التاريخ يعيد نفسه مع بالوتيلي... وصورة الدوري الإيطالي لا تبعث على التفاؤل

مهاجم بريشيا بدأ العقد الجديد كما سابقه بتسجيل هدف ثم التعرض لإساءة عنصرية

بالوتيلي دخل تاريخ الدوري الإيطالي بصورته الرائعة كهداف والسيئة كضحية للعنصرية (رويترز)
بالوتيلي دخل تاريخ الدوري الإيطالي بصورته الرائعة كهداف والسيئة كضحية للعنصرية (رويترز)
TT

التاريخ يعيد نفسه مع بالوتيلي... وصورة الدوري الإيطالي لا تبعث على التفاؤل

بالوتيلي دخل تاريخ الدوري الإيطالي بصورته الرائعة كهداف والسيئة كضحية للعنصرية (رويترز)
بالوتيلي دخل تاريخ الدوري الإيطالي بصورته الرائعة كهداف والسيئة كضحية للعنصرية (رويترز)

فيما يخص كرة القدم الإيطالية، بدأ العقد الجديد بمشهد ينطبق عليه إلى حد ما مقولة «التاريخ يعيد نفسه». كان ماريو بالوتيلي هو من سجل أول أهداف بطولة الدوري الإيطالي الممتاز في العقد الثاني من القرن الـ21، وخلال المباراة التي خاضها الأحد الماضي، دخل التاريخ من جديد باعتباره صاحب الهدف الأول في العقد الثالث من القرن الحالي أيضاً، وذلك عندما نجح في الإفلات من اللاعب المكلف بمراقبته في الدقيقة 18 من مباراة بريشيا على أرضه أمام لاتسيو، قبل أن يستلم تمريرة طويلة من ستيفانو سابيلي بلمسة بارعة من المرة الأولى بساقه اليسرى ويصوبها باتجاه المرمى لتسكن الشباك.
والآن، لماذا دائماً بالوتيلي؟ الحقيقة، لم يعد هذا السؤال يبدو مناسباً اليوم، فقد نجح بالوتيلي في إبهارنا على نحو متقطع فحسب. أما لحظات ذروة تألقه خلال مشاركته في الفوز ببطولة الدوري الإنجليزي الممتاز ونهائي بطولة أمم أوروبا عام 2012، فقد خيمت عليها ظلال الكثير من المواسم اللاحقة التي قدم خلالها بالوتيلي أداءً باهتاً.
ورغم أنه مر بفترات قدم خلالها أداءً جيداً ـ في ميلان ونيس على وجه التحديد ـ فإنه لم يقدم أي أداء قريب من ذلك الذي تخيلناه له في 6 يناير (كانون الثاني) 2010، آنذاك كان بالوتيلي لا يزال مراهقاً، وكان قد شارك بالفعل في 50 مباراة مع الفريق الأول للإنتر قبل أن يفتتح العام بتسجيل الهدف الوحيد في الفوز على كييفو فيرونا، وأنجز بالوتيلي ذلك الموسم مشاركاً ناديه في الفوز بثلاث بطولات.
اليوم، يبدو الإطار شديد الاختلاف فيما يتعلق ببالوتيلي، ذلك أن بريشيا، نادي مسقط رأسه، سيكون سعيداً بمجرد تجنبه الهبوط. ومع ذلك، تبقى هناك بعض الجوانب المتشابهة على نحو مخيف بين اللعب في إيطاليا منذ عقد مضى واليوم. كان بالوتيلي ادعى تعرضه لإساءات عنصرية أثناء مباراة الإنتر وكييفو فيرونا، وعانى الأحد الماضي من إساءات مشابهة من جانب جماهير لاتسيو.
على الأقل، هذه المرة جرى الاعتراف بالمشكلة ـ من جانب حكم المباراة الذي أوقف المباراة لفترة وجيزة بعدما مر تحذير جرى بثه عبر الإذاعة الداخلية في الاستاد دونما جدوى. كما أصدر لاتسيو بياناً هدد فيه باتخاذ إجراءات قانونية ضد الجماهير التي «تخون حماسها الرياضي وتلحق ضرراً بالغاً بصورة النادي».
وأعلنت رابطة الدوري الإيطالي تغريم نادي لاتسيو 20 ألف يورو (22 ألفا و230 دولارا) لتوجيه مشجعيه هتافات عنصرية ضد بالوتيلي الذي كان قد توجه برسالة عبر حسابه إنستغرام قال فيها: «مشجعو لاتسيو الذين كانوا موجودين في الاستاد، عار عليكم».
في المقابل، نجد أنه في عام 2010 رفض رئيس نادي كييفو فيرونا، لوكا كامبيديلي، بشكل قاطع اتهامات العنصرية، قائلاً إنه: «يجب على بالوتيلي ألا يجرؤ على إهانة أبناء فيرونا».
ومع ذلك، تعتبر هذه بداية مثيرة للإحباط للعام الجديد. والملاحظ أن المباراة نفسها كانت مثيرة، فقد نجح لاتسيو من التعافي من الهدف الذي اخترق شباكه، وإحراز الفوز في الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني. وسجل تشيرو إيموبيلي هدفي الفوز لصالح الفريق الزائر، ليرتفع بذلك إجمالي رصيد اللاعب من الأهداف إلى 19 في إطار موسم لبطولة دوري لم يبلغ نقطة المنتصف بعد. جدير بالذكر أن إيموبيلي مولود في ذات العام مع بالوتيلي، وكان له نصيبه هو الآخر من المواسم الباهتة، لكن من الواضح للعيان نجم أيهما يتألق أكثر مع اقترابهما من عيد ميلادهما الـ30.
وبفضل هذا الفوز، انتقل لاتسيو ـ الذي بدأ مباراة عطلة نهاية الأسبوع ومعه مباراة مؤجلة ـ على بعد ثلاث نقاط من يوفنتوس والإنتر في القمة. ورد كل من الناديين بتحقيق فوز قوي. كان كريستيانو رونالدو قد نجح في دك حصون كالياري بأول «هاتريك» له في بطولة الدوري الإيطالي، قبل أن يقود روميلو لوكاكو الإنتر نحو الفوز أمام نابولي.
المؤكد أن كلا اللاعبين استفاد كثيراً من سعة صدر الخصوم. من جهته، قدم كالياري أداءً متخشباً خلال الشوط الأول على أرض استاد أليانز، انتهى إلى وقوع راغنار كلافان في خطأ أحمق بتمريره الكرة دونما مبالاة عبر منطقة مرمى فريقه بداية الشوط الثاني.
هنا، جاء رد فعل رونالدو أسرع عن سباستيان فلاكييوتش، البالغ 19 عاماً والذي كان يخوض أول مباراة له لصالح النادي المنتمي لسردينيا في منتصف الملعب. وبالفعل، استحوذ رونالدو على الكرة وتغلب على روبين أولسن لتسكن الشباك في النهاية.
بعد ذلك، انهار كالياري، لكن النادي المتوج لم يظهر أي رحمة. أما رونالدو، فقد جاء أداؤه قوياً مثلما كان طوال الموسم، ودعم الأهداف الثلاثة التي سجلها بمعاونته غونزالو هيغواين في تسجيل هدف له. وتعتبر هذه المباراة الخامسة على التوالي للاعب البرتغالي التي يحرز خلالها هدفاً واحداً على الأقل، ما يضفي مصداقية على ادعاء ماوريسيو ساري بأنه تعافى أخيراً من الإصابة التي تعرض لها في الركبة.
في الواقع، الفوز على كالياري كان أمراً متوقعاً، حتى وإن جاء ذلك في موسم نجح خلاله الأخير تحت قيادة المدرب رولاندو ماران من تقديم مستوى أداء يفوق المعتاد منه. أما الفوز الأهم فجاء من جانب الإنتر أمام نابولي، بالنظر إلى أن الإنتر حصد ثلاث نقاط فقط من المواجهات التي خاضها على ملعب استاديو سان باولو منذ عام 1997.
من جانبه، قدم نابولي الكثير من العون للإنتر لإنهاء هذا «النحس». على سبيل المثال، خسر جيوفاني دي لورنزو الاستحواذ على الكرة في الدقيقة 14، تاركاً بذلك مساحة أمام لوكاكو لاعتراض تمريرة ماريو روي قبل أن يطلقها من مسافة 50 ياردة لينتهي الحال بها داخل الشباك. بعد ذلك، أتاح حارس مرمى نابولي، أليكس ميريت، الفرصة أمام كرة أطلقها اللاعب البلجيكي لتمر أمامه مباشرة لتسجل الهدف الثاني للإنتر.
حتى ذلك اللحظة، لم يكن الفريق المضيف قد انهار تماماً بعد، وإنما نجح في لم شتات نفسه وتسجيل هدف على يد أركاديوش ميليك قبل نهاية الشوط الأول، إلا أن مزيداً من الأخطاء من جانب كوستاس مانولاس كبدت الفريق المباراة بارتكابه خطأ فادحا سارع لوتارو مارتينيز لاستغلاله ليسجل الهدف الثالث وتنتهي المباراة بنتيجة 3 - 1.
وقد عكست هذه المباراة بدقة الحالة التي يعايشها كل فريق، فنابولي فريق يمر بفترة انتقالية ويعمل حالياً على إيجاد هوية جديدة له بعد الاستعانة بغينارو غاتوسو بدلاً عن كارلو أنشيلوتي. وكوفئ قرار إعادة خوسيه كاليخون إلى مركز متقدم إلى اليمين من تشكيل 4 - 3 - 3 بهدف عاون اللاعب الإسباني في إحرازه.
في تلك الأثناء، يبدو الإنتر فريقاً فاعلاً، لكن على نحو غير متناسب، ذلك أن خط الوسط الواهن يعوضه ذكاء لاعبي الهجوم، لوكاكو ولوتارو اللذين سجلا فيما بينهما بالفعل 30 هدفاً هذا الموسم. ومع شق كل من ستيفانو سينسي ونيكولو باريلا طريقه من التعافي من الإصابة، واحتمالات انتقال أرتورو فيدال قريباً إلى النادي، ثمة أسباب وجيهة تدعو للاعتقاد بأن بإمكان الفريق تقديم أداء أفضل، لكنه في تلك الأثناء يبدو قادراً على أي حال على الفوز بالمباريات.
ومع هذا، يظل التحدي القائم، مثلما كان دوماً، الحفاظ على هذه الوتيرة القوية على مدار الموسم بأكمله. تجدر الإشارة هنا إلى أن الإنتر كان متربعاً على قمة بطولة الدوري الإيطالي الممتاز بداية يناير 2016 في ظل قيادة روبرتو مانسيني، لكنه أنجز ذلك الموسم في المركز الرابع. وبعد موسمين، تكرر سيناريو مشابه تحت قيادة لوسيانو سباليتي، عندما بدأ انهيار الفريق في منتصف ديسمبر (كانون الأول).
من جهته، مزح أنطونيو كونتي، من أن البعض حذره من سحابة مطيرة تتكرر كل شتاء تغرق الإنتر، ثم كرر عبارة يرددها منذ بداية الموسم، قائلاً: «طلبت من فريقي أن يتوقف عن الجنون».
عطلة هذا الأسبوع، أعاد التاريخ نفسه أمام بالوتيلي. أما كونتي، فيبذل كل ما في وسعه كي يمنع النادي السابق لبالوتيلي من الاتجاه نحو طريقه المألوف.


مقالات ذات صلة

بريطانيا: احتجاز ناشط مناهض للإسلام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب

أوروبا الناشط البريطاني تومي روبنسون (رويترز) p-circle

بريطانيا: احتجاز ناشط مناهض للإسلام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب

قال ناشط بريطاني مناهض للإسلام إن السلطات احتجزته في مطار هيثرو، السبت، وصادرت هاتفه بعد نشره منشورات تناولت أعمال شغب عنصرية شهدتها آيرلندا الشمالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية جيم راتكليف المالك المشارك لنادي مانشستر يونايتد (رويترز)

جيم راتكليف: لم أقصد أن تكون تصريحاتي عن المهاجرين «استفزازية»

قال المالك المشارك لنادي مانشستر يونايتد إن تصريحاته المثيرة للجدل، التي قال فيها إن بريطانيا «استُعمرت بالمهاجرين»، لم تكن تهدف إلى إثارة الغضب أو التحريض.

The Athletic (مانشستر)
رياضة عالمية مارك غيهي مدافع مان سيتي (إ.ب.أ)

مان سيتي يدين الإساءة العنصرية ضد سيمينيو وغيهي

أدان نادي مانشستر سيتي الإساءات العنصرية التي استهدفت الثنائي أنطوان سيمينيو ومارك غيهي خلال وبعد مباراة الفريق التي انتهت بالتعادل 3 - 3 أمام إيفرتون.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)
رياضة عالمية نجمة تنس الطاولة الألمانية أنيت كوفمان (رويترز)

لاعبة تنس الطاولة الألمانية أنيت كوفمان أحدث ضحايا خطابات الكراهية

اتسع نطاق خطابات الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي حتى وصل إلى حد استهداف لاعبي رياضة تنس الطاولة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الجناح الدولي الأرجنتيني لنادي بنفيكا البرتغالي جانلوكا بريستياني (أ.ف.ب)

إيقاف بريستياني لاعب بنفيكا 6 مباريات بسبب «العنصرية»

أوقف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) الجناح الدولي الأرجنتيني لنادي بنفيكا البرتغالي جانلوكا بريستياني ست مباريات الجمعة، بينها ثلاث مع وقف التنفيذ.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.