إدانة دولية واسعة لطهران بعد هجوم «الثأر» لسليماني

بريطانيا طالبتها بعدم تكرار تلك الهجمات {المتهورة}... وألمانيا اعتبرتها مسؤولة عن التصعيد

TT

إدانة دولية واسعة لطهران بعد هجوم «الثأر» لسليماني

أدانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا والنرويج والحلف الأطلسي إطلاق إيران صواريخ على قواعد عراقية تنتشر فيها القوات الأميركية، ردّاً على اغتيال قائد «فيلق القدس»، الجنرال قاسم سليماني، في غارة جوية أميركية في بغداد، الأسبوع الماضي، مما يزيد من مخاطر صراعها مع واشنطن.
وأدان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، الخطوة الإيرانية. وكتب في تغريدة: «أدين الهجوم الإيراني بالصواريخ على القوات الأميركية والتحالف في العراق. الحلف الأطلسي يدعو إيران إلى الامتناع عن تصعيد العنف أكثر». وقال ضابط في الحلف إنه لا إصابات في صفوف القوات التي تقوم بمهمة تدريب في العراق.
أدانت لندن ما وصفته بالهجمات «المتهورة والخطيرة» على قاعدتين للتحالف في العراق تضمان قوات بريطانية، معبّرة عن «القلق» إزاء «معلومات عن سقوط جرحى». ونفى رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون التلميحات إلى أنه سيساند الولايات المتحدة في سياستها في الشرق الأوسط، لأنه يريد التوصل إلى اتفاق تجاري بعد خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي. وقال أمام البرلمان متحدثاً علناً لأول مرة عن هذه الأزمة: «نندد بالطبع بالهجوم على قواعد عسكرية عراقية تستضيف قوات التحالف. ينبغي ألا تكرر إيران تلك الهجمات المتهورة والخطيرة، وتسعى بدلاً من ذلك لخفض التصعيد بشكل عاجل». وتابع جونسون: «على حد علمنا»، لا خسائر أميركية في الأرواح في هذا الهجوم، ولم يُصَب أي من أفراد القوات البريطانية.
وقال جونسون: «أغلب العقلاء سيقبلون أن من حق الولايات المتحدة حماية قواعدها وأفرادها»، وأضاف أن سليماني زوَّد آخرين بعبوات ناسفة بدائية الصنع استخدمت ضد الجيش البريطاني. وقال: «هذا الرجل يداه ملطختان بدماء جنود بريطانيين».
وقال جونسون لزعيم حزب العمال المعارض، جيريمي كوربين، في البرلمان بعدما اتهمه بعدم معارضة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بخصوص مقتل سليماني، لأنه يريد اتفاقاً تجارياً: «هذا محض خيال». وأضاف: «ستواصل المملكة المتحدة العمل، من أجل خفض التصعيد في المنطقة... ينبغي ألا يساوره أدنى شك مطلقاً في أننا عازمون على ضمان سلامة، وأمن شعب العراق بكل ما في وسعنا». وتابع أن «وجهة نظرنا أن خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي) لا تزال أفضل سبيل لمنع الانتشار النووي في إيران، وأفضل سبيل لتشجيع الإيرانيين على عدم تطوير سلاح نووي». وأضاف: «نعتقد أنه، بعد انحسار هذه الأزمة، وهو ما نأمل بالطبع في حدوثه، سيظل ذلك السبيل متاحاً للمضي قدماً».
من جانبه، قال وزير الخارجية دومينيك راب: «ندين هذا الهجوم على قواعد عسكرية عراقية تضم قوات للتحالف بينهم بريطانيون». وعبّر عن «القلق» إزاء «معلومات عن سقوط جرحى واستخدام صواريخ باليستية».
ودفع الهجوم الإيراني على قاعدة عين أسد في أربيل بألمانيا للإعلان عن بدء مشاورات عاجلة مع الدول 13 المنضوية ضمن قوات التحالف ضد «داعش»، وقالت وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب كارنباور أنها ستدعو لإجماع طارئ لدول التحالف لمناقشة مستقبل هذه القوات في العراق، وكيفية إكمال الحرب ضد التنظيم الإرهابي.
ولمحت كرامب كارنباور في تصريحات، أمس، إلى أن الولايات المتحدة حذرت برلين مسبقاً من الضربة الأميركية، ما سمح لها بسحب جنودها الذين يصل عددهم إلى نحو 117 جندياً متمركزاً هناك، قبل تعرضها للقصف.
وقالت إن وزارة الدفاع الألمانية كانت «على تنسيق قريب مع الولايات المتحدة طوال الليل»، وأنه «جرى إبلاغنا في وقت مبكر جداً» بضرورة الإخلاء.
وكانت برلين قد أعلنت، قبل يومين، عن سحب جنودها المتمركزين من بغداد وقاعدة التاجي القريبة من العاصمة، الذين لا يتجاوز عددهم الـ35، وإعادة نشرهم في الأردن والكويت، فيما قررت حينها
إدانة وزيرة الدفاع الألمانية الهجوم الإيراني، ودعت إلى التهدئة، مضيفة أن هذا الكلام موجَّه بشكل أساسي إلى طهران «لأنها المسؤولة عن التصعيد»، في الوقت الحالي، وقالت: «الآن يعود الأمر للإيرانيين بألا ينفذوا اعتداءات جديدة، وأن يتوقفوا عن المزيد من التصعيد».
ومن المتوقَّع أن تجتمع اليوم في ألمانيا لجنة الدفاع البرلمانية لبحث التطورات المتعلقة بالعراق وإيران وقتال «داعش». وعشية انعقاد الجلسة قال المتحدث باسم لجنة الدفاع عن الحزب الحاكم، هنينغ أوتي، أنه سيتم تقديم تقييم دقيق للوضع لتوضيح الصورة، مضيفاً أن «القتال ضد (داعش) ما زال مهمّاً للغاية، وأساسيّاً، ليس فقط للأمن المحلي، بل لأمننا هنا في ألمانيا».
من جهتها، أصدرت الخارجية الألمانية بيان إدانة للهجوم الإيراني، ودعا وزير الخارجية هايكو ماس إلى وقف التصعيد وتهدئة الأوضاع. ويتجه ماس إلى بروكسل، غداً (الجمعة)، للمشاركة باجتماعات وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حول الأزمة، على أن يرافق المستشارة أنجيلا ميركل في اليوم التالي إلى روسيا للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
واعتبر وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن الضربات الإيرانية على قاعدتين عسكريتين في العراق تتمركز فيهما قوات للتحالف، بينها قوات أوروبية، «مثال جديد على التصعيد». وقال بوريل في بروكسل: «الهجمات الصاروخية الأخيرة على قاعدتين في العراق تستخدمهما القوات الأميركية والتحالف، بينها قوات أوروبية، مثال جديد على التصعيد والمواجهة المتزايدة». وحذر من أنه «ليس من مصلحة أحد مفاقمة دوامة العنف أكثر».
وأدانت فرنسا الضربات الإيرانية، داعية إلى «خفض التصعيد»، في حين يُتوقع صدور رد فعل عن الرئيس الأميركي في الساعات المقبلة. وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في بيان: «تدين فرنسا الهجمات التي نفذتها هذه الليلة إيران في العراق، ضد مواقع للتحالف الذي يحارب (داعش)، الأولوية هي الآن أكثر من أي وقت مضى لخفض التصعيد. على دوامة العنف أن تتوقف».
ودعت تركيا وروسيا كلا الطرفين إلى إعطاء الأولوية للدبلوماسية وعدم تصعيد التوتر، وحذرتا من أن تبادل الهجمات بين واشنطن وطهران قد يؤدي إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة. جاء ذلك في بيان مشترك عقب اجتماع بين الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، في إسطنبول.
من جانبها، دعت الصين إلى «ضبط النفس» بعد الهجمات. وقال الناطق باسم الخارجية الصينية، غينغ شوانغ، للصحافيين، إنه «ليس من مصلحة أي طرف أن يتفاقم الوضع في الشرق الأوسط بشكل إضافي».
وحذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن إسرائيل ستوجه «ضربة مدوّية» في حال تعرضت لهجوم من قبل عدوها الرئيسي، إيران، وذلك عقب تصاعد التوتر إثر مقتل الجنرال سليماني في ضربة أميركية في بغداد. وقال نتنياهو خلال مؤتمر عقد لمنتدى السياسات «كوهيليت» في القدس: «سنوجه ضربة مدوية لأي طرف يهاجمنا».
وأدان رئيسا وزراء السويد وفنلندا الهجمات التي تستهدف قوات حفظ السلام. ودعا رئيس وزراء السويد، ستيفان لوفين، ونظيرته الفنلندية، سانا مارين، إلى ممارسة ضبط النفس. وقال، عقب محادثات أجراها مع مارين بمقره الريفي الرسمي، هاربسوند: «علينا التوصل إلى حوار، وإلى عدم التصعيد».
وقالت مارين، في أول زيارة رسمية لها إلى السويد: «الموقف صعب للغاية». وتشارك قوات من فنلندا والسويد في «عملية العزم المتأصل» التي كانت تهدف إلى تعزيز قدرة القوات العراقية على مواجهة تنظيم «داعش»، على المدى الطويل.
وأوضح لوفين أن القوات الدولية حضرت إلى العراق «بناء على دعوة من الحكومة العراقية»، وهي تترقب قراراً من بغداد، في أعقاب ما قرره البرلمان العراقي مؤخراً؛ بإنهاء وجود القوات الأجنبية المشاركة في هذه المهمة بالعراق.
ووصفت رئيسة وزراء النرويج إرنا سولبرج القصف الإيراني على قاعدتين عسكريتين تستضيفان قوات أميركية في العراق بأنه «تصعيد». وقالت لوكالة الأنباء النرويجية (إن تي بي): «هذا تصعيد وانتقام. ورسالتنا الأساسية هي أنه من المهم إيجاد وسيلة لخفض التصعيد في هذا الصراع». وأضافت أن أوسلو تتواصل مع الدول الأخرى الأعضاء في التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».
بدوره، أعرب وزير الدفاع النرويجي فرانك باكي - جينسين عن «قلقه العميق إزاء التصعيد الكبير الذي حدث خلال الأيام الماضية». وأضاف في بيان: «أدعو جميع الأطراف للتهدئة حتى لا يتصاعد الموقف ويخرج عن السيطرة».
في سيول، ذكر مسؤولون أن كوريا الجنوبية تراقب عن كثب التطورات في الشرق الأوسط، وقالت إنها تستعدّ لاتخاذ إجراءات لضمان سلامة قواتها ومواطنيها في المنطقة. ونقلت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء، اليوم، عن مسؤول بوزارة الدفاع الكورية الجنوبية قوله: «إننا نتبادل المعلومات ذات الصلة مع وزارة الدفاع الأميركية». وأضاف المسؤول أن الحكومة تعمل أيضاً على فهم المتطلبات المحتملة للمعدات العسكرية لحماية مواطنيها المقيمين في المنطقة، وإعادتهم إذا لزم الأمر. وطالب الجيش أيضاً بتشديد إجراءات السلامة وتوخي الحذر بالنسبة لقواته المتمركزة في الشرق الأوسط.
وأصدرت كندا تحذيراً يطلب من مواطنيها تجنب السفر «غير الضروري» لإيران. وأشار البيان الصادر عن الحكومة الكندية إلى عدم استقرار الوضع الأمني، وتهديدات «الإرهاب» الإقليمي، وخطر الاحتجاز التعسفي. كما طلبت كندا من مواطنيها «تجنُّب كل أشكال السفر» إلى المنطقة الواقعة في محيط عشرة كيلومترات من الحدود الإيرانية العراقية.



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.