السياحية والتجارية الرسمية وغير الرسمية في الاتجاهين. ولذا؛ نوّه روني الطرابلسي، وزير السياحة التونسي، بخطة دعم السياحة مع الجزائر ومع كل الدول المغاربية، بينما أعلن الرئيس قيس سعيّد أن الجزائر ستكون أول دولة سيزورها، وبالفعل، بادر إلى الاتصال هاتفياً بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون فور إعلان النتائج الأولية للانتخابات الجزائرية. أيضاً، أرسل سعيّد رئيس أركان الجيش التونسي محمد صالح بالطيب والوزير مدير الديوان الرئاسي طارق بالطيب إلى الجزائر لحضور الجنازة الرسمية التي نظمت لرئيس أركان الجيش الجزائري السابق أحمد قائد صالح.

- الهموم الإقليمية
على صعيد سياسي متّصل، قد تخلط نتائج الانتخابات الجزائرية والمُستجدّات العسكرية والسياسية في ليبيا مزيداً من أوراق السياسيين والمسؤولين عن الدبلوماسية الرسمية والشعبية الإقليمية في تونس. فتونس تؤكد منذ اندلاع النزاع الصحراوي في 1975 على التزامها الحياد.
واللافت للانتباه، أن الرئيس الجزائري الجديد تبّون أدلى خلال مؤتمره الصحافي الأول بعد فوزه بتصريحات تؤكد تمسكه بـ«الموقف الجزائري التقليدي من نزاع الصحراء والخلاف الحدودي القديم مع المغرب». وطالب تبّون الرباط «بالاعتذار» عن القرار الذي اتخذه الملك المغربي الراحل الحسن الثاني عام 1994 بغلق الحدود المغربية - الجزائرية بعد اتهام جزائريين بالضلوع في عملية إرهابية داخل مدينة مغربية.
ورغم مبادرة العاهل المغربي محمد السادس إلى تهنئة الرئيس الجزائري الجديد فور انتخابه، ودعوته مجدداً إلى فتح الحدود وطي صفحة الماضي، يتخوّف بعض الدبلوماسيين والجامعيين التونسيين مثل المؤرّخ عبد الجليل التميمي من استمرار النزاع حول الصحراء بين الرباط والجزائر.
التميمي يتخوّف من تسبب هذا المعطى في إحراج جديد لتونس التي خسرت الكثير منذ عام 1975 بسبب النزاع وتمسكها بالحياد. كذلك لا يستبعد التميمي أن يزيد الملف الصحراوي تعقيد الأوضاع في عموم المنطقة، ومواصلته «تجميد» الاتحاد المغاربي الذي أسس في مدينة مراكش (المغرب) في فبراير 1989، ويحرم مائة مليون من سكانه من فرص تحقيق اندماج اقتصادي اجتماعي يضمن له تحسين نسب النمو. والسؤال الذي يشغل الساسة في تونس هو هل سيواصل الرئيس الجزائري الجديد وفريقه سياسة القطيعة والتصعيد مع الرباط، أم ينفتح عليها بما يساهم في إعادة الحياة للتنسيق الاقتصادي والشراكة الاقتصادية بين الدول المغاربية؟

- التنافس الروسي - التركي - الأوروبي
من ناحية أخرى، استضافت تونس يوم 3 يناير الحالي وأواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي مؤتمرات مغلقة، رفيعة المستوى، شارك فيها مسؤولون عسكريون واقتصاديون وسياسيون أميركيون وأوروبيون وليبيون، بحضور بعثة الأمم المتحدة المعتمدة في ليبيا، وذلك بمقرها في تونس. وأسفرت الاجتماعات عن قرار بدعم سيناريو التسوية السياسية للأزمة الليبية ومعارضة تضخم الدور العسكري الروسي والتركي فيها.
إلا أن زيارة الرئيس التركي إردوغان إلى العاصمة التونسية خلال الشهر الماضي وإعلانه من قصر الرئاسة في قرطاج انحيازاً إلى «حكومة طرابلس» ضد خليفة حفتر أربكت معظم الساسة التونسيين، بمن فيهم قيادات حزب «حركة النهضة». ولقد أعلن رئيسه راشد الغنوشي أن حزبه «ضد الوقوف مع أحد طرفي الاقتتال»، وأن دوره «القيام بوساطات صلح لا غير».
في أي حال، الجدل في مقرات البعثات الدبلوماسية والأممية المعتمدة في ليبيا يدور هذه الأيام حول مضاعفات الاتفاق الأمني الحدودي البحري المُبرَم بين أنقرة و«حكومة طرابلس»، الذي يتوقع أن يؤثر في الجدل القوي داخل تونس وليبيا والجزائر، وكذلك في عدد من دول المنطقة، حول مستقبل التنافس الروسي والتركي والأوروبي في جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرقه.

- أسلحة روسية
عنصر آخر أثار مزيداً من الجدل في الأيام الماضية هو إعلان الجزائر، أنها اشترت مقاتلات روسية متطورة جديدة بينها طائرات «سوخوي 57». وكشفت الجزائر عن أن الصفقة أبرمها وفد عسكري جزائري كبير على هامش زيارة أداها قائد أركان جيش الجو الجزائري اللواء حميد بومعيزه إلى موسكو، خلال الصيف الماضي، في نطاق فعاليات معرض «ماكس» الدولي للصناعات الجوية العسكرية. وبالتالي، باتت الجزائر أول دولة عربية تشتري هذا النوع من المقاتلات الروسية التي تعدّ أبرز منافس للطائرة الأميركية «إف 35».
ومن ثم، بحكم اعتماد قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير حفتر، أساساً، على أسلحة روسية وصينية، فإن فرضية إرسال أسلحة ومقاتلات تركية متطوّرة إلى سلطات طرابلس قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتكريس «تدويل» الحرب الليبية والتنافس الأوروبي – الروسي - التركي على ثروات البحر الأبيض المتوسط والمواقع الاستراتيجية.
وهنا أيضاً، تجد تونس نفسها مرة أخرى ممزقة بين خياراتها السياسية السلمية وأجندات «الكبار» الذين يشجعون حروب الاستنزاف ويتصارعون على ثروات الدول الغنية المجاورة لها.

- أرقام قياسية في عدد السياح الجزائريين والليبيين
كشف وزير السياحة التونسي روني الطرابلسي، عن أن تحسّن الأوضاع الأمنية، ونجاح الانتخابات التونسية، وجهود موظفي الدولة والقطاع الخاص، عناصر أسهمت في تحقيق أرقام قياسية لعدد زوار تونس من السياح في 2019؛ إذ ناهز الرقم النهائي 9 ملايين ونصف المليون، أكثر من نصفهم من الجزائر وليبيا، وبينهم عشرات الآلاف من المغرب وموريتانيا أو من أصول عربية شرقية.
وأورد وزير السياحة التونسي، خلال مؤتمر صحافي عقده قبل أيام لتقييم نتائج عمل وزارته ما بين 2016 و2019، أن عدد السياح حقق زيادة بأكثر من مليون ما بين عامي 2018 و2019، وفسّر ذلك بتراكم الجهود التي بذلها الديوان الوطني للسياحة والصناعات التقليدية ومصالح الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام وشركات الأسفار والخدمات والسياحة الوطنية.
وبيّن الطرابلسي، أن السوق الفرنسية ارتفعت بنسبة 14 في المائة ليتجاوز عدد السياح الفرنسيين 850 ألف سائح، كذلك انتعشت السوق البريطانية التي تطوّرت بنسبة 70 في المائة ليبلغ عدد السياح البريطانيين نحو 201 ألف سائح. وسجلت السوق الإيطالية ارتفاعاً، كذلك، بنسبة تجاوزت الـ21 في المائة، في حين سجّلت السوق الروسية زيادة بنسبـة ناهزت 6 في المائة وسجّلت توافد ما يزيد على 632 ألف سائح إلى غاية 10 ديسمبر (كانون الأول) 2019.
من ناحية ثانية، خارج إطار السياح من الدول الأوروبية، أعلن الطرابلسي، أن عدد الوافدين من الصين إلى تونس للسياحة تضاعف 5 مرات ونصف المرة منذ عام 2010، وتجاوز 28 ألف سائح في 2019 مقابل 5175 سائح في 2010، وارتفع عدد الليالي المقضاة بالفنادق بنسبة 11.3 في المائة مقارنة بـ2018 وناهزت الـ29 مليون ليلة.
وبيّن الوزير، أن وزارة السياحة والصناعات التقليدية بادرت ما بين 2016 و2019 إلى استحداث «أنماط جديدة للإيواء السياحي على غرار الإقامات الريفية والاستضافات العائلية والنزل ذات الطابع المميز، وكذلك بعث مراكز التنشيط والمتنزهات السياحية». وكشف عن أن وزارة السياحة واصلت دعمها المناطق السياحية عبر ضخ 12 مليون دينار تونسي (نحو 4 مليارات دولار أميركي) لفائدة 44 بلدية سياحية.
أيضاً، جرى إدراج بلديات متاخمة لليبيا والسوق السياحية في الجنوب التونسي ضمن القائمة، منها بلديات جرجيس الشمالية وتطاوين الجنوبية، في قائمة البلديات السياحية في ظل توقع توسيع هذه القائمة. وعملت الوزارة على استقطاب علامات تجارية كبرى في مجال السياحة والفندقة على غرار «فور سيزونز» بضاحية قمرت (شمالي العاصمة تونس) باستثمارات مقدارها 234 مليون دينار (80 مليون دولار)، وأخيراً «إناتنرا» في توزر على الحدود الجزائرية التونسية جنوباً، الذي بلغت كلفة إنجازه نحو 150 مليون دينار تونسي (نحو 50 مليون دولار).
وفي الاتجاه نفسه، توقع الوزير الانطلاق خلال الأشهر الأولى من 2020 في إنجاز مركّب سياحي آخر بمنطقة قمرت قرب العاصمة بقيمة استثمار قدرت بنحو 250 مليون دولار. ويهدف هذا المشروع إلى إحداث نحو 1500 فرصة عمل إضافية، وذلك على امتداد 3 سنوات.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟